الأربعاء، 24 يوليو 2019

مشاهد من وقائع الديوان



مشاهد من وقائع الديوان
عماد أبو غازي
 في السادس من يوليو سنة 1801 عقد ديوان القاهرة أخر جلساته قبيل رحيل الحملة الفرنسية عن مصر بعدة أسابيع... فما هي حكاية هذا الديوان؛ وكيف بدأ؟ وكيف انتهى؟ وماذا فعل؟
 تبدأ الحكاية عندما احتلت الحملة الفرنسية بقيادة بونابرت مصر في شهر يوليو أيضًا من عام 1798؛ ففي الأول من يوليو وصل الفرنسيون إلى الإسكندرية، وفي 21 منه انتصروا في موقعة إمبابة؛ وبدا أن الأمر سيستتب لهم؛ فوضعت الحملة نظامًا جديدًا لحكم البلاد بديلًا عن الحكم العثماني المملوكي الذي كان قائمًا.

 وبدأ بونابرت قائد الحملة ومعاونيه فورًا في وضع قواعد هذا النظام لتسهيل مهمتهم في إدارة مصر، ولما كان الرجل يتصور أن المصريين سيرحبون بحملته بسبب ضيقهم الشديد بالحكم العثماني وبعسف أمراء المماليك الجراكسة الذي عانوا منه لقرون عدة؛ فقد حرص على أن يُشرك في "المؤسسات" الجديدة التي قام عليها نظامه مجموعة من ممثلي النخبة المصرية؛ فشكل مجلسًا تولى ما يمكن أن نسميه في النظم الحديثة السلطة التنفيذية، وفي نفس السياق شكل بونابرت مجلسًا ثانيًا به درجة من درجات التمثيل لطوائف المصريين، وسماه الديوان. 
 وقد اعتبر بعض من درسوا تاريخ هذه الحقبة أن الديوان كان بمثابة البرلمان الأول في تاريخ مصر، وارتبط بهذا "البرلمان" وثيقة تعرف بفرمان الشروط، اعتبرها الدكتور لويس عوض الدستور الأول لمصر، وقد استند في ذلك إلى أمرين: 
 الأول: تسميتها "فرمان الشروط"؛ الأمر الذي فسره بأنه مستمد من كلمة شارت أو كارتا في اللغات الأوروبية بمعني الميثاق أو الدستور أو العهد، وأكد لديه هذا الفهم التعريب الذي استخدمه الطهطاوي لكلمة دستور بعدها بسنوات؛ حيث استخدم مصطلح الشَرطة للدلالة علي الدستور الفرنسي؛ والحقيقة أن كلمة شرط وشروط في العربية مستخدمة منذ زمن مبكر للدلالة علي باب من أبواب الفقه الإسلامي عرف بعلم الشروط يبحث في قواعد صياغة وثائق المعاملات، والمعنى المباشر في العربية لكلمة شرط لا يبعد كثيرًا عن هذا، وقد استخدم الجبرتي كلمة مشروطية في الإشارة إلى الشروط التي وضعها قادة ثورة 1805 لمحمد علي مقابل توليه باشوية مصر. 
 والثاني: محتوي الوثيقة وما نصت عليه؛ فقد قضى فرمان الشروط الذي أصدره بونابرت بتعيين اثنين من رجال الحملة وعلمائها هما مونج وبرتوليه قوميسرين في الديوان العام، وتكليفهما بحضور الجلسات وعرض خطط الحكومة مشروعاتها علي الأعضاء، وحدد بعض آليات عمل الديوان، والأمور المطلوب من أعضاء الديوان القيام بها، الأمر الذي جعل لويس عوض يصنف هذا النص باعتباره دستورًا للبلاد.
فماذا قالت هذه الوثيقة؟
 "إن الغرض من عقد الديوان العام تعويد الأعيان المصريين نظم المجالس الشورية والحكم، فقولوا لهم إني دعوتهم لاستشارتهم وتلقي آرائهم فيما يعود على الشعب بالسعادة والرفاهية، وما يفكرون في عمله إذا كان لهم حق الفتح الذي حزناه في ميدان القتال.
 اطلبوا من الديوان أن يبدي رأيه في المسائل الآتية:
 أولًا: ما أصلح نظام لتأليف مجالس الديوان في المديريات، وما المرتب الذي يجب تحديده للأعضاء.
 ثانيًا: ما النظام الذي يجب وضعه للقضاء المدني والجنائي.
 ثالثًا: ما التشريع الذي يكفل ضبط المواريث ومحو أنواع الشكاوى والإجحاف الموجودة في النظام الحالي.
 رابعًا: ما الإصلاحات والاقترحات التي يراها الديوان لإثبات ملكية العقارات وفرض الضرائب.
 ويجب أن تُفهموا الأعضاء بأننا لا نقصد إلا توفير السعادة والرفاهية للبلاد التي تشكو من سوء نظام الضرائب الحالي كما تشكو من طريقة تحصيلها، وعليكم أن تضعوا للديوان نظامه الداخلي كما يأتي:
 أن ينتخب الأعضاء رئيسًا له، ونائب رئيس، وسكرتيرين مترجمين أثنين، وثلاثة مراقبين، وأن يكون ذلك بطريق الاقتراع وبكل مظاهر الانتخاب.
 وعليكم أن تتابعوا المناقشات وتدونوا أسماء الأعضاء الذين يمتازون عن زملائهم في الديوان سواء بنفوذهم أو بكفايتهم".
 والسؤال هنا، هل يمكن أن نعتبر هذه الوثيقة دستورًا؟
 أتصور أن هذه الوثيقة لا تتعدى أن تكون قرارًا من بونابرت بمجموعة من الإجراءات التنظيمية لعمل الديوان، وتوجيهات لمعاونية للكيفية التي ينبغي أن يديروا بها الديوان، بالإضافة إلى مجموعة من الأسئلة الموجهة للأعضاء يطلب منهم الإجابة عليها، وهي لا ترقى بحال من الأحوال لأن تكون شكلًا من أشكال التعاقد بين الحاكم والمحكومين، كما أنها لا تضع أي التزام على الحاكم أو قيدًا عليه، فضلًا عن أن واقع ممارسة الديوان تؤكد أنه كان في أفضل الأحوال هيئة تتولى رفع مظالم الناس لقادة الحملة وتقديم الرجاء لهم لحلها، بمعنى أنه لم يكن برلمانًا بالمفهوم المعروف للبرلمانات في هذا الوقت المبكر؛ ربما تكون الخبرة الوحيدة التي قدمتها تجربة الديوان للمصريين تتمثل في التعرف على نظام الانتخاب في شغل المناصب العامة؛ لكن الأمر المؤكد أن مواجهة المصريين للحملة الفرنسية ومقاومتهم لها من ناحية، واحتكاك قطاع من النخبة بقيادة الحملة من ناحية أخرى، أسهما في تطور وعي المصريين بحقوقهم ومطالبتهم بها...
الشيخ الشرقاوي
 لقد انعقد الديوان الأول في 25 يوليو سنة 1798،  لكنه توقف أكثر من مرة خلال سنوات الحملة الثلاث، فلم تكن توقعات بونابرت بترحيب المصريين بالحملة وتعاونهم معها سليمة، لقد قاوم المصريون منذ اللحظة الأولى الحملة الفرنسية بشتى أشكال المقاومة الإيجابية والسلبية، وكاد بونابرت يفقد حياته في الإسكندرية عندما أطلق رجل وأمرأة النار عليه من شباك منزلهما في سياق أعمال المقاومة بالمدينة، والتي انتهت بإعدام حاكمها محمد كُرّيم، وظهرت المقاومة في المدن الكبرى مثلما ظهرت في القرى الصغيرة في ريف الدلتا، ورغم أن القوة العسكرية للحملة الفرنسية كانت أكبر من طاقات المقاومة لشعب حرم من حقه في الدفاع عن وطنه ومن حقه في حمل السلاح لقرون طويلة منذ نهاية عصر البطالمة، ورغم أن الحملة نجحت في السيطرة على الدلتا كلها وعلى القاهرة عاصمة البلاد، مع استمرار الحروب بين الفرنسيين والمماليك بقيادة مراد بك ومماليكة في صعيد مصر؛ الأمر الذي تصور معه بونابرت أنه أحكم قبضته على البلاد وأن أمرها بات في يده، وإن المصريين قد خضعوا له وقبلوا بحكمه خاصة في القاهرة حيث وطد سلطته ووضع يده على كل شيء، إلا أن شعب مصر لم يكن راضيًا عن الاحتلال الفرنسي أو مستسلما له، ولم تغير مشاركة بونابرت في الاحتفالات الدينية والشعبية للمصريين في القاهرة من الأمر شيئا؛ فاستمرت المقاومة تشتعل في أرجاء مصر، تخمد في منطقة لتبدأ في أخرى، وظلت الثورات تتفجر بين حين وحين، الأمر الذي انعكس على استمرارية عمل الديوان.
ثورة القاهرة الأولى
 وفي القاهرة ظلت الثورة كامنة في نفوس الناس، ولم يطل الصمت؛ فسرعان ما انفجر بركان الغضب أسرع مما كان يتوقع بونابرت ورجاله؛ ففي 21 أكتوبر سنة 1798 أي بعد أقل من أربعة أشهر على بداية الحملة هب أهالي القاهرة في ثورة قوية ضد الاحتلال الفرنسي، عُرفت فيما بعد بثورة القاهرة الأولى؛ وكان من نتائج ثورة القاهرة الأولي، أن توقفت أعمال الديوان، لكنه عاد بعد ذلك للعمل مرة أخرى؛ ثم توقفت أعماله مرة ثانية بسبب مقتل كليبر القائد الثاني للحملة في يونيو 1800 في أعقاب ثورة القاهرة الثانية.
 وفي 2 أكتوبر سنة 1800 قرر مينو ثالث قادة الحملة الفرنسية على مصر إعادة تشكيل الديوان مرة ثالثة، فبعد شهور من توليه قيادة الحملة في مصر، ومع اتجاهه إلي استمرار الاحتلال الفرنسي للبلاد، قرر إعادة إنشاء الديوان ليلعب دورًا أساسيًا في مشروعه السياسي، وكان هذا الديوان يضم تسعة أعضاء وأربعة عشر عضوًا شرفيًا، وقد تولي الشيخ عبد الله الشرقاوي رئاسة هذا الديوان، وقام الشيخ محمد المهدي بعمل السكرتير أو كاتم السر كما تسميه الوثائق الرسمية العربية للديوان، وكان من بين أعضاء هذا الديوان المؤرخ المصري الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، والحاج علي الرشيدي صهر مينو، كما كان للديوان وكيلًا فرنسيًا وهيكلًا إداريًا يضم كُتابًا ومترجمين، وكان الديوان يجتمع بشكل دوري منتظم، بمعدل ثلاث مرات كل عشرة أيام؛ وشغل الشيخ إسماعيل الخشاب الشاعر والمؤرخ وزميل دراسة الجبرتي وصديقه منصب كاتب الديوان؛ وعقب قرار مينو بإعادة تشكيل الديوان بشهر واحد بدأ الديوان أعماله، فعقدت جلسته الأولى في الثالث من نوفمبر، واستمرت جلساته بانتظام حتى السادس من يوليو سنة 1801، قبيل رحيل الحملة عن مصر بعدة أسابيع.

مينو
 لقد وصلت إلينا تفاصيل ثرية عن عمل الديوان ونشاطه من مصدرين أساسيين، بخلاف ما ورد في كتابات عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ العصر وعضو الديوان، وما ورد في كتابات بعض رجال الحملة:
 المصدر الأول منهما، مجموعات وثائق الحملة الفرنسية المحفوظة في المكتبة المركزية لجامعة القاهرة،والتي تضم بعضًا من الوثائق التي كان يرفعها الديوان إلى قيادة الحملة الفرنسية، وجلها تتعلق بشكاوى من مظالم ومشكلات يتعرض لها الأهالي تقدموا بها للديوان، وتلك الوثائق مدونة باللغة العربية وعليها ترجمة فرنسية؛ وقد نشر بعضها لأول مرة الدكتور مصطفى أبو شعيشع أستاذ الوثائق بجامعة القاهرة منذ أكثر من ثلاثين عامًا؛ ومن بين ما نشره إلتماسًا رفعه الديوان موقع من رئيسه الشيخ عبد الله الشرقاوي وأمين سره الشيخ محمد المهدي إلى الجنرال دوجا قائم مقام قائد الحملة يطلبون فيه العفو عن اثنين من التجار كانا معتقلين بالقلعة لمخالفتهم تعليمات قيادة الحملة بعدم السفر من الصعيد إلى القاهرة دون تصريح؛ تقول الوثيقة:
 "من محفل الديوان الخصوصي بمصر خطابًا إلى حضرة صاري عسكر دجا وكيل
 وفقه الله تعالى للخير
 أما بعد الدعا لكم بخير فإنها حضرت مركب من ناحية منفلوط فيها جماعة تجار وخلافهم، من جملتهم اثنين تجار لهم شركا في خان الخليلي، وهما محمد قرا جوز وأحمد لاظ، كانوا توجهوا الحجاز من طريق السويس في البحر من مدة ستة أشهر، وأقاموا بناحية منفلوط المدة المذكورة فبعد إقامتهم بمنفلوط خضروا إلى مصر ببضايعهم وتجارتهم وجوارهم، ومن جهلهم وعدم معرفتهم بأوامركم، حضروا إلى مصر بغير فرمان من حاكم الصعيد؛ فبسبب ذلك حبسوهم في القلعة مع اثني عشر نفس غشيم أتراك كانوا بصحبتهم في المركب، اجتمعوا مع بعضهم في مركب واحدة خوفًا من البدوان قطاع الطريق، ولم يكون في يدهم سلاح يدافعوا به عن أنفسهم البدوان.
 هذه قصتهم شهدوا بها أعيان التجار بمصر من شركاهم وخلافهم، واعترفوا عندنا بالديوان بأنهم ليسوا من أهل الشبه، وإنهم ناس تجار، ودمتم بخير، والمقصود تفرجوا عنهم رعاية لجناب الله.
 في 24 الحجة سنة 1213              الفقير                                   الفقير
                                        محمد المهدي                             عبد الله الشرقاوي
                                        كاتم سر الديوان                             رئيس الديوان"

والمصدر الثاني الذي يقدم لنا تفاصيل عن نظام عمل الديوان تلك الكراسات التي دونها الشيخ إسماعيل الخشاب كاتب الديوان، والتي قدم فيها لنا من خلال وظيفته ككاتب للديوان ملخصًا لجلسات ووقائع اجتماعات الديوان؛ وقد نشر هذه الكراسات البروفسيور أندريه ريمون المؤرخ الفرنسي الكبير والدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، منذ عدة سنوات، وتحمل هذه الكراسات عنوان " التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان"، وقد صدر النص المحقق عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، في كتاب يضم نصين منفصلين، لكنهما نصان مترابطان كل منهما يكمل الآخر، وهما عبارة عن مخطوطتين، الأولي كانت معروفة منذ فترة طويلة، وتتكون من 44 ورقة، وهي من مقتنيات المكتبة الوطنية الفرنسية، وتحتوى وقائع ديوان مينو في شهره الأخير، وهي وقائع الجلسات التي تغطي الفترة من 6 يونيو إلي 6 يوليو سنة 1801، وتحمل الأرقام من 21 إلي 31 من دواوين الوكيل الثاني ـ جيرار ـ الذي تولي هذا المنصب في 10 إبريل سنة 1801، أي أن المخطوطة تغطي وقائع الجلسات الإحدى عشرة الأخيرة للديوان؛ أما المخطوطة الثانية، فقد اكتشفت في عام 1998 ضمن بعض الأوراق القديمة في مخزن بأحد المنازل القديمة في بار لو دوك، في منطقة ميز بفرنسا، وقد استقرت هي الأخرى ـ الآن ـ بالمكتبة الوطنية بباريس، وهي عبارة عن 265 صفحة تضم الجلسات العشرين الأولي للديوان، والتي تغطي الفترة من 3 نوفمبر إلي 30 ديسمبر سنة 1800؛ ومن هنا، فإن المخطوطتين جزءان من عمل واحد: وقائع جلسات الديوان في مرحلته الأخيرة، والنصان منسوبان إلي إسماعيل الخشاب.

 يبدأ هذا النص الفريد بعد الافتتاح التقليدي بالإشارة إلى تشكيل الديوان وتحديد أعضائه، ثم يذكر الخشاب وقائع جلسات الديوان بداية من الجلسة الأولى التي تم فيها اختيار الشيخ الشرقاوي رئيسًا للديوان والشيخ محمد المهدي كاتمًا للسر، وهي الجلسة التي تم فيها كذلك الاتفاق على دورية انعقاد الجلسات ونظام العمل فيه، ويؤرخ الخشاب جلسات الديوان بالتقويم الهجري والتقويم الجمهوري الفرنسي معًا، ويسمي كل جلسة من الجلسات ديوانًا، ويسرد في كل ديوان ملخصًا لما جرى من مناقشات حول الموضوعات المطروحة على الأعضاء، وما صدر عنه من توصيات وقرارات.
 وجلسات الديوان تقدم تفاصيل دقيقة لجوانب متنوعة من حياة المصريين، خاصة القاهريين منهم في الأشهر الأخيرة للحملة الفرنسية في مصر، وهي جوانب تغفلها المصادر التاريخية التقليدية عادة، وتدور كثير من القضايا التي يناقشها الديوان حول شكاوى الناس الذين يلجئون إلى الديوان كوسيط بينهم وبين سلطة الاحتلال لرفع الظلم الواقع عليهم، وكان الديوان يبادر برفع الشكاوى إلى قائد الحملة (صارى عسكر) أو وكيله، مثلما كشفت عنه وثائق جامعة القاهرة.
 وهذه بعض مشاهد مما  كان يدور في جلسات الديوان:
المشهد الأول: جلسة إجراءات
 يذكر الخشاب في عرضه لوقائع الجلسة الأولى من جلسات الديوان كيف تم اختيار رئيس الديوان وكاتم سره بالانتخاب الذي يسميه القرعة، فيقول: "وبدأ بذلك في اليوم المبارك الموافق لاثني عشر شهر برومير الثاني من أشهر السنة التاسعة من المشيخة الفرنساوية، الموافق لخامس عشر شهر جماد الثاني سنة خمس عشر ومائتين وألف، وانعقد الاجماع في ذلك المجلس المنيف وحفل الديوان الشريف على أن يكون العلامة الشيخ عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان، والعلامة الشيخ محمد المهدي كاتم سر الديوان، وأن يكون الشيخ الفاضل عبد العال جاويشًا للديوان المرقوم، كل ذلك بالقرعة على جاري العادة في ذلك، بحضرة الوكيل واحتماع كلمة مدبرين الديوان بالقرعة على ذلك، ولما تم الحال على هذا المنوال، إلتمس حضرة الكمساري وكيل الديوان من رؤساء الديوان وأهله أن يكتبوا بذلك عرضًا إلى حضرة ساري العسكر يعلموه بذلك، ووقع التوافق في ذلك المجلس على أن يكون الديوان في كل ثلاثة أيام مبدأها يوم تاريخه، وأن يكون الحضور قبل الظهر بثلاث ساعات، وأن تكون مدة الجلوس بحسب الداعي، وطلب منهم أن يكتبوا كذلك إلى حضرة الجنلار ـ يقصد الجنرال ـ الكبير والهمام الذي ليس في همته وشجاعته نظير، ساري العسكر بونابارته، ذو الهمة العالية، ومدبر جمهور العساكر الفرنساوية، يهنوه فيه بالنصر على سائر القرانات، ويهدون إليه فيه صالح الدعوات، فأجابوه إلى ذلك".

المشهد الثاني: رسالة أهل الديوان إلى ساري عسكر بونابارته
  تأجل تحرير رسالة الديوان إلى بونابرت حتى الجلسة الرابعة التي انعقدت يوم الأربعاء 24 جماد آخر سنة 1215، الموافق 21 برومير سنة 9 وفقًا لتقويم الثورة الفرنسية، ففي تلك الجلسة وضع الشيخ محمد المهدي لنفسه كرسيًا بوسط الديوان وجلس عليه ليقرأ على الأعضاء نص الخطاب الذي صاغه بناء على تكليفهم ليرسلوه باسمهم وباسم شعب مصر إلى "حضرة عزيز المقام المشهور بين الخاص والعام عظيم العظماء والكبراء ... الجناب المهاب الأعظم، والمخصوص بالرأي التام بين الأمم، أمير الجيوش الفرنساوية على الإطلاق، والمنظور إليه في جميع الأقطار الآفاق، حضرة الجنلار بونابارته"، وبعد الديباجة الطويلة التي تحوي ألفاظ التفخيم والتعظيم والدعاء لبونابرت بالنصر وبلوغ الآمال، يبدأ نص الرسالة الذي يتشوق فيه مشايخ الديوان لرؤية طلعة بونابرت البهية في مصر مرة أخرى فتقول الرسالة: "وبعد مزيد الأشواق برؤياكم وتمني التلاقي بمحاسنكم ومزاياكم، فإن جنابكم أيها الأمير الجزيل شرفًا، الجميل لطفه وظرفه، أوعدتمونا مرارًا عديدة وفرحتونا بأقوالكم السديدة وألفاظكم السعيدة، بأن عينيك دائمًا ملاحظان لهذه البلاد، ونحن نتحقق وفاء وعدكم، إن الله لا يخلف الميعاد، خصوصا وأن الله سبحانه وتعالى أراد تمام كلما تقولونه على الإجمال".
الشيخ المهدي
 وينتقل مشايخنا الأجلاء لمخاطبة بونابرت باسم الشعب المصري كله: "كل سكان القطر المصري من أمراء وأعيان ومن سائر أحبابنا الذين يعز علينا نجاحهم ونحبهم من الإخوان، وأهل أنواع التجارة، وأرباب الصنائع في جميع مدائنهم والبنادر، أصحاب الفضائل والعلوم، وأرباب المحامد والمفاخر، والمشتغلين بالفلاحة والزراعة، وسائر النساء التي صان الله عرضهن على يديكم الشهيرة بالفروسية والشجاعة، وكامل الفقراء والمساكين، وجميع الشباب والشيوخ من الأغنياء والمقترين هم باتفاق واحد بنا إليكم متوسلين، وعلينا في مخاطبتكم معولين وبنا مستعينين، لكونهم يفهمون خطابنا ونفهم خطابهم، وجعلتونا حين كنتم عندنا واسطة بينكم وبينهم ونحن وإياهم جميعًا مبتهلون، وإلى الله راغبون طالبين من فضل رب العالمين أن تكونوا دائمًا على أعدائكم منتصرين ظافرين ولفعل الخيرات متعطفين محبًا وعضدًا للفقراء والمساكين، موقرًا مكرمًا ومعضدًا لديننا الأمجد الأجل، من حيث أنك قدمت فأعطيت لسانًا أكمل للوقار والاعتبار لحريمنا، إذ أنه أمر مهم من بعد الدين لا يوجد عندنا أعز منه..... قد عاملتنا وقت افتتاحك مصر وانتصارك معاملة أناس كأنهم اختاروك عليهم مع قوتك واقتدارك .... فنشكرك ونحمد الله حيث أنك تصدرت لمنع كامل الأضرار والأوصاب التي كان يمكن حدوثها علينا، وعاقبت فاعليها في أوقات الاضطراب، والفرنسيس طبعهم لا يميل، ولم يسرعوا وراء المظالم ".
 ويؤكد رجال الديوان مرة أخرى على رغبتهم في عودة بونابرت إلى مصر: "وأنتم سترجعون للقطر المصري، إنشاء الله أمنين، وأنت ظهرت عندنا لمحة نظير برق لامع من قبل الله الحق، وغبت عنا بغتة كأسرع ما يكون البرق، إذ أخبرتنا بأن موضوعًا آخر يدعوك إليه، وأنت تتوجه إلى حيث ما تكون رشيدًا مفيدًا منصورًا مؤيدًا بعون الله، معتمدًا عليه، وقد بلغنا الفرنساوية أحبابنا الذين سرورنا يسرهم وسرورهم يسرنا، فرّحونا بأنكم توجهتم وقصدتم الحصول على نصرة عظيمة جدًا ... وها قد غلبتم فحمدنا الله على نصرتكم ونجاح مقصدكم ... والآن نخبركم من خالص الطوية تصديقًا لمقالنا بأن الطائفتين المصرية والفرنساوية لا يعدان الآن سوى رعية واحدة، مع وفور المحبة وصدق النية، ولا زال هذا الاتحاد يشتد يومًا فيومًا في سائر الأوقات وذلك باعتناء محبنا وعزيزنا عبد الله مينو الجزيل إكرامه بين المخلوقات... فنحمد الله على أنه اشتاقكم لأن تحكموه وتقرروه وتختاروه على أن يسوسنا ويلاحظنا ويحفظنا ويرعانا ويقوم بحقوقنا وحقوق فقرائنا، ويجعلنا عباد الله إخوانا."
 هكذا تحدث مشايخ الأمة وممثلوها... لكن الأمة نفسها كان لها رأي آخر!
المشهد الثالث: وحانت ساعة الرحيل
 لم تمض إلا  شهور قليلة وكان قد تم توقيع الاتفاق بين الإنجليز والأتراك والفرنسيين على رحيل الحملة من مصر، وعقد الديوان جلسته الأخيرة وهي "الديوان الحادي والثلاثون"، وقد انعقدت تلك الجلسة يوم الاثنين أربعة وعشرون صفر سنة ألف ومائتين وستة عشر الموافق لسابع عشر مسيدور من السنة التاسعة من المشيخة الفرنسية، وبدأت الجلسة في الثانية، وقد دعي لحضور الجلسة جمع غفير من مشايخ أروقة الأزهر الشريف وحسين أفندي الروزنامجي المشرف على الإدارة المالية وعدد من معاونية، وبعض رجال الأوجاقات، وطائفة من التجار المصريين، وغيرهم من أهل البلد، فقد كان مقررًا أن تشهد الجلسة حدثًا جلالًا؛ الإعلان عن خروج الجيوش الفرنسية من مصر وعودة العثمانيين مرة أخرى، وفي هذه الجلسة حضر من الجانب الفرنسي ستيف المسؤل المالي للحملة والذي كان المصريون يسمونه خازندار عام، كما حضر وكيل الديوان والتراجمة كالعادة.
 جاء وكيل الديوان الفرنسي حاملًا معه رسالة من مينو قائد الحملة إلى أعضاء الديوان، فسلمها للشيخ الشرقاوي رئيس الديوان، وطلب منه أن يفتحها ليقرأها الترجمان على الحاضرين، وللأسف يذكر الخشاب مختصرًا للرسالة، جاء فيه: "نخبركم أنا علمنا بكثرة الانبساط أنكم تهدؤا بكثرة الحكمة والإنصاف في الوضع، والتنظيم لأهالي البلد بالهدي والطاعة الموجبة لحكومة الفرنساوي، وأخبرنا المقدام الجسور بونابارته عن كل ما فعلتم حكمًا نافعًا، بوصاية لأجلكم سارة واستراحة لتلك الفعال الجيدة، وعرفني عن قرب يرسل لكم جواب إلى جميع مكاتيبكم."
 ثم يوصي مينو رجال الديوان على ولده وزوجته زبيدة الرشيدية، ويحمل الديوان تعازيه للست نفيسة في وفاة زوجها مراد بيك، وينهي الرسالة بأمره للمشايخ بملازمة وظائفهم.
 وخلال تلك الجلسة يتحدث جيرار وكيل الديوان الفرنسي طويلًا عن حب بونابرت للمصريين، ويؤكد ثانية على أن رده على رسالة الديوان سيصل خلال أيام، ثم يلتفت إلى الشيخ الشرقاوي، ويسأله: "تشهد بما أقول أن حضرة سر العسكر بونابارته عزم على أن يتوجه معك إلى البيمارستان لينظر في مصالح الضعفاء؟ فرد الشيخ الشرقاوي قائلًا: وكان أخبرنا أنه يريد يبني مسجد. فقال: لم يعقه عن هذا إلا توجهه إلى الشام."
 وألقى القس رفاييل كبير التراجمة كلمة تحية لأعضاء الديوان أشاد فيها بجهودهم وتعاونهم مع الفرنسيين، ويختم كلمته بقوله: "نحن نشترك معكم إن كان في السعودات أو في النحوسات، ونسأله نجاح الرعايا وخصوصًا رعية مصر ذات العذوبة والحلاوة، التي يستحق أن تكون مساسة بحكام ذوي حكمة، من حيث أننا عشنا معهم بالسوية مدة مديدة كأننا عائلة واحدة."
 أما ستيف فقد ختم الجلسة بكلمة طويلة تحدث فيها عن ما قامت به الحملة في مصر، وختمها بقوله: "فلم نحتاج نعرفكم الذي تعرفوه، ويكفينا أننا نحقق لكم من عند حضرة القنصل الأول، ومن سر عسكر مينو المحبة والشفقة الصادقة، وهذه المحبة والعشم لم تنقطع بسبب سفر جانب من الجيش، وهلبت أن يصادف يوم إننا نرجع إلى عندكم لأجل تمام الخير الذي يصدر من حكم الفرنساوي، والذي لم أمكننا نتمه، فلم تتوهوا يا مشايخ وعلماء لأن فراقنا لم يقع إلا عن مدة، وذلك محقق عندي، ولابد أن دولتينا يربطوا ثانيًا في مدة قريبة المحبة القديمة التي كانت بينهم، وهلبت أن دولة العثمنلي لما تصير على الجرف الخالي الذي عملة الإنجليز، يروا أن الفرنساوية في طلبة الديار المصرية لم له إلا يربط بزيادة في المحبة صحبتهم لأجل كسر نفس الإنجليز، الذي مراده نهب جميع البحور ومتاجر الدنيا".
 وانصرف المشايخ والحاضرون وكان هذا آخر دواوين الجمهور الفرنساوي وفق ما ذكره الشيخ إسماعيل الخشاب.
مقالي المنشور بمجلة ديوان عدد يوليو 2019

الاثنين، 13 مايو 2019

من أوراق بدر الدين أبو غازي (9) ملاحظات على ميثاق العمل الثقافي


من أوراق بدر الدين أبو غازي (9)

ملاحظات على ميثاق العمل الثقافي


بدر الدين أبو غازي (14 مايو 1920-11 سبتمبر 1983)
 في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضي طرح منصور حسن مشروعًا جديدًا لإدارة العمل الثقافي في مصر، وكان الرجل قد تولى عدة مناصب وزارية منها حقيبة الثقافة والإعلام وكان أحد الخمسة الكبار المؤسسين للحزب الوطني الديمقراطي مع الرئيس أنور السادات، كان جوهر مشروعه إلغاء وزارة الثقافة مثل باقي الوزارت الخدمية التي ألغيت في ذلك الوقت وتحولت إلى وزارات دولة، وتغيير مسمى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ليصبح مجلسًا أعلى للثقافة، يحل محل الوزارة ويقوم بدورها، تحت شعار إدارة المثقفين للشأن الثقافي.


منصور حسن مع بدر الدين أبو غازي وحسين بيكار في جمعية محبي الفنون الجميلة

 وصدر القرار الجمهوري بإنشاء المجلس الجديد في مايو 1980، وتشكلت هيئة المكتب من ستة أعضاء كان من بينهم الدكتور سليمان حزين الجغرافي الكبير وأحد وزراء الثقافة في الستينيات؛ كما كان من بين أعضاء هيئة المكتب الأولى بدر الدين أبو غازي.

أول هيئة مكتب للمجلس الأعلى للثقافة

 وفي ذات السياق، تقرر أن يضع المجلس ميثاقًا للعمل الثقافي، يلتزم به المثقفون في نشاطهم، وفكرة مواثيق الشرف فكرة في رأيي فيه كثير من الغرابة في ظل وجود منظومة قانونية، فهي تضع آليات غير واضحة للمحاسبة خارج إطار القانون، كما أنها تتقاطع مع النظم الإدارية للدولة وتتصادم معها أحيانًا؛ عمومًا المجال هنا ليس مجال مناقشة الفكرة.

الدكتور سليمان حزين

 لقد تم تكليف سليمان حزين بأن يكون مقررًا لمشروع ميثاق العمل الثقافي؛ وبالفعل أعد المشروع؛ وحالت ظروف دون حضور بدر الدين أبو غازي لاجتماع إقرار المشروع فأرسل هذه الملاحظات في رسالة إلى الدكتور سليمان حزين يوضح فيها اعتراضاته على مشروع الميثاق؛ وقد عثرت على مسودة هذه الرسالة في أوراقه...



يقول بدر الدين أبو غازي في رسالته:

 الأستاذ الدكتور سليمان حزين
مقرر مشروع ميثاق العمل الثقافي
 تحية طيبة وبعد
فقد اطلعت على مشروع ميثاق العمل الثقافي الذي توفرتم بجهدكم الكبير على إعداده.
ولئن فاتني المشاركة في لجنة مشروع الميثاق فلا يفوتني أن أبعث إليكم ببعض ملاحظات أرجو أن تلقى عنايتكم.
 وتتلخص هذه الملاحظات فيما يلي:
(1) إن المشروع ردد كثيرًا فكرة الحساب حتى كادت تلقي ظلالًا على فكرة الحرية التي أكدها؛ ومن أجل ذلك أرى التخفف من هذا الترديد الذي يتعارض مع فكرة حرية المثقفين، وتوفير مناخ الحرية للمفكرين وأهل الأدب والفن التي جعلها التنظيم الجديد شعارًا له.
وأهم ما أراه جديرًا بالحذف الفقرة الأخيرة من البند 9 ص 6 التي تجمع بين حساب القانون ورقابته خاصة وأن هذا المعنى تردد مرة أخرى في الفقرة التالية، فضلًا عن تكراره في بنود تالية في المشروع.
(2)  يؤكد البند 20 معنى استوقفني، هو إعفاء الدولة وأجهزتها الحكومية من القيام على صناعة الثقافة، وإبعاد مسئولية العمل والإنتاج الثقافي عن طبيعة الدولة وقصر دورها على الرعاية.
ولم يعد ذلك واردًا حتى في أكثر الدول أخذًا بالحرية الاقتصادية ودعمًا للنشاط  الخاص؛ فالدولة مطالبة بعدم التدخل بالتقييد والمنع لإبداع الفكري والأدبي والفني، ولكنها مسئولة بدرجة أو بأخرى عن العمل الثقافي متمثلًا فيما تقدمه من عروض مسرحية وأفلام، وما تقيمه من متاحف ومعارض، وما تنشره من كتب، وما تنهض به من صيانة للآثار ومحافظة على التراث، وما يتعلق بها من مسئوليات الحفاظ على البيئة الطبيعية والحضارية.
 كذلك فأن دعمها لجهود المثقفين ومسئوليتها عن توصيل الخدمات الثقافية، كل هذا هو من صميم العمل الثقافي الذي لا يجوز أن تتخلى عنه بالصورة التي توحي بها عبارات البند 20 من المشروع، والتي تؤكد أن هذا هو اتجاهنا ولا سبيل إلى النكوص عن ذلك بعد الآن.
 ولم يعد في المستطاع في مجتمعاتنا العصرية وفي ظل الإعلانات العالمية التي تؤكد حق الثقافة؛ أن تكون الدولة دولة رعاية، وأن تترك مسئولية العمل الثقافي كاملة لأفراد المثقفين وجماعاتهم وهيئاتهم غير الحكومية.
 بل إن قرار إنشاء وتنظيم المجلس الأعلى للثقافة يؤكد عكس ذلك.
(3)  افتقدت في المشروع بندًا يؤكد مسئولية الدولة عن الحفاظ على التراث الحضاري الذي ابدعته مصر عبر تاريخها، ورغم إشارات رائعة عن قيم هذا التراث؛ فإن مطلب صيانته والحفاظ عليه من عوادي الزمن ومن التغيرات الطبيعية ومن حركة التعمير الحديث يقتضي أن نضمن الميثاق هذا العهد من الحكومة والمواطنين لبذل كل الجهود من أجل الإبقاء على هذا التراث للأجيال.
ويتصل بذلك أيضًا ضرورة التأكيد على المحافظة على البيئة الطبيعية والحضارية، وعلى قوام المدينة والقرية المصرية وهيئتها المعمارية والتخطيطية التي أخذت تنمو نموًا عشوائيًا بعيدًا عن القيم الفنية والجمالية ومفرغًا من أي مضمون ثقافي.
 هذا وذاك من الأصول والدعامات التي ينبغي ألا يغفل مشروع الميثاق عنها.
 وما زال في الإمكان تداركهما بإضافة.
 وختامًا أبعث إليكم بصادق الشكر والتحية.




الثلاثاء، 12 مارس 2019

"ما تكتبه يا فالح هاكتبه أنا" مقالي بجريدة المقال اليوم


"ما تكتبه يا فالح هاكتبه أنا"
حكاية ثورة... حكاية شعب
مقالي بجريدة المقال اليوم
عماد أبو غازي
 "ما تكتبه يا فالح هاكتبه أنا"... كانت هذه الكلمات رد سعد زغلول على الشاب محمد صبري الذي كان يدرس التاريخ في جامعة السوربون، وكان عضوًا بالجمعية المصرية بباريس، وتطوع للعمل سكرتيرًا للوفد المصري في باريس سنة 1919؛ قال الشاب الصغير لقائد الثورة: إذا كنت تريد للثورة أن تستمر فلابد قبل السلاح والحماسة، أن تكتب تاريخ مصر؛ فكانت هذه الكلمات رد سعد عليه؛ ولم يكذب الشاب خبرًا كما يقولوا، فأصدر كتاب "الثورة المصرية من خلال وثائق حقيقية وصور ألتقطت أثناء الثورة"؛ والذي نُشر في باريس بالفرنسية قبل نهاية عام 1919، وكان الكتاب أول كتبه في التاريخ؛ كما كان أول كتاب يصدر عن ثورة 1919.

أصبح الشاب بعد سنوات قليلة واحدًا من أعمدة المدرسة القومية في التاريخ المصري، وكتب في التاريخ والأدب والاجتماع، واشتهر باسم صبري السوربوني، وصدرت له بعد هدا الكتاب كتب عديدة عن تاريخ مصر الحديث؛ وبالمثل صدرت بعد هذا الكتاب أيضًا عشرات الكتب عن ثورة 1919 كبرى الثورات المصرية في العصر الحديث، واليوم تمر أعوام مئة على بداية هذه الثورة وما زال المشتغلين بالتاريخ والمهمومين بقضايا الوطن يبحثون في هذه الثورة ويكتبون عنها؛ لقد ترك لنا سعد زغلول مذكراته التي تعد وثيقة حية لتاريخ مصر، وترك لعمدة المشتغلين بالتاريخ محمد صبري السوربوني وصيته بأن يكتب التاريخ، فكتب وما زلنا نكتب.
حكاية ثورة 1919 هي صفحة من كتاب الوطن؛ صفحة مضيئة من تاريخ مصر، قدم فيها المصريون 800 شهيد 1600 جريح خلال شهر واحد حسب بيانات سلطات الاحتلال؛ وقدموا نماذج ملهمة للعمل الثوري على مدى خمس سنوات هي عمر الثورة بجميع مراحلها؛ فقد كانت البداية الأولى يوم 13 نوفمبر سنة 1918، والنهاية مع نهاية عام 1923 بإجراء الانتخابات العامة وفقًا لدستور 1923 وتولي حكومة سعد زغلول، حكومة الشعب، السلطة في يناير 1924.
ثورة 1919 تتويج لنضال طويل متواصل للمصريين أخذت أهدافه تتبلور تدريجيًا منذ ثورة المصريين في يوليو سنة 1795 ضد طغيان أمراء المماليك، لقد سارت تلك الأهداف في اتجاه أساسي: انتزاع حقهم في إدارة أمور بلادهم بأنفسهم، أو ما عبرت عنه الحركة الوطنية المصرية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر وصاغته في شعار "مصر للمصرين"، ذلك الشعار الذي تحول منذ مطلع القرن العشرين إلى مطلبين محددين: الاستقلال والدستور، وكان المطلبان هدفين كبيرين لثورة 1919.
 واتسم النضال من أجل تحقيق الاستقلال والدستور عبر عقود طويلة بالتدرج والمعارك الجزئية الصغيرة والمعارك الكبيرة التي تأخذ شكل الثورات؛ مثلما حدث في الثورة العرابية سنة 1881 وثورة 1919، تلك المعارك التي يتحقق من خلالها نصر هنا وآخر هناك، وانتكاسة هنا أو هناك في الطريق من أجل أن نصل إلى الهدف في النهاية... وكانت ثورة 1919 واحدة من هذه المعارك، بل أكبرها وأهمها، فماذا حقق الشعب فيها من خطوات في اتجاه تحقيق الهدفين الكبيرين لنضاله: الاستقلال والدستور؟
نبدأ الحكاية من أولها؛ في سنة 1914 قامت الحرب العالمية الأولى ودخلت تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا ضد إنجلترا وفرنسا، فأعلنت إنجلترا الحماية على مصر وأنهت علاقتها بالدولة العثمانية التي استمرت 400 سنة تقريبا؛ استمرت الحرب لأربع سنوات عانت فيها مصر التي كانت خاضعة لسلطة الاحتلال البريطاني منذ عام 1882 شدائد جديدة فوق شدة الاحتلال.
فمع اشتعال الحرب سنة 1914 فرضت الأحكام العرفية على البلاد، وأعلنت الحماية البريطانية رسميا، كما جمع الإنجليز مئات من المصريين وحشدوهم حشدا ليشاركوا في الحرب، هذا فضلًا عن أن بعض المعارك بين الحلفاء وخصومهم دارت على أرضنا، وفي أواخر عام 1918 لاحت في الأفق بوادر انتهاء الحرب، وفي 11 نوفمبر عقدت الهدنة بين ألمانيا والحلفاء، لتنتهي أكبر حرب عرفتها البشرية حتى ذلك الوقت، ولتخرج إنجلترا وحلفاؤها منتصرون.
وبعد إعلان الهدنة بساعات تقدم سعد زغلول باشا الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، وزميلاه في الجمعية عبد العزيز فهمي بك وعلى شعراوي باشا بطلب لمقابلة السير ريجنلد ونجت المندوب السامي البريطاني لطلب الترخيص لهم بالسفر إلى لندن لعرض مطالب الأمة المصرية؛ وتحدد للمقابلة يوم 13 نوفمبر سنة 1918، الذي صار منذ ذلك الحين عيدًا للجهاد الوطني، ورفع الزعماء الثلاثة مطالب الأمة في الاستقلال وإنهاء الأحكام العرفية وإلغاء الرقابة على الصحف إلى المندوب السامي البريطاني في مصر.
 وعقب المقابلة تألفت هيئة تسمى "الوفد المصري" إشارة إلى أنها وفد مصر للمطالبة باستقلالها، وقد تألف الوفد برئاسة سعد زغلول باشا ومعه في البداية ستة أعضاء؛ وحتى يثبت الوفد المصري نيابته عن الأمة تم الاتفاق على صياغة توكيل يوقع عليه أعضاء الهيئات النيابية القائمة في ذلك الحين، وأكبر عدد ممكن من أصحاب الرأي، ثم اتسع نطاق الحملة ليشمل الأمة جمعاء.
وإذا كانت حكومة حسين رشدي باشا قد سمحت للوفد بجمع التوقيعات على التوكيلات، فإن موقف السلطات البريطانية كان مختلفًا؛ لقد رأت السلطة العسكرية البريطانية أن حركة التوكيلات توشك أن تكون أساسًا لنهضة وطنية عامة تطالب بالاستقلال التام للبلاد فعملت على إحباطها في مهدها؛ فضرب المستشار البريطاني لوزارة الداخلية المصرية عرض الحائط بأوامر رئيس الوزراء بعدم التعرض لحركة جمع التوقيعات، وأصدر أوامر مباشرة إلى المديرين بمنع تداول التوكيلات أو التوقيع عليها بكل ما لديهم من قوة، وبالفعل صادرت وزارة الداخلية بعض التوكيلات التي تم التوقيع عليها، وبدأت في ملاحقة كل من يقوم بجمع التوقيعات.
وكان رد فعل الوفد المصري رسالة إلى حسين رشدي باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية؛ وقد أكد حسين رشدي باشا في رده على الرسالة موقف حكومته المؤيد لحركة جمع التوقيعات على التوكيل؛ فاتسعت الحركة وازدادت نشاطًا، ومن ناحية أخرى ضم الوفد إليه أعضاءً جددًا وسعى سعيًا متواصلًا للحصول على ترخيص للسفر لحضور مؤتمر الصلح وعرض مطالب الأمة المصرية، الأمر الذي رفضته بإصرار سلطات الاحتلال البريطاني؛ وأمام تعنت السلطات البريطانية توجه سعد وصحبه بمذكره إلى مندوبي الدول الأجنبية في مصر يشرحون فيها مطالب الأمة، أما رئيس الحكومة حسين باشا رشدي فقد تقدم باستقالته احتجاجًا على رفض بريطانيا للتفاوض مع الحكومة المصرية.
وخلال شهري يناير وفبراير سنة 1919 تصاعدت حركة الوفد المصري واتسع نطاقها وتنوعت أشكال الحركة ما بين جمع التوقيعات، وعقد الاجتماعات العامة، وإلقاء الخطب في المحافل المختلفة، وإصدار النشرات التي تعرف الناس بنشاط الوفد وسعيه لتحقيق الاستقلال.
وفي عصر يوم 8 مارس 1919 وصلت الأمور إلى منتهاها عندما ألقت السلطات البريطانية القبض على سعد زغلول وثلاثة من صحبه هم محمد محمود باشا وإسماعيل صدقي باشا وحمد الباسل باشا ورحلتهم في اليوم التالي إلى بورسعيد ومن هناك أقلتهم إحدى السفن إلى المنفى في مالطة.
ولم يكن خبر القبض على سعد وصحبه يشيع بين الناس حتى انفجر غضبهم يوم 9 مارس 1919 لتبدأ بذلك الثورة؛ ثورة سنة 1919.
 لقد بدأت الثورة ردًا على نفي سعد ورفاقه إلى مالطة، فتحولت حركة الوفد من حركة سلمية هادئة إلى ثورة عارمة عنيفة، أنتجت أشكالًا نضالية متنوعة ومتعددة ومتغيرة بتغير الظروف، وكانت التوكيلات الشعبية للوفد أول هذه الأشكال النضالية وأهمها، لقد كانت التوكيلات وسيلة لحشد الجماهير والدعاية لأهداف الثورة ولتشكيل مجموعات منظمة نشطت لعدة شهور ونجحت في تفجير الثورة والاستمرار بها إلى أن أرغمت السلطات البريطانية على التراجع، كما كانت في نفس الوقت بمثابة عقد وكالة واتفاق بين الشعب وقيادته، تلزم هذه القيادة بعدم الخروج عن حدود الوكالة، وتحدد أهداف النضال وتقييد إمكانيات التنازل، وقد ظهر ذلك جليًا عندما قبل سعد زغلول تشكيل الوزارة بعد الانتخابات البرلمانية التي اكتسحها الوفد عقب صدور دستور 1923، لقد رد سعد على الملك فؤاد في خطاب قبوله تشكيل الوزارة معلنًا أنه يقبل تشكيل الوزارة في حدود الشروط التي تقبلها الأمة.
 وطوال مرحلة الثورة وما أعقبها استخدمت كل الأشكال النضالية وفقًا للظروف، لجأت إلى أشكال الاحتجاج السلمي كجمع التوقيعات على العرائض والخطابات المفتوحة للسلطات وللمجتمع الدولي والإضرابات والاعتصامات والتظاهر السلمي والمقاطعة بما فيها حملات مقاطعة البضائع الأجنبية، كما لجأ الثوار إلى الأشكال العنيفة كقطع السكك الحديدية وخطوط التلغراف والطرق البرية، والأعمال المسلحة المختلفة ضد قوات الاحتلال، وأبدعت الثورة سنة 1919 وفي ذروة الأحداث شكلًا نضاليًا جديدًا تمثل في إعلان استقلال بعض المدن وإدارتها إدارة ذاتية، وأشهرها جمهورية زفتى.
استمرت المرحلة الأولى من الثورة قرابة شهر؛ حتى رضخت سلطات الاحتلال وأفرجت عن الزعماء، وسمحت لهم بالسفر إلى باريس، وألغت القيود على سفر المصريين لخارج البلاد.

 وهكذا تحقق أول انتصار للثورة؛ أما الأهداف الأهم والأعمق والأبعد للثورة الاستقلال والدستور، التي هي أهداف الحراك الشعبي في مصر على مدى ما يزيد عن قرن، فقد استمرت المعارك من أجل تحقيقهما ولم تتوقف بنحقيق الهدف المباشر للثورة.
لقد نجحت الثورة في إلغاء الحماية رغم إقرار مؤتمر الصلح لها، فكان لاستمرار الثورة لأسابيع وشهور بعد الإفراج عن الزعماء أثره في إنهاء الحماية البريطانية على مصر وسعي بريطانيا للدخول في مفاوضات لتحديد شكل علاقتها بمصر، وفي هذا السياق تشكلت لجنة ملنر البريطانية لتضع تصورًا من خلال استطلاع رأي المصريين، ومرة أخرى كانت مقاطعة المصريين للجنة تعبيرًا عن استمرار الثورة ورفض المماطلة البريطانية؛ لقد انتجت الثورة بعد ثلاث سنوات الاعتراف باستقلال مصر من جانب واحد بصدور تصريح 28 فبراير سنة 1922، الذي اعترفت فيه بريطانيا بمصر مملكة مستقلة، مع التحفظات الأربعة التي شكلت انتقاصًا من هذا الاستقلال، وكان التصريح تعبيرًا عن التوازن الذي انتهى إليه الحال بعد ثورة 1919، فاستمرار الحماية مستحيل، لكن حركة الجماهير أضعف من أن تحقق الاستقلال التام في ضربة واحدة.

 وقد أفرز الواقع الجديد دستورًا للبلاد، دستور 1923 الذي يعد مكسبًا مهمًا رغم ما شابه من أوجه قصور، كذلك بدأت حياة نيابية تقوم على التعددية الحزبية؛ وكانت الحياة النيابية ومبدأ المواطنة المصرية الذي صاغته ثورة 1919 من خلال شعارها الملهم "الدين لله والوطن للجميع" من أهم المكاسب التي حققتها الثورة في طريق النضال من أجل الدستور والاستقلال، لقد حولت فكرة الاندماج الوطني وبناء دولة المواطنة التي بدأت خطواتها الأولى بتشريعات سعيد باشا في خمسينيات القرن التاسع عشر إلى واقع على الأرض، ورغم محاولات بريطانيا من ناحية، والتيارات الرجعية في المجتمع من ناحية أخرى، للعودة بالمجتمع إلى الانقسام الديني إلا أن هذه المحاولات بآت بالفشل.
كما أن الواقع الجديد بعد الثورة قد دفع تلقائيًا في اتجاه تطور الاقتصاد؛ فقد كانت الثورة دافعًا لحلم راود المصريين منذ عقود، حلم بناء اقتصاد وطني في مواجهة الامتيازات الأجنبية ورغمًا عن وجودها، فشهدت البلاد نهضة صناعية جديدة أثرت على المجتمع كله وعلى أفكاره، وكان ميلاد بنك مصر بشركاته ومؤسساته علامة على هذا التحول، وعلى مصر جديدة تولد.
 كذلك كانت الثورة إيذانًا بميلاد جديد للصناعات الإبداعية الحديثة؛ التي حرص على تطويرها طلعت حرب مؤسس بنك مصر، الذي يعد بحق الوليد الاقتصادي للثورة، فتطورت صناعة الكتاب والنشر وأنشأ بنك مصر مطبعة مصر لتطوير هذه الصناعة الثقافية المهمة، كما جاء ميلاد السينما المصرية تاليًا للثورة من خلال أفلام محمد بيومي الروائية القصيرة، وجريدته السينمائية الموثقة للأحداث جريدة آمون السينمائية، ثم كانت النقلة الثانية مع إنشاء طلعت حرب لإستوديو مصر الذي أسهم في إنتاج عشرات الأفلام الروائية.
 كما فتحت الثورة آفاق بعث جديد في الفنون تجلى في مجالات الفنون التشكيلية والموسيقى والغناء والمسرح؛ وتحول وضع هذه الفنون بعد الثورة والتحمت بالجماهير وقضاياها، وفي الآداب تطورت الكتابة الروائية والكتابة المسرحية بشكل لافت للنظر وارتبطتا بالتحولات الاجتماعية الجديدة وعبرت عنها؛ فبقدر ما ساهمت الأعمال الإبداعية في الحشد للثورة والتعبير عنها وإيصال رسالتها للجماهير، أو اتخذتها موضوعا لها في السنوات التالية، بقدر ما كانت التغير ات المجتمعية التي أحدثتها الثورة في مصر دافعا لتطور الإبداع الأدبي والفني...
 وقد اختلف التفاعل بين الفن والثورة من نوع فني أو أدبي إلى نوع آخر، فبينما كان تعبير بعض الأنواع عن الثورة ابن اللحظة التاريخية للثورة وحاشدا للجماهير حولها ووسيلة من وسائل حمل أهداف الثورة إلى الناس، أي أداة من أدوات الدعاية الثورية مثلها في ذلك مثل منشورات الثورة، كانت أنواع أخرى مُوثِقة للثورة ومسجلة لها من خلال النوع الأدبي أو الفني، عبر استخدام حدث الثورة موضوعا للإبداع بعد انتهاء الحدث.
 إذا كانت فنون الشعر والموسيقى والغناء قد واكبت الثورة وعبرت عنها وكانت أداة للتحريض الثوري في صفوف الجماهير، فإن الأعمال الروائية المهمة التي اتخذت ثورة 1919 موضوعا لها كانت في معظمها بعيدة زمنيًا عن الحدث، ولعل أجلى التعبيرات الأدبية عن الثورة جاءت من خلال "عودة الروح" للحكيم و"قنطرة الذي كفر" لمشرفة والجزء الأول من ثلاثية محفوظ "بين القصرين".
 أما الفن التشكيلي والذي كانت أجلى تعبيراته عن الثورة تمثال نهضة مصر لمختار فقد جمع بين الخاصيتين، ففكرة التمثال كانت وليدة اللحظة الثورية وتعبيرًا عنها، لكن تنفيذ العمل الذي استغرق ثمان سنوات حتى يستوي كتمثال ميدان في باب الحديد، جعل منه تخليدًا لها عبر الزمن، كذلك كان تمثالي سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية لمختار توثيقًا لحدث الثورة بعد سنوات على وقوعها.
  لقد واكب الثورة جيل من المبدعين ولد معظمهم في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، وقد تميز أبناء ذلك الجيل بأنهم نبغوا في مرحلة الشباب المبكر، فأغلبهم قدم إنجازًا مهمًا وهو بعد في العقد الثالث من عمره، كما أنهم عرفوا كيف يتمردون على الثوابت ويتجاوزوا الواقع متطلعين إلى المستقبل، فكانوا بذلك بناة نهضة حقيقية، ثم جاءت ثورة 1919 لتطلق أقصى طاقاتهم الإبداعية، حيث ارتبطوا بالثورة وبالحركة الوطنية المصرية وأصبحوا لسان حالها في الفن والأدب والثقافة، لقد حولتهم الثورة التي اندمجوا بمسيرتها إلى شموس في سماء الوطن، ومن بين هؤلاء كان سيد درويش الذي كان صوت الثورة وأغنيتها وكان في ذات الوقت ثورة في النغم والغناء، ومختار الذي عبر عن الثورة نحتا وشق للفن التشكيلي طريقا جديدا في مصر، وربما كان سيد درويش ومختار من بين أبناء جيلهما، هما الأكثر تعبيرا في مجال الفنون عن الثورة المصرية وقيمها، والأبلغ في التعبير عن أبناء الشعب البسطاء صانعي الحضارة من فلاحين وحرفيين وعمال، والأقدر على استلهام أعمالهما من روح هذا الشعب وتراثه، وعلى حل إشكالية الأصالة والمعاصرة.
  كما كانت الثورة دافعة للانطلاقة السياسية للمرأة المصرية ولسعيها بقوة من أجل انتزاع حقوقها؛ فقد أدت المشاركة الإيجابية الفعالة للمرأة المصرية في الثورة والتي بدأت بالمظاهرة النسائية يوم 16 مارس 1919 إلى تغير جوهري في نظرة المجتمع إلى المرأة، كما حققت هذه المشاركة مكاسب عديدة للمرأة في مصر، وكانت تلك المظاهرة نقطة انطلاق لحركة نسائية وطنية، وانبثق عنها تأسيس لجنة سيدات الوفد كأول تنظيم سياسي نسائي في مصر الحديثة، ثم الاتحاد النسائي المصري بعدها بأربع سنوات.
لقد نجحت ثورة 1919 في الانتقال بمصر إلى عصر جديد استمر على الأقل حتى عام 1952، وكانت له آثاره الممتدة في الحراك الثقافي والاجتماعي في العقدين الأولين من النصف الثاني من القرن العشرين؛ ورغم التراجع الذي شهدته بعض مكاسب الثورة فما زال حلم دولة المواطنة والقانون والمشاركة السياسية واستقلال القرار الوطني هدفًا واجب التحقيق.
  ونحن نحتفل هذا العام بالمئوية الأولى لثورة 1919 يتجدد السؤال المشروع ؛ المثار دوما في الأحداث الكبرى عن دور الفرد القائد ودور الجموع في صنع الحدث، وعند الحديث عن ثورة 1919؛ فإننا نقف أمام حراك شعبي واسع استمر على مدى سنوات خمس، وأمام زعامة نجحت في أن تلتقط اللحظة التاريخية وتقود حركة الجماهير.
   وإذا كانت زعامة سعد لم تبدأ إلا في عام 1918 فإن دوره في العمل العام وأنشطته الاجتماعية والسياسية سابقة على ذلك التاريخ بسنوات عديدة، منذ التقى بالشيخ محمد عبده أثناء دراسته، ثم أخذ يتردد على مجالس جمال الدين الأفغاني، وساهم الرجلان في تكوين ثقافة سعد وشخصيته في شبابه؛ وقد لفت ذكاء سعد نظر أستاذه محمد عبده فاختاره للعمل معه محررًا بالقسم الأدبي "بالوقائع المصرية" عندما تولى رئاسة تحريرها عام 1880، وفي أعقاب هزيمة الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر، فصل سعد زغلول من وظيفته لاتهامه بمشايعة الثورة، ثم قامت السلطات باعتقاله مع آخرين بتهمة تشكيل جمعية سرية باسم "جماعة الانتقام"، ولم يثبت الاتهام ضده فأفرج عنه بعد عدة شهور.
 ثم اتجه سعد زغلول إلى العمل في المحاماة وبرع فيها، وأصبح من أشهر المحامين في مصر لما عرف عنه من قدرة على المرافعة وأمانة في العمل، ثم عين في سنة 1892 قاضيًا بمحكمة الاستئناف، وكانت أعلى المحاكم المصرية درجة في ذلك الوقت؛ وخلال عمله في القضاء درس سعد القانون دراسة نظامية وحصل على إجازة الحقوق من جامعة باريس بدرجة متفوقة، فأضاف إلى خبرته العملية دراسة قانونية.
 وفي سنة 1906، وفي إحدى محاولات سلطات الاحتلال البريطاني للتخفيف من الآثار السلبية لحادث دنشواي، ثم تعيين سعد زغلول وزيرًا للمعارف، وكانت المعارف من الوزارات الخاضعة لسلطة الاحتلال من خلال دنلوب المستشار البريطاني للتعليم؛ وقد لاقى هذا التعيين ارتياحًا من جانب الحركة الوطنية المصرية؛ وطوال ست سنوات شغل فيه سعد المناصب الوزارية اختلف الناس حول كثير من مواقفه، فأيده البعض وانتقده آخرون؛ لكن الأمر الذي يتفق عليه الجميع أن سعد زغلول أثناء توليه وزارتي المعارف ثم الحقانية حقق بعض الانجازات المهمة مثل استئناف إرسال البعثات إلى معاهد العلم في أوروبا، وإنشاء مدرسة القضاء الشرعي ووضع مشروع قانون المحاماة الذي أنشئت بموجبه بعد إقراره نقابة المحامين، كذلك اصطدم سعد زغلول غير مرة بالمستشار البريطاني دنلوب الذي كان يسيطر على وزارة المعارف، أما أهم المواقف التي تحسب لسعد زغلول خلال توليه الوزارة فاستقالته من وزارة محمد سعيد باشا؛ وقد كان السبب الرئيسي لاستقالة سعد زغلول من الوزارة في مارس سنة 1912، قرار تحريك الدعوى العمومية ضد محمد فريد بتهمة التحريض على كراهية الحكومة دون مشاورته أو أخذ رأيه.
 وعندما أنشئت الجمعية التشريعية في سنة 1913 لتكون مجلسًا شبه نيابي، تقدم سعد زغلول للانتخابات في دائرتي الخليفة وبولاق بالقاهرة وفاز فيهما بتأييد ودعم من الحزب الوطني؛ وأصبح سعد الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، وخلال الفصل التشريعي الأول والأخير للجمعية التشريعية برز صوت سعد كخطيب مفوه يدافع عن حقوق الأمة، ونالت مواقفه تأييد ودعم كل القوى الوطنية في مصر...
 وخلال سنوات الحرب العظمى اختار سعد الصمت، ليعود صوته فور إعلان انتهائها مطالبًا بحقوق الأمة، وليصبح زعيمًا لمصر وقائدًا لثورتها؛ ثم لنضالها الوطني وسعيها من أجل الاستقلال والدستور طوال تسع سنوات حتى وفاته في 23 أغسطس سنة 1927.    
في حياة الأمم شخصيات تلتقي بطموحات الشعب وأحلامه، فتتصدى لقيادة البلاد في اللحظات العصيبة، وقد تنجح في تحقيق بعض ما تتطلع إليه الأمة، فتحفر لاسمها بذلك مكانة لا تهتز في الوجدان الشعبي؛ ومن هذه الشخصيات في تاريخنا المصري الحديث سعد زغلول الذي اعتلى مكانه كزعيم للأمة بلا منازع عندما تصدى لمواجهة الاحتلال البريطاني عقب إعلان انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ عندما أصبح قائدًا للثورة المصرية ورمزًا لها؛ والذي أوصى كبيرنا وشيخنا بأن يكتب التاريخ، ومازلنا نكتبه.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...