السبت، 13 أغسطس 2022

اليوميات وإعادة كتابة تاريخ مصر الحديث

 

اليوميات وإعادة كتابة تاريخ مصر الحديث

عماد أبو غازي

  "تقديمي لكتاب مصر الريفية في أواسط القرن العشرين قراءة في مفكرات جدي للدكتور أحمد جمال الدين موسى، التقديم واحد من مجموعة تقديمات للكتاب من أصحاب تخصصات مختلفة... الكتاب يصدر قريبًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب."

غلاف الكتاب

يقدم لنا الدكتور أحمد جمال الدين موسى في هذا الكتاب قراءة في مفكرات جده الحاج موسى أحمد السيد منسي، الذي ولد في قرية من قرى محافظة الدقهلية عام 1896، وتوفي في عام 1964، وتضم هذه المفكرات يوميات تبدأ في عام 1926، وتنتهي قبل وفاة صاحبها بشهر تقريبًا.

 وإذا كانت مصادر كتابة التاريخ تتنوع تنوعًا كبيرًا وفقًا لموضوعات البحث وللعصور التاريخية التي نتعامل معها وللمناهج التي نتبعها في تحليل الظواهر التاريخية التي ندرسها؛ فإن المذكرات الشخصية واليوميات تعد أحد المصادر المهمة لدراسة التاريخ، وفي حالة مصر تزداد قيمتها وأهميتها كمصدر لدراسة تاريخنا الحديث والمعاصر، بسبب غياب الوثائق في كثير من الأحيان، إما بفعل غياب الوعي الأرشيفي أو بسبب قيود الإتاحة.

ويثير موضوع المذكرات الشخصية عدة تساؤلات أولية حول ما يمكن أن يوصف بأنه مذكرات، ومدى مصداقية هذا النوع من الكتابات، وإمكانية الاستناد إليها كمصدر يُوثق به لدراسة التاريخ، والحقيقة أنه منذ بدأ هذا النوع من الكتابات يعتمد كمصدر للدراسة التاريخية لدى باحثينا أثار نقاشات عدة بين المتخصصين، تحول بعضها إلى معارك فكرية وسياسية.

 وهناك عدد كبير من المذكرات التي كتبها سياسيون ومسؤولون في الدولة ومصريون ومصريات شاركوا في العمل العام بصور مختلفة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وقد أصبح كثير منها متاحًا ومنشورًا، وما زال بعضها مخطوطًا يحتاج لنشره، بل ما زلنا نكتشف مذكرات ويوميات جديدة لم تكن معروفة.

 كذلك هناك مذكرات ويوميات كتبها أشخاص بعيدون عن العمل العام، تكتشف بالمصادفة، قد تكون في أحيان كثيرة غنية بالمعلومات الجديدة، وتشكل مصدرًا مهمًا للتعرف على رؤى مختلفة للأحداث الكبرى فهي تكشف عن رؤية الأحداث من زاوية بعيدة عن تلك التي يراها منها المشاركون فيها، وتقدم هذه المذكرات مجتمعة مادة غنية للباحث وتكشف جوانب خافية في تاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي، واليوميات التي بين أيدينا تنتمي إلى هذا النوع الأخير.

 وتعتبر المذكرات الشخصية أو اليوميات نوعًا من أنواع الكتابة عن الذات أو من خلال الذات، هناك أنواع متعددة من الكتابة عن الذات، مثل: السيرة الذاتية والسيرة الذاتية ذات الطابع الأدبي والذكريات، بالإضافة إلى أدب الرحلة الذي يسجل فيه كاتبه نشاطًا محددًا مارسه في مرحلة من حياته؛ وهناك كذلك ما يسمى بالمذكرات، ويمكن أن نميز فيما يطلق عليه مسمى المذكرات بين شكلين مختلفين تمامًا: الأول الذكريات والثاني اليوميات، ورغم أن كلاهما يحمل مسمى المذكرات إلا أن هناك اختلافات جوهرية بينهما.

وهناك فروق واضحة بين هذه الأنواع التي تندرج تحت عنوان الكتابة عن الذات، من حيث سياق انتاجها، وأسلوب كتابتها، وفي القصد من وراء تدوينها، وفارق في موضعها بين أنواع السرد المختلفة، وفي موقعها بين مصادر دراسة التاريخ، وفي قيمتها كمصدر أولي لكتابة التاريخ، فضلًا عن التفاوت الزمني بين ظهور هذه الأنواع عمومًا، وظهورها ورسوخها في الثقافة العربية والمصرية بشكل خاص؛ وقد ظهرت جل هذه الأنواع منذ القرن التاسع عشر بين المصريين، وبين بعض من عاشوا في مصر وعملوا فيها لفترات متفاوتة.

 بين كل هذه الأنواع هناك نوع يعتبر الأكثر أهمية ومصداقية كمصدر أولي لدراسة التاريخ، إنه اليوميات التي يدون فيها صاحبها ما يفعله ويقع له وما يمر به في حياته يومًا بيوم، أو يقوم بالتدوين بشكل متقطع كل عدة أيام على فترات متقاربة، وبعض هذه اليوميات تبدأ مع بداية ارتباط صاحبها بالعمل العام، أو مع وصوله لسن معين، أو مع مناسبة أو حدث أثر في حياته، وقد يبدأ صاحب اليوميات بموجز لحياته قبل بدأ تدوين يومياته، وبعض أصحاب اليوميات يلتزم بالتدوين دون توقف، بينما نجد أن آخرين يتوقفون لفترات عن التدوين ثم يعودون إليه ثانية، وبعض هذه اليوميات قصد بها أصحابها أن تنشر في حياتهم أو بعد وفاتهم، والبعض الآخر كان يكتب يومياته لنفسه فقط، أو هكذا يبدو لنا، أي أننا أمام يوميات مقصودة كمصدر للتأريخ وأخرى غير مقصودة، وهذا النوع الذي لم يقصد به أصحابه النشر يكون أكثر مصداقية عادة.

 هذا ويختلف الباحثون حول اعتبار اليوميات مادة وثائقية، فبينما يذهب بعض المؤرخين إلى اعتبارها نوعًا من الوثائق الخاصة، يرى الأرشيفيون أن المعايير العلمية للوثيقة الأرشيفية لا تنطبق عليها، وأنها أقرب للإنتاج الفكري الذي ينبغي أن يحفظ في المكتبات، وربما يرجع جذر هذا الاختلاف إلى فهم المصطلح لدى كل طرف.

 فتعريف الوثيقة لغة هي ما يحكم به الأمر، وهي المستند وما جرى مجراه، أي أن المعنى اللغوي للكلمة يتضمن إشارة إلى الشيء الذي يرجع إليه ويعتد به في تحديد الأمور المختلفة بشكل عام، ومن هنا يمكن أن نطلق المصطلح على مستند قانوني أو إداري أو علمي، لكن المعنى الاصطلاحي للوثيقة في مجال دراسات الوثائق والأرشيف أكثر تحديدًا، حيث يقصد بها: المكتوب أو المستند الذي تمت صياغته في قالب أو شكل خاص، الذي ينتج كإفراز طبيعي من خلال ممارسة البشر أفرادًا ومجتمعات لنشاطهم اليومي، ويتضمن فعلًا قانونيًا أو واقعة قانونية أو عملًا إداريًا.

أما التعريف المعجمي لليوميات فيعرفها بأنها السجل الذي يدون فيه الشخص انطباعاته يوميًا، وهي المذكرات التي يدونها صاحبها يومًا بعد يوم، فهي نصوص دونها أصحابها بشكل قصدي ليسجلوا ما يمروا به في حياتهم العامة أو الخاصة أو كلتاهما يومًا بيوم، وفي التعريفات الاصطلاحية "عبارة عن محكي حميمي وشخصي، يكتب من يوم لآخر، ليس محكيًا استعاديًا إذ لا يتيح للمؤلف إمكان اتخاذ مسافة من الأحداث المروية،" كما تُعرّف بأنها "متوالية من النصوص، تكتب بشكل يومي، غير محددة بزمن معين، تبدأ أو تذيّل بتاريخ اليومية، يتم فيها تقييد الأحداث أو المواقف أو المقابلات أو الانطباعات والآراء، من وجهة نظر معينة، تختلف باختلاف الاهتمامات والأهداف"؛ أي إنها كتابة حرة لا تخضع لقالب محدد في صياغتها، ولا تهدف لإثبات الحقوق القانونية أو إنشائها، كما أنها لا تنظم عملًا إداريًا، وليس هناك إلزام بكتابتها.

 وقد ارتبط ظهور الدراسات الوثائقية الحديثة في أوروبا بالتحديث وبظهور الدولة القومية بشكل أساسي، ويشمل هذا الأمر الدراسات الوثائقية بشقيها؛ أي اتخاذ الوثيقة موضوعا للبحث من جانب، واعتمادها مصدرًا للمعلومات خاصة في مجال الدراسات التاريخية من جانب آخر، ولا يختلف الحال في العالم العربي عنه في أوروبا؛ فقد بدأ الاهتمام بحفظ الوثائق ثم استخدامها كمصادر للدراسة التاريخية مع تكوين الدولة الحديثة ومؤسساتها وظهور الأفكار القومية، كما ارتبط كذلك بموجة المد الاستعماري الأوروبي الزاحف على المنطقة العربية وما صاحبه من اهتمام استشراقي بدراسة المنطقة وتاريخها.

  وهي الفترة ذاتها التي بدأ فيها الاهتمام بالمذكرات الشخصية واليوميات والكتابات عن الذات عمومًا، فقد ارتبط هذا الاهتمام بالتحولات المصاحبة بالتحديث والحداثة، وإن تأخر الاهتمام بها لدينا عن الاهتمام بالوثائق قليلًا، ورغم أن بعض أشكال الكتابة عن الذات قديمة ترجع إلى ما قبل الحداثة بكثير، في معظم الثقافات الإنسانية بما فيها الثقافة العربية، فإن التعامل معها كمصادر للتاريخ بعد أن تحول إلى علم أمر حديث، مثلما الحال مع الوثائق الأرشيفية.

 وربما يرجع حرص بعض المؤرخين على اعتبار المذكرات واليوميات نوعًا من الوثائق إلى حالة "الولع بالوثائق" التي أصابت المؤرخين منذ تحول الوثائق إلى مصدر لدراسة التاريخ، وشاعت معها مقولات مثل "الوثائق أصدق مصدر لكتابة التاريخ"، "لا تاريخ بدون وثائق"، وربما من هنا جاء الخلط في توصيف كل مصدر من مصادر دراستنا للتاريخ بأنه وثيقة تاريخية، والحقيقة أن الوثائق تكذب مثلها مثل غيرها من مصادر دراسة التاريخ، كما أن مصادر التاريخ متعددة ومتنوعة لا تقتصر على الوثائق.

 لو استخدمنا المصطلحات العلمية فلا يمكن أن نصنف اليوميات باعتبارها وثائق، لكن هذا لا ينفي أهميتها كمصدر أولي لدراسة التاريخ مثلها مثل الوثائق القانونية والإدارية التي تحتفظ بها الأرشيفات، بل ربما تفوقها أهمية في بعض الحالات، وتعلو عليها في درجة الصدقية؛  ومن الجدير بالملاحظة أننا في مصر نحفظ المذكرات التي تقتنيها الدولة في دار الوثائق القومية في إدارة الوثائق الخاصة، وقد قام مركز وثائق وتاريخ مصر الحديث والمعاصر، أحد المراكز البحثية بدار الكتب والوثائق القومية منذ الستينيات بنشر بعض ما لديه من مذكرات وأوراق شخصية، لكننا ما زلنا نكتشف كل يوم جديدًا في أوراق العائلات، ومن بين هذا الجديد هذه اليوميات التي يقدم لنا الدكتور أحمد جمال الدين موسى قرأته فيها.

إن هذه اليوميات تعد مصدرًا مهمًا لكتابة التاريخ، وللتعرف على ما وراء الأحداث الكبرى وعلى تفاصيل ما يدور في الكواليس وخلف الأبواب المغلقة، خاصة إذا كان صاحب اليوميات لا يقصد نشرها، هذا فضلًا عما تقدمه من تفاصيل للحياة اليومية لأصحابها وأسرهم، وتزداد قيمتها إذا كان من يكتبها بعيدًا عن العمل العام، فهي في هذه الحالة تقدم لنا رؤية للتاريخ من أسفل كما يقولون.

 ولا شك أن اليوميات التي لا يقصد بها أصحابها أن تنشر للرأي العام تكون أكثر صدقًا، وأكثر قيمة للبحث التاريخي، ولعل مذكرات سعد زغلول من أصدق المذكرات التي وصلتنا، وأكثرها تلقائية، حيث لم يكن هدف سعد من تدوينه على الأقل في بداية الأمر أن ينشرها، كما أنه لم يغير فيها عندما أوصى بإمكانية نشرها، ويضاهي مذكرات سعد زغلول في مصداقيتها يوميات راغب إسكندر الذي كان يكتب بتلقائية شديدة، سواء في الأمور السياسية العامة أو في الأمور المتعلقة بحياته الشخصية والأسرية، وفضلًا عن تلقائية الرجل في التدوين وعدم مراجعته لما يكتبه فإنه يكشف عن كثير من تفاصيل السياسة المصرية في سنوات الثورة الأخيرة، 1922 إلى 1924، وهذا لا يعني أن المذكرات التي يكتبها صاحبها واضعًا نصب عينيه من البداية الجمهور الذي سيقرأها مثل مذكرات أحمد شفيق غير مهمة، لكن على الباحث في التاريخ أن يتعامل معها واضعًا في اعتباره هذا الأمر.

 ويدفعنا هذا إلى التساؤل حول أخلاقيات التعامل مع المذكرات ونشرها، هل يجوز حجب بعض الفقرات أم لا؟ سواء لمن يتاح لهم الاطلاع على المذكرات من المقربين من كاتبها، أو ممن يقومون بنشرها؟ وإذا كان هذا الأمر غير جائز بالنسبة للمذكرات واليوميات التي كتبها أصحابها بهدف النشر، فهل يجوز ذلك في المذكرات التي لم يقصد بها أصحابها أن تنشر وكانوا يكتبونها لأنفسهم؟ هل إذا كان في المذكرات غير المعدة للنشر ما قد يسيء لصاحبها أو ينتقص من قدره، يمكن أن نحذف أو نحجب أجزاء من المذكرات مثلما فعل عبد الرحمن الرافعي وآخرون مع مذكرات محمد فريد؟

 وقد طرح الدكتور أحمد جمال الدين موسى على نفسه هذا السؤال عندما فكر في نشر يوميات جده، الإشكاليات الأخلاقية في نشر اليوميات بدون إذن صاحبها أو معرفة نيته أو رغبته في اطلاع الغير عليها.

وقد اختار في نهاية الأمر طريقًا وسطًا، فهو لم ينشر اليوميات نشرًا كاملًا، إنما قدم قراءة فيها، واستبعد بعض أجزائها، وحذف بعض الأسماء في حالات محدودة لعدم الأهمية، أو لتجنب احتمالات التسبب في الإساءة أو الحرج لأحفادهم، كما في حالات وقائع السرقة وغيرها من حوادث الريف.

 وقدم لها بمقدمة وافية، كما أعاد تبويب النص وفقًا للموضوعات المختلفة التي تعرضت لها اليوميات، فقسمها إلى عشرين فصلًا، تعكس واقع هذه اليوميات وتكشف عن الجوانب المختلفة في حياة صاحبها، وربط بين أحداثها ربطًا سلسًا، جعلنا أمام نص مشترك بين الجد والحفيد، وجاءت هذه القراءة الواعية لتقدم لنا صورة صادقة عن تحولات الريف المصري على مدى قرابة أربعين عامًا شهدت خلالها مصر تحولات مهمة وفارقة سياسيًا، واقتصاديُا، واجتماعيًا، وثقافيًا.

 فمصر في سنة 1926، ملكية دستورية شبه ليبرالية، خرجت من ثورة شعبية استمرت لخمس سنوات متوالية، يتصارع فيها على السلطة ثلاثة أطراف: الوفد حزب الأغلبية الذي يتمتع بشعبية جارفة، والملك الساعي لتقويض الدستور، وبريطانيا التي تلعب دورًا حاسمًا في السياسة المصرية مستندة لوجود قواتها في مصر، ويسيطر كبار الملاك على الحياة السياسية ويتولون قيادة معظم الأحزاب ويستحوذون على القسم الأكبر من الفائض الاقتصادي، والأجانب يتمتعون بنظام الامتيازات، ومع ذلك كانت البلاد تخطو خطوات كبيرة على طريق التحديث والسعي للاستقلال التام والنظام الديمقراطي السليم، ومصر سنة 1964 جمهورية نظامها شمولي، بها تنظيم سياسي وحيد، ودعت حلم الديمقراطية، شهدت تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة مع قوانين الإصلاح الزراعي وسياسات التمصير والتأميم، وشرعت في التوسع في القاعدة الصناعية، وبين العامين كانت قد جرت في النهر مياه كثيرة.

 فضلًا عما تقدمه هذه اليوميات من صور متعددة لجوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في قرية من قرى ريف الدلتا وما جاورها في الفترة من العشرينيات حتى الستينيات من القرن الماضي من خلال نشاط صاحب اليوميات وملاحظاته، فإن اليوميات تقدم كذلك متابعة للأوضاع العامة في مصر وتطور الأحداث الكبرى فيها وخارجها وانعكاسها على حياة الناس، وعن بعض الأحداث في صعيد مصر، بل وبعض الأمور خارجها من خلال تحركات أفراد العائلة وتنقلاتهم بسبب ظروف العمل، كذلك قدم الدكتور أحمد جمال الدين موسى في تقديمه لقراءته في اليوميات ملاحظات مهمة عن تطور أدوات الكتابة، من خلال الشكل المادي للمفكرات والأقلام المختلفة المستخدمة للتدوين فيها، بدءًا من القلم الكوبية، مرورًا بالريشة ثم القلم الحبر، وأخيرًا القلم الجاف، وهذا التطور يعكس تطورًا في ممارسات الناس في تلك السنوات الممتدة، وتغيير في أساليب حياتهم اليومية.

 اليوميات تبدأ بمفكرة سنة 1926 وتتوقف يوم الأحد 6 سبتمبر 1964، في ذروة مرض الشيخ موسى، والتي دون فيها عن حالته الصحية فكتب "قوى واهنة وأعضاء متراخية ورأس تدور، وكأني لا أقدر على حملها ونفس يضيق به الصدر. كل يوم يمر كأنه أضعف مما قبله. ولا أدري والله أمر من هذا أم انحلال جسماني. إليك أشكو يا مولاي وابتهل إن كان في الأجل بقية فأشفني وعافني، وإن كان هذا نذير الرحيل، فعفوًا ومغفرة وصفحًا. وفي كلتا الحالتين أطمح في رحمتك، فلا تحرمني منها يا رب العالمين".

 وفي يوم الجمعة 2 أكتوبر 1964 كتب الابن عبارة تفيد وفاة والده، صاحب اليوميات، فكتب: "في صباح هذا اليوم وفي نحو العاشرة صباحًا، انتقل إلى رحمة ربه الواسعة الوالد الشيخ موسى أحمد المنسي بعد حياة حافلة بأعمال البر والخير، فاللهم ارحمه برحمتك الواسعة، واجمعنا به في جنات الخلد يا رب العالمين. عبد الفتاح".

 وقد رصد الدكتور أحمد جمال الدين موسى فقدان مفكرات تسع سنوات متفرقات، وهي خسارة كبيرة، خاصة أن بينها سنوات شهدت أحداثًا مهمة في تاريخ مصر والعالم، مثل عام 1935 الذي عاد فيه دستور 1923 بعد انتهاء أطول انقلاب دستوري في تاريخ مصر في الحقبة شبه الليبرالية، وعام 1939 الذي بدأت فيه الحرب العالمية الثانية، وعام 1942 الذي وقعت فيه حادثة 4 فبراير الشهيرة، وكذلك انتصار مونتجومري في العالمين، فبلا شك كنا سنجد في مفكرات هذه السنوات تعليقات كاشفة عن رؤية ما كان يحدث.

 كما لاحظ كذلك وجود فراغات في مفكرات أخرى تستمر عدة أسابيع، وأحيانًا عدة شهور، وهذا أمر معتاد في كثير من اليوميات، لانشغال صاحبها في بعض الفترات وتوقفه عن الكتابة، وفي بعض الأحيان يلجأ أصحاب اليوميات إلى كتابة مختصر للفترات التي توقف فيها عن الكتابة أو يقدموا تفسيرًا لتوقفهم بين التاريخين.

***

 إننا أمام يوميات لرجل ينتمي إلى الطبقة الوسطى الريفية، تعلم تعليمًا أزهريًا، وعمل كمعلم بالمدرسة الأولية في قريته، ثم تولى إمامة وخطابة مسجدا الكبير، وعمل مأذونًا شرعيًا للناحية. وامتلك أرضًا زراعية، كان مراعيًا لها دومًا، كما اشتغل بالتجارة.

 يقدم الرجل نفسه في افتتاح التدوين في واحدة من مفكراته على النحو التالي: "هذه المفكرة تخص الفقير إلى الله الغني المغني موسى أحمد السيد منسي من المقاطعة مركز السنبلاوين دقهلية، ومأذون الشرع الشريف وأحد التجار وخطيب وإمام بالبلدة المذكورة، أصلح الله أحواله وبلغه في الدارين آماله، ووفقه لما يحبه ويرضاه، واجعله يوم القيامة من حزب لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم آمين. الكتابة في هذه المفكرة عبء علي، فأعني من كل نبع قطرة ومن كل شجرة ثمرة".

 ولا شك أن تعدد مسارات حياته تكسب هذه اليوميات قيمة فوق قيمتها، فهي تقدم لنا تفاصيل كثيرة عن كل مجال من مجالات نشاطه.

 ففي مجال الزراعة هناك الكثير حول تعاملات المزارع مع الجهات الحكومية، فالشيخ يدون في يومياته بشكل دقيق كل ما يطلبه من بذور وتقاوي وأسمدة ومبيدات، وأسعارها، والإجراءات المتبعة للحصول عليها، ونستطيع أن نتعرف من خلالها على مدى كفاءة الجهاز الحكومي وسرعته في الأداء، ونلاحظ كيف بدأ تدهور الأوضاع في الخدمات الزراعية اعتبارًا من 1954، فيحدث تأخير في توريد البذور، مع زيادة خيالية في أسعار التقاوي.

 كما يرصد المشكلات المتعلقة بمياه الري، وموجات هجوم الآفات الزراعية، وهذا مثال لما كتبه في يوميات الأحد 30 يوليو 1961: "آيات من الله تتوالى وحسرات من القلوب تتصعد، فتزفر الحميم والجحيم. آفات زراعية أكلت الأخضر واليابس، وغلاء في أسعار الحبوب، حتى أصبح الفقير لا يجد 65 قرشًا ليدفعها ثمن كيلة ذرة واحدة، وجفاف للمياه من جميع مصادرها، حتى كاد الهلاك يعم الإنسان والحيوان والزروع. وليست لنا حيلة إلا الالتجاء إلى الله والتضرع إليه أن يمد إلينا يده الرحيمة، فينقذنا ويعافينا ويرفع عنا ما نزل بنا، إنه بالمؤمنين رؤوف رحيم".

 ونتعرف على بعض أشكال علاقات العمل في الزراعة في هذا الوقت، والنظام المتبع فيها، حيث كان يتبع نظام المزارعة الذي يقوم على الشراكة بين صاحب الأرض والفلاح المزارع، كذلك نتتبع أسعار الأراضي الزراعية، حيث تكرر بيعه وشرائه لمساحات من الأرض، وفي كل مرة كان يسجل سعر الفدان بدقة.

 ويرتبط بنشاطه الزراعي تربية الماشية والدواجن والنحل، وتقدم لنا اليوميات تفاصيل مهمة عن الأسعار، ومتطلبات هذا النشاط الريفي من تجهيزات وعمالة.

 وتقدم لنا اليوميات نشاطه التجاري في القرية، والسلع المتنوعة التي كان يتاجر فيها، ومصادر حصوله عليها من المنصورة والسنبلاوين، وأحيانًا من متاجر كبيرة في القاهرة، مثل أورذدي بك، الذي أصبح عمر أفندي فيما بعد، وتكشف هذه التدوينات في اليوميات عن تطور الأسعار، وعن موجات الغلاء والتضخم والكساد، وعلاقة كل هذا بالأوضاع على الساحة الدولية؛ واستشهد هنا بعدة تدوينات في عامين متواليان، تكشف عن تأثر السوق المحلي بالمتغيرات في الأسواق العالمية.

 فكتب في 14 مارس 1946: "سافرت إلى السنبلاوين لمشتري بضاعة للدكان، ومنها إلى المنصورة. وقد لفت نظري ورود بضائع في السوق لم تكن موجودة من قبل ورخص أسعارها، مثل وابور بريموس ولوازمه، وأجهزة راديو كثيرة، وأكواب وأواني زجاجية واردة من أمريكا، أصلح الله الأحوال".

 وفي 21 يناير 1947 كتب: "سافرت إلى السنبلاوين لمشترى بضاعة، وأثمان المني فاتورة في هبوط محسوس، وحالة السوق في الأخذ والعطاء تكاد تكون متوقفة"؛ ثم في 25 يناير: "نزول مستمر في أسعار المني فاتورة بواقع نحو 30 في المائة عن الأسبوع الماضي"، وفي 11 فبراير: "سوق المني فاتورة فاترة، بل وواقعة، وقل الأخذ والعطاء والأمر لله سبحانه وتعالى"؛ ثم في 1 مارس: "هبوط مستمر في معظم الأثمان، وخصوصًا المني فاتورة وفي الحاجيات العامة، ونسأل الله النجاة والسلامة"؛ وفي 15 يوليو كتب: "ارتفاع في ثمن المني فاتورة والبقالة بخصوص تغيير نظام العملة بالإسترليني".

 كذلك نتعرف من خلال اليوميات على الإجراءات اللازمة لفتح المتجر في ذلك الزمن، وما كان يحتاج إليه من تصاريح، والجهات التي تتولى التفتيش على التزام المتجر بالشروط الصحية، ونتعرف كذلك على إجراءات التعامل مع التموين عندما أصبح متجره ضمن المتاجر التي تتولى توزيع الحصص التموينية، والمشاكل التي واجهته بسبب ذلك.

 ومن الطرائف المرتبطة بعمله في التجارة، ضمن ما كتبه في يوميات شهر أبريل 1943؛ طرفة سطو الفئران على الدكان، والتي أبرزها الدكتور أحمد جمال الدين موسى بين ما اختاره من تدوينات، فكتب في يوم الأربعاء 21 إبريل 1943: "اكتشفت سطو الفئران على درج به جزء من النقدية المدخرة. وقد أكلت ورقة مالية بمبلغ مائة جنيه، ولم يبق إلا ثلثها، كما أنها نقلت من درج إلى آخر عدة أوراق نقدية صغيرة وأكلت منها الكثير"؛ ويضيف في يوم 24: "نشرت جريدة المصري خبر عبث الفئران بأوراقنا المالية. وقد غالت الجريدة بجعلها سبعمائة جنيه، وأدعت بأن النيابة والإدارة حضروا للمعاينة، ولم يحصل شيء من ذلك. وقد صارت هذه المسألة احدوثة في أفواه الكثيرين، وكثرت علينا الأسئلة من كل ناحية، وحضر إلينا بعض الأصدقاء والرفاق يسألوننا حقيقة الأمر". ثم يذكر في 26 إبريل: "سافرت إلى السنبلاوين، وقابلت الحاج صالح عبد الدايم، وقد كنت أعطيته الورقة ذات المائة جنيه لصرفها، والحمد لله قد صرف قيمتها من البنك بعد جهد كما عرفنا، وأصبحت هذه المسألة كأنها منتهية، وإن كانت الرواية أضيف لها فصول وممثلين لا عدد لهم ولا حصر".

  كذلك تتحدث اليوميات عن الإجراءات المرتبطة بعمله كمأذون شرعي، وعلاقته بالمحكمة الشرعية، وما يصادفه من مشكلات في هذا العمل، وتفاصيل علاقة المأذون بالقاضي في المحكمة الشرعية وبجهة الإدارة.

 ومن الأمور اللافتة للنظر في اليوميات المرتبطة بعمله كمأذون شرعي، ما لاحظه في يوليو وأغسطس عام 1960 من زيادة واضحة في حالات الزواج في نطاق القرية والعزب المجاورة لها والتي تدخل في نطاق عمله، ثم تبين لها أن الظاهرة أعم من ذلك عندما اكتشف أن دفاتر عقود الزواج والطلاق قد نفدت من محكمتي السنبلاوين والمنصورة، ونعرف تفسير الظاهرة من يوميات ختام شهر يوليو، التي كتب فيها: "ظاهرة غريبة وإشاعة راجت وقويت بقرب صدور قانون يحرم عقد زواج لمن لم يؤد الخدمة العسكرية أو يعافى منها نهائيًا. وكان من جراء ذلك أن كثرت عقود الزواج على غير قياس، وتهافت الناس على الإكثار والإكثار منها، حتى لم يعد في المحكمة الشرعية دفاتر عقود زواج". ثم في يومية 31 أغسطس 1960، حيث كتب: "اليوم انتهى شهر اغسطس، وقد وقعت فيه ظاهرتان جديرتان بالملاحظة والتسجيل: الأولى كثرة عقود الزواج بما لم يسبق لها مثيل حتى انها جاوزت المعقول، وذلك ناشئ عن إشاعة منع الزواج إلا بعد استيفاء الخدمة العسكرية، وهي إشاعة باطلة. والثانية فراغ معظم الناس من جني أقطانهم على غير العادة".

  كذلك تضمنت اليوميات تفاصيل كثيرة عن جوانب مختلفة من حياة المجتمع الريفي، مثل: المناسبات الاجتماعية والدينية، والأعياد والمواسم والاحتفالات، والنشاط الصوفي، والطقوس المرتبطة بالميلاد والزواج والوفاة، ووسائل الانتقال وتطورها، ووسائل الاتصال الحديثة، كدخول الراديو والتلفزيون والتليفون، كذلك تطور المعمار والصناعة في الريف، كذلك تتحدث اليوميات عن أزمات مرت بها القرية وما جاورها، مثل نقص مياه الشرب، والتقلبات الجوية، كذلك تناول كثير من الجرائم والحوادث التي تقع في القرية، كما تعرضت اليوميات للأوضاع الصحية داخل العائلة، مع إشارات لبعض الحالات العامة مثل حالات الأوبئة التي ضربت البلاد.

وتضمنت اليوميات تفاصيل كثيرة عن رحلات صاحب اليوميات للحج، ورحلات بعض أفراد الأسرة، مما يجعل هذا النص في جانب منه متداخلًا ما بين اليوميات وأدب الرحلة.

 ورغم أن اليوميات تناولت تفاصيل كثيرة في الحياة الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية، والحياة الأسرية بالطبع، إلا أن صاحبها يكتب في واحدة من يومياته: "لا أريد أن أخوض في السياسة الوطنية، ولكن أحداثها وخطوبها تفاقمت وتعاظمت"، ومع ذلك وردت في اليوميات أخبارًا متفرقة عن الانتخابات في عصور مختلفة، بداية من التسجيل في قوائم الناخبين سنة 1926 حتى انتخابات مجلس الأمة سنة 1964، كما تعرض لبعض الأحداث المحلية والدولية المهمة، مثل: الانقلاب الدستوري سنة 1930، واخبار الاحتجاجات ضد حكومة إسماعيل صدقي، ووفاة الملك فؤاد، والحرب العالمية الثانية، واغتيال أحمد ماهر، وإلغاء معاهدة 1936، وأزمة مارس 1954، ومعاهدة الجلاء، والعدوان الثلاثي، والوحدة المصرية السورية، وثورة العراق، ثم الانفصال.

 ويتابع صاحب اليوميات أيضًا أحداثًا عالمية علمية مهمة مثل إطلاق الاتحاد السوفيتي أول صاروخ إلى الفضاء، فيكتب في 7 أكتوبر 1957: "تناولت الصحف والإذاعة والأخبار المحلية والأجنبية خبر انطلاق القمر الروسي ببالغ الاهتمام، وإنه لخبر يذهل، وإنه لحادث هام يدعو إلى التفكير العميق والعميق".

   كما تظهر في اليوميات تدوينات كثيرة تتعلق بأصدقائه ومعارفه، ومن بينهم شخصيات لعبت أدوارًا في الحياة العامة، مثل الشيخ محمود شلتوت والشيخ حسنين مخلوف والشيخ أبو الوفا الشرقاوي، هذا بالطبع إلى جانب الحديث عن أفراد أسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة، ومتابعته الدائمة لأحوالهم.

 كما تظهر في اليوميات مساحات واسعة من الحوار مع الذات حول قضايا وجودية، وتأملات وخواطر، ومناجاة، ودعاء، واستغفار.

***

 لفت الدكتور أحمد جمال الدين موسى في مقدمته ليوميات جده الانتباه إلى أن تلك اليوميات كاشفة عن حال الريف المصري ثقافيًا في النصف الأول من القرن العشرين؛ وكيف كان الريف منفتحًا على موجات التنوير، فيقول: "هذا ما نراه منعكسا في مفكرات جدي الشخصية؛ فعلى الرغم من أنه لم يسافر قط إلى أوروبا، ولم يتلق غير تعليم أزهري متوسط، وعاش طوال حياته في قرية صغيرة في ريف الدلتا، فإنه كان منفتحًا بقوة على نواتج الموجة التنويرية التي ساهم فيها لطفي السيد والدكتور هيكل وغيرهما."  ويؤكد على أنه "يمكن أن نرصد في مفكرات جدي العديد من أوجه الاهتمام بالمعرفة والشغف نحو التقدم والنهضة"، ويقدم أمثلة عدة على حالة الجد كنموذج دال على ما كان عليه الوضع وقتئذ، مثل الحرص على متابعة الصحافة والاشتراك في مطبوعاتها، والزيارات المتكررة لمعرض الجمعية الزراعية الملكية في القاهرة، وزيارة المتاحف، وحضور العروض المسرحية.

 وهنا يلح علينا السؤال المشروع الذي يطرحه الدكتور أحمد جمال الدين موسى: أين ذهبت هذه الرغبة العارمة في الرقي والتطور التي شغلت المصريين نحو قرن من الزمان؟ ولماذا فشلت النخبة؟

  في الحقيقة أنه بقدر ما تدفعنا هذه اليوميات عبر قراءة الحفيد في مفكرات الجد إلى طرح هذا السؤال، تدفعنا إليه أيضًا نصوص أخرى ظهرت مؤخرًا، أذكر منها ما نشره منذ ثلاثة أعوام الدكتور علي الحفناوي من مذكرات والده الدكتور مصطفى الحفناوي، وما نشرته مؤخرًا الدكتورة سامية محرز عن جدها إبراهيم ناجي من خلال ما وجدته من أوراقه، وأوراق الشيخ أحمد محمد إسماعيل الأمير، التي حققها ونشرها سعد عبد الرحمن مؤخرًا بعنوان التعليم المصري في نصف قرن أفكار وآراء ومقترحات مدرس تعليم أولي، ثم ما صادفته في تحقيقي لمذكرات النفي لمصطفى النحاس والتي صدرت منذ ثلاثة أعوام، وفي مذكرات راغب إسكندر المحامي والبرلماني الذي كان ينتمي إلى الطبقة الثالثة من الوفد المصري، كذلك ما صادفته في كتيب صغير عن تجربة المراكز الريفية التي عرفتها مصر في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، وكل هذه الأعمال تتضمن إشارات واضحة ودالة تؤكد ما جاء في يوميات الشيخ موسى منسي، وما أعرفه كذلك من حكايات عائلتي التي ترجع أصولها إلى ريف الدلتا كذلك، وتنتمي إلى الطبقة الوسطى الريفية، وبين أفرادها نماذج عدة مشابهة لهذا النموذج، كل هذه الشواهد تثبت أن الأمر ليس ظاهرة فردية، بل حالات متكررة، وتجعل الحاجة إلى الإجابة على السؤال الذي طرحه الدكتور أحمد جمال الدين موسى أكثر إلحاحًا، بل وتطرح علينا عدة أسئلة منبثقة من السؤال الأصلي.

 فحقًا، ماذا جرى؟ ولماذا؟ وكيف حدث هذا؟  

***

 ختامًا؛ إن إقدام الدكتور أحمد جمال الدين موسى على تقديم هذه القراءة الشيقة والعميقة والدالة في الوقت نفسه في أوراق جده تعد بحق خدمة للثقافة المصرية عامة وللبحث التاريخي خاصة؛ إننا أمام مصدر مهم للغاية لمن يريد دراسة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مصر بين عشرينيات وستينيات القرن العشرين، ولمن يريد أن يدرس تفاصيل الحياة في ريف الدلتا في تلك الحقبة، ولمن يعنى بدراسة التاريخ من أسفل، وبمعرفة آراء الناس وسماع أصواتهم.

 إن هذه اليوميات وغيرها من أوراق العائلات التي لم يشارك أفرادها في العمل العام تشكل مادة خام ثرية تسمح لنا بإعادة كتابة تاريخنا الحديث بعيدًا عن الرؤية الرسمية.

الاثنين، 25 يوليو 2022

أيام الثقافة المصرية في جينف ... امتزاج الكلمة والصورة

 

أيام الثقافة المصرية في جينف

امتزاج الكلمة والصورة

عماد أبو غازي



  الزمان: الساعة الثانية وخمسة وأربعون دقيقة من بعد ظهر يوم الأربعاء 30 أبريل سنة 2008.

  المكان: سراي المعارض الكبرى (بالكسبو) بمدينة جنيف.

  المناسبة: افتتاح صالون جينف الدولي الثاني والعشرين للكتاب والصحافة.

  الحدث: وصول السيد باسكال كوشبان رئيس الاتحاد الفيدرالي السويسري إلى بالكسبو، حيث كان في استقباله السيد بيير مارسيل فافر مدير الصالون وكبار المدعويين ورؤساء الوفود المشاركة، وقام رئيس الاتحاد السويسري بقص الشريط وتفقد الأجنحة الرئيسية للصالون.









 في الساعة الثالثة وخمسة وثلاثين دقيقة وصل الموكب إلى الجناح المصري وكان في استقباله الدكتور ناصر الأنصاري رئيس الوفد المصري نيابة عن الفنان فاروق حسني وزير الثقافة، وحضر افتتاح الجناح المصري المفكرين والأدباء والكتاب المصريين الذين شاركوا في البرنامج الثقافي المصري بالصالون ومنهم: محمد سلماوي وجابر عصفور وزينب رضوان وآدم حنين ووحيد عبد المجيد وجاب الله علي جاب الله وإبراهيم أصلان وفايزة هيكل وغيرهم...

 كما حضر الافتتاح عدد من المصريين المقيمين بجنيف والذين شاركوا في أنشطة الجناح المصري ومنهم رشيدة تيمور وفوزية أسعد وجميل عطية إبراهيم وليلى الوكيل وفوزية العشماوي.....

 وقدم الدكتور فتحي صالح عرضا لكلتوراما الثقافة والحضارة المصرية، ثم قدم تخت شرقي من دار الأوبرا المصرية مقطوعة موسيقية.




 لقد استضافت مدينة جينف السويسرية على مدى خمسة أيام الثقافة المصرية ضيفًا للشرف في صالون جينف الدولي للكتاب والصحافة، ويعد صالون جنيف للكتاب والصحافة، ثاني أهم معرض فرانكفوني للكتاب بعد معرض باريس، وفي هذا العام انعقدت الدورة الثانية والعشرين للصالون الذي يعد حدثًا ثقافيًا مهمًا في مدينة جنيف السويسرية، ويختار الصالون الذي تنظمه هيئة ثقافية مستقلة في كل عام دولة لتكون ضيفًا للشرف، في هذه الدورة وقع الاختيار على مصر.

 وعلاقة مصر بالكتاب وصناعته قديمة قدم تاريخ مصر المكتوب الممتد لأكثر من خمسة آلاف عام، فقد ابتكر المصرى القديم الكتابة التصويرية فى الآلف الرابع قبل الميلاد، كما اخترع المصريون القدماء البردى كمادة للكتابة، وسرعان ما كان للمصريين إنتاجًا فكريًا مدونًا على أوراق البردى وعلى جدران المقابر والمعابد، وفى العصر البطلمى احتضنت الإسكندرية أكبر مكتبة فى العالم القديم، وعبر مصر عرف العالم الكتاب المجلد نقلاً عن الأحباش، وعرف المصري الكتاب كوعاء للمعرفة عبر عصور حضارته مدونًا بالأقلام واللغات التي تتابعت على أرض مصر، الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية من الأقلام المصرية القديمة، ثم اليونانية والقبطية والعربية وإذا كانت فترة العصور الوسطى قد خلفت عشرات الآلاف من المخطوطات العربية والقبطية واليونانية فى مصر، وعرفت لفترة محدودة أشكالًا من ألواح الطباعة، فإن طباعة الكتاب بالمطابع الحديثة لم تستقر في مصر إلا فى القرن التاسع عشر الميلادى في عصر محمد علي، وفى ذلك القرن أيضًا ـ القرن التاسع عشر ـ دخلت الصحافة إلى مصر، ومنذ ذلك الحين تطورت الصناعاتان تطورًا كبيرًا.

                                    ***************

 اتسم الجناح المصري بالتميز، لقد صمم هذا الجناح مصمم مصري متميز هو المهندس محمد عبد الكريم الذي أخرج تحفه فنية تجمع بين عراقة الحضارة المصرية القديمة في واجهة معبد سوداء ضخمة يعبر الزائر من خلالها إلى ساحة مفتوحة مضيئة تسمح بزيارة سلسة مريحة بين أرفف الكتب، هذه الأرفف تبسيط لأعمدة المعبد.






**************

 ولم تقتصر مشاركة مصر في صالون جينف على عرض الكتب المصرية والذي شارك فيه قرابة عشرين دار نشر حكومية وخاصة، ولا على القسم الذي ضم أعمال الكتاب والروائيين والباحثيين المصريين المترجمة إلى الفرنسية وإلى غيرها من اللغات الأوروبية والذي ضم كذلك مؤلفات متنوعة عن مصر وحضارتها العريقة وثقافتها المعاصرة، لكن الجناح المصري اشتمل كذلك على برنامج ثقافي متنوع، تضمن مجموعة من الأنشطة الثقافية داخل المعرض وخارجه تعكس واقع الثقافة المصرية الراهن وتراث مصر الثقافى والحضارى، حيث قدم الجناح المصرى عرضًا تفاعليًا عن التراث الحضاري المصري، بالإضافة إلى مجموعة من الندوات والأنشطة الثقافية تدور حول موضوعات وقضايا مختلفة، تناقش الخصوصية الثقافية والعولمة، والترجمة وحوار الحضارات، والمرأة فى الثقافة العربية، ومسيرة المرأة المصرية في العصر الحديث. وخصص البرنامج ندوات تتناول الفنون والأنواع الأدبية المختلفة في مصر حديثها وقديمها، فهناك ندوة حول مئوية السينما المصرية، وأخرى بعنوان مئة عام من الفن التشكيلى فى مصر، وندوة ثالثة عن تطور الرواية العربية في مصر من خلال الدور البارز لنجيب محفوظ، وأخرى عن توفيق الحكيم وتطور المسرح المصرى، ثم ندوة عن آثار مصر القديمة.



  وأقيم أسبوعًا للسينما المصرية على هامش المعرض، شمل عروضًا لخمسة أفلام مصرية لخمسة مخرجين يمثلون مدارس وأجيال مختلفة، صلاح أبو سيف وفيلمه القاهرة 30 المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ القاهرة الجديدة، توفيق صالح وفيلمه يوميات نائب في الأرياف عن رواية توفيق الحكيم، ويوسف شاهين وفيلمه الأرض عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، ثم المومياء لشادي عبد السلام، ويادنيا يا غرامي لمجدي أحمد علي.

 كما صاحب ندوة مئوية السينما المصرية التي تحدثت فيها سلمى مبارك عرضًا لأول فيلم مصري روائي قصير صامت، فيلم برسوم يبحث عن وظيفة (1923) للمخرج الرائد محمد بيومي، وقد لفت الفيلم انتباه الجمهور السويسري حيث كشف عن التطور المبكر لفن السينما في مصر.





*****************

 لقد تميزت المشاركة المصرية في صالون جينف بامتزاج الكلمة بالصورة، كما تميزت بكثافة المرئي وتنوعه، بدأ من كلتراما التراث المصري، التي كانت تستقبل زائر الجناح المصري، والتي حققت نجاحًا في التعريف بالحضارة المصرية عبر عصورها المتوالية، وتعد كالتراما التراث المصري من الإنجازات المهمة لمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بالقرية الذكية، والبانوراما عرض يعتمد على التقنيات الحديثة وعلى إمكانيات الكومبيوتر في تقديم صورة حية للحضارة المصرية منذ أقدم العصور، وهذا المشروع من ابتكار الدكتور فتحي صالح ويعاونه في العرض مجموعة متميزة من الشابات والشبان الذين يقدمون نموذجًا تفخر به مصر، وقد كان هذا العرض الذي يقدم من خلال تسع شاشات كومبيوتر عملاقة يستقبل الزائرين في مدخل الجناح المصري ويعاد عرضه خمس مرات على مدار اليوم يلقى إقبالًا غير عادي.



***************

 ولم تقدم الآثار من خلال الكلتراما وحدها، بل كانت الآثار المصرية موضوعًا لندوة شارك فيها ثلاثة من علماء المصريات جاب الله علي جاب الله وفايزة هيكل وجون ليك شاباز، كانت الندوة مصحوبة بعرضين مصورين الأول حول اكتشافات الآثار الغارقة، الموضوع الذي تحدث عنه الدكتور جاب الله في محاضرته، والثاني عن تجسدات الحضارة المصرية في التخطيط العمراني والعمارة والآثاث في أوروبا، العرض الذي صاحب محاضرة الدكتورة فايزة هيكل عن الولع بمصر أو الإيجيبتومانيا.



****************

 وبقدر ما كان للحضارة المصرية القديمة حضورها الذي تضاعف من خلال معرض مصاحب للآثار المصرية والمستنسخات بقاعة المعارض الرئيسية، كان للفن التشكيلي المصري المعاصر نصيبًا من خلال ندوة عن مئوية الفنون الجميلة في مصر شارك فيه الفنانون آدم حنين وأحمد فؤاد سليم ومحمد بغدادي الذي تحدث عن فن الخط العربي في محاضرة مصحوبة بعرض مصور لتطور هذا الفن.



*****************

 كما قدمت الفنانة نازلي مدكور معرضًا رائعًا في ركن من أركان الجناح المصري عرضت فيه نسخة من التحفة الفنية التي انجزتها، ليالي نجيب محفوظ مصحوبة برسوم نازلي مدكور، وهي طبعة محدودة حيث أن رسوم جميع النسخ أصول جرافيكية ملونة وموقعة من الفنان، وقد جذبت نسخة الكتاب التي عرضت في خزانة زجاجية مغلقة الجمهور السويسري، وقد أحاطت بالكتاب نسخة من اللوحات نفسها.

*****************

 أما العمارة المصرية الحديثة فقد حضرت من خلال معرض الملصقات الذي نظمته الدكتورة ليلى الوكيل أستاذة العمارة بجامعة جينف وعضو الجمعية المصرية السويسرية، وقد ضم المعرض اثنا عشر ملصقًا لعمارة القاهرة الخديوية، وقدم نماذج من تلك العمارة التي ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.




**************

 أما المعرض الثاني الذي شاركت به مصر بالتعاون مع المؤسسة الثقافية السويسرية (بروهلفتيا) كان معرض الشيخ إبراهيم بوركهارت وضم ثمانية عشر لوحة كبيرة رسمت أوائل القرن التاسع عشر تحكي حياة الرحالة السويسري يوهان لودفيج بوركهارت، الذي زار المشرق العربي فى مطلع القرن التاسع عشر وقام برحلة إلى مصر وبها مات ودفن عام 1817.

 لقد ولد بوركهارت في مدينة لوزان في 25 نوفمبر من عام 1784 وأمضى طفولته في مدينة بازل في منزل أسرته الذي تحول الآن إلى متحف، وقد تلقى الصبي الصغير تعليمه الأولي مع أخواته على أيدي مدرسين خصوصيين بمنزل أسرته ببازل، وفي سن السادسة عشرة سافر ليدرس القانون والفلسفة والتاريخ في مدينتي لايبزيج وجوتيجن بألمانيا حاليا، وقضى هناك خمس سنوات بين عامي 1800 و1805، كانت عائلته تعده للعمل في المحاماة أو الدبلوماسية أو التجارة، لكن الأقدار كانت تخبئ له مسارًا آخر.

 عندما عاد الشاب يوهان لودفيج بوركهارت وهو في الحادية والعشرين من عمره إلى بازل لم يجد عملًا بسهولة، فسافر بعد فترة إلى لندن بحثًا عن عمل هناك، لكنه لم يوفق رغم ما كان يحمله من شهادات دراسية ورسائل توصية، وبعد عامين من المعاناة حصل الشاب على أول وظيفة له في لندن، وهنا لعبت المصادفة دورًا كبيرًا في تغيير مسار حياته، وفي دفعه إلى علاقة بعالم جديد لم يفكر في اقتحامه من قبل، أفريقيا والشرق، إلتقى بوركهارت بالسير جوزيف بانكس رئيس الجمعية الأفريقية، أو "جمعية تشجيع اكتشاف المناطق الداخلية من أفريقيا" التي تأسست عام 1788 في لندن، فحتى ذلك الحين لم يكن لدى الأوروبيين معرفة دقيقة بالأجزاء الداخلية من القارة الأفريقية، وكانت معرفتهم قاصرة على المناطق الساحلية وقليل من الأجزاء الداخلية من بعض البلدان مثل مصر، وقام السير بانكس بإلحاق بوركهارت بالجمعية وكلفه بالسفر إلى وسط وغرب أفريقيا، إلى حوض النيجر عبر مصر، وعند هذه النقطة تحولت حياة بوركهارت تمامًا.

 كانت الرحلة تحتاج إلى إعداد خاص للتمكن من تحقيق أهدافها، فقامت الجمعية الأفريقية بإرسال بوركهارت إلى جامعة كمبردج لتعلم اللغة العربية، ودراسة الكيمياء والفلك وعلم الفلزات والطب.

 وفي شهر فبراير من عام 1809 بدأ بوركهارت ـ ولم يكن قد بلغ الخامسة والعشرين بعد ـ الرحلة إلى الشرق، أبحر متجها إلى مالطا، ومنها إلى مدينة حلب السورية التي وصلها في شهر يوليو، وقضى هناك ثلاث سنوات لمزيد من تعلم اللغة العربية والتعرف على الثقافة المحلية في منطقة المشرق العربي، وأثناء إقامته في حلب أطلق بوركهارت لحيته على الطريقة الشرقية وارتدى ملابس عربية وسمى نفسه الشيخ إبراهيم بن عبد الله، ثم أعلن اعتناقه الإسلام واتجه إلى دراسة القرآن.

 وخلال إقامته بحلب قام بوركهارت بالترحال في المناطق المحيطة بها، فتجول بين عدد من المدن السورية كما توجه إلى شمال العراق، وزار المناطق الأثرية في تدمر في سوريا وبعلبك في لبنان، وفي يونيو من عام 1912 توجه إلى مصر ليبدأ في تنفيذ مهمته الأفريقية.

 وفي طريقه إلى مصر مرورا بفلسطين وشرق نهر الأردن مر بأطلال مدينة البتراء وكتب عنها: "صرفت فترة 15 يوما في الصحراء ما بين البحر الميت والبحر الأحمر .... وفي وسط المسافة بين البحرين تقوم آثار مدينة مهيبة تقع في وادي موسى، ويُحتمل أن تكون البتراء، فيها نشاهد مدافن ذات زخرفة منحوتة في الصخر، وبقايا معابد وقصور ومدرجات وقنوات مياه وغيرها من الغرائب والروائع النادرة التي تجعل هذه المدينة أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء أخر شاهدته في حياتي".











 وفي سبتمبر 1812 وصل الشيخ إبراهيم إلى القاهرة لينتقل منها إلى قلب أفريقيا مع قافلة فزان، ولكن تأخر موعد القافلة وحبه للاكتشاف دفعه لاستثمار الوقت في رحلة خطط لها أن تكون قصيرة في الصعيد، وطالت الرحلة، وقادته إلى عوالم جديدة. غادر القاهرة في خريف سنة 1812 إلى أسنا ومنها توجه إلى بلاد النوبة، حيث سجل ملاحظاته حول عادات أهل النوبة وشمال شرق السودان وعادات البدو في المناطق الصحراوية، كما شاهد آثار جنوب مصر وبلاد النوبة، ودون مشاهدته للأجزاء الظاهرة من أحد معبدي أبو سمبل المطمور تحت الرمال، وكان ذلك قبل اكتشاف بلزوني الإيطالي للمعبد بأكثر من ثلاثين عامًا، وإن كان اهتمامه الأكبر في تلك الرحلة قد انصب على دراسة المراكز التجارية وطرق التجارة.

 وفي صيف عام 1814 عبر بوركهارت البحر الأحمر من سواكن إلى جدة ومنها إلى مكة والمدينة حيث مكث هناك ثلاثة أشهر أدى خلالها فريضة الحج، وعاد إلى القاهرة منتصف سنة 1815، ومنها قام برحلة سريعة إلى سيناء ثم استقر بالقاهرة إلى أن مات بتسمم غذائي في 15 أكتوبر سنة 1817 ودفن بمدافن باب النصر.

 وقد اقتنى بوركهارت خلال رحلته بالشرق عشرات المخطوطات العربية النادرة، كما خلفت رحلاته عددًا من الأعمال المهمة: أولها ترجمة لروبنسن كروز إلى العربية هي الأولى من نوعها، وثلاث رحلات: رحلة إلى النوبة وبلاد السودان، ورحلة في سوريا والأراضي المقدسة، ورحلة في الجزيرة العربية، ثم كتاب ضمنه ملاحظاته على البدو والوهابيين، وكتاب آخر جمع فيه الأمثال العربية الشائعة في مصر، وقد ترجمت كل أعماله إلى العربية منذ خمسينيات القرن الماضي، عن طريق الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، والهيئة المصرية العامة للكتاب، وأخيرا المركز القومي للترجمة، وشكلت تلك الكتب مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ الشرق في تلك المرحلة، كما قدم لنا بوركهارت معرفة تاريخية جديدة عن مصر والعوالم المحيطة بها من خلال رؤية عين فاحصة مدققة.

 وقد جاء هذا المعرض في سياق محور من محاور النشاط الثقافي بعنوان "سويسريون في مصر" في محاولة لتقديم نماذج للإسهامات السويسرية في الحياة المصرية خصوصًا في القرنين التاسع عشر والعشرين، فالعلاقات الثقافية والحضارية بين مصر وسويسرا قديمة ممتدة، من خلال بعض الشخصيات السويسرية التي لعبت دورًا في الحياة المصرية، فهي تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر ـ على الأقل ـ حيث لعبت شخصيات سويسرية عديدة أدوارًا مهمة فى الحياة الثقافية والفنية والسياسية والاجتماعية فى مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، من أمثال هذه الشخصيات السويسرية: عالم الآثار الإسلامية ماكس فان برشم الذي اكتشف عددًا كبيرًا من النقوش الأثرية العربية ونشرها نشرًا علميًا وقدم بذلك خدمة مهمة لدراسة التاريخ والحضارة فى المنطقة العربية فى العصور الوسطى ومازالت مؤلفاته مرجعًا مهمًا لكل المشتغلين بالآثار الإسلامية وبعلم الكتابة العربية وبدراسة النقوش العربية، ويعد برشم من مؤسسي دراسات النقوش الأثرية العربية، وهناك في جنيف مؤسسة علمية سويسرية تحمل اسم ماكس فان برشم ويشرف عليها أحفاده، وقد حرص بعضهم على حضور الندوة التي تحدث فيها الدكتور خالد عزب عن ماكس فان برشم في الجناح المصري بصالون جنيف للكتاب، وربما تكون هذه المحاضرة فاتحة للتعاون بين مؤسسة برشم في سويسرا ومركز الخطوط بمكتبة الإسكندرية.


 ومن هؤلاء السويسريون الذين عاشوا في مصر ولعبوا دورًا مهمًا في تاريخها السياسي جان نينيه رئيس الجالية السويسرية بمصر في عصر إسماعيل وتوفيق والذي عاصر أحداث الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882، وكان من المتعاطفين مع الحركة الوطنية المصرية والمؤيدين لها، وكتب عنها كتابًا، ويعد كتابه من المصادر الأوروبية المهمة المعاصرة لأحداث الصعود الوطني والديمقراطي في عصر الخديوي إسماعيل وللثورة العربية ثم الاحتلال البريطاني لمصر، وقد أنصف في كتاباته الحركة الوطنية المصرية، وفضح جرائم الاحتلال وموقف الخديوي توفيق الموالي للإنجليز، وقد ترجم الكتاب في العشرينيات من القرن الماضي إلى العربية واعتمد عليه مؤرخنا الكبير عبد الرحمن الرافعي في كتابه عن الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر، وقد أشرف العالم المصري الدكتور أنور لوقا الذي عاش في سويسرا على ترجمة رسائله من مصر التي صدرت في المشروع القومي للترجمة منذ سنوات وقام بترجمتها الكاتب والناقد فتحي العشري، وقد تحدث حلمي النمنم عن نينيه معتمدًا على كتابه ورسائله معرفًا بالرجل ودوره في الحياة المصرية.

 ومن بينهم أيضًا جروبي صاحب المحلات الشهيرة التي تحمل اسمه بالقاهرة والإسماعيلية، وهو الذي أدخل الحلوى والمخبوزات الغربية إلى المجتمع المصري فأدخل عادات اجتماعية وثقافية جديدة.

 ومنهم عديد من المعماريين السويسريين الذين ساهموا في تطوير عمارة المدن المصرية الحديثة، وقد نظمت الدكتورة ليلى الوكيل المصرية أستاذة العمارة بجامعة جنيف معرضًا لعمارة القاهرة الخديوية، مبرزة دور معماريين سويسريين في تحولات المدينة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

 ثم هناك الفنانة التشكيلية مارجو فيون التي عاشت فى مصر معظم سنوات عمرها وقدمت أعمالها التشكيلية متأثرة بأجوائها محققة المزج الثقافي والفني بين تراث الغرب والشرق، وقد أهدت أعمالها قبل وفاتها للجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأصدرت الجامعة كتابا عنها من تأليف السويسرية شارلوت هج التي تحدث في الندوة عن مارجو فيون، وقد تخلل المحاضرة عرضًا لمجموعة مهمة من أعمال الفنانة مارجو فيون.

 أما الرحالة السويسريون الذين زاروا مصر والأراضي المقدسة، فتحدثت عنهم كلود ريشارد في إطار حديثها عن مصر في عيون الرحالة الأوروبيين منذ العصور الوسطى.

***********

 من الأشياء التي لفتت انتباه الجمهور السويسري الذي توافد على الجناح المصري بكثافة أغلفة الكتب التي صممها الفنان عدلي رزق الله، فكانت سلسلة إبداعات التفرغ الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة تجذب الجمهور السويسري إليها، فيأخذون في تصفح الكتاب وتقليبه من الغلاف الأمامي إلى الغلاف الخلفي عسى أن يجدوا كلمة بلغة يستطيعون قراءتها ثم يتركون الكتاب ويمضون لحال سبيلهم، تكرر هذا المشهد عشرات المرات على مدى أيام المعرض الخمسة.







*********

















وقد حققت المشاركة المصرية نجاحا على كل المستويات، شهد به منظموا المعرض من السويسريين وشهدت به الصحافة السويسرية التي عبرت عن هذا النجاح من خلال رسم كاريكاتيري بكبرى صحف جنيف تحت عنوان مصر ضيف الشرف في صالون الكتاب والصحافة، يصور الكاريكاتير الأهرام المصرية وإلى جوارها كتاب مقلوب على شكل هرم يدخل الناس بين صفحاته ويخرجون، هكذا رأت الصحافة السويسرية مشاركة مصر في صالون الكتاب، وهكذا كانت حقا تلك المشاركة.

 مقالي في فنون مصرية 2008

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...