هذه
هي أمي
عماد
أبو غازي
أمي رعاية الله
حلمي
ولدت في حلوان يوم 24 ديسمبر 1923؛ تخرجت من معهد الفنون الجميلة للفتيات الذي
أصبح فيما بعد كلية التربية الفنية، عملت بالتدريس في مدارس البنات كمدرسة للتربية
الفنية، الجزء الأكبر من حياتها الوظيفية أمضتها في المدرسة السنية للبنات، قبل أن
تصبح مفتشة للتربية الفنية في منطقة غرب القاهرة التعليمية حتى استقالت من عملها
في عام 1979 عقب مصرع شقيقي الأكبر بعد حادث سيارة.
لكنها أيضًا كانت فنانة تشكيلية؛ نحاتة ومصورة
ورسامة، اعتزلت الفن في النصف الثاني من الخمسينات، عندما أحست أنها لن تستطيع
الجمع بين تربيتنا أخوتي وأنا وعملها كمدرسة وممارستها للفن، ولأنها كانت تعشق
عملها كمدرسة وتشعر بمسؤلية تجاه تلميذتها وتجاه تكوينهن الفكري والثقافي فقد
اختارت التنازل عن الفن الذي تميزت فيه، وفي سنواتها الأخيرة عادة مرة أخرى للرسم
بإلحاح من شقيقتي الصغرى، ولو عاد بنا الزمان لكنت ألح عليها مبكرًا لتعود إلى
فنها.
أمي هي معلمتي الأولى في الحياة، تعلمت منها
الكثير، وكان تأثيرها كبير في تكويني، تعلمت منها التأمل، والسعي للتعرف على
التفاصيل الصغيرة، والبحث عن الجمال في كل ما يحيط بنا، والحرص على اتقان العمل، محبة
الفن، كانت الأم الحنونة المعطأة، حضورها في
الأسرة دائم، ولمساتها في المنزل واضحة، تعلمنا وتوجهنا بشكل غير مباشر، تهتم بما
نرسمه وتحتفظ به لنا، ترعى اهتمامتنا الصغيرة والكبيرة، امتد اهتمامها بالأحفاد:
مريم وسلمى وسامح، شاركتنا في رعايتهم وتكوينهم، تبث فيهم القيم الجميلة وتفخر بما
يحققوه.
علمتنا زيارة المتاحف والمعارض الفنية، ومن أمتع
الأوقات بالنسبة لي عندما كانت تصطحبنا هي وأبي إلى معرض فني أو متحف من المتاحف، في
سنواتها الأخيرة عندما أصبح خروجها قليلًا كنت أحرص أن أصور لها كل ما أشاهده في
رحلاتي الداخلية والخارجية، وعندما أعود من السفر أجلس معاها لأعرض لها الصور، ومن
الهدايا التي قدمتها لها في سنواتها الأخيرة جهاز لعرض الصور كنت أحمله لها
بمجموعات الصور الجديدة التي ألتقطها لتشاهدها وقتما تشاء، لكن الهدية التي كنت
أحب أن أقدمها لها دائمًا كتاب جديد في الفن التشكيلي، كانت هذه الهدية تسعدها،
وتذكرها بأيام شبابها عندما تزوجت من أبي، وكانا يدخران من راتبهم ليشتروا كل شهر
كتابًا جديدًا في الفن التشكيلي، ليكونوا مكتبتهم الخاصة، وعندما جئنا إلى الدنيا
ومنذ طفولتنا المبكرة كانت رحلة شراء الكتب الجديدة لنا كل شهر طقس ثابت، تعلمنا
منه منذ الصغر أن نبني مكتباتنا الخاصة.
كنت منذ طفولتي أشعر بفخر داخلي وزهو بأن أمي
إمرأة عاملة، كانت دائمًا مصدر فخر لي، كنت سعيد
جداً أن أمي تعمل، وكان عملها يشعرني بأني متميز، لأن أمهات زميلاتي وزملائي في
المدرسة الإبتدائية أغلبهن من غير العاملات، أغلب الأطفال كانت أمهاتهم يحضرن
للسؤال عنهم في المدرسة، أما أنا فلا، لم يكن هذا يضايقني على العكس كان يعطيني
شعور بالاختلاف والفخر بها، خاصة وهي مدرسة مثل أولئك المدرسات اللاتي يقمن
بتعليمنا.
عرفت وأنا كبير تأثيرها في تلميذتها
من أجيال مختلفة، بعد أن تصادف أن جمعني ببعضهن العمل السياسي، وجمعني بالبعض
الآخر منهن العمل الوظيفي في الجامعة وفي المجلس الأعلى للثقافة، رسالة حياتها أن
تكون معلمة تزرع في تلميذتها حب الحياة والإخلاص في العمل، وأظن أنني ورثت منها
عشق التدريس الذي لم أتصور لي عمل سواه.
غادرتنا في 28 أكتوبر 2014
لكنها حاضرة دومًا بما زرعته فينا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق