الخميس، 21 يوليو 2022

كيف تحول الحلم إلى حقيقة

 

كيف تحول الحلم إلى حقيقة

(جابر عصفور والمشروع القومي للترجمة)

عماد أبو غازي




 ربما كان المشروع القومي للترجمة من أهم إنجازات جابر عصفور في مجال العمل العام على المستوى الإداري والثقافي والعلمي، ولهذا المشروع قصة طويلة منذ بدأ همًا وفكرة إلى أن صار مؤسسة قائمة بذاتها ضمن مؤسسات وزارة الثقافة المصرية تحمل اسم المركز القومي للترجمة.

كان التعرف على ثقافة الآخر ومنجزه العلمي والحضاري همًا من الهموم التي شغلت جابر عصفور دومًا، وربما لو أردنا أن نؤصل هذا الاهتمام عنده يمكن أن نرجعه إلى أساتذته، أستاذته المباشرة سهير القلماوي وأستاذه الأكبر طه حسين؛ فهناك حكاية كان جابر عصفور يرويه دومًا وكتبها أكثر من مرة عن أستاذته سهير القلماوي وكيف دفعته في بداية مسيرته الأكاديمية باحثًا للماجستير إلى التعرف على المنجز النقدي الغربي واستيعابه قبل أن يخط كلمه في بحثه، يومها أدرك أهمية التفاعل الحي مع ثقافة الآخر.

 أما أستاذه الأكبر طه حسين فكانت الترجمة أحد انشغالاته الأساسية، ففي كتاب مستقبل الثقافة في مصر (1938) اختص الترجمة بجزء مهم من الكتاب، مؤكدًا على دورها في التعرف على ثقافة الآخر، وفي اللحاق بركب التقدم، ووضع مقترحًا بمشروع متكامل للترجمة تتضلع الدولة فيه بدور أساسي، وأظن أن هذا التصور الذي طرحه طه حسين كان مرشدًا وملهمًا لجابر عصفور في مشروعه الكبير، وإذا كان طه حسين لم يتمكن من تحقيق مشروعه على أرض الواقع، إذ لم يستمر طويلًا في منصبه التنفيذي وزيرًا للمعارف في أخر حكومات الوفد التي أطاح بها الملك بعد حريق القاهرة، ففي المقابل نجح تلميذه في تحويل الحلم إلى حقيقة، خلال فترة توليه أمانة المجلس الأعلى للثقافة والتي امتدت لقرابة خمسة عشر عامًا.

  وقد استمر اهتمام جابر عصفور بالترجمة وقضاياها وإشكالياتها بعد أن ترك العمل التنفيذي، فقد خصص واحدًا من كتبه الأخيرة (2019) للترجمة، واختار لكتابه عنوانًا كاشفًا عن قناعاته بالترجمة وأهميتها، فجاء العنوان الرئيسي "قاطرة التقدم" ووضع عنوانًا فرعيًا "الترجمة ومجتمع المعرفة"، فقد كان يرى دومًا أن الترجمة هي القاطرة الرئيسية للتقدم في مجتمعاتنا، وكانت لديه قناعة ثابته من قرأته للتاريخ، أن كل مشروعات النهوض في تاريخنا على مدى قرون طويلة، كانت الترجمة مقدمة دافعة لها، ويستشهد في هذا السياق بتراث الحضارة العربية الإسلامية، فقد ازدهرت حركة الترجمة ونشطت في القرون الأولى للهجرة، ولعبت دورًا مهمًا في تطور الثقافة العربية وازدهارها، فبدأت جهودها الأولى في العصر الأموي مع خالد بن يزيد بن معاوية، ثم في عهد الخليفة العباسي المأمون، كذلك في زمن الدولة الفاطمية في مصر، عندما ترجمت إلى العربية - في تلك العصور  - معارف الإغريق والفرس والهنود والسريان وعلومهم، فنهضت الثقافة العربية الإسلامية، وأضحت اللغة العربية لغة الثقافة والعلم في العالم؛ حيث امتلأت دور الحكمة ومكتبات القصور ومعاهد العلم بهذه الترجمات جنبًا إلى جنب مع مؤلفات الكُتَّاب العرب، ومع انكسار الدولة العربية الإسلامية وتراجعها السياسي والحضاري تراجعت حركة الترجمة إلى العربية، إلى أن جاء مشروع محمد علي التحديثي في القرن التاسع عشر متضمنًا في القلب منه مشروعًا للترجمة، كذلك واكب موجات النهضة في النصف الأول من القرن العشرين مشروعات للترجمة نهض بها مجموعات من أبناء النخب الثقافية، مثل مشروعات لجنة التأليف والترجمة والنشر (1914)، ولجنة الجامعيين لنشر العلم (1935)، ولجنة النشر للجامعيين (1934)، وتكررت محاولات الدولة للقيام بعبء الترجمة في الخمسينيات والستينيات مع مشروع الألف كتاب؛ خلاصة القول أن جابر عصفور كان يمتلك قناعة راسخة بأن أي مشروع للتقدم والنهوض بالمجتمع قاطرته الترجمة، ومن هنا جاء اختياره لعنوان الكتاب الرئيسي.

 أما العنوان الفرعي فيشير إلى خصوصية اللحظة الراهنة التي انتقل فيها البشر إلى عصر مجتمع المعرفة، وهنا تحتل الترجمة مكانًا بارزًا لتحقيق التواصل بين الثقافات، فإذا كانت الترجمة قد ظلت عبر العصور ضرورة لازمة لتحقيق النهضة في كل المجتمعات الساعية إلى التطور، فقد تزايدت ضرورتها في عصر مجتمع المعرفة وثورة المعلومات والاتصالات، وصارت شرطًا من شروط سد الفجوة المعرفية بين المجتمعات.

  يأتي كتاب قاطرة التقدم كاشفًا لأهمية الترجمة في مشروع جابر عصفور الثقافي، فقد جمع فيه ما كتبه عن الترجمة على مدى 22 عامًا ما بين 1996 و2018، ترك مقالات الكتاب كما نشرت في أصلها بين مجلة العربي وجريدتي الأهرام والحياة، طرح في المقالات الإشكاليات المرتبطة بالترجمة، ما بين إشكاليات نظرية، وإشكاليات عملية، ومعارك دارت حول الترجمة، كما يكشف الكتاب من خلال المناقشات التطبيقية لبعض التجارب رؤية جابر عصفور للترجمة، وخلال مقالات الكتاب روى جابر عصفور قصة المشروع القومي للترجمة، الذي بدأ فكرة انتهت إلى كيان مؤسسي راسخ.



 تولى جابر عصفور أمانة المجلس الأعلى للثقافة في مطلع عام 1993، ولم تمض سنتان على توليه المنصب إلا وكان قد وضع اللبنة الأولى في المشروع القومي للترجمة بصدور الترجمة العربية لكتاب اللغة العليا لجون كوين التي أنجزها الدكتور أحمد درويش في سنة 1995، ثم توالت الإصدارات، وقد بدأ المشروع على استحياء بإصدار آحاد من الكتب في العام الواحد، لكنه أخذ ينضج ويتطور بسرعة بفضل جهود عشرات من المترجمين المخلصين وإصرار جابر عصفور ومثابرته ووقوفه خلف هذا المشروع بكل قوة؛ وقدرته على تذليل العقبات البيروقراطية التي واجهته، ولا شك في أن دعم فاروق حسني وزير الثقافة وقتها لجابر عصفور وللمشروع كان عاملًا مهمًا وراء نجاحه واستمراره، كما تلقى المشروع في بدايته دعمًا ماليًا من بعض الشخصيات، قبل أن تخصص له موازنات مستقلة في ميزانية وزارة الثقافة، فقد تبرع محمد حسنين هيكل بخمسة وعشرين ألف جنيه دعمًا للمشروع، وظل جابر عصفور ممتنًا لهذا الدعم المبكر دومًا.

 كان جابر عصفور فخورًا بالمشروع منذ أيامه الأولى، وأذكر جيدًا في تلك السنوات عندما كنت أزوره في مكتبه بالمقر القديم للمجلس الأعلى للثقافة بالزمالك، قبل انتدابي للعمل معه بالمجلس، أن حديثه الأول في كل زيارة كان يدور حول كتاب جديد صدر في المشروع القومي للترجمة، واستشعر في الحديث مدى فخره بالإنجاز الذي تحقق، ومن الكتب التي صدرت في السنوات الأولى وكانت موضعًا لاعتزازه: تقرير اليونسكو المعنون التنوع البشري الخلاق، وديانة الساميين لسميث، وعالم ماك لبارير، وما بعد المركزية الأوروبية للمؤرخ الأمريكي بيتر جران، والطريق الثالث لأنتوني جيدينز، والجماعات المتخيلة لأندرسن، والتراث المسروق لجورج جيمس، ومصادر دراسة التاريخ الإسلامي لكلود كاين، والعلوم الإنسانية والفلسفة للوسيان جولدمان، والجزء الأول من أثينا السوداء لبرنال، ومعظمها كانت كتب حديثة الصدور في طبعتها الأصلية، وفي أحدى الزيارات قال لي في بهجة شديدة: "شفت ثريا في غيبوبة"، وأصابني الذهول، ولم أفهم بالضبط ما يقول؟ فقد ذهب ذهني أن زوجته ثريا الجندي رحمها الله في غيبوبة! فما سر ابتهاجه؟ ويبدو أنه لمح حالة الذهول التي أصابتني فتدارك بسرعة، ترجمنا رواية ثريا في غيبوبة عن الفارسية، وكان سعيدًا باقتحام المشروع القومي للترجمة للغة جديدة.

 لقد ظهر "المشروع القومي للترجمة" الذي بدأ اصداره من المجلس الأعلى للثقافة عام 1995، مستهدفا نقل أهم ما يصدر من إنتاج فكري في كل مجالات المعرفة من مختلف اللغات إلى القارئ العربي سعيًا إلى تحقيق التواصل الثقافي والحوار الحضاري الإنساني، ثم تحول المشروع في 2006 إلى كيان قائم بذاته ضمن هيئات وزارة الثقافة باسم المركز القومي للترجمة؛ وقد صدر عن المشروع خلال وجوده في المجلس الأعلى للثقافة 1000 عنوان في عشرة أعوام، وتجاوز عدد الإصدارات الآن بعد انتقال المشروع إلى المركز ثلاثة آلاف عنوان؛ نقلت من أكثر من ثلاثين لغة بعضها لغات يترجم عنها إلى العربية مباشرة للمرة الأولى، فأحد الخصائص المميزة لهذا المشروع، أن الأعمال التي تصدر فيه، تنقل إلى العربية عن لغاتها الأصلية مباشرة، وقد حرص المشروع على كسر احتكار الترجمة عن اللغات الأوروبية الرئيسية الإنجليزية والفرنسية ثم الألمانية، وإذا استعرضنا الأعمال الصادرة في هذا المشروع فسوف نجد أن منها قسمًا مترجمًا عن الإنجليزية والباقي عن لغات غربية وشرقية متنوعة منها: الإسبانية والفرنسية والألمانية والإيطالية والروسية والبولندية والفنلندية والأرمينية واليونانية والصربية من اللغات الأوروبية، والفارسية والعبرية والأردية والتركية واليابانية والصينية من اللغات الشرقية والأسيوية، ولغات الهوسا والكوسا والسواحيلي والأمهرية والتجرينية من اللغات الإفريقية، هذا فضلًا عن بعض اللغات القديمة مثل المصرية القديمة والسريانية واليونانية القديمة واللاتينية والتركية العثمانية، وهكذا اقتحم المشروع أسوار لغات يترجم عنها إلى العربية مباشرة للمرة الأولى في العالم العربي.

 والمراجعة الأولية لعناوين الإصدارات تكشف عن تنوع في موضوعاتها، ما بين أعمال إبداعية، من روايات ومجموعات قصصية، ودواوين شعر ومسرحيات ونصوص من الآداب القديمة، ودراسات نقدية ولغوية، وأعمال تندرج تحت مختلف فروع العلوم الاجتماعية والإنسانيات، بالإضافة إلى بعض المؤلفات في مجال الثقافة العلمية والعلوم البحتة والتطبيقية، وأخيرًا كتب للأطفال، وما حدث في كتب الأطفال يمثل نموذجًا للتعلم من الأخطاء الذي أشار إليه جابر عصفور في مقدمة كتابه قاطرة التقدم باعتباره أحد أسباب نجاح المشروع، فالإصدارات الأولى للأطفال لم يراع إخراجها ككتاب للطفل، جاءت خالية من الرسوم، وبنفس الخط الذي تجمع به كتب الكبار، وبالطبع لم تنجح هذه الكتب الأولى بأي حال، وفي الإصدارات التالية جرى تلافي هذا الخطأ.

 ومن استعراض قائمة الإصدارات أيضًا - خاصة في المرحلة الأولى من المشروع - يتضح التركيز على بعض الموضوعات مثل قضايا المرأة، وعلى وجه الخصوص قضايا المرأة في مصر والعالم العربي، ومثل العولمة وأثارها وتتناول هذه المجموعة الموضوع من زواياه المختلفة المؤيدة للعولمة والمعارضة لها، محللة لآثارها الإيجابية والسلبية باعتبارها واقعًا معاشًا، كذلك كان تاريخ مصر بعصوره المختلفة وما زال يحتل حيزًا واضحًا في إصدارات المشروع القومي للترجمة.

 كذلك اهتم جابر عصفور بالسلاسل التي تصدر في إطار المشروع القومي للترجمة، ومنها سلسلة أقدم لك التي أشرف عليها الدكتور إمام عبد الله إمام، وهي ترجمة لسلسلة إنجليزية من الكتب المبسطة للنشأ والشباب حول مختلف الموضوعات الفلسفية والعلمية والسياسية، وسلسلة ميراث الترجمة التي أشرف عليها الدكتور مصطفى لبيب، وكانت تقدم إعادة نشر للترجمات القديمة من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، مع تقديم جديد لكل ترجمة يكتبه متخصص في مجال موضوع الكتاب، وقد زادت هذه السلاسل وتنوعت بعد انتقال المشروع إلى المركز القومي للترجمة.

واهتم المشروع القومي للترجمة بترجمة الموسوعات ودوائر المعارف والمعاجم الكبيرة، فدعم المركز الثقافي الفرنسي ترجمة موسوعة جامعة كل المعارف من الفرنسية إلى العربية، وصدرت في ستة أجزاء، كذلك نجح الدكتور جابر عصفور في التعاقد مع دار نشر جامعة كمبردج لترجمة موسوعة كمبردج للنقد الأدبي، التي قام على ترجمتها فريق كبير من المترجمين، وكان قد نجح كذلك في الاتفاق على ترجمة طبعة كاملة لدائرة المعارف الإسلامية تصدر بالتزامن مع انتهاء الطبعة الجديدة التي كانت تصدرها دار بريل في ليدن في مطلع الألفية، لكن للأسف أحبط بعض أعضاء المجلس الأعلى للثقافة تنفيذ المشروع، لأغراض في نفوسهم، ولا أعرف إلى الآن لماذا قرر جابر عصفور عرض اتفاقه على اجتماع المجلس، فلم يكن في حاجة إلى ذلك!

 وحرص جابر عصفور دومًا على أن يوازن المشروع القومي للترجمة بين نقل أحدث ما يصدر في الغرب والشرق من أعمال ونقل الأعمال الكلاسيكية أو التأسيسية التي لم تترجم من قبل، فما يميز هذا المشروع أن كثيرًا مما نشر فيه يعد من الإعمال التي صدر ت بلغاتها الأصلية حديثًا، ومن أمثلة هذه الكتب كتاب الفيلسوف الفرنسي الكبير جاك دريدا عن أحداث 11 سبتمبر 2001، فقد منح دريدا المجلس الأعلى للثقافة حق ترجمة الكتاب إلى العربية أثناء زيارته لمصر، والطريف أن الترجمة العربية التي قامت بها الشاعرة صفاء فتحي صدرت قبل صدور الكتاب بالفرنسية بعدة أسابيع.

 ولم يؤد الاهتمام بأحداث الإصدارات إلى إغفال الأعمال الرائدة التي مضى على صدورها سنوات طوال، ومن اللافت للنظر أيضًا أن المشروع عني بترجمة أعمال لبعض المصريين والعرب المغتربين كتبوها بلغات أجنبية، مثل كتابات المؤرخ المصري محمد صبري (السوربوني) التي نشرها في الأصل بالفرنسية.



 وفي مجال الأعمال الإبداعية حرص المشروع القومي للترجمة على تقديم آداب لغات أهملت لسنوات طويلة، فقد صدر في المشروع عدة أعمال أدبية مترجمة عن اليابانية والصينية مباشرة، وكذلك أعمال من الأدب الفارسي حديثه وقديمه، ولعل أبرز ما صدر في هذا المجال مثنوي جلال الدين الرومي الذي ترجمه الراحل الأستاذ الدكتور إبراهيم شتا في ستة مجلدات عن الفارسية، وهذا العمل يعد من أروع كلاسيكيات الآداب الإسلامية، وقد كتب في القرن السابع الهجري، وكان الدكتور جابر عصفور يروي دائمًا قصة التعاقد مع الدكتور شتا بمكافأة غير مسبوقة في تاريخ عقود الترجمة في المؤسسات الحكومية، الأمر الذي سبب صدمة للعاملين في الجهاز المالي والإداري في أمانة المجلس الأعلى للثقافة.

 وقضية مكافآت المترجمين من المعارك التي خاضها جابر عصفور مع البيروقراطية المصرية منذ اللحظة الأولى لبدء المشروع، فقد كان أجر المترجم محددًا بستة مليمات للكلمة بمقتضى قرار جمهوري قديم، لم يتغير رغم مرور الزمن! فخاض جابر عصفور أولى معاركه من أجل رفع القيمة إلى خمسة قروش، سرعان ما تضاعفت مرات ومرات خلال سنوات المشروع في المجلس الأعلى للثقافة، كما أصبحت هناك فئات للمكافأة تتغير وفقًا ندرة اللغة وصعوبة الموضوع وقيمة المترجم، وحقق جابر عصفور أول انتصاراته على البيروقراطية المتكلسة.

 وإذا كانت الغالبية العظمى من المترجمين في المشروع القومي للترجمة من مصر، فقد شارك في أعمال المشروع مترجمون من عشر دول عربية، المغرب والجزائر والعراق والسعودية والأردن ولبنان وسوريا وفلسطين والسعودية والإمارات، فقد حرص اجابر عصفور على الانفتاح على مختلف مدارس الترجمة العربية، دون الاقتصار على المدرسة المصرية، إثراء للمشروع وتدعيمًا للتفاعل بين المترجمين العرب، وتأكيدًا على قناعته بفكرة القومية العربية، كذلك حرص جابر عصفور على الاستفادة من كل الطاقات وفتح المجال أمام أجيال جديدة من المترجمين والمترجمات الشبان.

ومن الملاحظ أن بعض الأعمال الكبرى الصادرة في إطار المشروع القومي للترجمة شارك في ترجمتها أكثر من مترجم، مثل ترجمة أثينا السوداء التي شارك في ترجمتها فريق من المتخصصين وراجعها وقدم لها الدكتور أحمد عتمان، وفي بعض الأحيان كان الدكتور جابر عصفور يلجأ لتكليف فريق عمل للكتاب الواحد في حالة الاحتياج لسرعة الإنجاز أو لتعدد موضوعات الكتاب ومجالاته المعرفية، ومن الأمثلة على ذلك الفريق الذي تكون لترجمة كتاب ما بعد المركزية الأوروبية من ثلاثة من المترجمين الكبار  هم إبراهيم فتحي وعاطف أحمد ومحمود ماجد، وتولى التحرير الدكتور رؤوف عباس ، وكذلك الكتب التي صدرت بمناسبة مؤتمر المرأة الأول: مئة عام من تحرير المرأة العربية (1999).

ومن الكتب التي شارك في نقلها للعربية أكثر من مترجم، كتاب الناقد المصري إيميه آذار "التصوير الحديث في مصر حتى 1961" والصادر بالفرنسية في مطلع الستينات، وحمل رقم 1000 في إصدارات المشروع القومي للترجمة، وللكتاب قصة؛ فعندما اقتربت إصدارات المشروع القومي للترجمة من الرقم ألف، وفي نفس الوقت اقترب موعد انتقال المشروع من المجلس الأعلى للثقافة إلى المركز القومي للترجمة فكرنا في الإعداد لاحتفال يليق بهذه المناسبة، وفي اختيار عمل مهم ليحمل الرقم ألف، وبعد مشاورات طويلة بين الفنان فاروق حسني والدكتور جابر عصفور استقر الرأي على ترجمة هذا الكتاب المهم الذي كانت نسخه نادرة للغاية، وكان صاحب الاقتراح الناقد والفنان وجيه وهبة، وقام بترجمته إدوارد الخراط ونعيم عطية، وتقرر إضافة صور ملونة للأعمال التي يتناولها الكتاب، وتولى الناقد صبحي الشاروني جمعها، وأشرف على الإخراج الفني للكتاب الفنان ناجي شاكر، وأقيم ملتقى دولي كبير للاحتفال باكتمال الألف كتاب الأولى في المشروع القومي للترجمة استمر لعدة أيام في شهر فبراير عام 2006، وكرمت فيها وزارة الثقافة مجموعة من الأسماء البارزة في مجال الترجمة من العربية وإليها، وكان هذا ثالث الملتقيات الدولية التي ينظمها المجلس الأعلى للثقافة على هامش المشروع القومي للترجمة.

 عقد الملتقى الأول بمناسبة صدور 250 كتابًا في المشروع القومي للترجمة في عام 2000، وكان للملتقى قصة فعندما رأى الدكتور جابر عصفور رقم 250 كتاب في أحد التقارير المقدمة لاجتماع المجلس الأعلى للثقافة كعدد لما سيصدر قبل منتصف عام 2000، تشكك في صحة الرقم وعاتب الأستاذ سعيد عباس مدير مكتبه والذي كان مسئولًا عن متابعة أعمال المطابع وعقود المترجمين، وعاتبني باعتبار أننا نبالغ في الأعداد، فأكدنا له أن الرقم يعكس بالفعل الواقع، فطلب منا عرض نسخة من الكتب جميعها يوم اجتماع المجلس الأعلى للثقافة في نهاية يونيو 2000، ووضعنا أمام تحدي لتحقيق الهدف بالفعل، وقد تحقق قبل الموعد بفترة، ومن هنا جاءت فكرة الملتقى، وبدأنا في الإعداد للملتقى الأول ليكون احتفالنا بما وصل إليه المشروع في خمس سنوات.

أما الملتقى الثاني الذي عقد في عام 2004 تحت عنوان الترجمة وتفاعل الثقافات، فكان بمناسبة صدور الكتاب رقم 750، وكان عملًا يستحق احتفاءً خاص، فقد كانت الترجمة الكاملة لإلياذة هوميروس عن اليونانية القديمة للمرة الأولى، وهي الترجمة التي قام بها فريق من المترجمين تحت إشراف الدكتور أحمد عتمان، وقد صدرت في مجلد ضخم مزود بالصور، لذلك نظمنا حلقة بحثية عن ترجمة الإلياذة على هامش الملتقى.

كان المشروع القومي كذلك حقلًا مهمًا لتطوير تصميم أغلفة الكتب في إصدارات وزارة الثقافة، وقد كان جابر عصفور حريصًا على خروج الكتب بأغلفة فنية متميزة، واهتم اختيار بعض كبار الفنانين ومصممي الأغلفة للمشاركة في المشروع، منهم على سبيل المثال: عدلي رزق الله وناجي شاكر وعماد حليم ومحمد بغدادي ومحمود بقشيش وغيرهم، كما فتح المجال أمام أجيال جديدة من المبدعين والمبدعات.

 وقد اتبع الدكتور جابر عصفور أكثر من أسلوب في اختيار الكتب للترجمة في مرحلة المشروع القومي للترجمة عندما كان يصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، في البداية كانت هناك مجموعة مصغرة تضم الدكتورة فاطمة موسى والأستاذ لمعي المطيعي تتعاون في اختيار الكتب، ومع مرور الوقت تم تكوين فريق العمل الخاص بالمشروع تدريجيًا، وقد أشار إليهم الدكتور جابر عصفور في مقدمة كتابه قاطرة التقدم،  ومع اتساع المشروع بدأت مرحلة طلب مقترحات للترجمة من اللجان الدائمة بالمجلس الأعلى للثقافة كلٍ في مجال تخصصها، كذلك كان جابر عصفور يرحب بالاقتراحات التي يتقدم بها المترجمين، بالإضافة إلى التعاون مع المراكز الثقافية الأجنبية في مصر التي كان لدى بعضها مثل المركز الثقافي الفرنسي والمركز الثقافي الإسباني مشروعات لدعم الترجمة إلى العربية، ومع التزام المشروع بشراء حقوق نشر الترجمة من دور النشر الأجنبية بدأت هذه الدور تقدم مقترحاتها بكتب من إصدارها لتترجم إلى العربية.

  لقد بدأ المشروع في سنواته الخمس الأولى يترجم ما يراه القائمون عليه دون التزام بشراء الحقوق من دور النشر الأجنبية، لكن مع دخول مصر إلى عصر تطبيق اتفاقيات الجات التي تفرض علينا ضرورة شراء حقوق الترجمة إلى العربية من الناشرين الأصليين بدأت الصورة تتغير، خاصة وأن المجلس الأعلى للثقافة الجهة المنوط بها حماية حقوق الملكية الفكرية في مصر، ورغم ما كان يشكله هذا الالتزام من أعباء مالية على مثل هذا المشروع المبتدأ غير الهادف إلى الربح، فقد كان علينا الانصياع للقانون وللاتفاقيات الدولية، ووافقت وزارة الاقتصاد وقتها على توفير المطلوب من العملات الأجنبية، لكن وقع عبء تدبير المقابل بالعملة المحلية على الأمانات الفنية بالمجلس الأعلى للثقافة التي كنت أتولاها، وكانت تمتلك موازنة لشراء حقوق التأليف، وقد أثر هذا الوضع بلا شك سلبًا على خطط نشر أعمال لجان المجلس الأعلى للثقافة وسلاسله الأخرى، وكان علينا أن نوازن بين الأمرين لمدة ست سنوات إلى أن انتقل المشروع القومي للترجمة إلى المركز الجديد.

 وقد دفع المجلس للاهتمام بشراء حقوق الترجمة موقفان بالإضافة لاتفاقيات الجات بالطبع، الموقف الأول في عام 1999، عندما كان المهندس إبراهيم المعلم في زيارة للدكتور جابر عصفور في مكتبه، وتطرق الحديث للمشروع القومي للترجمة، وقال الدكتور جابر إن المشروع على وشك إصدار ترجمة لكتاب"الفجر الكاذب – أوهام الرأسمالية العالمية" لجون جراي الصادر عام 1998، بترجمة أحمد فؤاد بلبع، عندها قال المعلم إن دار الشروق قد اشترت حقوق الترجمة بالفعل، وبيسر تم الاتفاق على صدور الكتاب في طبعه مشتركة بين المجلس ودار الشروق، وصدر بالفعل عام 1999، بعد عام واحد من صدوره بالإنجليزية، وكانت هذه التجربة ناقوس يدق حول أهمية شراء الحقوق، كذلك كان فاتحة لتجربة في النشر المشترك بين المجلس الأعلى ودور النشر الخاصة، امتدت بعد ذلك إلى المركز القومي للترجمة.

 أما الموقف الثاني فحدث في عام 2000 أثناء انعقاد الملتقى الأول للترجمة، كنا نجلس في مكتب الدكتور جابر بين الجلسات عندما دخل علينا ناشر عربي ثائر لأن المجلس نشر ترجمة كتاب أسفار العهد القديم في التاريخ – اختلاق الماضي لتوماس تومسون، رغم أنه حصل على حقوق الترجمة إلى العربية حصريًا، اضطرنا إلى رفع الكتاب من العرض، وتعهدنا بسحب جميع نسخه المتبقية من السوق، وكان كثير منها قد تم بيعه بالفعل، وظل وقف توزيع الكتاب لغز غير مفهوم لدى الزملاء العاملين في التسويق والمخازن، حيث اقتصر توزيع الكتاب على الإهداءات للمكتبات العامة.

 كان الملتقى الثالث للترجمة ختام رحلة المشروع القومي للترجمة مع المجلس الأعلى للثقافة، فقد انتقل بعدها إلى الكيان الجديد الذي تأسس في عام 2006، وبدأ نشاطه الفعلي في 2007 عندما ترك جابر عصفور المجلس الأعلى للثقافة وتولى منصب مدير المركز القومي للترجمة، وظل يشغل هذا المنصب حتى توليه وزارة الثقافة للمرة الأولى أثناء ثورة 25 يناير 2011، وقد استمرت علاقتي بالمركز كمنسق للندوات التي تناقش إصدارات المركز الجديد، والتي كانت تعقد في مقر المجلس الأعلى للثقافة، وكعضو في بعض لجانه الاستشارية.

 إن قصة جابر عصفور والترجمة تضعنا أمام قصة نجاح قائمة على الإصرار والتخطيط ووضوح الرؤية، بدأت بحلم وانتهت ببناء مؤسسة تحافظ على استمرار المشروع/الحلم حتى بعد غياب صاحبه.

مقالي المنشور في الملف الخاص عن الدكتور جابر عصفور بمجلة نزوى عدد يوليو 2022

الأربعاء، 20 يوليو 2022

ويتوالى رحيل الأحباب... أحمد مرسي وداعًا

ويتوالى رحيل الأحباب... أحمد مرسي وداعًا

عرفت الدكتور أحمد مرسي لأول مرة من خمسين سنة تقريبا، لما دخلت كلية الآداب، كان من حسن حظي إن توزيعي في محاضرات التطبيقات في اللغة العربية كان في مجموعة 7 اللي بيدرس لها الدكتور أحمد مرسي، كانت السنة الأولى في الكلية دراسة عامة، وكانت المحاضرات العامة في مادة اللغة العربية بيدرسها الأساتذة الكبار، د. سهير القلماوي ود. عبد الحميد يونس ود. يوسف خليف ود. حسين نصار، والتطبيقات بيدرسها شباب المدرسين في القسم وكان منهم الدكتور أحمد مرسي، كانت محاضراته ممتعة وكانت في أخر النهار، كنت بانتظرها من أسبوع لأسبوع، وفي نفس الوقت بأحضر في فصول غير فصلي علشان استمتع بمحاضرات المدرسين التانيين، الدكتور أحمد مرسي كان بيدرس لنا قصيدة للبحتري وبنشتغل على تحليلها طول السنة...
دخلت قسم تاريخ لكن حضور الدكتور أحمد مرسي في الكلية باعتباره رائد الشباب وقتها كان ظاهر لنا باستمرار، خصوصا الطلاب المنتمين للأسر واللي بيشتعلوا في السياسة...
لما اتعينت في الكلية سنة 1983 بدأت العلاقة الحقيقية بالدكتور أحمد مرسي، وقتها كان فيه جيل من المعيدين اللي اتعينوا في دفعة واحدة وابتدى التفكير في تأسيس أسرة للمعيدين، وكان الدكتور أحمد هو عضو هيئة التدريس اللي بيشتغل معانا في المشروع، وهنا ابتدى التعارف الحقيقي بنا، ومن وقتها العلاقة ما انقطعتش أبدًا، سواء في الكلية أو أثناء عملي في المجلس الأعلى للثقافة... وهنا لازم أذكر فضله الكبير في تأسيس ملتقى الفنون الشعبية والتراث اللامادي في المجلس الأعلى للثقافة، وحرصه على نشر أبحاث الملتقى، اللي بتشكل اسهام مهم في المجال...




في السنتين الأخيرنين كنت بابتدي يومي برسايله الصباحية، لغاية ما توقفت الرسايل في مرضه الأخير...
اللقاء الأخير كان في عزاء العزيز الدكتور جابر عصفور...
ستدوم ذكرى أحمد مرسي بما قدمه من انجاز علمي مهم في مجال تخصصه في الأدب الشعبي، وبما تركه من محبة في قلوب كل من عرفه...

الأربعاء، 15 يونيو 2022

ثلاثة رِجالٍ وكتاب

 

ثلاثة رِجالٍ وكتاب

عماد أبو غازي

 هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والمُعَنوَن "التعليم المصري في نصف قرن- أفكار وآراء ومقترحات مدرس تعليم أَوَّليٍّ" يقف وراءه ثلاثة رجال؛ أولهم: الشيخ أحمد محمد إسماعيل الأمير (1877- 1962)، أحد رُوَّاد التعليم الحديث في أسيوط، بل وفي صعيد مصر، صاحب النصوص التي تجمعها دفَّتَا هذا الكتاب. وثانيهما: الأستاذ عثمان الأمير، وهو ابن الشيخ أحمد الأمير؛ الذي حافظ على تراث والده حتى وصل إلى أيدينا بفضل ثالث الثلاثة: الصديق سعد عبد الرحمن، الذي سَعِدتُ بزَمالَتِه في وزارة الثقافة لسنوات، وكان من خير من خرَجتُ بهم أصدقاء من عَمَلي بالوزارة بين عامَيْ 1999 و2011؛ فمنذ التقينا في أثناء عملي بالمجلس الأعلى للثقافة وعمله بهيئة قصور الثقافة توطَّدَت العلاقة بيننا، وعرفت فيه الشَّاعِرَ المُبدِع، والمُثقَّف المهموم بقضايا الوطن، والمُحرِّك الثقافي المتميز؛ وعرفت فيه -فضلًا عن ذلك- العاشق للتُّراث، الذي يرجع إلى الماضي البعيد، أو ذلك الذي يرجع إلى سنوات قريبة من ماضينا، ودَفَعَه عشقُه هذا إلى البحث دومًا عن النَّوادر من الكتب القديمة والمجهول منها، واقتنائها. وعندما كان في موقع المسؤولية حرص على تعميم الفائدة ممَّا يقع تحت يده من هذه النوادر، بإعادة نشرها، مُقدِّمًا للأجيال تراثًا تَوارَى عن أعيُنِنا؛ في هذه المرة بذل الرجل جهدًا اضافيًا؛ إنه هنا لا يقوم بنشر كتابٍ نشرًا جديدًا، بل قام بجهد علميٍّ مميَّز، كان فيه صاحب أدوار عِدَّة؛ فقد قام بدَوْر الجامع والمُحقِّق والدارس لنصوصٍ قادَتْه الأقدارُ وشَغَفُه بالتَّنقيب في تُراثِنا: قريبه وبعيده إليه.

 

 لقد قدَّم سعد عبد الرحمن للكتاب بدراسةٍ وافية، لا يمكن فَهمُ الكتاب وسياقه بدونها؛ فالمقدِّمة في حَدِّ ذاتها دراسةٌ مُهمَّة عن الشيخ الأمير وإسهامه، كما قدَّم تحقيقًا علميًّا للنصوص، فأضاف إليها بشرحه وتعليقاته، وقام بتحليل مقالات الشيخ التي كان قد جَمَعَها بنفسه، وحَفظَها ابنُه من الضياع لسنوات طويلة.

وتضمُّ الموضوعات التي حفظها الشيخ مائتي موضوع وأربعة؛ من بينها مائة موضوع وثلاثة تتعلَّق بالتعليم وقضاياه تلك التي يضمُّها هذا الكتاب؛ أما باقي الموضوعات فتتناول قضايا أخرى، ننتظر أن ينشرها سعد عبد الرحمن قريبًا بدراسة تحليلية وافية مثل تلك التي قدَّم بها لهذا الكتاب، كما وعد بذلك.

وقد أضاف المُحقِّق إلى الكتاب سِتَّةَ ملاحق إلى جانب الملاحق الثلاثة التي كتبها الشيخ الأمير بنفسه، فَحَوَى الكتابُ بذلك تسعة ملاحق تساعد القارئ كما تساعد الباحث في تاريخ التعليم على فهم سياقات كتابة هذه المقالات؛ وتشكِّل الملاحق الستة المضافة إلى ملاحق الشيخ الأمير إضافة مهمَّةً.

ونتبيَّن من الدراسة التي تتضمَّنُها مقدِّمة الكتاب أن الشيخ الأمير نشر مقالاته في سبع عشرة جريدة، وثلاث مجلَّات، ومن استعراض أسمائها يتبيَّن مدى اختلاف الاتجاهات السياسية والفكريَّة لتلك الصحف والمجلَّات، فقد نشر في صحفٍ حزبيَّة، وأخرى غير حزبية؛ فنشر في صُحُف: الحزب الوطني، وحزب الأُمَّة، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، والوفد المصري، وحزب الأحرار الدستوريين، وجماعة الإخوان المسلمين، ونشر في صحف وطنية معارضة للاحتلال وسياسته، كما نشر في صُحُفٍ كانت مُوالِيَةً للاحتلال البريطاني، وأخرى محايدة؛ فنشر في: اللواء، والبلاغ، والجريدة، كما نشر في الأهرام، وفي المقطم والمقتطف؛ ويبدو أنه كان يسعى إلى نشر أفكاره ورؤيته في القضايا التي يهتمُّ بها، دون أن يضع في اعتباره تَحزُّبًا سياسيًّا؛ كذلك نجد من بين الصحف التي نشر فيها -بكثافةٍ- جريدةً محلِّيَّةً في أسيوط، هي جريدة "المنتظر"، التي كانت الأكثرَ نشرًا له؛ ربما بسبب اهتمامه ببيئته المحلية التي نشأ وعاش في وسطها.

لقد عاش الشيخ أحمد الأمير في فترة انتقال مُهمَّة في تاريخ مصر؛ فقد وُلِدَ الرَّجُل سنة 1877، وتُوفِّي سنة 1962؛ إذن عاش الرجل سنوات الاحتلال البريطاني لمصر كامِلَةً؛ وعاصر تحوُّلَ مصر سياسيًّا بين أربعة نُظُم؛ فقد وُلِدَ في ظِلِّ الخديوية، وعاش السَّلطَنَة، والمَلَكيَّة، والتحوُّل إلى النظام الجمهوري؛ وعاصر حربَيْن عالميَّتَيْن، وحربَيْن خاضتهما مصر في 1948 و1956.

وإذا كان قد عايَشَ أحداث الثورة العرابية وبداية الاحتلال البريطاني لمصر طفلًا صغيرًا، لا نعرف إن كان وَعيُه قد أدرك بعضًا من حوادثها أم لا؛ فلا شكَّ أنه كان واعيًا مدركًا للصَّحوَة الوطنية في بدايات القرن العشرين، ثم ثورة 1919 وما أعقبها من نهضة في مناحي الحياة كافَّة؛ وإعلان استقلال مصر بالتحفُّظات الأربعة في فبراير 1922، وصدور دستور 1923، ثم الانقلابات الدستورية التي قادها الملك أحمد فؤاد ليقضي على المكاسب الدستورية للثورة، كما عاصر النِّضالَ الشعبي لحماية الدستور والحياة الديمقراطية بين 1930 و1935، وعودة الدستور وتوقيع معاهدة 1936 وإنهاء الامتيازات الأجنبية، ثم الانتفاضة الشعبية في 1946، والكفاح المُسلَّح في منطقة القناة ضدَّ الوجود البريطاني، ووصول الضُّبَّاط الأحرار إلى السُّلطَة وقضائهم على النظام المَلَكيِّ وإنهاء حُكم أسرة محمد علي في يونيو 1953 وتحوُّل مصر إلى جمهورية، وتوقيع اتفاقية الجلاء سنة 1954.

عاش تحوُّلاتٍ اجتماعيَّةً واقتصادية وسياسية مُهمَّة في سنواته الأخيرة، بدءًا بأول قوانين الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، ثم تأميم الرئيس جمال عبد الناصر لقناة السويس وما أعقبه من عدوان على مصر، وشهد تمصير الاقتصاد ثم ما سُمِّي بالقرارات الاشتراكية، عاصر الوحدة المصرية السورية وإعلان الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1958، كما حضر انتهاء التجربة بالانفصال في سبتمبر 1961.

خُلاصَةُ القول: إن الرجل عاش عصرًا غنيًّا بالتحوُّلات على مختلف أصعدة الحياة المصرية، بل والإقليمية والعالمية؛ كان عصر انتصاراتٍ ونجاحاتٍ، مثلما كان عصرَ هزائِم وإخفاقات، ولا شكَّ في أن رَجُلًا بمثل ثقافته ووعيه واهتماماته قد تأثَّر بكل ما مَرَّ به المجتمع المصري خلال سنوات عمره التي جاوَزَت الثمانين، والتي يبدو من استمراره في الكتابة أنه كان واعيًا بها، مُدرِكًا لها، مُتفاعِلًا معها حتى اقتراب النهاية.

يضمُّ الكتابُ مقالات الشيخ أحمد الأمير حول التعليم، وتمتدُّ كتابات الشيخ بين 1901 و1960، ستون عامًا، كَتَبَ فيها مائة موضوع وثلاثة في التعليم، ما بين خَبَرٍ، ومقالٍ، وكلماتِ تلاميذه في المناسبات العامَّة التي كان هو كاتبها على الأرجح؛ بعض المقالات تندرج في مجال فلسفة التعليم وسياسات إصلاح منظومته في مصر، وبعضها يندرج تحت القضايا النقابية للمعلِّمين وشيوخ الكتاتيب وعَرِّيفيها، والبعض الثالث مجرَّد أخبار.

نُشِرَت هذه المقالات في فترةٍ شَهِدَت تطوُّرات مُهمَّة في تطوُّر منظومة التعليم في مصر، سواء على مستوى الإصلاحات المهمة التي حَدَثَت في اتجاه النهوض بالتعليم في مصر وما صَحِبَها من معارك سياسية وفكرية، أو على مستوى وعي المجتمع بأهمية التعليم وضرورته لتطوُّر البلاد ونهضتها، أو على مستوى المؤلَّفات التي تتناول التكوين المعرفي للإنسان المصري أو السياسات التعليمية.

لقد شَهِدَت السنواتُ الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين دعواتٍ جادَّةً لإصلاح منظومة التعليم وتطويرها في مصر لتُواكِبَ نظيرتها في دول العالم، ولتستأنف المشروع الذي بدأ في مطلع القرن التاسع عشر، وتتلافى جوانب القصور فيه، وتُصلِح من عيوبه؛ وقد اصطدمت هذه الدعوات برؤية سُلُطات الاحتلال البريطاني ومُمثِّلها في مجال التعليم المستشار البريطاني لنِظارة المعارف دوجلاس دنلوب؛ وكان تَوَلِّي سعد زغلول منصب ناظر المعارف العمومية في عام 1906 نُقطَةً فارِقَةً في هذا المسار، حيث بدأ في تَبَنِّي سياساتٍ للإصلاح التدريجي في مجال التعليم العام.

وخلال مسيرة حياة الشيخ الأمير شَهِدَت أحوال التعليم العام والجامعي في مصر تطوُّرات مُهِمَّة، فقد تبنَّى دستور 1923 مبدأ إلزامية التعليم في مراحله الأولى، وأدخل نجيب الهلالي باشا ومحمد حسين هيكل باشا إصلاحاتٍ مُهِمَّةً على منظومة التعليم في أثناء توليهما وزارة المعارف العمومية خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وتمَّ إقرارُ مجَّانيَّة التعليم العام على مراحِلَ، اكتَمَلَت على يد طه حسين عندما أصبح وزيرًا للمعارف في حكومة الوفد الأخيرة عام 1950، ثم امتدَّت المجَّانِيَّة لتشمل التعليم الجامعي في مطلع الستينيات في سياق ما سُمِّي بقرارات يوليو الاشتراكية.

وتميَّزَت تلك السنوات كذلك بوعيٍ مجتمعيٍّ كبير وإدراكٍ عالٍ لأهميَّة التعليم وضرورة النهوض به باعتباره مَدخَلًا لتحقيق نهضة الأمَّة واستقلال البلاد.

لقد وجَّه كثيرٌ من رجال الطبقات العليا في المجتمع ونسائها هَمَّهم إلى تشييد المؤسَّسات التعليمية من كتاتيب ومدارس وإنشاء الأوقاف للإنفاق عليها؛ ولقد كان الشيخ أحمد الأمير نفسه من العاملين في واحد من هذه المنشآت التعليمية التي قامت بالجهود الأهلية؛ فقد قضى معظم سنوات عمره العملي يدير كُتَّابًا أسَّسه سيد باشا خشبة في عِزبَتِه بمركز القوصيَّة لتعليم أبناء البلدة وما جاورها.

وعلى صعيد الوعي المجتمعي أيضًا شهدت تلك السنوات الدعوة لتأسيس جامعة مصرية، ظهرت لأول مرة في كتابات يعقوب أرتين عام 1894 من خلال تقريرٍ كَتَبَه، رأى فيه أن المدارس المهنيَّة العليا القائمة في ذلك الوقت لم تَعُد كافِيَةً، وإن البلاد في حاجة إلى كلية جامعة، وعندما استشعر مُعارَضَة سلطات الاحتلال البريطاني -وعلى رأسها اللورد كرومر- للفكرة توقَّفَ عن تجديد الدعوة إليها؛ لكن الدَّعوة تَجدَّدَت مرَّةً أخرى على يد جورجي زيدان، صاحب مجلة الهلال، خلال عامَيْ 1899 و1900، ثم تكرَّرَت الدعوة مرَّةً أخرى في أكتوبر من عام 1904 في جريدة "اللواء"، التي كان يُصدِرها مصطفى كامل، مع اقتراب الاحتفال بالذِّكرى المِئويَّة لتولَّي محمد علي باشا لحكم مصر، حيث دعت اللواء إلى إنشاء كلية مصرية، وأوصت بتسميتها "كلية محمد علي"، ومنذ ذلك الحين تحرَّكَت الدعوة للاكتتاب الشعبي من أجل إنشاء جامعة مصرية، وانضمَّ إلى الداعين للمشروع عديدٌ من المُفكِّرين والساسة، على رأسهم: الشيخ محمد عبده، وقاسم أمين، وأحمد فتحي زغلول، وسعد زغلول، كما تحمَّس للفكرة بعضُ أُمَراء الأسرة العلوية الحاكمة، وفي مُقدِّمَتِهم: الأمير أحمد فؤاد، الذي أصبح مَلِكًا فيما بعد، وأخته الأميرة فاطمة إسماعيل، وساند الدعوة عَدَدٌ من الأعيان وكبار المُلَّاك، على رأسهم: أحمد المنشاوي باشا من الغربية، ومصطفى كامل الغمراوي بك من بني سويف. وبالفعل أصبحت الجامعة واقعًا في ديسمبر من عام 1908؛ بتَبَرُّعات المصريين وجهودهم الأهلية. كما أنشأ الأمير يوسف كمال -على نَفَقَته- "مدرسة الفنون الجميلة"، وأَسَّسَت المُبِرَّة أمينة هانم إلهامي "المدرسة الإلهاميَّة للصناعات والفنون الزُّخرفيَّة التراثية" وتولَّت رعايتها والإنفاقَ عليها طوال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين. وقد تحوَّلَت الجامعة ومدارس الفنون إلى جامعات ومعاهِدَ وكليات حكومية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

أمَّا عن الكتابات حول التعليم؛ فقبل ميلاد الشيخ الأمير بعامَيْن صدرت الطبعة الأولى من كتاب "المرشد الأمين للبنات والبنين" لشيخٍ أزهري آخر من أبناء الصعيد، هو رفاعة رافع الطهطاوي، أحد روَّاد النهضة في مصر الحديثة، والكتاب عَمَلٌ رائدٌ في مجال وضع تصوُّرٍ لِمَا ينبغي أن يقوم عليه التكوين المعرفيُّ والفكري والأخلاقي للإنسان المصري، وفي عام 1894 صدر بالفرنسية كتاب يعقوب بك أرتين وكيل نظارة المعارف المُعَنوَن "القول التام في التعليم العام"، الذي وضع فيه تصوُّرًا للسياسة التعليمية في مصر آنذاك، وقد ترجَمَه إلى العربية بعد صدوره علي بك بهجت، عالِم الآثار الإسلامية الذي كان يعمل وقتَها بقلم الترجمة بالمعارف، ثم تأتي كتابات الإمام محمد عبده المتعدِّدة في تصوُّراته حول التربية وإصلاح التعليم في البلاد كمدخل للنهضة؛ وفي عام 1938 أصدر الدكتور طه حسين كتابه المُهِمَّ "مستقبل الثقافة في مصر"، الذي بَلْوَرَ فيه رؤية متكامِلَةً لإصلاح التعليم وللعمل الثقافي في مصر؛ هذا بالإضافة إلى مئات المقالات حول أحوال التعليم في مصر، في الصحف والمجلَّات المصرية، أو الدراسات الأكاديمية حول التعليم.

من هذه الصورة للعصر الذي عاش فيه الشيخ أحمد الأمير وكتب فيه مقالاته التي تجتمع بين دفَّتَيْ هذا الكتاب يتَّضِح أنه كان عصرَ اهتمامٍ بالتعليم وقضاياه لدى قادة الرأي والسياسيين في مصر، عصرًا للتطوُّر التدريجي في المنظومة التعليمية للبلاد؛ إذًا ما الذي يُميِّز هذه المقالات؟

في تصوُّري أن أهم ما يُميِّز هذه المقالات أنها جاءت من قلب التجربة ومن أرض الواقع، تُميِّزها شخصيَّةُ كاتبها وتجربَتِه الحَيَّة مع التعليم في أعماق المجتمع المصري، وفي المدى الزمني الطويل الذي تغطِّيه هذه المقالات، وفي تنوُّع الموضوعات والقضايا التي طرحها فيها، وتنوُّع الصحف التي نشرت له، كذلك في تحقُّق بعض مقترحاته التي طرحها في هذه المقالات، وإن كُنَّا لا نستطيع أن نجزم بأن ما تَحقَّق كان نِتاجَ كتاباته، لكن المؤكَّد أن رؤيته كانت صائِبَةً، وأنها كانت قابِلَةً للتَّحقُّق على أرض الواقع. لقد كان الرجل صاحِبَ حُلمٍ كبير، لكنه حُلمٌ جذورُه في الأرض؛ فالأحلام القابِلَةُ للتَّحقُّق هي الأكثر نفعًا للناس، قد تكون الأحلام المستحيلة نبيلة، لكنها تظلُّ أحلامًا بعيدةَ المنال.

لم يَكُن الشيخ أحمد الأمير مَعنيًّا بالتعليم فقط، لكنه كان مشغولًا بإصلاح مجتمعه، لكنَّ التعليم كان في القلب من رؤية الشيخ الأمير الإصلاحية؛ فقد شكَّل ما يقرب من نصف كتابات الشيخ المنشورة في الصحف والمجلات. كان الرَّجُل -كما يتَّضِح من كتابته- يتبنَّى رؤية إصلاحية تقوم على الإصلاح المستند إلى الوقائع المعيشة، وهي رؤية تتَّسِم بالعقلانية والتَّدرُّج في الإصلاح، وفي الوقت نفسه نجد لديه إلحاحًا على الفكرة التي يتبنَّاها، يكتب فيها مرَّاتٍ؛ عَلَّه ينجح في إقناع المجتمع أو المسؤولين.

هناك بعض الأمور التي توقَّفتُ عندها في المقالات التي يجمعها هذا الكتاب، فاهتمامه كشيخٍ أزهري بتعليم القرآن الكريم والاهتمام به في المدارس والكتاتيب مفهومٌ، وطبيعيٌّ، لكن اهتمامه الشديد بتدريس التاريخ المصري القديم والدعوة إلى تخصيص مُقرَّرات دراسية له أمرٌ لافِتٌ للنَّظَر، ويدلُّ على وَعيٍ عميق بالهُويَّة الحضارية، وبتاريخ بلده، يرتبط بهذا أيضًا دعوته القوية إلى تعليم المصريين لُغَتَهم المصرية القديمة، واعتبار عدم معرفتنا بها يُشكِّل حاجزًا بيننا وبين جُزءٍ مُهمٍّ من تاريخنا وتراثنا الحضاري والثقافي.

كذلك يتَّضِح بجَلاءٍ من التقديم الذي وضعه الصديق سعد عبد الرحمن للكتاب، ومن سيرة الرجل وكتاباته- اهتمامُه بأمور أخرى، يراها لازِمَةً وضرورية للتكوين الإنساني لطُلَّابه، ومُكمِّلَة للعملية التعليمية.

مثل اهتمامه بالرياضة البدنية، متمثِّلَةً في مسابقات شَدِّ الحبل بين طُلَّاب الكُتَّاب الذي يتولَّى إدارته، ومكافأة خشبة باشا للفريق الفائز، وتشكيله فريقَيْن لكرة القدم في الكُتَّاب سنة 1906، في فترة مبكِّرة للغاية، لم تكن هذه الرياضة قد انتشرت فيها بَعدُ انتشارًا واسعًا في المجتمع.

كذلك اهتمامه بالمسرح والتمثيل، وتشكيله لما يمكن أن نعتبره "مسرحًا مدرسيًّا" في نفس السنة، سنة 1906، الأمر الذي تؤكِّد مُقدِّمة سعد عبد الرحمن على أنه قد يكون الأوَّلَ من نوعه في الصعيد.

أيضًا اهتمامه بربط التعليم بالبيئة، وتحويل طُلَّابه إلى مُنتِجين إلى جانب تَلقِّيهم للعلم، وذلك من خلال تخصيص قطعة أرض مجاورة للكُتَّاب لتعليم تلاميذه الزراعة، وكذلك تعليمهم بعض الحِرَف البيئية، كصناعة الأدوات المختلفة من الجلود والخوص والجَريد.

وممَّا لَفَتَ انتباهي بحُكمِ التَّخصُّص في مجال الوثائق والأرشيف: قيامُ الرَّجُل بحفظ مقالاته وترتيبها كقُصاصاتٍ صحفيَّة، بنفس منطق العمل في الأرشيف الصحفي الحديث، الذي لم تعرفه مصر بصورته العِلميَّة إلَّا في أربعينيات القرن الماضي، وقد جمع هذه المقالات المنشورة في هذا الكتاب مع غيرها من مقالاته، وكان يجمع -بالإضافة إلى مقالاته- قُصاصاتِ الرُّدود والتعليقات التي ترتبط بما يكتب، كذلك الأخبار المتعلِّقة بكُتَّاب سيد باشا خشبة، ويُنسِّقها في مَلفٍّ، ويُعِدُّ لها الفهارس الموضوعية، مع تسجيل بيانات النشر الكامِلَة لكُلِّ قُصاصة من القصاصات التي جمعها ورتَّبها. لقد قام الرَّجُل بعملٍ أرشيفيٍّ دقيق وفقًا لقواعِدَ لم تكن معروفةً في مصر في هذا الوقت المُبكِّر، وأظنُّ أن ما قاده إليها تفكيرُه المنطقيُّ.

في ختام هذه المقدِّمة أقول إنه ربما نتَّفِق أو نختلف مع بعض آراء الشيخ الأمير، لكننا لا نملك إلا تقدير عمله والإعجاب الشديد به؛ فقد كان الرَّجُل -بلا شَكٍّ- مجتهدًا ومُجدِّدًا في الفكر والممارسة؛ وقد حفظ تراثه حفظًا دقيقًا، وحمل ابنُه الأمانة، وأوصلها إلى مَن هو أهلٌ لتعميم الفائدة منها.

فتَحِيَّة للرجال الثلاثة.

 تقديمي لكتاب التعليم المصري في نصف قرن...

الاثنين، 24 يناير 2022

من باب العشم

 

من باب العشم

رسالة خاصة من يحيى حقي إلى بدر الدين أبو غازي

عماد أبو غازي

 ربطت بدر الدين أبو غازي بيحيى حقي علاقة صداقة امتدت لأكثر من عشرين عامًا؛ كانت البداية علاقة قارئ متابع ومعجب بأديب مبدع، وأتذكر جيدًا أن كل أعمال يحيى حقي كانت تحتل مكانًا بارزًا في مكتبة المنزل، وكانت من الكتابات التي يرشحها لنا أبي لنقرأها إلى جانب مسرحيات توفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ.

 وجاء التعارف الفعلي بينهما في فترة تولي يحيى حقي لرئاسة مصلحة الفنون (1955-1958)، ثم توطدت العلاقة في الستينيات عندما رأس يحيى حقي تحرير مجلة المجلة في منتصف عام 1962، واستمر فيها حتى أواخر عام 1970، فقد أصبح بدر الدين أبو غازي خلال هذه الفترة أحد الكتاب الأساسيين في المجلة، نشر قرابة 90 مساهمة خلال 9 سنوات كلها باستثناء مساهمتين اثنتين في فترة رئاسة يحيى حقي للتحرير.

 وقد كان يحيى حقي الرئيس الرابع لتحرير المجلة، من بين خمسة رؤساء تحرير في إصدارها الأول الممتد من عام 1957 إلى عام 1971، وقضى أطول فترة في رئاسة التحرير وترك بصماته واضحة على المجلة التي ارتبطت باسمه لما أدخله عليها من تطوير، جعلها منبرًا مفتوحًا لكتاب ونقاد ومبدعين ينتمون لأجيال مختلفة، كان بدر الدين أبو غازي واحدًا منهم، وقد ترك يحيى حقي رئاسة تحرير المجلة قبل تعيين بدر الدين أبو غازي وزيرًا للثقافة بأسابيع قليلة.

 وعندما تولى أبو غازي وزارة الثقافة كان من أول من اتصل بهم يحيى حقي لمشاورته والاستنارة بآرائه، لما له من في إدارة العمل الثقافي وللعلاقة التي تربطهما ببعض، وكان الاتصال التليفوني متضمنًا وعدًا بلقاء طويل لحديث لا تتسع له المكالمات التليفونية، لكن اللقاء تأخر لبضع أسابيع بسبب مشاغل المنصب الجديد، الذي جاء في بداية عهد جديد، وبدأ "أولاد الحلال" يسعون للوقيعة بين الرجلين، ويهمسون في أذن يحيى حقي، ويقولون له: "إنه ليس مشغولًا، بل لا يريد أن يراك".

 عندها أرسل يحيى حقي خطابًا إلى بدر الدين أبو غازي الصديق قبل الوزير على عنوان منزله، وعندما تلقى أبو غازي الخطاب سارع بالاتصال بيحيى حقي وتم اللقاء بينهم، وأذكر جيدًا مدى تأثر بدر الدين أبو غازي بهذا الخطاب رغم مرور أكثر من خمسين عامًا على هذا الموضوع.

 مؤخرًا عثرت على هذا الخطاب الذي كنت أعلم بأمره، لكني لم أره من قبل أو أطلع على ما جاء فيه، وقد عثرت عليه وأنا أنقب في أوراق بدر الدين أبو غازي الخاصة، وأعمل على ترتيبها، ونشر ما يجدر نشره منها، وجدت فيه هذا الخطاب خطابًا من صديق إلى صديق، يبثه فيه ما دار بخاطره من هموم بصدق وصراحة تحتملها علاقة الود بينهما، ويعرض في الخطاب رؤيته ومقترحاته للنهوض بالعمل في وزارة الثقافة، ويوصيه بالاهتمام ببعض الأمور والعناية ببعض الموهوبين الذين حدد أسماءهم، ويطلب منه أن يكون "الجانب الإنساني" طابع عهده في الوزارة، وأعتقد أن مقترحات يحيى حقي التي ضمنها خطابًا طال لأكثر من أربع صفحات، تكشف عن رؤيته العميقة للعمل الثقافي وكيفية إداراته، وعن حسه المرهف وروحه الخلاقة المتطلعة إلى النهوض بالإنسان على المستويين الفردي والجماعي، حرصه على الاحتفاء بكبار المبدعين والمفكرين بقدر اهتمامه بالشباب وإتاحة الفرص أمامهم.



 وإلى نص الخطاب:

 "عزيزي الأستاذ الجليل بدر الدين أبو غازي

  وجدتني أخيرًا أُدافع الأوهام، أسخفها وأشقها، ولكن لي بعض العذر في ظني إذا قلت لك إنني كدت أصدق بعض هذه الأوهام، إن عذبتني معرفة السبب، بعض الناس من حولي ممن علموا باتصالك المبكر بي – ولا تدري كم سررت به وشكرتك عليه – بدأوا يقولون: إنه ليس مشغولًا، بل لا يريد أن يراك.

 وكنت أنتظر لقاءنا بلهفة لأن في قلبي أشياء كنت أريد أن أقولها لك، أنها تنفذ إلى العمل عن طريق الجانب الإنساني، فأني أتمنى أن يكون هذا هو طابع عهدك في الوزارة؛ من ذلك مثلًا: -

 1 – البحث عن الكفاءات المنزوية التي لا يسأل عنها أحد. يحضرني الآن إسمان، الأول جمال حمدان الذي تعرف فضله، إنه منزوٍ لا يسأل عنه أحد، كنت أريد أن أرجوك أن تسأل عنه وتحاول إخراجه من عزلته، الاسم الثاني هو صبري السربوني، وأنت تعرفه وهو من أصدقاء مختار، أزوره أحيانًا فيحدثني بمرارة عن العراقيل التي تقام في وجهه وتؤخر إصداره لمؤلف بالفرنسية عن حضارة العرب في أفريقيا، كنت أريدك أن تسأل عنه وتقول له: ما هي متاعبك؟ ولعلي أنجح في العصور على أسماء أخرى أو يدلك عليها غيري.

 2 – استعادة كفاءات هاجرت، يحضرني هنا اسم ولي الدين سامح، كنت أريد أن أرجوك لتبعث إليه تسأله هل يعود؟ هل هناك خير منه للإشراف على أفلامنا التسجيلية التي نادى بها أحمد بهجت أخيرًا في مقاله البديعة عن الفارابي.

 د. مصطفى بدوي، د. أنور لوقا، من أعمدة الأدب والنقد عندنا، هاجر الأول لإنجلترا والثاني لسويسرا، إذا لم نستطع استعادتهما للوطن فعلى الأقل يبلغهما من وزير الثقافة أسف لغيابهما، ورجاء بأن يشاركا بقلمهما في الحركة الأدبية عندنا، وتقديم مقترحات لك على ضوء خبرتهما في أوروبا.




 المسألة الثانية، كنت أريد أن أقول لك أيضًا إنني أتمنى أن يتميز عهدك بالاعتناء بالشباب.

 السعي للحصول على أكبر قدر من البعثات الدراسية للتخصصات التي تهتم بها وزارة الثقافة، النهضة المسرحية الأخيرة كانت بفضل هذه البعثات.

 تحريك تنفيذ الاتفاقات الثقافية مع الدول الصديقة، والانتفاع بكل الفرص وطلب المزيد.

 الوفود حبذا لو جعلت شرطها أن تضم نسبة محترمة من الشبان يسافرون مع الشيوخ.

 في الأقاليم شبان تتحسن أحوالهم إذا وجدوا في حضن الوزارة في عهدك عملًا لهم، يحضرني اسم عفيفي مطر، شاعر يشكو من أنه مرهق بالتدريس في كفر الشيخ.

 هل تذكر عبد الحكيم قاسم وكيف تفضلت بخدمته، إنه معدود من النجوم الصاعدة، في ذهني اسم كمال حمدي، إنه خميرة طيبة لو سافرت لأوروبا لعاد أستاذًا مرموقًا في الأدب الكلاسيكي.

 لأجل أن تعرف الأمثلة التي أقف عليها لضياع بعض الشبان أرسل لك مقصوصة من خطاب لواحد منهم يقول لي فيها إنه يَقتُل ويُقتل كل يوم، إننا لا نريد تدليع الخائبين والبلطجية، ولكن مساعدة من يستحق المساعدة.

 أحلم أنك تفتتح فصولًا حرة في المعاهد الفنية، إنك تنشئ جامعة شعبية لدراسات عن تاريخ مصر وجغرافيتها وآدابها إلخ إلخ، أن تأمر بترجمة كتاب وصف مصر، ووضع دائرة معارف،

 أن يذكر الناس عهدك بعمل عظيم، أين أفلامنا التسجيلية عن متاحفنا؟

 أشياء كثيرة تنتظر التنفيذ على يديك بإذن الله.



 وكنت أريد أن أعرض عليك أيضًا رأيًا في المجلات، فإني أتصور أن الحل يكون بتحريك النقابات المهنية لأداء واجبها الثقافي، وتعينها وزارة الثقافة بمبلغ محدد، نقابة المهندسين تصدر مجلة العمارة، عيب أن لا يكون في مصر أم العمارة مجلة للعمارة، نادي السينما يصدر مجلة السينما، وهلم جرا.

  لم يكن لي مطلب لنفسي فأنا والحمد لله في نعمة كبيرة، ولا أنسى أفضالك السابقة التي أنقذتني من ورطات كثيرة.

 كتبت لك الآن لأني أولًا خفت أن هذا الكلام مهما قلت قيمته قد يضيع من رأسي، ولأني – ثانيًا – أظن أن خطابي هذا قد يأتيني بكلمة منك ولو بالتليفون تبدد أوهامي.

المخلص

يحيى حقي

هذا خطاب خاص لذلك أرسلته بعنوان منزلك"



 وبعدها كان اللقاء، وترك بدر الدين أبو غازي الوزارة بعد ستة أشهر إلا أيام من توليه المنصب، واستمرت الصداقة واستمر التواصل إلى أن رحل بدر الدين أبو غازي قبل يحيى حقي بتسع سنوات وشهور...

 مقالي المنشور في أخبار الأدب - عدد 23 يناير 2022

 

الجمعة، 14 يناير 2022

منظومة العمل الثقافي قراءة أولية في السياسة الثقافية للدكتور جابر عصفور

 

منظومة العمل الثقافي قراءة أولية في السياسة الثقافية للدكتور جابر عصفور

عماد أبو غازي

  اخترت للمشاركة في وداع جابر عصفور أن أقدم قراءة أولية في مشروعه لصياغة استراتيجية للمنظومة الثقافية للدولة، والتي لم تحظ بقدر مناسب من الاشتباك معها ومناقشتها؛ ربما لأن الرجل ترك منصبه الوزاري بعد شهور قليلة، أو لنقل أسابيع قليلة من تقديم مشروعه للنقاش، وربما لأن ورقة أخرى معاصرة لها كتبها الأستاذ السيد يسين تلقاها المجتمع الثقافي بالنقد باعتبارها سياسة وزارة الثقافة، رغم أنها مجرد رؤية لصاحبها ومساهمة منه في وضع تصور للسياسة الثقافية للدولة، لذلك قد يكون من المناسب في لحظة غياب جابر عصفور عنا أن نفتح الباب لمناقشة رؤيته للسياسة الثقافية، التي تحتاج بلا شك لمناقشة أكثر عمقًا مما تسمح به اللحظة والمساحة.

 عرفت مصر استراتيجيات العمل الثقافي والسياسات الثقافية الرسمية عقب إنشاء وزارة الثقافة في عام 1958؛ وقدم عددًا من الوزراء الذين تولوا حقيبة الثقافة سياسات تحمل اسمهم أو تنسب إليهم؛ وكان أخر هؤلاء الدكتور جابر عصفور في عام 2014، قبل أن يصبح محور الثقافة في استراتيجية التنمية المستدامة مصر 2030 السياسة الثقافية الرسمية للدولة.

 لقد تولى جابر عصفور منصب وزير الثقافة مرتين، في 2011 و2014؛ كانت المرة الأولى التي تولى فيها وزارة الثقافة في أثناء ثورة 25 يناير 2011، في حكومة الدكتور أحمد شفيق الأولى، أخر حكومة شكلها الرئيس حسني مبارك، كان يتصور يومها أن النظام استوعب الدرس، وإنه يسعى لتحقيق تآلف وطني، ولكنه لم يستمر في منصبه إلا تسعة أيام عندما أدرك أنه لا توجد نية حقيقية للتغيير، وفي هذه الأيام القليلة كان حريصًا أن يناقش مع زملائه في وزارة الثقافة خططًا طموحة للعمل تنطلق مما هو قائم وتبني عليه.

 وفي المرة الثانية عندما تولى وزارة الثقافة في عام 2014 واستمر في منصبه قرابة ثمانية أشهر، قدم في ديسمبر 2014، بعد قرابة ستة أشهر في منصبه، مشروع لاستراتيجية لمنظومة الثقافة في مصر، حمل عنوان: "استراتيجية المنظومة الثقافية للدولة 2014-2030"، وقد بدأ في الإعداد لهذه الاستراتيجية أو السياسة الثقافية عقب توليه منصبه مباشرة، واعتبرها خطوة أولى في هيكلة المنظومة الثقافية في مصر.

 ولا شك في أن خبرات الدكتور جابر عصفور بالعمل الثقافي وبالإدارة الثقافية التي اكتسبها خلال سنوات عمله الرسمي في وزارة الثقافة كانت دافعًا له ومعينًا في الوقت نفسه في صياغة مشروعه، فقد شغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة لمدة خمسة عشر عامًا، وتولى إدارة المركز القومي للترجمة لثلاث سنوات، كما أشرف على دار الكتب والوثائق القومية لعدة أشهر، وقبلها وخلالها شارك في أنشطة مختلف هيئات وزارة الثقافة لسنوات، ومن هنا كانت معرفته بهيئات وزارة الثقافة وقطاعاتها المتعددة عميقة قبل توليه الوزارة.

 فعندما شرع الدكتور جابر عصفور في وضع استراتيجية للمنظومة الثقافية للدولة كانت معرفته بوزارة الثقافة وأجهزتها وخبراته بالعمل فيها حاضرة، لكنه لم ير ذلك كافيًا، بل اتجه إلى الاستعانة برؤى متعددة ومتنوعة، كما أوكل عملية تحليل الرؤى والصياغة الأولية لمن رأى فيه القدرة على ذلك، ومن هنا فقد لعب دورًا أساسيًا في صياغة الاستراتيجية الدكتور سعيد المصري، الذي شغل في هذه المرحلة منصب مساعد وزير الثقافة لتطوير المنظومة الثقافية، ورغم ما يمتلكه الدكتور جابر عصفور من لغة أدبية راقية، فقد أسند كتابة مقدمتها للشاعر سيد حجاب، الذي كان قد انتهى قبلها بشهور من صياغة مقدمة دستور مصر الذي صدر في يناير 2014؛ لقد كان جابر عصفور يؤمن دائمًا بالعمل الجماعي ويحرص في كل موقع تولاه على تشكيل الفريق الذي يعاونه ويساند مشروعه.

 لقد صدر مشروع "استراتيجية المنظومة الثقافية للدولة 2014-2030" نتاجًا لسلسلة من جلسات الحوارات وورش العمل، شارك فيها بالرأي والتعليق أكثر من خمسين فاعلًا وفاعلة في المجال الثقافي، كذلك اعتمد المشروع على قراءة في رؤى متنوعة حول السياسة الثقافية تعامل معها باعتبارها أوراق خلفية، بعضها سياسات ثقافية سابقة، والبعض الآخر رؤى لخبراء، كذلك رجع إلى المشروع الذي قدمته لمجلس الشعب في 2012 المجموعة الوطنية للسياسات الثقافية، وهي مجموعة مستقلة تضم خبراء وممثلين للمجتمع المدني في مجال الثقافة بدأت عملها في خريف 2010، لقد كان هناك حرصًا واضحًا على الاستماع لأصوات متنوعة ومختلفة.

 وتنقسم الاستراتيجية إلى سبعة أقسام أساسية وملحق بعد التمهيد والمقدمة؛ ويؤكد التمهيد على أمرين: الأول أن الاستراتيجية تأتي في إطار ما تبذله الحكومة من جهد في طرح رؤية استراتيجية للتنمية المستدامة، في إشارة إلى العمل القائم وقتها في إعداد استراتيجية التنمية المستدامة – مصر 2030 التي أعلنها رئيس الجمهورية في مطلع عام 2016، والأمر الثاني أن المنظومة الثقافية قائمة على الشراكة المجتمعية في الشأن الثقافي، على التعاون بين وزارة الثقافة وأطراف أخرى حكومية وغير الحكومية.

 تبدأ الاستراتيجية بتحليل للوضع الراهن، باستخدام أداة التحليل الرباعي، ثم تنتقل إلى تحديد للرؤية والرسالة والقيم والأهداف، وفي القسم الثالث من الاستراتيجية تنطلق لتحديد أسس تطوير منظومة العمل بوزارة الثقافة، ويتضمن الملحق التصور المقترح لهيكل جديد لوزارة الثقافة، فقد كان حريصًا خلال تلك الأشهر القليلة أن يضع تصورًا متكاملًا لبناء جديد لمؤسسات العمل الثقافي في مصر.

وتنتقل الاستراتيجية بعد ذلك إلى مجالات التعاون بين وزارة الثقافة وغيرها من الهيئات والوزارات؛ فقد حرص جابر عصفور في مشروع الاستراتيجية أن يؤكد أهمية التعاون بين وزارة الثقافة وغيرها من الوزارات والهيئات ومؤسسات المجتمع المدني، لقد كانت قناعته دائمًا أن الثقافة ليست مسئولية وزارة الثقافة وحدها، ولم تقتصر الاستراتيجية على تأكيد هذه الفكرة، بل سعت لترسيخها من خلال تقديم مشروعات محددة للتعاون مع 21 وزارة وهيئة ومجلس ومؤسسات مجتمع مدني، وقد قام بالفعل بتوقيع برتوكولات للتعاون مع عدد من هذه الوزارات والهيئات والمؤسسات.

 وتُختتم الاستراتيجية بتصور للأهداف التفصيلية ومؤشرات القياس.

 ومن الجدير بالذكر أن الاستراتيجية رغم ما بذل فيها من جهد كبير كانت مجرد مشروعًا مطروح لنقاش لم يكتمل، الأمر الذي ورد واضحًا في التمهيد للاستراتيجية، عندما أشار إلى أن الحوار المجتمعي حول المنظومة الثقافية المقترحة ما زال قائمًا مع الشركاء من الحكومة والمجتمع المدني، وأنه لم يتسنى بعد الانتهاء من صياغة الوثيقة كاملة.

 ولا شك أن التزامن بين صياغة الاستراتيجية ومراحل الإعداد لإصدار استراتيجية التنمية المستدامة – مصر 2030 قد انعكس في تداخل إيجابي بين الاستراتيجيتين، خاصة وأن فريق العمل في محور الثقافة في استراتيجية مصر 2030 كان من بين المجموعات التي قدمت تصوراتها في استراتيجية المنظومة الثقافية، كما أن الفاعل الأساسي في صياغة الاستراتيجية إلى جانب الدكتور جابر عصفور كان هو نفسه مقرر محور الثقافة في استراتيجية مصر 2030.

 لقد ركزت هنا على ما رأيته من جوانب إيجابية في استراتيجية المنظومة الثقافية، التي يمكن أن نعتبرها بمثابة مشروع السياسة الثقافية للدكتور جابر عصفور كوزير للثقافة؛ لكن المشروع يحتاج لمزيد من النقاش حوله والاشتباك معه، للاستفادة منه والبناء عليه من ناحية، وللتأريخ للسياسات الثقافية في مصر من ناحية أخرى.

مقالي في أخبار الأدب عدد 6 يناير 2022

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...