الخميس، 6 أغسطس 2015


 
قناة السويس تاريخ من المغامرة (1)
ده الجزء الأول من مقالي في الكتاب الجديد اللي أصدره الأهرام عن قناة السويس

عماد أبو غازي
  في السادس والعشرين من يوليو من كل عام تحتفل مصر بذكرى قرار تأميم شركة قناة السويس، ذلك القرار الذي غير تاريخ مصر والمنطقة العربية، بل يمكن أن نقول بلا مبالغة أنه كان قرارًا مؤثرًا على المستوى العالمي، بحيث يمكن أن نعتبره حدثًا من أهم أحداث القرن العشرين، ومازالت آثار هذا القرار ماثلة بيننا إلى الآن.
 

 لقد منح قرار التأميم لعبد الناصر ـ صاحب القرار المغامرة ـ شعبية جارفة وشرعية جماهيرية لم تتحقق له قبل ذلك اليوم، فلم يلق إجراء من الإجراءات التي اتخذها مجلس قيادة الثورة أو الحكومات المتعاقبة التي توالت على مصر منذ وصلت حركة الضباط الأحرار إلى السلطة من التأييد مثلما لقي قرار تأميم قناة السويس. لقد حقق عبد الناصر بذلك القرار الحلم الذي ظل يراود المصريين قرابة تسعين عامًا، لذلك فقد رحب المصريون بالقرار رغم ما كان متوقعًا من سخط الدول الغربية على مصر بسببه، ورغم ما كان متوقعًا من أن يجلبه على البلاد من "عواقب وخيمة".
 
 
 وقد جاء رد الفعل الغربي بعد شهور قليلة عندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الغاشم ـ كما تعودنا أن نصفه في طفولتنا ـ ذلك العدوان الذي بدأ في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر من السنة نفسها باحتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء، وأعقبه احتلال إنجليزي فرنسي لمنطقة القناة بدعوى تأمين القناة والفصل بين الطرفين المتحاربين.
 
 

 نعود إلى قرار التأميم، ففي يوم 26 يوليو 1956، وبمناسبة الذكرى الرابعة لمغادرة الملك فاروق لمصر بعد تنازله عن العرش، تلك المناسبة التي كان قادة نظام يوليو يحتفلون بها في الإسكندرية التي غادر منها فاروق البلاد، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر في كلمات محددة ضمن خطابه الذي ألقاه في ميدان المنشية قرار تأميم شركة قناة السويس وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية.
 
 
وقد عبر الشعراء عن هذا الحدث المهم في تاريخنا الوطني بعشرات القصائد، بالنسبة لي أجملها ما عبر به الشاعر والفنان المبدع صلاح جاهين عن مشاعر الشعب الجياشة تجاه التأميم في قصيدته الطويلة "موال للقنال" قائلًا:

ياسايق الغليون

عدي القنال عدي

وقبل ما تعدي

خد مننا وأدي

ده اللي فحت بحر القنال جدي

بحر القنال يا كترها رماله

وجدنا ... فوق الكتاف شاله

بحر القنال اتبدلت حاله

وجدنا متهني بعياله

واحنا على الشطين

مفتحين العين

عارفين طريقنا منين

واللي صديقنا فين

يا سايق الغليون

دي أرضنا     وأرضنا لينا

ضرب الرصاص    للي يعادينا

دي أرضنا          وتربها أجددنا

ضرب الرصاص      للي يعاندنا

  لم يكن قرار تأميم شركة قناة السويس نهاية المطاف في قصة مصر مع القناة، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الكفاح دفاعًا عن القناة عاشها أبناء جيلنا كاملة وما زلنا نعيشها إلى اليوم، كما لم يكن بالطبع بداية القصة فتاريخنا مع القناة طويل ممتد، وكله تاريخ من المغامرة والمقامرة، كان الشعب المصري دائمًا بطلها.
 
 
 وقد عبرت المذكرة الإيضاحية لقرار التأميم عن هذا التاريخ الطويل مع القناة في عبارة موجزة جاء فيها: "بالدماء المصرية شُقت قناة السويس لتخدم الملاحة البحرية"، وهذه حقيقة تاريخية عادت المذكرة ففصلت ما أجملته لتبرهن عليها: "إنه من عام 1859 حتى عام 1864 مضت خمس سنوات سخر فيها المصريون دون أجر أو شكر لحفر القناة، وأن ستين ألفًا من المصريين كانوا يُخصصون شهريًا لهذه الخدمة في وقت لم يتجاوز فيه تعداد جميع المصريين أربعة ملايين، ولقد مات من هؤلاء العمال تحت الانهيارات الرملية ما يزيد على المئة ألف دون دفع أي تعويض عنهم أو جزاء، كما قامت الجهود المصرية في كل من ترسانة القاهرة وترسانة الإسكندرية بإعداد المشروعات اللازمة لإكمال حفر القناة، ووُضعت جميع وسائل النقل البري والنهري في خدمة الشركة بالمجان، ومنحتها الحكومة جميع الأراضي والمناجم اللازمة، ولم تكتف الحكومة المصرية بذلك، بل ساهمت مساهمة جبارة في تمويل عمليات حفر القناة، فقد بدأت الشركة برأس مال لا يتجاوز نصف مليون من الجنيهات، بينما تكلف إنشاء القناة ما يزيد على الستة عشر مليون جنيه، وتحملت مصر بهذا الفرق جميعه".
 لقد كانت تلك مبررات أوردتها المذكرة الإيضاحية لقرار التأميم الذي أيده الشعب رغم ما حمله من مخاطر وما كان واضحا فيه من روح المغامرة، فكيف تكون لدى المصريون الإحساس بأهمية هذا القرار وضرورته؟
 إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب العودة إلى الوراء أكثر إلى بداية مشروع القناة.


 لقد بدأت قصة مشروع قناة السويس في عهد سعيد باشا، عندما حصل المهندس الفرنسي فرديناند دليسبس في 30 نوفمبر 1854 على عقد امتياز تأسيس شركة عامة لحفر قناة السويس واستثمارها لمدة 99 سنة تبدأ من تاريخ افتتاح القناة للملاحة، وكانت شروط العقد مجحفة بمصر.

 ويروي دليسبس كيف حصل على امتياز القناة من صديقه القديم سعيد باشا عقب توليه حكم مصر، بعد شهر من تقديمه للمشروع، عندما عرض عليه الفكرة أثناء رحلة عبر الصحراء من الإسكندرية إلى القاهرة، فيقول: "بعد أن قبل سعيد باشا المشروع استدعى قواد جنده، ودعاهم إلى الجلوس أمامه، وقص عليهم الحديث الذي دار بيننا، وطلب منهم أن يبدوا رأيهم في مشروع صديقه، فلم يكن من هؤلاء المستشارين وقد فاجئهم هذا الاقتراح، وهم أقدر على إبداء الرأي في مناورات الخيل منهم في التكلم عن مشروع عظيم لا يستطيعون فهم مراميه، إلا أن نظروا إلي بملء أعينهم، كأنما يريدون إفهامي أن صديق مولاهم الذي رأوه يقفز على الحواجز ممتطيًا جواده بمهارة فائقة لا يمكن إلا أن يدلي إلا بآراء صائبة، وكانوا أثناء الحديث يرفعون أيديهم إلى رءوسهم بين آن وآخر".
 
 

 وكان دليسبس أثناء رحلته مع سعيد باشا من القاهرة إلى الإسكندرية قد أبدى مهارة في ركوب الخيل واجتياز الموانع الطبيعية في الصحراء وهو ممتطيًا جواده، مما أثار إعجاب حاشية سعيد باشا وقادة جيشه بالصديق الأجنبي لمولاهم.
 وفي موضع آخر يذكر دليسبس أثر إعجاب هؤلاء القادة بفروسيته على قرارهم بالموافقة على مشروعه، تلك الموافقة التي لم تستغرق سوى أسابيع قليلة من الدراسة، لم تصل إلى شهر، في بلد كانت تتميز بيروقراطيته ونخبته العسكرية بالبطء القاتل في اتخاذ القرار، فما سر هذه السرعة المذهلة؟
يقول دلسيبس: "جمع سعيد باشا قواد جنده، وشاورهم في الأمر، ولما كانوا على استعداد لتقدير من يجيد ركوب الخيل ويقفز بجواده على الحواجز والخنادق أكثر من تقديرهم للرجل العالم المثقف انحازوا إلى جانبي، ولما عرض عليهم الباشا المشروع بادروا إلى القول بأنه لا يصح أن يرفض مشروع صديقه، وكانت النتيجة أن منحني الباشا ذلك الامتياز العظيم".
 بهذه البساطة حصل دليسبس على امتياز شق القناة، بهذه البساطة كانت النخبة الحاكمة تتخذ قرارًا يحدد مصير الوطن لسنوات طويلة. رغم أنه نفس المشروع الذي رفضه محمد علي باشا قبلها بسنوات عندما عرضه عليه السان سيمونيون، وهم أتباع حركة إصلاحية ذات توجهات اجتماعية   استعان بهم الباشا في تحديث مصر وفي مشروعات إقامة البنية الأساسية الحديثة في البلاد، وكان مبرره في الرفض الخوف من أن تزيد القناة من المطامع الدولية في مصر، الأمر الذي تحقق بالفعل.
 وبعد انتهاء مرحلة الدراسات التمهيدية للمشروع التي استغرقت عامًا وبضع أسابيع تم تعديل عقد الامتياز في 5 يناير سنة 1856 بشروط أكثر إجحافًا بمصر.
 وفي 25 إبريل سنة 1859 توجه دليسبس بصحبة أعضاء مجلس إدارة الشركة إلى شاطئ البحر المتوسط بالقرب من الفرما، عند الموقع الذي أُنشئت فيه مدينة بورسعيد بعد ذلك، وفي احتفال كبير ضرب الرجل أول معول في الأرض إيذانا ببداية حفر قناة السويس، الحفر الذي استغرق  أكثر من عشر سنوات، ضرب فيها مئات الآلاف من الفلاحين المصريين ملايين المعاول، في ظروف عمل غير إنسانية وأوضاع قاسية، سقط عشرات الآلاف من الفلاحين، وتكبدت الخزانة المصرية أعباءً مالية جسيمة بلغت أكثر من ستة عشر مليون جنيه.
 
 
 بعد تلك السنوات العشر افتتح الخديوي إسماعيل قناة السويس في احتفال تاريخي بدأ من مدينة بورسعيد يوم 16 نوفمبر سنة 1869، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ مصر وعلاقاتها الدولية.
 

 لقد أعاد مشروع قناة السويس مصر مرة أخرى إلى قلب الصراع الدولي، فبعد أن كانت أمور البلاد قد استقرت في أعقاب معاهدة 1840، عادت مصر مرة أخرى مسرحًا للتنافس الاستعماري وصراع المصالح بين الدول الأوروبية الكبرى.
 وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من الساسة والمؤرخين المصريين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى القول بأن مشروع القناة كان نقمة على البلاد، بل أنه كان المسئول الأول عن أزمة الديون التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر.
 

 ومنذ الإعلان عن عقد الامتياز تنبه القنصل الإنجليزي في مصر مستر بروس إلى أن حفر القناة "سيؤدي إلى ازدياد المواصلات التجارية بين أوروبا وبلاد الشرق، وسيترتب على ذلك أن تنشأ مراكز قانونية للدول الأجنبية في هذه البلاد، وسيؤدي هذا الوضع إلى أن تحدث منازعات بين تلك المراكز وشعوب الشرق، وسوف تكون هذه المنازعات ذريعة تتيح للدول الأوروبية التدخل المسلح والاحتلال الدائم للبلاد...".
 وقد صدق بالفعل توقع القنصل الإنجليزي، فبدأ التنافس البريطاني الفرنسي على مصر من جديد، وبدأ التدخل الأجنبي في شئون البلاد، ذلك التدخل الذي انتهى بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882.

 بل إن القناة لعبت دورًا مهمًا في نجاح القوات البريطانية في احتلال مصر، فبعد الهزائم المتوالية التي تلقاها الجيش البريطاني على الجبهة الشمالية الغربية بين الإسكندرية وكفر الدوار، بدأ القائد البريطاني ولسلي يخطط للانقضاض على مصر من جهة الشرق، عبر قناة السويس، وكانت بريطانيا قد مهدت للهجوم من جبهة الشرق عندما تحججت بترميمات طابية الجميل بالقرب من بور سعيد لتقتحم إحدى سفن أسطولها القناة من جهة الشمال وتخترقها حتى بحيرة التمساح في الأسبوع الأخير من يوليو 1882، وبعدها بأيام كانت سفن الأسطول البريطاني القادمة من الهند قد بدأت تلقي مراسيها في السويس لتكمل احتلال المدينة في الثاني من أغسطس، تحتلها باسم الخديوي الخائن الذي باع البلد من أجل عرشه، لكن التحرك الكبير في اتجاه احتلال القناة بدأ مع توالي الهزائم في كفر الدوار، فخلال ثلاثة أيام من 20 إلى 22 أغسطس احتلت القوات البريطانية منطقة القناة بالكامل وأغلقتها أمام السفن التجارية، وسيطرت على السكة الحديد بين السويس والإسماعيلية وعلى الترعة التي تغذي المنطقة بالمياه العذبة. وبعد السيطرة على القناة لم يضع الإنجليز وقتًا، فبدأ زحفهم تجاه الغرب من يوم 23 أغسطس، وتساقطت المواقع المصرية بسرعة موقعًا بعد موقع، إلى أن تم احتلال القاهرة في 14 سبتمبر 1882.
وكان أحمد عرابي قد وقع في خطأ فادح بعدم قيامه بسد القناة أو إغلاقها وتعطيل الملاحة فيها، لقد صدق عرابي وعد ديلسيبس له بالحفاظ على حياد القناة وعدم السماح للقوات البريطانية بدخول مصر عبرها، ولم يأخذ عرابي بنصيحة معاونيه وأركان جيشه، ولو كان عرابي أغلق القناة لأعاق تقدم الجيوش البريطانية، ويقول جون نينيه رئيس الجالية السويسرية في مصر وصديق عرابي في كتابه "عرابي باشا": "إن بساطة عرابي جعلته يرتكب أغلاطًا كبيرة ظهرت عواقبها فيما بعد، فبمقدار ما بذل من الهمة في الدفاع عن الإسكندرية وتحصين خطوط الدفاع في كفر الدوار بحيث امتنعت على الإنجليز، قد أظهر منذ بداية المعارك غفلة بالغة إذ استمع إلى النصائح الكاذبة التي خدعه بها المسيو فردينان دلسبس حين زعم أن الإنجليز لا يمكن أن يتعرضوا للعمل الفرنسي، فامتنع عرابي عن سد القناة في الوقت المناسب واستمسك برأيه رغم ما كانت تحتمه الخطط الفنية الحربية، ورغم ما ارتآه زملاؤه وما ارتأيته أنا، وكررته عشر مرات، تارة بالقول القارس وطورًا بالكتابة في وجوب سد القناة، ورغم كل ذلك أصر عرابي على رأيه، فمهد للجنرال ولسلي نصرًا من أسهل ما عرف في تاريخ المعارك".


 وطوال سنوات الاحتلال التي جاوزت السبعين سنة، وخلال كل المفاوضات التي دارت بين الحكومات المصرية المتعاقبة والحكومة البريطانية كانت قناة السويس وحماية الملاحة الدولية فيها من القضايا الشائكة المعقدة التي تؤدي دومًا بالمفاوضات إلى طريق مسدود.
 لقد كان الوجود العسكري البريطاني حول قناة السويس بدعوى تأمينها أمرًا مرفوضًا من المصريين الذين رأوا دائمًا ـ محقين في ذلك ـ أنهم قادرون على حماية القناة والدفاع عنها، وكان المطلب المشروع الذي رفعته الحركة الوطنية في مصر: "أن تكون القناة لمصر لا أن تكون مصر للقناة"، الأمر الذي لم يتحقق إلا يوم التأميم.

يتبع...


الاثنين، 27 يوليو 2015


إضراب مدرسة الحقوق الخديوية

صفحات منسية من تاريخ الحركة الطلابية المصرية

عماد أبو غازي

 تواكب تأسيس نادي المدارس العليا في ختام سنة 1905 وافتتاح مقره وبداية ممارسته لنشاطه في أبريل 1906 مع ميلاد الحركة الطلابية المصرية، ففي الوقت الذي ظهر فيه النادي إلى الوجود كأول تنظيم طلابي مصري، شهد شهر فبراير من عام 1906 أول إضراب طلابي شامل في مصر تشارك فيه مدرسة من المدارس العليا بأسرها، وفقًا لمؤرخنا عبد الرحمن الرافعي المعاصر لتلك الأحداث.
 هذا وترجع البدايات الأولى لذلك الإضراب إلى شهر يناير من عام 1906، عندما وضعت نظارة المعارف نظامًا جديدًا لمدرسة الحقوق الخديوية بهدف التضييق على الطلاب ومحاصرة أنشطتهم، وبمقتضى ذلك النظام تحولت مدرسة الحقوق العليا في أسلوب معاملتها لطلابها إلى ما يشبه أسلوب معاملة تلاميذ المدارس الثانوية وربما الابتدائية، وكان مستر دنلوب الذي شغل منصب السكرتير العام لنظارة المعارف في ذلك الحين وراء هذا النظام الجديد، وأخذت احتجاجات الطلاب تتصاعد إلى أن وصلت ذروتها في فبراير من نفس العام عندما قرر الطلاب الإضراب عن الدراسة إلى أن تتراجع النظارة عن النظام الجديد وتعود إلى اللائحة القديمة.
 ويذكر عبد الرحمن الرافعي الذي شارك في الإضراب أن الطلبة أجمعوا على الانقطاع عن الدراسة، وشكلوا لجنة تمثل جميع فرق المدرسة لتنظيم حركة الإضراب، الذي كان موجها ضد سياسة التعليم التي وضعها الاحتلال وفرضها دنلوب على المدارس العليا المصرية، وكان الهدف الأساسي من وراء تلك السياسة الحيلولة دون ظهور نخبة مصرية مثقفة تستطيع قيادة الأمة في سعيها نحو الدستور والاستقلال، وقد أشار سعد زغلول الذي كان ناظرًا للمعارف في مذكراته إلى أن نظارته عرفت سياستين متقابلتين ومتعارضتين تعارضًا تامًا سياسته التي تسعى للتوسع في التعليم الوطني وسياسة المستشار دنلوب التي "ترمي إلى تضييق دائرة التعليم حتى لا تشمل إلا عددًا محصورًا من المتعلمين، ومقدارًا محدودًا من المعلومات، وإلى أن تكون وظائفه محصورة في الإنجليز خاصة، وإلى منع مواهب المصري من الظهور والنمو، حتى يبقى على الدوام ضعيفًا، قاصرًا عن إدارة شئون بلاده". وبالمناسبة فإن تلك المذكرات التي بدأ تحقيقها ونشرها نشرًا علميًا الدكتور عبد العظيم رمضان وأصدرتها وزارة الثقافة من خلال مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، على أجزاء متتابعة منذ عام 1987 في الذكرى الستينية لوفاة سعد باشا، تعد عملًا علمًيا مهم يستحق التحية والتقدير، وقد شكل صدورها إضافة للمكتبة التاريخية المصرية وخدمة لكل المشتغلين بدراسة تاريخ مصر الحديث والمهتمين به.
 
 

 ولنترك سعد ومذكراته لنعود لإضراب الطلاب، عقد الطلاب اجتماعًا في حديقة الأزبكية، التي كانت في ذلك الوقت مركزًا للنشاط الثقافي والفني والسياسي في القاهرة، عقد الاجتماع يوم 26 فبراير سنة 1906 وألقيت فيه الخطب الحماسية، وقرر الطلاب في الاجتماع الاستمرار في الإضراب إلى أن تجاب مطالبهم.
 وفي مواجهة حركة الطلاب أصدر اللورد كومر أوامر مشددة إلى نظارة المعارف لمواجهة الإضراب بالشدة، فأعلنت النظارة تعطيل الدراسة لخمسة أيام وأنذرت من يتخلف عن الانتظام في الدروس بالفصل النهائي، وقد أبدى طلاب المدارس العليا الأخرى تتضامنهم مع طلاب مدرسة الحقوق، لكن الأزمة انتهت يوم 3 مارس بعد وعد من المستشار القضائي للنظارة بالنظر في مطالب الطلاب.
 ورغم انتهاء الإضراب وانتظام الدراسة إلا أن آثار الأزمة تعددت في أكثر من اتجاه، فمن ناحية تمت مكافأة دنلوب بترقيته مستشارًا لنظارة المعارف، ومن ناحية أخرى أدى الإضراب إلى ارتباط لم تنفصم عراه لسنوات بين الحركة الطلابية والحركة الوطنية، فقد كان تأييد جريدة اللواء لسان حال الحركة الوطنية المصرية لحركة الطلاب وتبنيها لمطالبهم جسرًا ربط بين الحركة الوطنية والحركة الطلابية في مصر، وسرعان ما أصبحت قيادة الحركة الوطنية المصرية في يد الطلاب الأمر الذي استمر حتى سبعينيات القرن العشرين، أما النتيجة الثالثة فكانت عزل الأستاذ جرانمولان ناظر المدرسة بنهاية العام الدراسي، وقد حل محله ناظر جديد هو إدوار لامبير الفرنسي الذي أحبه الطلاب واحترمه المجتمع المصري لذلك لم يعمر كثيرًا في منصبه، حيث استقال مع نهاية العام الدراسي 1906 ـ 1907 احتجاجًا على سياسة المستشار دنلوب.
وقد وصف الناظر لامبير ما حدث في مقال نشره بالفرنسية بجريدة لطان الباريسية عقب استقالته احتجاج على سياسة دنلوب فقال: "إن المستر دنلوب وضع لهؤلاء الطلبة الذين بلغوا سن الرجال نظامًا من النظامات الموضوعة لصغار تلاميذ المدارس الابتدائية، وأخذ يعاملهم بقسوة متناهية، ويستعمل معهم سياسة وخز الإبر، سياسة اضطهاد دنيء، فكانت نتيجة ذلك أن انضم إلى الحزب المعارض للإنجليز فئة متعلمة راقية، وأن يسود على أفئدة الشبيبة الحقد والبغض للإدارة الإنجليزية، وأن تتحول مدرسة الحقوق معقلًا للوطنية المصرية بحيث لا تكاد ترى بين الأربعمائة تلميذ الموجودين بها الآن عشرة لا يؤمنون كل الإيمان بمبادئ مصطفى    كامل باشا".
 ويذكر لامبير في مقاله كذلك أن دنلوب كان يضغط عليه لاتخاذ مواقف مضادة لسعد زغلول ناظر المعارف في سياسته للنهوض بالتعليم الوطني، وقد أشار سعد في مذكراته إلى أن دنلوب فتح معه موضوع هذا المقال الذي وثق فيه لامبير دسائس دنلوب ضد سعد محاولًا تكذيب لامبير والاستعانة بسعد في الرد عليه، لكن سعد زغلول تهرب منه.
 لم يكن إضراب طلاب مدرسة الحقوق الخديوية نهاية المطاف لحركة الطلاب بل بداية قوية لتلك الحركة الوليدة، وكانت إيذانًا بربط المطالب الطلابية الخاصة بلوائح الدراسة ونظم التعليم بالمطالب الوطنية العامة وفي مقدمتها الدستور والاستقلال.

الجمعة، 24 يوليو 2015


نادي المدارس العليا...

عماد أبو غازي
 في خريف عام 1905 تبلورت لدى مجموعة من شباب مصر من طلبة المدارس العليا وخريجيها فكرة إنشاء نادٍ للمدارس العليا يجمع في عضويته بين الطلاب والخريجين، وجاءت هذه المبادرة في سياق نمو متصاعد للوعي الوطني شهدته مصر منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، وقد أخذ هذا النمو عدة مسارات متوازية، منها تنظيم هذا الوعي في أطر مؤسسية تدفع بحركة المجتمع إلى الأمام، ومن بين هذه الأطر المؤسسية كان نادي المدارس العليا.
 وكانت المدارس العليا في ذلك الوقت معاهد للتعليم العالي، وتعتبر أعلى مؤسسات التعليم المدني درجة في مصر، فلم تكن الجامعة قد أُنشئت بعد، ومن أهم تلك المدارس التي كانت قائمة والتي يرجع تأسيس بعضها إلى عصر محمد علي: مدرسة الطب والمهندسخانة (الهندسة) والحقوق والمعلمين والألسن، والتي تخرج منها على مدار سنوات أجيال من مثقفي مصر الذين حملوا على عاتقهم تمهيد الأرض وتهيئة المناخ لأهم الثورات في تاريخ مصر الحديث، ثورة 1919.
 في أكتوبر من عام 1905 تألفت لجنة تأسيسية للنادي برئاسة الدكتور عبد العزيز نظمي بك، وأعلنت اللجنة عن فتح باب الاكتتاب لتأسيس النادي، وتبنت جريدة اللواء، جريدة مصطفى كامل الدعوة، وكتب مصطفى كامل معضدًا لها في 19 أكتوبر فقال: "نرى من أوجب الواجبات إعانة هذا النادي ممن يقدرون العلم وذويه"، ونظمت اللجنة التأسيسية عرضًا تمثيليًا بدار التمثيل العربي ذهبت حصيلته لتمويل المشروع، وقد بلغت حصيلة الاكتتاب حتى آخر نوفمبر 1905 281 جنيها.
 وفي 8يوم الجمعة  ديسمبر 1905 اجتمعت أول جمعية عمومية للنادي في صورة جمعية تأسيسية، وقد عقد الاجتماع بإحدى قاعات مدرسة الطب، وبلغ عدد الحاضرين من طلبة المدارس العليا مائتي طالب، بالإضافة إلى عدد من الخريجين، وانتخبت الجمعية العمومية مجلس الإدارة الأول برئاسة عمر بك لطفي، وضم المجلس في عضويته ممثلين للطلاب والخريجين، وبلغ عدد أعضائه 14 عضوًا، وكان من بينهم عبد الخالق ثروت رئيس وزراء مصر فيما بعد ممثلًا لخريجي مدرسة الحقوق وأمين سامي صاحب كتاب تقويم النيل من خريجي المهندسخانة وحافظ عفيفي الطالب بمدرسة الطب والذي أصبح فيما بعد أحد أعضاء الوفد المصري ثم خرج عليه وصار رئيسًا للديوان الملكي في أواخر عصر فاروق.
 
 

 وبعد اكتمال الاكتتاب تم افتتاح مقر النادي يوم الخميس 5 أبريل سنة 1906، وكان المقر يقع في المنزل رقم 4 بشارع قصر النيل و"كان بناءً فخمًا تحيط به حديقة غناء" وفقًا لوصف المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي وهو مصدرنا حول هذه الوقائع، ومصدر الصور الفوتوغرافية كذلك، فقد كان شاهد عيان وعضوًا مؤسسًا للنادي باعتباره طالبًا في مدرسة الحقوق، وكان بالمبنى عدة غرف واسعة تستخدم بعضها للمحاضرات والبعض الآخر كصالونات للجلوس، كما كان النادي يضم قاعة للمكتبة وأخرى للبلياردو وقاعات للألعاب المباحة التي لم يحددها الرافعي، وإن كان قد ذكر أن مبادئ النادي كانت تمنع تقديم الخمور ولعب القمار.
 وقد حضر حفل الافتتاح عدد من رجال الحكومة منهم: حسين فخري باشا ناظر المعارف، الذي ألقى كلمة في حفل الافتتاح، ويعقوب أرتين باشا وكيل المعارف، ومحمود صدقي باشا محافظ العاصمة ونظار المدارس العليا ووكلائها، والغريب أن بعض المستشارين الإنجليز للنظارات المصرية قد حضروا الاحتفال منهم مستشار المعارف دنلوب والذي كان نموذجا للغطرسة الاستعمارية وكانت بينه وبين القيادات المصرية الوطنية لنظارة المعارف صدامات عديدة، كما حضر الحفل كذلك متشل أنيس وكيل وزارة المالية والذي أصبح بعدها بعام واحد أول رئيس للنادي الأهلي، كان حفل افتتاح المقر تدشينًا لنشاط ثقافي وفني وعلمي وسياسي استمر على مدى ثماني سنوات، وخلال هذا النشاط الذي شمل تنظيم المحاضرات والرحلات والمسابقات والأنشطة الاجتماعية، من خلاله تأسست جمعية لرعاية الأطفال، وفيه امتزج طلاب المدارس العليا بخريجيها وتفاعلوا لخدمة مصر، ومن هذا النادي خرجت مجموعة من المشروعات المهمة ففي قاعاته اجتمعت لبعض الوقت لجنة إنشاء الجامعة المصرية، وفيه تأسست مدارس الشعب لتعليم العامة، وقام أعضاء النادي بالتدريس فيها، وربما كان هذا المشروع الذي أطلقه الزعيم محمد فريد أول مشروع لمحو الأمية في مصر، وفي النادي أيضًا أنشأ عمر بك لطفي رائد الحركة التعاونية المصرية مشروع النقابات الزراعية.
 
 

 عندما تأسس النادي كان عدد أعضائه 240 عضوًا بلغوا في نهاية عام 1906 471 عضوًا، ومع نهاية العقد الأول من القرن العشرين كان عددهم قد ناهز ثمانمائة عضو.
 وقد استمر النادي الذي يعد أول تنظيم طلابي مصري يمارس نشاطه حتى قامت الحرب العظمى سنة 1914، وأعلنت بريطانيا الحماية على مصر، فأصدرت السلطة العسكرية البريطانية قرارها بإغلاق النادي قبل أن تنتهي سنة 1914، فقد تواكب مع إنشاء النادي نموًا للحركة الطلابية المصرية سواء الحركة الخاصة بالمطالبة بإصلاح التعليم ولوائحه أو النشاط السياسي للطلاب المدافع عن مصالح الوطن والمناهض للاحتلال والمطالب بالجلاء والدستور والحريات العامة، ولهذا حديث آخر.

الثلاثاء، 21 يوليو 2015


 

الأهلي نادي الانتصارات

 النهار ده بمناسبة الفوز المعتاد للنادي الأهلي على الزمالك بأعيد نشر مقالتين كتبتهم سنة 2007 في الاحتفال بالمئوية الأولى للنادي الأهلي في مخربشاتي بجريدة الدستور....

الأهلي وقرن من تاريخ مصر

عماد أبو غازي
 
 

هذا العام عام النادي الأهلي، ففي شهر أبريل القادم تمر مئة سنة على أول اجتماع لمجلس إدارته، وإذا كان تاريخ النادي الأهلي في الأمجاد الرياضية معروف، إنه نادي القرن العشرين أفريقيًا، وأكثر النوادي المصرية فوزًا ببطولتي الدوري العام وكأس مصر في كرة القدم بفارق كبير عن النادي الذي يليه، وأكثرها فوزًا بالبطولات الإفريقية، حقق عشرات البطولات المحلية والقارية في كرة القادم قاربت المئة، وحقق انتصارات في مباريات دولية مع أهم فرق العالم، فضلًا عن عشرات من البطولات في ألعاب رياضية أخرى، كما كان النادي الأهلي أول نادي مصري يعرف نظام الاحتراف ويقدم محترفًا مصريًا يلعب كرة القدم في أوروبا، وذلك عندما احترف نجمه العظيم صالح سليم في منتصف الستينات في النمسا، وكان أول لاعب كرة قدم ـ في حدود علمي ـ يؤلف عنه كتاب في حياته، كان الكتاب يحمل عنوان "كرة صالح"، وما زال النادي الأهلي يحصد البطولات ويحطم الأرقام القياسية رقمًا بعد رقم على صعيد الرياضة.
 
  ويعتبر النادي الأهلي صاحب أكبر جمهور يشجع فرقه بين الأندية المصرية على وجه الإطلاق، ويمتد جمهوره الذي يشجع فريقه الكروي بامتداد العالم العربي.
 
 
 
 لكن قصة النادي الأهلي التي تمتد لقرن كامل لم تكن قصة انتصارات رياضية وبطولات تتحقق في هذه اللعبة أو تلك، أو قصة جماهير غفيرة تتسع يومًا بعد يوم، أو قصة قيم وأخلاقيات رياضية تسعى القلعة الحمراء إلى ترسيخها وإرسائها في تعاملاتها مع مؤسسات العمل الرياضي ندر أن نصادف مثلها في ناد آخر؛ إن قصة النادي الأهلي تحمل كل ذلك، لكنها تحمل أبعادًا أكثر من ذلك بكثير، فهي تشكل جزء من قصة نضال الشعب المصري من أجل امتلاك مقدراته.
 

سهم النادي الأهلي
 لقد تأسس النادي الأهلي في عام 1907 في فترة محورية من تاريخ مصر، ولم يكن إنشاء النادي الأهلي مجرد تأسيس لنادي للرياضية البدنية والنشاط الاجتماعي، بل جزء من حركة عامة في المجتمع المصري بدأت مع مطلع القرن العشرين، تواكب فيها نمو الحركة الوطنية وصعودها التدريجي مع بناء المؤسسات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الحديثة، فقد شهدت تلك السنوات تأسيس الأحزاب السياسية التي تعبر عن التيارات الأساسية في المجتمع ويسعى كل حزب منها بطريقته لتحقيق أهداف النضال الوطني في الدستور والجلاء، وكان أبرزها حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية الموالي للخديوي عباس حلمي، وقد أسسه الشيخ علي يوسف ولسان حاله جريدة المؤيد، وحزب الأمة باتجاهه الليبرالي وقد أسسه أحمد لطفي السيد، وكانت جريدة "الجريدة" لسان حاله، ثم الحزب الوطني باتجاهاته الجذرية في العداء للاستعمار البريطاني، وقد أسسه مصطفى كامل سنة 1907، وكان الحزب تيارًا متصاعدًا في الحياة السياسية المصرية منذ صدرت جريدة "اللواء" سنة 1900.
 كما شهدت تلك السنوات أيضًا تأسيس نادي المدارس العليا كناد سياسي اجتماعي نقابي يجمع طلاب المدارس العليا وخريجيها في تنظيم واحد يدافع عن مصالحهم وينمي الروح الوطنية بينهم، وكان هذا النادي الذي عقدت جمعيته العمومية الأولى في ديسمبر 1905 وافتتح رسميًا في أبريل 1906 أول شكل من أشكال التنظيمات الطلابية في مصر، وقد لعب دورًا مهمًا في النضال الوطني حتى جمدت سلطات الاحتلال نشاطه مع قيام الحرب العظمى سنة 1914.
 نفس الفترة عرفت الدعوة لإنشاء الجامعة الأهلية وافتتاح الدراسة بها بالفعل في ديسمبر من عام 1908، لتكون نواة للجامعات المصرية الحديثة فيما بعد، وليتخرج منها مجموعة من رواد حركة التحديث التي انتعشت موجه جديدة من موجاتها في أعقاب الثورة المصرية، ثورة 1919، وعام 1908 نفس العام الذي شهد افتتاح مدرسة الفنون الجميلة التي أسسها الأمير يوسف كمال أحد رعاة النهضة الثقافية في مصر وجعل مقرها قصر من قصوره بحي درب الجماميز بالقاهرة، وهي المدرسة التي كان من بين طلاب دفعتها الأولى رواد الفن الحديث في مصر، مختار وراغب عياد ويوسف كامل ومحمد حسن.
 وتأسست في 1909 "نقابة عمال الصنائع اليدوية" بدعم من الزعيم محمد فريد الرئيس الثاني للحزب الوطني لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الحركة العمالية المصرية.
 وفي نفس الحقبة تأسست مجموعة من الجمعيات الأهلية كان من أبرزها الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء التي ما زالت قائمة نشطة إلى يومنا هذا.
 

حفل افتتاح النادي الأهلي
 في هذا السياق الذي شهد صحوة على كل الأصعدة في المجتمع المصري تأسس النادي الأهلي ليكون ناديًا وطنيًا، رغم وجود بعض الأجانب بين أعضائه، لكن فكرته الأساسية هي إنشاء نادي رياضي اجتماعي للمصريين في مواجهة نادي الجزيرة الذي كان ناديًا للأجانب، ومن هنا اتخذ النادي الأهلي اللون الأحمر شعارًا له، فقد كان علم مصر وقتها أحمر اللون.
 

 مجلس إدارة النادي
وبهذا المعنى كان النادي الأهلي جزءًا من المشروع الوطني الكبير الذي مهد الأرض للصحوة الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وبلغت ذروتها بقيام ثورة 1919، وإذا كان نادي الجزيرة ناد للأجانب والنادي الأهلي ناد للأهالي ومن هنا أخذ أسمه، فإن النادي المصري الكبير الثاني "نادي الزمالك"، حاول أن يجمع بين الفئتين وحمل اسمه في مرحلته الأولى اسم "النادي المختلط"، ثم أصبح اسمه بعد ذلك نادي فاروق ورأسه حيدر باشا قائد الجيش، ثم تحول بعد 23 يوليو إلى نادي الزمالك وإن ظلت رئاسته في يد قيادة الجيش وأسرة حيدر باشا من خلال تولي المشير عبد الحكيم عامر رئاسته، ومن هنا فقد ظل النادي الأهلي مرتبطًا بالحركة الوطنية وبالشعب، وربما كان هذا سر جماهيريته الواسعة التي لا نظير لها.
 ولاشك في أن الاحتفال بالمئوية الأولى للنادي الأهلي والتي أوشكت فعالياتها على الانطلاق، سوف تكون على مستوى تاريخ هذا النادي الكبير باعتباره جزءًا من تاريخ الوطن.

الأهلي مدرسة للرياضة والفن ....

  طوال التاريخ المئوي للنادي الأهلي والذي لم ينتقل فيه من مقره بالجزيرة، كان النادي مركزًا للنشاط الفني بقدر ما كان مركزًا للنشاط الرياضي، وإذا كان عام 1911 شهد تكوين أول فريق لكرة القدم بالنادي الأهلي والذي ضم اللاعب الفذ حسين حجازي، فإن الأهلي بدأ في فترة مقاربة تنظيم الحفلات الفنية بشكل منتظم، وقد شارك في إحياء الحفلات الغنائية بالنادي الأهلي عبر تاريخه نخبه من نجوم الفن في مصر، في مقدمتهم صالح عبد الحي وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية، وقد شاركت أم كلثوم وعبد الوهاب في حفلات النادي الأهلي وهما في مستهل حياتهما الفنية.
 
 ويذكر الكاتب الراحل الأستاذ فكري أباظة، الذي انضم لعضوية النادي الأهلي سنة 1913 بعد تأسيسه بست سنوات وظل عضوًا به حتى وفاته، في مقالة له عن النادي الأهلي نشرت ضمن كتيب صغير أصدرته مجلة صباح الخير في مارس سنة 1966 ضمن سلسلة "حكايات صباح الخير"، إن النادي الأهلي كان السبب في احتراف الفنان الكبير نجيب الريحاني للفن، والعهدة على الراوي، الذي قال: "إن الأهلي كان يقيم منذ سنة 1916 حفلات ساهرة تحت اسم سموكنج كونسرت، يلقي فيها أعضاء فرقة التمثيل بالنادي مقطوعات كوميدية وتراجيدية وموسيقية، وكانت من أنجح الحفلات في المجتمع المصري في ذلك الوقت"، وممن شاركوا فيها يوسف وهبي ومحمد عبد القدوس وسليمان نجيب وحسن فائق، ووفقًا لرواية فكري أباظة، فإن نجيب الريحاني الذي كان موظفًا ببنك كريدي ليونيه حضر واحدة من تلك الحفلات فقرر  الاستقالة من عمله وتأسيس فرقته المسرحية.

فكري أباظة
 وبالمناسبة فإن فكري أباظة هو الذي كتب نشيد النادي الأهلي، وترجع القصة إلى عام 1957، أي منذ خمسين عامًا، عندما احتفل النادي الأهلي بعيده الذهبي يومها كتب فكري أباظة نشيدًا للنادي الأهلي لحنه الموسيقار الكبير محمود الشريف، يقول النشيد:

قوم يا أهلي شوف ولادك والبنود ...
شوف كتايبك ... شوف جنودك والحشود...
شوف آيات النصر في كل العهود...
شوف وسجل بيها أمجاد الخلود...
إنت ديمًا ... إنت دايمًا ... إنت دايمًا في الأمام...

***
كل نعمة في رحابك عندنا دي مشيئة وإرادة ربنا
من شيوخك اكتسبنا مجدنا
وبشبابك احتفظنا باسمنا
إنت ديمًا ... إنت دايمًا ... إنت دايمًا في الأمام...

***
الرياضة دي غريزة في طبعنا...
من زمان جريتها جري في دمنا...
والبطولة منبتها في أرضنا...
أهديناها للجميع من عندنا...
إنت ديمًا ... إنت دايمًا ... إنت دايمًا في الأمام...

***
لما نادنا المنادي بالفداء...
في البحار وفي القفار وفي السماء...
استجبنا واكتسبنا بالدماء...
واحتسبنا فرقة للشهداء...
إنت ديمًا ... إنت دايمًا ... إنت دايمًا في الأمام...

***

فكري أباظة مع لاعبي الأهلي في السبعينيات
  ولفكري أباظة وللنادي الأهلي الحق بأن يفخر بتاريخه وحاضره، فبعد سنوات قليلة من تأسيس النادي كان يضم 18 لعبة رياضية دفعة واحدة، إلى جانب فرق الموسيقى والتمثيل والرسم والتصوير، وفرقة الرحلات، كما أن النادي منذ تأسيسه جمع بين أسواره الأمراء والنبلاء من أبناء أسرة محمد علي مع الكتاب والمثقفين والفنانين والمهنيين، جنبا إلى جنب مع أبناء الطبقات الشعبية من الرياضيين.
 

 وكان أول رئيس للنادي الأهلي ميتشيل أنسي، ثم نص قانون النادي على أن يرأس الجمعية العمومية للنادي ناظر المعارف ومن هنا رأسها سعد باشا زغلول وغيره من نظار ووزراء المعارف، إلا أن أبرز رؤساء النادي في تاريخه الطويل رجل الصناعة والاقتصاد أحمد عبود باشا، والفريق أول عبد المحسن مرتجي قائد القوات البرية في الستينات.
 عبود باشا
 
الفريق مرتجي
 ثم صالح سليم ابن النادي ولاعبه الدولي المميز الذي بدأ مشواره الكروي بالنادي عام 45 وبعد أقل من ثلاث سنوات كان يلعب في الفريق الأول ليصبح بعدها بعشر سنوات رئيسًا للفريق، وكان صالح لاعبًا وإداريًا ثم رئيسًا للنادي المحافظ على تقاليده العريقة كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المستقلة، وربما يكون الاحتفال بمئوية الأهلي مناسبة لإقامة تمثال لصالح سليم في أحد المواقع القريبة من النادي، أو على الأقل داخله.
صالح
 لقد تأسس النادي الأهلي سنة 1907 كنادي رياضي اجتماعي للمصريين، ووفقا لرواية فكري أباظة فإن سلطات الاحتلال البريطاني شجعت إنشاء النادي ظنًا منها بأنه سوف يجذب الشباب بعيدًا عن نادي المدارس العليا الذي كان مصدر قلق للإنجليز بسبب نشاطه الوطني، لكن ظن الإنجليز قد خاب وأصبح الأهلي مصدر قلق جديد لهم، إلى جانب "زميله" الأكبر نادي المدارس العليا، ولذلك النادي قصة أخرى!

الاثنين، 29 يونيو 2015


جريمة الاغتيال السياسي
قراءة سريعة في تاريخنا الحديث

عماد أبو غازي

 الاغتيال ـ أيًا كان مرتكبة وأيًا كانت دوافعه ـ جريمة مرفوضة لا يمكن تبريرها، فالقاتل الذي يغتال خصمه نصب من نفسه محقق ومدع وقاض وجلاد في نفس الوقت، وارتكب جريمته بشكل خسيس. بالنسبة لي سلب حياة إنسان تحت أي دعوى من الدعاوى، إهدار للحق في الحياة، أسمى حقوق الإنسان.
 وإذا كانت المواجهة القانونية لجرائم الاغتيالات أمرًا أساسيًا، فإن الخطوة الأهم والأكثر تأثيرًا في مواجهة هذا النوع من الإرهاب واقتلاع جذوره من تربتنا تكمن في مواجهة أنفسنا مواجهة فكرية وثقافية وسياسية، ومراجعة ما نغرسه في نفوس أبنائنا من قيم ومبادئ تجعل من تبني مثل هذه الأفكار الإجرامية أمرًا سهلًا يسيرًا، ففي تاريخنا الحديث عشرات من جرائم الاغتيالات السياسية التي ارتكبت باسم الوطنية مرات وباسم الدين مرات أخرى، وقد اعتدنا ـ أو اعتاد بعضنا على الأقل ـ على أن يقدم مرتكبي هذه الجرائم باعتبارهم أبطالًا، رغم أنهم في الحقيقة إرهابيون نصبوا من أنفسهم مدعين وقضاة وجلادين، اتهموا، وحاكموا دون دفاع، وأدانوا، ونفذوا حكمهم، فعندما نقدم إبراهيم الورداني قاتل بطرس باشا غالي باعتباره بطلًا وطنيًا، ويكتب شوقي ـ المحافظ الموالي للخديوي ـ فيه قصيدته التي مطلعها: صداح يا ملك الكنار ويا أمير البلبل، ونقدم حسين توفيق وزملاءه الذين اغتالوا أمين عثمان كأبطال ويكتب إحسان عبد القدوس ـ الوطني الليبرالي ـ روايته "في بيتنا رجل" ليمجد جريمتهم، وتتحول هذه الرواية إلى فيلم سينمائي يدفعنا جميعًا للتعاطف مع الشاب الذي ارتكب جريمة الاغتيال، وحين يطلق بعض الإسلاميين والقوميين على خالد الإسلامبولي قاتل أنور السادات لقب الشهيد، عندئذ لا بد أن تختل الموازين، ومن هنا تأتي البداية في تكوين الصورة المزيفة للبطولة في وجدان شبابنا وأطفالنا، في تقديم القاتل باعتباره بطلًا وطنيًا أو شهيدًا في سبيل الله، وهذه مجرد أمثلة على حالات الخلل في المعايير والقيم التي تسمح لنا بصناعة أبطال هم في الحقيقة قتلة مهما تخفت جرائمهم وراء دوافع وطنية وشعارات نبيلة، إنهم يقتلون خصومهم لاختلافهم معهم في الرأي أو الرؤية أو منهج العمل السياسي، أو لأنهم يرون فيهم مجرمين ارتكبوا انتهاكات تقتضي الاقتصاص منهم، فهم يمنحون صكوك الوطنية والإيمان، ويعطون أنفسهم الحق بغير حق في إصدار الأحكام بالخيانة والكفر على خصومهم.
 علينا أن نمتلك الشجاعة لتصحيح تلك المفاهيم الملتبسة ومواجهة دعاة الابتزاز الوطني، علينا أن نكف على تقديم القتلة باعتبارهم أبطالًا، علينا أن نمتلك الشجاعة لنتوقف عن عبارات ندين ولكن، وعن الصياغات التي تبرر الإرهاب بدعوى أنه رد على العدوان، ولو قاس هؤلاء الأمر بمنطق المكسب والخسارة فهذه الجرائم  دائمًا ما تكون شديدة الضرر على التطور الديمقراطي.
 لقد عرفت مصر جرائم الاغتيال السياسي في العصر الحديث مع جريمة اغتيال بطرس باشا غالي رئيس وزراء مصر في عام 1910، التي ارتكبها صيدلي شاب ينتمي للحزب الوطني (حزب مصطفى كامل) بدعوى منع بطرس غالي وحكومته من اتخاذ قرار مد امتياز قناة السويس، وانتقامًا منه لدوره في محاكمات دنشواي قبلها بأربع سنوات، وللأسف فإن عدد من الأقلام الوطنية وقتها بررت الجريمة بل أشادت بالقاتل، وقد شجع هذا عديد من شباب الحزب الوطني بعد ذلك على تكرار ارتكاب مثل هذه الجرائم أو محاولة ارتكابها خلال سنوات العقد الثاني من القرن العشرين، وكانت أشهر محاولات الاغتيال الفاشلة هي تلك التي تعرض لها السلطان حسين كامل (1914 ـ 1917).
 وفي أعقاب ثورة 1919 وقعت عدة جرائم من هذا النوع، فشل بعضها ونجح البعض الآخر، أشهرها المحاولات الفاشلة لاغتيال اثنين من رؤساء الوزارات: يوسف باشا وهبة ومحمد باشا سعيد،  واغتيال إسماعيل زهدي بك حسن باشا عبد الرازق القياديين المؤسسين بحزب الأحرار الدستوريين.
 كما تعرض الزعيم سعد زغلول لمحاولة اغتيال فاشلة عام 1924 أثناء رئاسته لمجلس الوزراء.
 كان استخدام أسلوب الاغتيال للخصوم المختلفين سياسيًا خطيئة من خطايا الحركة الوطنية في مصر، كانت جرائم لا يفسرها سوى ضيق الأفق والتعصب والجهل في صفوف بعض الشباب المنتمي إلى الحركة الوطنية، ومن كانوا يوجهونهم من القادة السياسيين في ذلك الوقت.
 لكن أخطر الاغتيالات السياسية وأشدها تأثيرًا وضررًا على الحركة الوطنية المصرية كان اغتيال السير لي ستاك سردار الجيش المصري والحاكم العام للسودان، في 19 نوفمبر سنة 1924، وأدت هذه الجريمة إلى استقالة حكومة الشعب، حكومة سعد زغلول الأولى والأخيرة، رفضا للشروط التي فرضتها السلطات البريطانية على الحكومة المصرية. وسقطت مصر بعدها في براثن الانقلابات الدستورية التي ظلت السمة المميزة لعصر الملك أحمد فواد حتى وفاته في سنة 1936.
 ولم تنفرد مصر بهذا السلوك الإجرامي الذي اقترن زورًا وبهتانًا بالوطنية، فأن معظم الحركات الوطنية في العالم منذ القرن التاسع عشر عرفت هذا النوع من الجرائم، بل كان السبب المباشر لقيام الحرب العالمية الأولى واحدة من هذه الجرائم.   
 تراجعت الظاهرة في العشرينات والثلاثينات وبدأت معظم الأحزاب والقوى الوطنية تتبرأ منها، لكن قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية عادت الظاهرة من جديد وبقوة هذه المرة، وعاشت مصر قرابة خمس سنوات صعبة، ففي خلال السنوات من 1945 إلى 1949 شهدت البلاد موجه من الإرهاب الدموي ارتكبت خلالها عدة جرائم اغتيالات وتفجيرات للمحال التجارية ودور العرض السينمائية، وهي جرائم قامت بغالبيتها جماعة الإخوان المسلمين، وببعضها تنظيمات صغيرة من الشباب الراديكالي الذي ابتعد عن طريق النضال الوطني إلى طريق الإجرام السياسي.
 كان مفتتحها بجريمة اغتيال رئيس الوزراء أحمد باشا ماهر في البهو الفرعوني بمبنى البرلمان، على يد شاب من شباب الحزب الوطني اسمه محمود العيسوي ثبت فيما بعد أنه كان خلية نائمة لجماعة الإخوان المسلمين داخل الحزب الوطني، وكان المبرر الذي ساقه القاتل لجريمته أن ماهر يتجه لإعلان الحرب على ألمانيا واليابان، وكانت الحكومة المصرية قد اتخذت هذا القرار حتى تتمكن مصر من الانضمام للأمم المتحدة عضوًا مؤسسًا.
كانت هناك عدة أطراف تمارس هذه الجريمة، جريمة الاغتيال السياسي:
 الطرف الأول شباب يحسب نفسه على الحركة الوطنية ويقرر أن يغتال من يرى أنهم متعاونين مع الاحتلال، وقد شكل هؤلاء الشباب تنظيمات سرية صغيرة لارتكاب هذه الجرائم، وكان من أشهر هذه التنظيمات المجموعة التي شكلها حسين توفيق وارتبط بها أنور السادات، والتي قامت باغتيال أمين باشا عثمان.
 الطرف الثاني الحرس الحديدي الذي يقال أن الملك فاروق شكله ـ أو بارك تشكيله على الأقل ـ للتخلص من خصوم الملك، وكان من أبرز ضحاياه الضابط الوطني عبد القادر طه. كما يشاع دائما أن البوليس السياسي وبعض الأجهزة الأمنية مارست عمليات لتصفية المعارضين تحت ستار حوادث السيارات، ومن أبرز من راحوا ضحية لحوادث يشتبه في أنها مدبرة، وأن لم يثبت ذلك أبدًا، البرلماني عزيز فهمي أحد قادة الطليعة الوفدية في العصر الملكي، والمحامي الشيوعي زكي مراد في سبعينيات القرن الماضي.
 وكان صاحب النصيب الأكبر من محاولات الاغتيال الفاشلة الزعيم مصطفى النحاس، تعرض للطعن بالسونكي أثناء الانقلاب الدستوري الذي قاده صدقي باشا سنة 1930، وانقذه منها سنيوت حنا، كما تعرض لعدة محاولات للاغتيال، إبان سنوات الإرهاب، تلك السنوات التي راح ضحيتها اثنان من رؤساء الوزارة، ووزير سابق، ومرشد جماعة الإخوان، ووكيل محكمة استئناف مصر، وحكمدار العاصمة، وعديد من المواطنين اللذين تصادف وجودهم في ساحة الأعمال الإرهابية الإجرامية. لكن النحاس باشا خرج منها جميعًا بسلام رغم خطورتها، كانت أبرز محاولات الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها ثلاث محاولات، الأولى في 6 ديسمبر 1945 قام بها الشاب حسين توفيق الذي ألقى قنبلة على سيارة النحاس أثناء مروره في شارع قصر العيني في طريقه إلى النادي السعدي، ولم يصب النحاس في الحادث، ولم يعرف الجاني إلا بعدها بأسابيع عندما اعترف حسين توفيق بأنه مرتكب الحادث أثناء التحقيقات في قضية اغتيال أمين عثمان، أما المحاولة الثانية فوقعت في 25 أبريل 1948 عندما انفجرت سيارة ملغومة بجوار قصر النحاس باشا بجاردن سيتي، ويشغله الآن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ولم يصب أحد في الحادث وإن كانت بعض أركان الدار قد تعرضت للتلف، ولم يستدل على الجناة، ثم في نوفمبر من العام نفسه هاجمت سيارة مسلحة النحاس باشا أثناء عودته إلى منزله مساء فقتلت اثنين من حرسه وجرحت ثلاثة أخرين ولم يعرف الجناة أيضا.
 أما الطرف صاحب النصيب الأكبر في جرائم الاغتيالات فكان تيار الإسلام السياسي وعلى راْسه جماعة الإخوان المسلمين، لقد قتلوا في سنوات الإرهاب الخمس عشرات من المصريين الذين سقطوا ضحية لإجرامهم، واغتالوا بشكل مباشر المستشار الخازندار بتوجيه من مرشدهم ومؤسس جماعتهم حسن البنا، واغتالوا اللواء سليم باشا زكي حكمدار العاصمة، وعندما أصدر رئيس الوزراء النقراشي باشا قرار حل الجماعة بسبب جرائمها الإرهابية قتلوه، ودبروا لقتل جمال عبد الناصر سنة 1954 عندما اختلفوا معه. ومن عبائتهم خرجت جماعات جهادية عدة مارست الإرهاب والاغتيال، وبررته ودعت إليه، وادعته نهجًا شرعيًا.
 وطوال سبعين عامًا ظل هذا التيار يمارس جرائمه في حق الإنسانية وفي حق الوطن، هذا التيار الذي لم يعتذر أبدًا عن جرائمه، ولم يتخل عن هذا الأسلوب بل ظل يعتبره منهجًا من مناهج عمله يستخدمه عندما يرى بأفقه الضيق أنه في حاجة إليه، ويتوقف عنه عندما يتصور أن بمقدوره تحقيق أهدافه بدونه، لكنه لا يدينه أبدًا.
 لا يمكن بالطبع استباق التحقيقات وإدانة طرف محدد بارتكاب جريمة اغتيال النائب العام، لكن المؤكد أنه أيًا من كان مرتكب هذه الجريمة فهي عمل مدان من كل إنسان يحترم قيم الإنسانية وحقوق الإنسان ويسعى لبناء مصر جديدة ديمقراطية.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...