السبت، 11 أبريل 2026

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

 

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة

عماد أبو غازي

 عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب أو بمعنى أدق هذه الكراسة، تحمست للفكرة عندما عرفت موضوع الكراسة ومؤلفيها، والطرح الذي يقدمانه، لأكثر من سبب، منها الشخصي ومنها العام.


 فقد كانت قضية فلسطين قضية محورية في فكر ووجدان الجيل الذي أنتمي إليه والذي ولد في خمسينيات القرن الماضي، ولدنا بعد أعوام قليلة مما أسمته الأدبيات السياسية العربية النكبة، ثم نضجنا مع هزيمة 1967 التي أسموها النكسة، وعشنا سنوات صعود المقاومة المسلحة وتراجعها، الانتصارات الصغيرة والمذابح الكبرى، شهدنا الانتفاضات السلمية المتوالية بداية من يوم الأرض والانتفاضة الأولى في مطلع الثمانينيات وانتفاضة أطفال الحجارة، وعودة قيادة منظمة التحرير إلى فلسطين بعد اتفاقية أوسلو وحصار عرفات في مبنى المقاطعة، والانقسام والاقتتال في الصف الفلسطيني، وامتدت بنا الحياة حتى نرى أكبر حملة للإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري تمارسها ألة الحرب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني على مدار عامين، مدعومة من الولايات المتحدة وحكومات أوروبية عدة، وموقف عربي أقل من مستوى الحدث، عشنا تحولات الخطاب الرسمي للأنظمة العربية من "إلقاء إسرائيل في البحر"، إلى "الأرض مقابل السلام"، ثم "السلام مقابل السلام"، حتى وصلنا إلى التطبيع مقابل لا شيء.

 خلال أكثر من خمسين عامًا كانت القضية الفلسطينية موضع اهتمامي منذ كتبت أول مقال عن الصراع العربي الإسرائيلي عام 1974، وانتميت منذ البداية إلى التيار الذي يرى في حل الدولة الديمقراطية العلمانية من النهر إلى البحر أو كما كنا نقول وقتها "على كامل التراب الفلسطيني" الحل الوحيد العادل والممكن، الدولة التي تجمع كل من يعيش على أرض فلسطين باختلاف أديانهم وأصولهم دون تمييز، كان الحل يبدو بعيدًا، لكننا رأيناه وعشناه يتحقق في جنوب أفريقيا مع انتهاء سياسة الفصل العنصري، الدولة الديمقراطية العلمانية هي الشعار الذي طرحه اليسار الفلسطيني واليسار العربي، ثم تبنته منظمة التحرير الفلسطينية قبل الوقوع في فخ حل الدولتين.

لهذا كان حماسي لتقديم هذا العمل، وزاد حماسي له بعد أن قرأته.

 هذه الكراسة لمؤلفان ينتميان إلى جيلين مختلفين ينتميان إلى اليسار، يجمع بينهما موقف تقدمي من قضية الصراع على أرض فلسطين، إيريك حزان (هازان) وإيال سيفان.

إريك حزان

إيال سيفان

 يطرح المؤلفان في هذا العمل المهم "الدولة الفلسطينية - الإسرائيلية المشتركة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط" كحل منطقي وحيد قابل للتحقق ينهي الصراع على فلسطين الذي استمر لأكثر من مئة عام، ورؤيتهما مبنية على فهم حقيقة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، جذوره والعوامل المختلفة المؤثرة فيه.

 لقد بدأ التفكير في مشروع الدولة اليهودية في فلسطين قبل عدة عقود من إصدار تيودور هرتزل لكتابه الدولة اليهودية، وقبل انعقاد مؤتمر بازل وميلاد الصهيونية الحديثة، ففي مطلع أربعينيات القرن التاسع عشر طرح اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا فكرة توطين اليهود الأوروبيين في فلسطين ليشكلوا دولة حاجزة في وجه طموحات محمد علي، وفي الوقت نفسه تقدم حلًا للمسألة اليهودية، التي كانت دومًا مسألة أوروبية، وكان النقاش على الساحة الأوروبية وفي وسط المثقفين اليهود الأوروبيين قد اسفر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن موقفين متعارضين، موقف يتبنى اندماج اليهود في مجتمعاتهم في مقابل موقف يدعو إلى إقامة الدولة اليهودية في فلسطين أو في مكان ما.

  وكانت الدولة اليهودية في فلسطين جزءًا من المشروع الاستعماري في المنطقة منذ البداية، وكانت الدولة الاستعمارية الأكبر هي الراعية للمشروع دومًا، انتقلت رعاية المشروع من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية انضم الاتحاد السوفيتي تحت قيادة ستالين إلى جانب تأييد الدولة اليهودية في فلسطين مبتعدًا عن الموقف الماركسي الثابت الداعي إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم، وكان الاتحاد السوفيتي داعمًا أساسيًا لقرار التقسيم في نوفمبر 1947.

  قام مشروع الدولة اليهودية في فلسطين كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي التوسعي الغربي، الذي يقوم على جلب مستوطنين من الغرب لاستيطان أرض شعب آخر والحلول محله، إنه النموذج الاستعماري المشابهة لما قامت عليه الولايات المتحدة الأمريكية قبل أكثر من قرنين، واليوم تقدم دولة إسرائيل النموذج الوحيد المتبقي على خارطة العالم في القرن الحادي والعشرين ليس فقط للاستعمار الاستيطاني بل للاستعمار في المطلق.

 ورغم مقاومة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ بدأ الانتداب البريطاني على فلسطين وسعى للتمكين للاستيطان اليهودي، ورغم صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه، إلا أن المشروع الصهيوني المدعوم من الغرب نجح في انتزاع فلسطين قطعة قطعة، والتوسع خارج حدوده الجغرافية، في الوقت الذي لم تجد فيه المقاومة الفلسطينية حاضنة داعمة في الجوار مثلما وجدت المقاومة في الجنوب الأفريقي وفي جنوب شرق آسيا.

 خلال سنوات الصراع الطويلة تطورت شعارات الجانب العربي من إلقاء اليهود في البحر تلك الفكرة الخرافية غير القابلة للتحقيق، لتنتقل إلى شعار الدولة الديمقراطية العلمانية الذي كان وما زال طرحًا عقلانيًا قابل للتحقق، لكن القبول بحل الدولتين دفع به إلى خلفية المشهد، وفي المقابل ظهرت شعارات إسلامية فلسطين في مواجهة طرح حل الدولتين، ويهودية دولة إسرائيل، حلول لا يمكن أن تقوم إلا بالتهجير القسري أو الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

  ومن هنا تأتي أهمية هذه الكراسة من جانب اثنين من التقدمين اليساريين اليهود، والتي تعيد مجددًا طرح شعار الدولة الواحدة على أرض فلسطين من النهر إلى البحر، دولة تقوم على المشاركة والتقاسم بين شعبين لا مستقبل لهما إلا بالقبول بالتعايش في ظل دولة لا تفرق بين مواطنيها على أساس دين أو عرق، وتكشف استحالة حل الدولتين المطروح منذ سنوات، ولا شك أن هناك فروق بين ما طرحه اليسار الفلسطيني ثم تبنته منظمة التحرير في شعار الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الوطني منذ قرابة الستين عامًا والطرح الذي يقدمه إيريك حزان وإيال سيفان في هذه الكراسة، فروق تفرضها تطورات الصراع خلال هذه الفترة الطويلة، والطرف الذي يطرح التصور، لكن جوهر الفكرتين واحد، السعي نحو دولة تقوم على المساواة وعدم التفرقة على أساس العرق أو الدين، كما أن مشروع حزان وإيال يؤكد على حق العودة للفلسطنيين مثله مثل الطرح التاريخي الفلسطيني.

 في البداية يقدم المؤلفان التقاسم كبديل للتقسيم، ويوضحان الفارق بين المصطلحين، ثم ينتقلان إلى تحديد الأطراف المستفيدة من الإبقاء على أسطورة حل الدولتين الذي لم يتحقق ولن يتحقق، الإطراف الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية والدول العربية والمجتمع الدولي، ففي ظل القرارات المتوالية بخصوص إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في عام 1967 أو على جزء منها، يتوسع الاستيطان وتستمر حروب الإبادة ضد الفلسطنيين، ويطول أمد الوضع الراهن انتظارًا لحل لا يتحقق.

  وتناقش الكراسة حل الدولتين، وتكشف بالتحليل للمعطيات الراهنة والمستقبلية استحالة قيام دولة فلسطينية حقيقية، وفي الوقت نفسه استحالة بقاء الدولة اليهودية على المدى الطويل أيضًا، وتفند الحجج  التي تساق ضِد قيام الدولة المشتركة، سواء ما يطرح منها بحُسن نية أو ما يعكس سوء النية.

  ويستعرض المؤلفان التطور التاريخي لفكرة الدولة المشتركة منذ بداية الصراع، ويوضحان أن الفكرة لم تأتِ من فراغ، بل لها جذورها القديمة منذ بداية الصراع، لدى الطرفين العربي واليهودي، وكذلك لدى بعض الأطراف الدولية، وكيف أن هناك خبرة تاريخية للتعايش المشترك في هذه المنطقة خلافًا لما كان عليه الحال في الغرب، ويريان "أن الصهيونية محت ذكرى التعايش المشترك بين اليهود والمسلمين، كما محتها القومية العربية أيضًا".

  ثم يقدمان بعض الأطروحات والتصورات حول الدولة المشتركة، ويؤكدان أن الدولة المشتركة "يجب ألا تصبح قاعدة عسكرية لمصالح أجنبية، ولا يجب أن تكون دولة طائفية، بل يمكن النظر إليها كساحة تجربة واختبار لفصل الدين عن السياسة بشكل نهائي".

 والدولة المشتركة ستكون ساحة لصراع طبقي كأي دولة، "فهناك طبقة برجوازية، مكوّنة من يهود وفلسطينيين، كما هو الحال اليوم، وسيتم تعزيز الروابط الموجودة بينهما، وستكون هناك طبقات فقيرة وبروليتاريين، والتي سيكون الفلسطينيون فيها أكثر عددًا، كما هو الحال الآن، فصراع الطبقات لن يُلغى بطريقة سحرية في الدولة المشتركة، لكنه سيكون صراعاً طبقياً وليس مسألة انتماء عرقي أو قومي".

 ومن وجهة نظرهما، الدولة المشتركة "هي الطريقة الوحيدة لوضع حدْ لوجود قاعدة عسكرية للغرب في الشرق – ذلك الكيان العسكري المزروع الذي يتطلب علاجًا دائمًا مضادًا للرفض، وهي أيضًا الوسيلة الوحيدة لتفادي عمليات تهجير جديدة للسكان، سواء للعرب الفلسطينيين من إسرائيل أو للمستوطنين الإسرائيليين".

ويدركان صعوبة التخلي عن حلم الدولة القومية، فالدولة المشتركة "تفترض أن يتخلى العرب الفلسطينيون واليهود الإسرائيليون عن حِلم الدولة القومية المُستَهْلَك، وبطبيعة الحال يعتبر هذا التخلّي المتبادل أمر صعْب سواءً لمن يملكون دولة بالفعل أو لمن يكافحون منذ سنوات للحصول عليها. لكن هذا التسوية التاريخية القائمة على المساواة ضرورية لتحقيق مصالحة حقيقية بين الجماعات التي تعيش اليوم في البلاد".

 إن هدف الكراسة كما يصرحان به إثارة نقاش عام واسع حول الدولة المشتركة، نقاش قد يؤدي إلى أن تتغير المواقف الذاتية للأطراف المختلفة في اتجاه لا يمكن لأحد التنبؤ به، يؤدي إلى نجاح مشروع الدولة المشتركة، ويؤكدان إن وصف الفكرة باليوتوبيا لا يعني استحالة تحققها، يقولان: "إذا كنا نعني باليوتوبيا أننا سنضطر إلى ابتكار طرق جديدة للعيش، وتخيُل حلول لا نماذج ولا سوابق لها، فحينها نعم، فلماذا لا نقبل المصطلح بكل ما يحمله من بهجة وأمل؟"

 هل ما زال هذا الحل قابلًا للتحقق بعد عامين من التطهير العرقي والإبادة الجماعية مارستهم آلة الحرب للدولة الصهيونية مدعومة بقوة من الغرب؟

أعتقد أنه رغم مرور قرابة خمسة عشر عامًا على صدور هذه الكراسة بالفرنسية، ورغم مياه كثيرة جرت في النهر، أو بمعنى أدق دماء كثيرة ما زال الطرح قابلًا للتحقق، بل إنه الطرح الوحيد القابل للتحقق، ولكن لكي يتحقق لابد أن تتشكل كتلة حرجة لدى طرفي الصراع تؤمن بأن أي طريق آخر سيكون طريقًا معبدًا بالدماء، لابد أيضًا من الاستفادة من الحراك الشعبي الواسع في الغرب ضد حرب الإبادة في غزة للضغط على الحكومات الغربية لتغيير مواقفها حتى يدرك المستفيدون من الوضع الحالي أنه ليس أمامهم إلا هذا الحل مثلما حدث في جنوب أفريقيا قبل ثلاثين عامًا.

 

السبت، 21 مارس 2026

هذه هي أمي

 

هذه هي أمي

عماد أبو غازي


مقالي المنشور في موقع قصة يوم 21 مارس 2026
رابط المقال:

 أمي رعاية الله حلمي ولدت في حلوان يوم 24 ديسمبر 1923؛ تخرجت من معهد الفنون الجميلة للفتيات الذي أصبح فيما بعد كلية التربية الفنية، عملت بالتدريس في مدارس البنات كمدرسة للتربية الفنية، الجزء الأكبر من حياتها الوظيفية أمضتها في المدرسة السنية للبنات، قبل أن تصبح مفتشة للتربية الفنية في منطقة غرب القاهرة التعليمية حتى استقالت من عملها في عام 1979 عقب مصرع شقيقي الأكبر بعد حادث سيارة.

 لكنها أيضًا كانت فنانة تشكيلية؛ نحاتة ومصورة ورسامة، اعتزلت الفن في النصف الثاني من الخمسينات، عندما أحست أنها لن تستطيع الجمع بين تربيتنا أخوتي وأنا وعملها كمدرسة وممارستها للفن، ولأنها كانت تعشق عملها كمدرسة وتشعر بمسؤلية تجاه تلميذتها وتجاه تكوينهن الفكري والثقافي فقد اختارت التنازل عن الفن الذي تميزت فيه، وفي سنواتها الأخيرة عادة مرة أخرى للرسم بإلحاح من شقيقتي الصغرى، ولو عاد بنا الزمان لكنت ألح عليها مبكرًا لتعود إلى فنها.




 أمي هي معلمتي الأولى في الحياة، تعلمت منها الكثير، وكان تأثيرها كبير في تكويني، تعلمت منها التأمل، والسعي للتعرف على التفاصيل الصغيرة، والبحث عن الجمال في كل ما يحيط بنا، والحرص على اتقان العمل، محبة الفن، كانت الأم الحنونة المعطأة، حضورها في الأسرة دائم، ولمساتها في المنزل واضحة، تعلمنا وتوجهنا بشكل غير مباشر، تهتم بما نرسمه وتحتفظ به لنا، ترعى اهتمامتنا الصغيرة والكبيرة، امتد اهتمامها بالأحفاد: مريم وسلمى وسامح، شاركتنا في رعايتهم وتكوينهم، تبث فيهم القيم الجميلة وتفخر بما يحققوه.


 علمتنا زيارة المتاحف والمعارض الفنية، ومن أمتع الأوقات بالنسبة لي عندما كانت تصطحبنا هي وأبي إلى معرض فني أو متحف من المتاحف، في سنواتها الأخيرة عندما أصبح خروجها قليلًا كنت أحرص أن أصور لها كل ما أشاهده في رحلاتي الداخلية والخارجية، وعندما أعود من السفر أجلس معاها لأعرض لها الصور، ومن الهدايا التي قدمتها لها في سنواتها الأخيرة جهاز لعرض الصور كنت أحمله لها بمجموعات الصور الجديدة التي ألتقطها لتشاهدها وقتما تشاء، لكن الهدية التي كنت أحب أن أقدمها لها دائمًا كتاب جديد في الفن التشكيلي، كانت هذه الهدية تسعدها، وتذكرها بأيام شبابها عندما تزوجت من أبي، وكانا يدخران من راتبهم ليشتروا كل شهر كتابًا جديدًا في الفن التشكيلي، ليكونوا مكتبتهم الخاصة، وعندما جئنا إلى الدنيا ومنذ طفولتنا المبكرة كانت رحلة شراء الكتب الجديدة لنا كل شهر طقس ثابت، تعلمنا منه منذ الصغر أن نبني مكتباتنا الخاصة.

 كنت منذ طفولتي أشعر بفخر داخلي وزهو بأن أمي إمرأة عاملة، كانت دائمًا مصدر فخر لي، كنت سعيد جداً أن أمي تعمل، وكان عملها يشعرني بأني متميز، لأن أمهات زميلاتي وزملائي في المدرسة الإبتدائية أغلبهن من غير العاملات، أغلب الأطفال كانت أمهاتهم يحضرن للسؤال عنهم في المدرسة، أما أنا فلا، لم يكن هذا يضايقني على العكس كان يعطيني شعور بالاختلاف والفخر بها، خاصة وهي مدرسة مثل أولئك المدرسات اللاتي يقمن بتعليمنا.

عرفت وأنا كبير تأثيرها في تلميذتها من أجيال مختلفة، بعد أن تصادف أن جمعني ببعضهن العمل السياسي، وجمعني بالبعض الآخر منهن العمل الوظيفي في الجامعة وفي المجلس الأعلى للثقافة، رسالة حياتها أن تكون معلمة تزرع في تلميذتها حب الحياة والإخلاص في العمل، وأظن أنني ورثت منها عشق التدريس الذي لم أتصور لي عمل سواه.

غادرتنا في 28 أكتوبر 2014 لكنها حاضرة دومًا بما زرعته فينا.

 

الثلاثاء، 17 مارس 2026

عبد العزيز جمال الدين رحلة البحث عن المصرية

 

عبد العزيز جمال الدين رحلة البحث عن المصرية

عماد أبو غازي

 غاب عنا في الأسبوع الماضي عبد العزيز جمال الدين، واحد ممن كرسوا حياتهم للتعريف بتاريخ مصر والتنقيب فيه، والبحث في جذور الهوية الوطنية المصرية، ولد عبد العزيز جمال الدين في أبريل 1940، وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة، حيث حصل على ليسانس الآداب من قسم الجغرافيا 1964، انخرط منذ شبابه في العمل السياسي، انحاز لقضايا التقدم والعدالة الاجتماعية، وكانت القضية الوطنية منطلقًا أساسيًا من منطلقاته الفكرية، انتمى إلى اليسار ونشط لسنوات في منظمة "التيار الثوري"، عمل بالتدريس لفترة، لكن مواهبه الفنية دفعت به للعمل في القسم الفني بمؤسسة دار المعارف في تصميم الأغلفة وإخراج الكتب، حيث تزامل مع صديق عمره الفنان صفوت عباس.

ارتبط اسم عبد العزيز جمال الدين منذ مطلع الثمانينيات بمجلة "مصرية"، التي كانت جزءًا من ظاهرة ثقافية بدأت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، أعني ظاهرة النشرات غير الدورية، حيث اتجهت مجموعات من المثقفين والمبدعين المصريين إلى إصدار مجلات ثقافية وفكرية تحمل إبداعاتهم وهمومهم ورؤاهم لهذا الوطن، وللتحايل على قيود قوانين النشر والصحافة، التي كانت تحول بين جيل كامل من المثقفين والمبدعين ونشر أعمالهم وأفكارهم، خاصة أولئك الذين كان يتبنون مواقف تقدمية، كانت هذه المجلات تحمل اسم "نشرة غير دورية"، أو "كتاب غير دوري"، باعتبارها ليست مجلات وبالتالي لا تحتاج إلى رخصة، متخذين في ذلك شاعرنا الكبير بيرم التونسي قدوة ومثالًا، عندما ظلت السلطات تلاحق ما يصدره، أصدر "المسلة" وكتب في ترويستها: "المسلة لا جريدة ولا مجلة"، وقد ساعد تطور تقنيات الطباعة في تلك الحقبة، وظهور أسلوب طباعة الماستر على انتشار هذه الموجة الجديدة من النشرات التي نجحت في كسر أسوار الحصار التي فرضت على قطاعات من المثقفين والكتاب والمبدعين، وكان عبد العزيز جمال الدين يصدر واحدة من هذه النشرات غير الدورية.

 تنوعت النشرات غير الدورية في شكلها ومضمونها ومستواها ومدى قدرة مصدريها على الاستمرار في إصدارها، ومن بين عشرات من النشرات غير الدورية التي صدرت في تلك المرحلة، كانت "مصرية" التي أصدرها عبد العزيز جمال الدين مع مجموعة من زملائه الأكثر قدرة على الاستمرار، فقد تواصلت إصدارتها لأكثر من عقدين، وحافظت على انتظام الصدور إلى حد كبير، كما كانت الأكثر انسجامًا في موضوعاتها، كانت تتميز بوضوح الرؤية، أخذت شكل المجلة الفكرية التي تنشر البحوث والدراسات أكثر من المجلة الثقافية العامة، وكان عبد العزيز جمال الدين فضلًا عن دوره في تحرير المجلة يتولى الإخراج الفني لها بحرفية وإتقان يجعل من كل عدد من أعدادها قطعة فنية متفردة، فكانت النشرة الأكثر جمالًا، الأمر الذي جعل مصدرو النشرات غير الدورية يتسابقون على طلب عبد العزيز ليخرج لهم نشراتهم، ولم يبخل الرجل إطلاقًا بتقديم جهده وفنه وخبرته متطوعًا حتى لمنافسيه، ليضفي لمسة فنية على النشرات غير الدورية، كان الاهتمام بالهوية الوطنية المصرية المحور الأساسي في "مصرية"، هذا الاهتمام الذي كان عنصرًا أصيلًا في فكر عبد العزيز جمال الدين، وعندما رزق بابنته  أطلق عليها اسم "مصرية"، وهي المخلصة لأفكاره والحافظة لتراثه.

 عرفت عبد العزيز كاتبًا في مصرية ومخرجًا فنيًا لها قبل أن أتعرف عليه شخصيًا في ندوة نظمها الشاعر شعبان يوسف في ورشة الزيتون بنادي الأدب بمقر حزب التجمع بالزيتون ربيع سنة 1981 حول النشرات غير الدورية، حضر عبد العزيز الندوة ممثلًا لمصرية، وحضرتها حيث كنت أشارك مع مجموعة من الأصدقاء في إصدار كتاب غير دوري يحمل اسم "موقف"، ومنذ التقيت عبد العزيز جمال الدين أصبحنا صديقين جمعت بيننا مشتركات كثيرة منها الاهتمام بالتاريخ، وبتحقيق التراث، كما جمعتنا زنازين ليمان طرة، ثم تصادف أن عملنا معًا في دار المعارف لعدة أشهر عام 1982، عندما التحقت بوحدة تحقيق التراث مع الدكتور حسين مؤنس، ثم اشتركنا معا في تحقيق مخطوط لإسماعيل الخشاب بعنوان "أخبار أهل القرن الثاني عشر"، صدر عن دار العربي للنشر عام 1990، كان العمل الأول لكل منا في مجال تحقيق التراث.

 توالت أعمال عبد العزيز جمال الدين في مجال تحقيق التراث، قام بتحقيق عددًا من النصوص المهمة عن تاريخ مصر، منها: تاريخ مصر والعالم القديم ليوحنا النقيوسي، وأحمد باشا الجزر مع بونابرت للأمير أحمد الشهابي، ومذكرات نقولا الترك أخبار المشيخة الفرنساوية في الديار المصرية، والإفادة والاعتبار لعيد اللطيف البغدادي، وواقعة الغوري مع سليم لابن زنبل الرمال، وتميز أسلوبه في تحقيق التراث بإقامة نص موازي للنص الأصلي، ليس فقط من خلال الشروح والتعليقات العلمية الوافية، بل أيضًا من خلال تقديم الروايات الأخرى المعاصرة لأحداث النص المحقق، فعندما حقق تاريخ الجبرتي "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" أصدر طبعة متميزة، وضع بموازة نص الجبرتي نصوصًا أخرى معاصرة.

 وربما كان عمله الأهم تحقيقه لتاريخ الكنيسة المصرية أو سير الآباء البطاركة، الذي أصدره عام 2006 في ستة مجلدات، وكان هذا العمل ينسب إلى ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين في القرن الرابع الهجري، وثبت مؤخرًا أن من بدأ تأليفه موهوب بن منصور بن مفرج الإسكندراني، ورغم أن عنوان الكتاب يوحي بأنه كتابًا في التاريخ الكنسي، إلا أنه كتابًا يؤرخ لمصر كلها، وإن كان قد قُسم وفقًا لعصور آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية،  وقد غطى العمل الأصلي  فترة طويلة من تاريخ مصر تمتد من بداية اعتناق المصريين للمسيحية حتى بدايات العصر الفاطمي، وقد أكمل مجموعة من الكتاب معظمهم مجهولين هذا العمل إلى نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن الجزء الذي نسب تأليفه إلى ساويرس بن المقفع يتميز بالاهتمام بكثير من التفاصيل الدقيقة، وبمتابعة لجوانب حياة مصر السياسية في ذلك العصر.

 وقد عنيت جمعية الآثار القبطية بطبع الكتاب ونشره في القرن الماضي، لكن طبعة عبد العزيز جمال الدين تميزت بأنها محققة تحقيقًا علميًا دقيقًا ومزودة بشروح وتعليقات ونصوص موازية، استغرق عمله في التحقيق أكثر من ربع قرن، فمنذ عرفته في مطلع الثمانينيات وهو يتحدث عن هذا الكتاب باهتمام، ويتمنى أن يراه محققًا تحقيقًا جديدًا ومتوفرًا بين أيدي الباحثين، وكنت أشفق عليه من هذا العمل الشاق، فرغم أني أعرف قدرات عبد العزيز جمال الدين العالية وسعة إطلاعه وثقافته متعددة المجالات، فضلًا عن دأبه ومثابرته، مع ذلك كله كنت أقول أن تاريخ الآباء البطاركة أمر آخر، وقد أعترفت عندما رأيت العمل مطبوعًا عام 2006 بخطئي، وكتبت مقالًا أعتذرت فيه لعبد العزيز جمال الدين لتصوري أن مثل هذا العمل شاق عليه، لكنه أثبت أنه شابًا في القدرة على العمل شيخًا في الحكمة والخبرة، قام عبد العزيز بتحقيق الكتاب معتمدًا على مجموعة من المخطوطات الأصلية، وأضاف له وفقًا لمنهجه الذي يفضله، نصًا موازيًا له يحمل تعليقاته العلمية، والرؤى المقابلة لرؤية المؤلف الأول ومن أكملوا عمله من خلال نصوص أخرى معاصرة للأحداث، فضلًا عن ذلك قام باستكمال العمل حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

 أما أبرز مؤلفات عبد العزيز جمال الدين فكتابيه عن تاريخ ثورات المصريين، فالاهتمام بالتأريخ للثورات كان أحد مشاغله منذ منتصف السبعينيات على الأقل، لكنه لم يصدر كتابيه إلا في السنوات الأخيرة، بعد جهد في جمع أخبار الثورات والانتفاضات وحركات الاحتجاج من مصادرها، تضمن الكتاب الأول ثورات المصريين حتى عصر المقريزي، أما الكتاب الثاني فيتناول ثورات وتمردات المصريين منذ الاحتلال العثماني حتى عام 1952.

رحل عبد العزيز جمال الدين لكنه ترك لنا مشروعًا فكريًا وثقافيًا في تاريخ مصر وهويتها عكف عليه على مدى زمني يقارب خمسين عامًا.

رابط المقال على المنصة:

https://manassa.news/stories/30846?fbclid=IwY2xjawQmW8NleHRuA2FlbQIxMQBicmlkETFtckY1MzJTZUxicU5NMVk5c3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHsAfUnsbCGsH4DEfw8eU086WTr5gTWvvvlrnCSTn-9Qx098wihH3EV_oxeIY_aem_XzXcSpHgEl6eXHfhHvrLSw

 

 

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...