السبت، 11 أبريل 2026

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

 

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة

عماد أبو غازي

 عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب أو بمعنى أدق هذه الكراسة، تحمست للفكرة عندما عرفت موضوع الكراسة ومؤلفيها، والطرح الذي يقدمانه، لأكثر من سبب، منها الشخصي ومنها العام.


 فقد كانت قضية فلسطين قضية محورية في فكر ووجدان الجيل الذي أنتمي إليه والذي ولد في خمسينيات القرن الماضي، ولدنا بعد أعوام قليلة مما أسمته الأدبيات السياسية العربية النكبة، ثم نضجنا مع هزيمة 1967 التي أسموها النكسة، وعشنا سنوات صعود المقاومة المسلحة وتراجعها، الانتصارات الصغيرة والمذابح الكبرى، شهدنا الانتفاضات السلمية المتوالية بداية من يوم الأرض والانتفاضة الأولى في مطلع الثمانينيات وانتفاضة أطفال الحجارة، وعودة قيادة منظمة التحرير إلى فلسطين بعد اتفاقية أوسلو وحصار عرفات في مبنى المقاطعة، والانقسام والاقتتال في الصف الفلسطيني، وامتدت بنا الحياة حتى نرى أكبر حملة للإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري تمارسها ألة الحرب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني على مدار عامين، مدعومة من الولايات المتحدة وحكومات أوروبية عدة، وموقف عربي أقل من مستوى الحدث، عشنا تحولات الخطاب الرسمي للأنظمة العربية من "إلقاء إسرائيل في البحر"، إلى "الأرض مقابل السلام"، ثم "السلام مقابل السلام"، حتى وصلنا إلى التطبيع مقابل لا شيء.

 خلال أكثر من خمسين عامًا كانت القضية الفلسطينية موضع اهتمامي منذ كتبت أول مقال عن الصراع العربي الإسرائيلي عام 1974، وانتميت منذ البداية إلى التيار الذي يرى في حل الدولة الديمقراطية العلمانية من النهر إلى البحر أو كما كنا نقول وقتها "على كامل التراب الفلسطيني" الحل الوحيد العادل والممكن، الدولة التي تجمع كل من يعيش على أرض فلسطين باختلاف أديانهم وأصولهم دون تمييز، كان الحل يبدو بعيدًا، لكننا رأيناه وعشناه يتحقق في جنوب أفريقيا مع انتهاء سياسة الفصل العنصري، الدولة الديمقراطية العلمانية هي الشعار الذي طرحه اليسار الفلسطيني واليسار العربي، ثم تبنته منظمة التحرير الفلسطينية قبل الوقوع في فخ حل الدولتين.

لهذا كان حماسي لتقديم هذا العمل، وزاد حماسي له بعد أن قرأته.

 هذه الكراسة لمؤلفان ينتميان إلى جيلين مختلفين ينتميان إلى اليسار، يجمع بينهما موقف تقدمي من قضية الصراع على أرض فلسطين، إيريك حزان (هازان) وإيال سيفان.

إريك حزان

إيال سيفان

 يطرح المؤلفان في هذا العمل المهم "الدولة الفلسطينية - الإسرائيلية المشتركة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط" كحل منطقي وحيد قابل للتحقق ينهي الصراع على فلسطين الذي استمر لأكثر من مئة عام، ورؤيتهما مبنية على فهم حقيقة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، جذوره والعوامل المختلفة المؤثرة فيه.

 لقد بدأ التفكير في مشروع الدولة اليهودية في فلسطين قبل عدة عقود من إصدار تيودور هرتزل لكتابه الدولة اليهودية، وقبل انعقاد مؤتمر بازل وميلاد الصهيونية الحديثة، ففي مطلع أربعينيات القرن التاسع عشر طرح اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا فكرة توطين اليهود الأوروبيين في فلسطين ليشكلوا دولة حاجزة في وجه طموحات محمد علي، وفي الوقت نفسه تقدم حلًا للمسألة اليهودية، التي كانت دومًا مسألة أوروبية، وكان النقاش على الساحة الأوروبية وفي وسط المثقفين اليهود الأوروبيين قد اسفر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن موقفين متعارضين، موقف يتبنى اندماج اليهود في مجتمعاتهم في مقابل موقف يدعو إلى إقامة الدولة اليهودية في فلسطين أو في مكان ما.

  وكانت الدولة اليهودية في فلسطين جزءًا من المشروع الاستعماري في المنطقة منذ البداية، وكانت الدولة الاستعمارية الأكبر هي الراعية للمشروع دومًا، انتقلت رعاية المشروع من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية انضم الاتحاد السوفيتي تحت قيادة ستالين إلى جانب تأييد الدولة اليهودية في فلسطين مبتعدًا عن الموقف الماركسي الثابت الداعي إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم، وكان الاتحاد السوفيتي داعمًا أساسيًا لقرار التقسيم في نوفمبر 1947.

  قام مشروع الدولة اليهودية في فلسطين كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي التوسعي الغربي، الذي يقوم على جلب مستوطنين من الغرب لاستيطان أرض شعب آخر والحلول محله، إنه النموذج الاستعماري المشابهة لما قامت عليه الولايات المتحدة الأمريكية قبل أكثر من قرنين، واليوم تقدم دولة إسرائيل النموذج الوحيد المتبقي على خارطة العالم في القرن الحادي والعشرين ليس فقط للاستعمار الاستيطاني بل للاستعمار في المطلق.

 ورغم مقاومة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ بدأ الانتداب البريطاني على فلسطين وسعى للتمكين للاستيطان اليهودي، ورغم صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه، إلا أن المشروع الصهيوني المدعوم من الغرب نجح في انتزاع فلسطين قطعة قطعة، والتوسع خارج حدوده الجغرافية، في الوقت الذي لم تجد فيه المقاومة الفلسطينية حاضنة داعمة في الجوار مثلما وجدت المقاومة في الجنوب الأفريقي وفي جنوب شرق آسيا.

 خلال سنوات الصراع الطويلة تطورت شعارات الجانب العربي من إلقاء اليهود في البحر تلك الفكرة الخرافية غير القابلة للتحقيق، لتنتقل إلى شعار الدولة الديمقراطية العلمانية الذي كان وما زال طرحًا عقلانيًا قابل للتحقق، لكن القبول بحل الدولتين دفع به إلى خلفية المشهد، وفي المقابل ظهرت شعارات إسلامية فلسطين في مواجهة طرح حل الدولتين، ويهودية دولة إسرائيل، حلول لا يمكن أن تقوم إلا بالتهجير القسري أو الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

  ومن هنا تأتي أهمية هذه الكراسة من جانب اثنين من التقدمين اليساريين اليهود، والتي تعيد مجددًا طرح شعار الدولة الواحدة على أرض فلسطين من النهر إلى البحر، دولة تقوم على المشاركة والتقاسم بين شعبين لا مستقبل لهما إلا بالقبول بالتعايش في ظل دولة لا تفرق بين مواطنيها على أساس دين أو عرق، وتكشف استحالة حل الدولتين المطروح منذ سنوات، ولا شك أن هناك فروق بين ما طرحه اليسار الفلسطيني ثم تبنته منظمة التحرير في شعار الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الوطني منذ قرابة الستين عامًا والطرح الذي يقدمه إيريك حزان وإيال سيفان في هذه الكراسة، فروق تفرضها تطورات الصراع خلال هذه الفترة الطويلة، والطرف الذي يطرح التصور، لكن جوهر الفكرتين واحد، السعي نحو دولة تقوم على المساواة وعدم التفرقة على أساس العرق أو الدين، كما أن مشروع حزان وإيال يؤكد على حق العودة للفلسطنيين مثله مثل الطرح التاريخي الفلسطيني.

 في البداية يقدم المؤلفان التقاسم كبديل للتقسيم، ويوضحان الفارق بين المصطلحين، ثم ينتقلان إلى تحديد الأطراف المستفيدة من الإبقاء على أسطورة حل الدولتين الذي لم يتحقق ولن يتحقق، الإطراف الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية والدول العربية والمجتمع الدولي، ففي ظل القرارات المتوالية بخصوص إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في عام 1967 أو على جزء منها، يتوسع الاستيطان وتستمر حروب الإبادة ضد الفلسطنيين، ويطول أمد الوضع الراهن انتظارًا لحل لا يتحقق.

  وتناقش الكراسة حل الدولتين، وتكشف بالتحليل للمعطيات الراهنة والمستقبلية استحالة قيام دولة فلسطينية حقيقية، وفي الوقت نفسه استحالة بقاء الدولة اليهودية على المدى الطويل أيضًا، وتفند الحجج  التي تساق ضِد قيام الدولة المشتركة، سواء ما يطرح منها بحُسن نية أو ما يعكس سوء النية.

  ويستعرض المؤلفان التطور التاريخي لفكرة الدولة المشتركة منذ بداية الصراع، ويوضحان أن الفكرة لم تأتِ من فراغ، بل لها جذورها القديمة منذ بداية الصراع، لدى الطرفين العربي واليهودي، وكذلك لدى بعض الأطراف الدولية، وكيف أن هناك خبرة تاريخية للتعايش المشترك في هذه المنطقة خلافًا لما كان عليه الحال في الغرب، ويريان "أن الصهيونية محت ذكرى التعايش المشترك بين اليهود والمسلمين، كما محتها القومية العربية أيضًا".

  ثم يقدمان بعض الأطروحات والتصورات حول الدولة المشتركة، ويؤكدان أن الدولة المشتركة "يجب ألا تصبح قاعدة عسكرية لمصالح أجنبية، ولا يجب أن تكون دولة طائفية، بل يمكن النظر إليها كساحة تجربة واختبار لفصل الدين عن السياسة بشكل نهائي".

 والدولة المشتركة ستكون ساحة لصراع طبقي كأي دولة، "فهناك طبقة برجوازية، مكوّنة من يهود وفلسطينيين، كما هو الحال اليوم، وسيتم تعزيز الروابط الموجودة بينهما، وستكون هناك طبقات فقيرة وبروليتاريين، والتي سيكون الفلسطينيون فيها أكثر عددًا، كما هو الحال الآن، فصراع الطبقات لن يُلغى بطريقة سحرية في الدولة المشتركة، لكنه سيكون صراعاً طبقياً وليس مسألة انتماء عرقي أو قومي".

 ومن وجهة نظرهما، الدولة المشتركة "هي الطريقة الوحيدة لوضع حدْ لوجود قاعدة عسكرية للغرب في الشرق – ذلك الكيان العسكري المزروع الذي يتطلب علاجًا دائمًا مضادًا للرفض، وهي أيضًا الوسيلة الوحيدة لتفادي عمليات تهجير جديدة للسكان، سواء للعرب الفلسطينيين من إسرائيل أو للمستوطنين الإسرائيليين".

ويدركان صعوبة التخلي عن حلم الدولة القومية، فالدولة المشتركة "تفترض أن يتخلى العرب الفلسطينيون واليهود الإسرائيليون عن حِلم الدولة القومية المُستَهْلَك، وبطبيعة الحال يعتبر هذا التخلّي المتبادل أمر صعْب سواءً لمن يملكون دولة بالفعل أو لمن يكافحون منذ سنوات للحصول عليها. لكن هذا التسوية التاريخية القائمة على المساواة ضرورية لتحقيق مصالحة حقيقية بين الجماعات التي تعيش اليوم في البلاد".

 إن هدف الكراسة كما يصرحان به إثارة نقاش عام واسع حول الدولة المشتركة، نقاش قد يؤدي إلى أن تتغير المواقف الذاتية للأطراف المختلفة في اتجاه لا يمكن لأحد التنبؤ به، يؤدي إلى نجاح مشروع الدولة المشتركة، ويؤكدان إن وصف الفكرة باليوتوبيا لا يعني استحالة تحققها، يقولان: "إذا كنا نعني باليوتوبيا أننا سنضطر إلى ابتكار طرق جديدة للعيش، وتخيُل حلول لا نماذج ولا سوابق لها، فحينها نعم، فلماذا لا نقبل المصطلح بكل ما يحمله من بهجة وأمل؟"

 هل ما زال هذا الحل قابلًا للتحقق بعد عامين من التطهير العرقي والإبادة الجماعية مارستهم آلة الحرب للدولة الصهيونية مدعومة بقوة من الغرب؟

أعتقد أنه رغم مرور قرابة خمسة عشر عامًا على صدور هذه الكراسة بالفرنسية، ورغم مياه كثيرة جرت في النهر، أو بمعنى أدق دماء كثيرة ما زال الطرح قابلًا للتحقق، بل إنه الطرح الوحيد القابل للتحقق، ولكن لكي يتحقق لابد أن تتشكل كتلة حرجة لدى طرفي الصراع تؤمن بأن أي طريق آخر سيكون طريقًا معبدًا بالدماء، لابد أيضًا من الاستفادة من الحراك الشعبي الواسع في الغرب ضد حرب الإبادة في غزة للضغط على الحكومات الغربية لتغيير مواقفها حتى يدرك المستفيدون من الوضع الحالي أنه ليس أمامهم إلا هذا الحل مثلما حدث في جنوب أفريقيا قبل ثلاثين عامًا.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...