عبد
العزيز جمال الدين رحلة البحث عن المصرية
عماد أبو غازي
غاب عنا في الأسبوع الماضي عبد
العزيز جمال الدين، واحد ممن كرسوا حياتهم للتعريف بتاريخ مصر والتنقيب فيه، والبحث
في جذور الهوية الوطنية المصرية، ولد عبد العزيز جمال الدين في أبريل 1940، وتخرج
في كلية الآداب بجامعة القاهرة، حيث حصل على ليسانس الآداب من قسم الجغرافيا 1964،
انخرط منذ شبابه في العمل السياسي، انحاز لقضايا التقدم والعدالة الاجتماعية، وكانت
القضية الوطنية منطلقًا أساسيًا من منطلقاته الفكرية، انتمى إلى اليسار ونشط
لسنوات في منظمة "التيار الثوري"، عمل بالتدريس لفترة، لكن مواهبه الفنية
دفعت به للعمل في القسم الفني بمؤسسة دار المعارف في تصميم الأغلفة وإخراج الكتب،
حيث تزامل مع صديق عمره الفنان صفوت عباس.
ارتبط اسم عبد العزيز جمال الدين منذ مطلع الثمانينيات بمجلة "مصرية"، التي كانت جزءًا من ظاهرة
ثقافية بدأت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، أعني ظاهرة النشرات
غير الدورية، حيث اتجهت مجموعات من المثقفين والمبدعين المصريين إلى إصدار مجلات
ثقافية وفكرية تحمل إبداعاتهم وهمومهم ورؤاهم لهذا الوطن، وللتحايل على قيود
قوانين النشر والصحافة، التي كانت تحول بين جيل كامل من المثقفين والمبدعين ونشر
أعمالهم وأفكارهم، خاصة أولئك الذين كان يتبنون مواقف تقدمية، كانت هذه المجلات
تحمل اسم "نشرة غير دورية"، أو "كتاب غير دوري"، باعتبارها
ليست مجلات وبالتالي لا تحتاج إلى رخصة، متخذين في ذلك شاعرنا الكبير بيرم التونسي
قدوة ومثالًا، عندما ظلت السلطات تلاحق ما يصدره، أصدر "المسلة" وكتب في
ترويستها: "المسلة لا جريدة ولا مجلة"، وقد ساعد تطور تقنيات الطباعة في
تلك الحقبة، وظهور أسلوب طباعة الماستر على انتشار هذه الموجة الجديدة من النشرات
التي نجحت في كسر أسوار الحصار التي فرضت على قطاعات من المثقفين والكتاب
والمبدعين، وكان عبد العزيز جمال الدين يصدر واحدة من هذه النشرات غير الدورية.
تنوعت النشرات غير الدورية
في شكلها ومضمونها ومستواها ومدى قدرة مصدريها على الاستمرار في إصدارها، ومن بين
عشرات من النشرات غير الدورية التي صدرت في تلك المرحلة، كانت "مصرية"
التي أصدرها عبد العزيز جمال الدين مع مجموعة من زملائه الأكثر قدرة على الاستمرار،
فقد تواصلت إصدارتها لأكثر من عقدين، وحافظت على انتظام الصدور إلى حد كبير، كما
كانت الأكثر انسجامًا في موضوعاتها، كانت تتميز بوضوح الرؤية، أخذت شكل المجلة
الفكرية التي تنشر البحوث والدراسات أكثر من المجلة الثقافية العامة، وكان عبد
العزيز جمال الدين فضلًا عن دوره في تحرير المجلة يتولى الإخراج الفني لها بحرفية
وإتقان يجعل من كل عدد من أعدادها قطعة فنية متفردة، فكانت النشرة الأكثر جمالًا، الأمر
الذي جعل مصدرو النشرات غير الدورية يتسابقون على طلب عبد العزيز ليخرج لهم
نشراتهم، ولم يبخل الرجل إطلاقًا بتقديم جهده وفنه وخبرته متطوعًا حتى لمنافسيه،
ليضفي لمسة فنية على النشرات غير الدورية، كان الاهتمام
بالهوية الوطنية المصرية المحور الأساسي في "مصرية"، هذا الاهتمام الذي
كان عنصرًا أصيلًا في فكر عبد العزيز جمال الدين، وعندما رزق بابنته أطلق عليها اسم "مصرية"، وهي المخلصة
لأفكاره والحافظة لتراثه.
عرفت عبد
العزيز كاتبًا في مصرية ومخرجًا فنيًا لها قبل أن أتعرف عليه شخصيًا في ندوة نظمها
الشاعر شعبان يوسف في ورشة الزيتون بنادي الأدب بمقر حزب التجمع بالزيتون ربيع سنة
1981 حول النشرات غير الدورية، حضر عبد العزيز الندوة ممثلًا لمصرية، وحضرتها حيث كنت
أشارك مع مجموعة من الأصدقاء في إصدار كتاب غير دوري يحمل اسم "موقف"، ومنذ
التقيت عبد العزيز جمال الدين أصبحنا صديقين جمعت بيننا مشتركات كثيرة منها
الاهتمام بالتاريخ، وبتحقيق التراث، كما جمعتنا زنازين ليمان طرة، ثم تصادف أن عملنا معًا في دار المعارف لعدة أشهر عام 1982،
عندما التحقت بوحدة تحقيق التراث مع الدكتور حسين مؤنس، ثم اشتركنا معا في تحقيق
مخطوط لإسماعيل الخشاب بعنوان "أخبار أهل القرن الثاني عشر"، صدر عن دار
العربي للنشر عام 1990، كان العمل الأول لكل منا في مجال تحقيق التراث.
توالت أعمال عبد العزيز
جمال الدين في مجال تحقيق التراث، قام بتحقيق عددًا من النصوص المهمة عن تاريخ
مصر، منها: تاريخ مصر والعالم القديم ليوحنا النقيوسي، وأحمد باشا الجزر مع
بونابرت للأمير أحمد الشهابي، ومذكرات نقولا الترك أخبار المشيخة الفرنساوية في الديار
المصرية، والإفادة والاعتبار لعيد اللطيف البغدادي، وواقعة الغوري مع سليم لابن
زنبل الرمال، وتميز أسلوبه في تحقيق التراث بإقامة نص موازي للنص الأصلي، ليس فقط
من خلال الشروح والتعليقات العلمية الوافية، بل أيضًا من خلال تقديم الروايات
الأخرى المعاصرة لأحداث النص المحقق، فعندما حقق تاريخ الجبرتي "عجائب الآثار
في التراجم والأخبار" أصدر طبعة متميزة، وضع بموازة نص الجبرتي نصوصًا أخرى
معاصرة.
وربما كان عمله الأهم
تحقيقه لتاريخ الكنيسة المصرية أو سير الآباء البطاركة، الذي أصدره عام 2006 في ستة
مجلدات، وكان هذا العمل ينسب إلى ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين في القرن الرابع
الهجري، وثبت مؤخرًا أن من بدأ تأليفه موهوب بن منصور بن مفرج الإسكندراني، ورغم
أن عنوان الكتاب يوحي بأنه كتابًا في التاريخ الكنسي، إلا أنه كتابًا يؤرخ لمصر
كلها، وإن كان قد قُسم وفقًا لعصور آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وقد غطى العمل الأصلي فترة طويلة من تاريخ مصر تمتد من بداية اعتناق
المصريين للمسيحية حتى بدايات العصر الفاطمي، وقد أكمل مجموعة من الكتاب معظمهم
مجهولين هذا العمل إلى نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن الجزء الذي نسب تأليفه إلى
ساويرس بن المقفع يتميز بالاهتمام بكثير من التفاصيل الدقيقة، وبمتابعة لجوانب
حياة مصر السياسية في ذلك العصر.
وقد عنيت جمعية الآثار
القبطية بطبع الكتاب ونشره في القرن الماضي، لكن طبعة عبد العزيز جمال الدين تميزت
بأنها محققة تحقيقًا علميًا دقيقًا ومزودة بشروح وتعليقات ونصوص موازية، استغرق عمله
في التحقيق أكثر من ربع قرن، فمنذ عرفته في مطلع الثمانينيات وهو يتحدث عن هذا
الكتاب باهتمام، ويتمنى أن يراه محققًا تحقيقًا جديدًا ومتوفرًا بين أيدي الباحثين،
وكنت أشفق عليه من هذا العمل الشاق، فرغم أني أعرف قدرات عبد العزيز جمال الدين
العالية وسعة إطلاعه وثقافته متعددة المجالات، فضلًا عن دأبه ومثابرته، مع ذلك كله
كنت أقول أن تاريخ الآباء البطاركة أمر آخر، وقد أعترفت عندما رأيت العمل مطبوعًا
عام 2006 بخطئي، وكتبت مقالًا أعتذرت فيه لعبد العزيز جمال الدين لتصوري أن مثل
هذا العمل شاق عليه، لكنه أثبت أنه شابًا في القدرة على العمل شيخًا في الحكمة
والخبرة، قام عبد العزيز بتحقيق الكتاب معتمدًا على مجموعة من المخطوطات الأصلية،
وأضاف له وفقًا لمنهجه الذي يفضله، نصًا موازيًا له يحمل تعليقاته العلمية، والرؤى
المقابلة لرؤية المؤلف الأول ومن أكملوا عمله من خلال نصوص أخرى معاصرة للأحداث،
فضلًا عن ذلك قام باستكمال العمل حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.
أما أبرز مؤلفات عبد العزيز جمال الدين فكتابيه
عن تاريخ ثورات المصريين، فالاهتمام بالتأريخ للثورات كان أحد مشاغله منذ منتصف
السبعينيات على الأقل، لكنه لم يصدر كتابيه إلا في السنوات الأخيرة، بعد جهد في
جمع أخبار الثورات والانتفاضات وحركات الاحتجاج من مصادرها، تضمن الكتاب الأول
ثورات المصريين حتى عصر المقريزي، أما الكتاب الثاني فيتناول ثورات وتمردات
المصريين منذ الاحتلال العثماني حتى عام 1952.
رحل عبد العزيز جمال الدين لكنه ترك لنا
مشروعًا فكريًا وثقافيًا في تاريخ مصر وهويتها عكف عليه على مدى زمني يقارب خمسين
عامًا.
رابط المقال على المنصة:
https://manassa.news/stories/30846?fbclid=IwY2xjawQmW8NleHRuA2FlbQIxMQBicmlkETFtckY1MzJTZUxicU5NMVk5c3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHsAfUnsbCGsH4DEfw8eU086WTr5gTWvvvlrnCSTn-9Qx098wihH3EV_oxeIY_aem_XzXcSpHgEl6eXHfhHvrLSw
