الاثنين، 21 أغسطس 2017

تقرير الأستاذة ثريا

تقرير الأستاذة ثريا

عماد أبو غازي

ده تقرير عملته السيدة ثريا حبيب مدرسة ثانوي، عن تجربتها في مدرسة الجيزة الثانوية للبنات السنة الدراسية 1954 / 1955 تجربتها في تدريس منهج البيئات لسنة أولى ثانوي، يا ريت تشوف أزاي مدرسة حديثة التخرج حاصلة على ليسانس آداب قسم جغرافيا سنة 1946 ودبلوم آثار سنة 1949 بتقدم تجربة رائدة في التدريس وبتعمل تقرير بتقيم فيه تجربتها.
أنا لقيت التقرير وأنا بأرتب أوراق العيلة، لقيته في أوراق عمتي الدكتورة ضياء أبو غازي اللي كانت زميلة الأستاذة ثريا نفس دفعتها بس من قسم تاريخ ودخلوا معهد الآثار مع بعض وفضلوا متواصلين لسنين رغم إن كل واحدة اشتغلت في مجال مختلف، الأستاذة ثريا اشتغلت مدرسة في مدارس وزارة المعارف وعمتي اشتغلت في مصلحة الآثار في المتحف المصري، وواضح أن الأستاذة ثريا أهدت نسخة من التقرير لصديقته، وتاريخ الإهداء بمكتوب خط إيد ضياء أبو غازي في صفحة العنوان على الشمال فوق 13/7/1955.
الطريف إن ماري بنت الأستاذة ثريا كانت زميلتي في مدرسة المعادي القومية في أولى ابتدائي بعدها بخمس سنين.
 التقرير بيبتدي بصفحة عنوانها "الهدف وتقسيم العمل" أول نقطة فيها:


 بدأ العام الدراسي بدون كتاب مدرسي.
بدا الميل شديدًا لدى التلميذات نحو التعرف على الحياة البشرية في جهات بعيدة عنهن، تطورت الفكرة من مجرد التحصيل إلى رغبة في البحث والاستطلاع"
الأستاذة ثريا كانت بتدرس لست فصول قسمت البيئات البشرية المختلفة على الفصول الستة كل فصل بيئة.


الصفحة التانية بتتكلم عن مصادر البحث؛ بتقول إيه الأستاذة ثريا:
"أولًا: بدأت تلميذات كل فصل يشعرن بالرغبة الشديدة في التعرف على حياة سكان بيئتهن، ويأخذن على عاتقهن جمع المعلومات والوصول إلى الحقائق بأنفسهن.
ثانيًا: وأستتبع ذلك مناقشة الوسائل المختلفة للوصول إلى الهدف، وحددت الوسائل فيما يلي:
أ – مراجع عربية وهي قليلة جدًا معظمها قليل الفائدة.
ب _ مراجع إنجليزية بسيطة قامت المدرسة بشرائها.
ج _ أفلام سينمائية.
د _ زيارة المفوضيات والسفارات والحصول منها على معلومات ومطبوعات.
هـ _ زيارة مكاتب السياحة وشركات الطيران والحصول منها على صور ومطبوعات.
و _ صور كبيرة تمثل حياة الشعوب في البيئات المختلفة قامت المدرسة بشرائها.
ز _ صور صغيرة لمختلف أنواع الحيوانات والطيور.
ح _ اتصالات شخصية بأفراد زاروا بالفعل هذه البيئات."
بعد كده بتتكلم عن طرق التنفيذ وتقسيم العمل بين التلميذات في كل فصل، وبتحكي عن تفاعل التلميذات مع التجربة ومع بعض.




وبعدين بتحدد العقبات بوضوح.




وعوامل النجاح.




وإيه أبرز ما حققته التجربة.



وفي الأخر بتقدم مجموعة اقتراحات، بعضها موجه للمدارس وبعضها للدولة بشكل عام زي تشجيع التأليف والترجمة في ميدان الجغرافية الاجتماعية.



 يا ترى لو اهتمينا بالنوع ده من التجارب كان هيبقى حال التعليم ايه؟
 ولو حاولنا النهار ده بإمكانيات عصر ثورة المعلومات والاتصالات نبتكر تجارب جديدة في أساليب التعلم ممكن نتطور؟؟؟

الأحد، 13 أغسطس 2017

حكاية الزنزانة رقم 9

حكاية الزنزانة رقم 9

رسالة من وراء الزمن
عماد أبو غازي

من عشر سنوات وشهور كنت أكتب في جريدة الدستور في إصدارها الثاني باب أسبوعي بعنوان مخربشات، وكان عام 2007 عام الاحتفال بمئوية النادي الأهلي فكتبت في أسبوعين ورا بعض عن تأسيس النادي الأهلي وتاريخه، وقادني الحديث عن النادي الأهلي إلى حديث عن نادي المدارس العليا، ومن هنا كتبت سلسلة مقالات عن بدايات الحركة الطلابية المصرية من أول القرن العشرين، من بين المقالات في السلسلة دي كان فيه مقال عن إضراب مدرسة الفنون الجميلة واللي كان بيقوده الطالب محمود مختار، وفي ختام المقال أشرت لمشاركة تانية سياسية مبكرة لمختار، وقلت:
 "هذا ولم تكن مشاركة مختار وقيادته لحركة طلبة مدرسة الفنون الجميلة أول إسهام له في النضال الطلابي، فقبلها بشهور شارك مختار مع زملاء له في مظاهرات عامة مطالبة بالدستور ومنددة بالقيود على حرية الصحافة، وقد صادف صديقي وجاري في السكن وفي صفحة الرأي بالدستور محمد حاكم نصًا في مذكرات سعد أرشدني إليه يتحدث فيه عن تلك الواقعة، يقول سعد الذي كان ناظرًا للمعارف وقتها:
 "في 31 مارس 1909 تظاهر كثير من الناس والطلبة، وطافوا الشوارع بعد أن خطبوا خطبًا مهيجة في حديقة الجزيرة، وألقوا أشعارًا غاية في الحماسة، وتقرر محاكمة الخطباء على تهيجيهم، وطعنهم في الخديوي ووزارته.
 وقبض على تلميذ من الخديوية يدعى عباس حلمي، وآخر من يدعي مختار، من مدرسة الفنون الجميلة، وحكم على كل منهما ـ في اليوم التالي ـ بالحبس 20 يومًا، نظير تعديهما على رجال البوليس بالضرب، وقد رفت الأول لذلك."


 ده رابط المقال على مدونتي التانية مخربشات

بورتريه للدكتور حافظ عفيفي باشا

بورتريه للدكتور حافظ عفيفي باشا

عماد أبو غازي


 اليوم أثناء ترتيب لأوراق العيلة لقيت غلاف أشبه بالمظروف، يبدو إنه كان في الأصل غلاف كتالوج لمكتبة شاعر فرنسي عاش بين القرنين الخمستاشر والستاشر؛ مطبوع عليه بالفرنساوي:
BIBLIOTHÈQUE
JEAN PAUL BARBIER
Poètes français
Des XVe et XVIe siècles

 على ضهر الغلاف اسم أبويا وعنوانه بالفرنساوي بخط أنا بقيت عارفه كويس من كتر شغلي في أرشيف العيلة؛ خط صديقة مختار الفرنسية مارسيل دوبري، اللي توطدت صلتها بالأسرة مرة تانية من ساعة ما قابلت أبويا وأمي في زيارة لهم لفرنسا سنة 1968، وبدأت تبعت تذكارات مختار الي فضلت محتفظة بيها من يوم وفاته في 27 مارس سنة 1934، وبعد وفاة أبويا سنة 1983 استمرت تبعت لعمتي تدريجيًا كل اللي عندها لغاية وفاتهم هما الاتنين في وقت متقارب بداية القرن الجديد.



 فتحت الغلاف لقيت فيه مفاجأة صورة (بورتريه) للدكتور حافظ عفيفي باشا، اللي كان صديق مختار من أيام الدراسة في باريس، الصورة للدكتور حافظ عفيفي في شبابه، رسمها الفنان الفرنسي بول ماتييه (Paul Mathey) اللي عاش بين سنة 1844 و1929، وعلى ضهرها توثيق من أبنه Jacques Mathey الخبير بمحكمة الاستئناف في باريس.


 مع الصورة جواب من مارسيل لأبويا تاريخه 26 يونيو 1980.


 ولقيت مع الغلاف واللي فيه، كارت من مارسيل تاريخ سنة 1984، بعتاه لأبويا ما كانش وصلها خبر وفاته، وكمان جوابين لمارسيل من اتنين من أصدقاء مختار، واحد من الشيخ مصطفى عبد الرازق والتاني من عزيز باشا المصري، ودول هانشرهم مره تانية.


الخميس، 27 يوليو 2017

المؤسسات الثقافية وأزمة الحداثة في مصر

المؤسسات الثقافية وأزمة الحداثة في مصر
                                                   عماد أبو غازي
 عندما شرفني قسم علم النفس وكلية الآداب بأن أكون أول المتحدثين في المحاضرة التذكارية للأستاذ الدكتور مصطفى سويف أحسست بعبء المسئولية وبمقدار ما شرفتني به كليتي وأسرة الدكتور سويف، وأحسست بالحيرة في الوقت نفسه، فما الموضوع الذي يمكن أن أتحدث فيه في مثل هذه المناسبة؟ فأنا باحث في التاريخ والوثائق، والدكتور سويف علامة في الدراسات النفسية له مكانته العالية ليس في مصر فقط، إذًا لابد أن أبحث عن مدخل مشترك، وعن قضية تليق بجلال المناسبة وبقدر صاحبها.


 أخذتني الذاكرة بعيدًا إلى السنوات التي عرفت فيها الدكتور سويف، لقد عرفت الاسم قبل أن أعرف الرجل، كان اسم الدكتور سويف يتردد في منزلنا منذ كنت صبيًا، فقد كان أبي ضمن الفريق الذي يقوده الدكتور سويف لإنشاء أكاديمية الفنون في أواخر الستينيات من القرن الماضي، عندما كان الرجل منتدبًا من الجامعة ليشغل منصب وكيل وزارة الثقافة لشئون المعاهد الفنية، وقد وجدت مؤخرًا في أوراق أبي ملفًا يتضمن محاضر اجتماعات اللجنة التي كانت مكلفة بإنشاء الأكاديمية برئاسة الدكتور مصطفى سويف، وسوف أعمل على نشرها في بحث علمي يكشف عن جانب من جهود مصطفى سويف في بناء مؤسسات هذا الوطن، ويكشف المسافة الشاسعة بين الحلم الذي كان يراوده ووضع له الأسس القومية، والحال الذي انتهينا إليه.
 عندما التحقت بكلية الآداب طالبًا عام 1972 رأيت الرجل للمرة الأولى، لكني لم أتعامل معه عن قرب إلا في عام 1984 عندما شكل مجلس الكلية لجنة لإعداد تصور لقانون جديد لتنظيم الجامعات – لم يصدر إلى يومنا هذا – وكانت اللجنة برئاسة الدكتور مصطفى سويف، وكنت ممثلًا للمعيدين فيها، ومن ثم فقد قمت بأعمال سكرتارية اللجنة باعتباري أصغر أعضائها سنًا ودرجة، وخلال عمل اللجنة الذي تواصل لعدة أسابيع عرفت الدكتور سويف عن قرب وتعلمت منه الكثير في إدارة العمل والتنظيم والدقة، وربما تصلح أوراق هذه اللجنة التي ما زلت أحتفظ بصورة منها موضوعًا لبحث آخر يرتبط أيضًا بالأمل والمآل.
 اقتربت منه أكثر وتواصلت علاقتي به عندما انتدبت إلى المجلس الأعلى للثقافة، وكان الدكتور سويف عضوًا بالمجلس الأعلى للثقافة ومقررًا للجنة علم النفس به، التي أصر عندما تولها على فصلها عن لجنة التربية احترامًا للتخصص العلمي الدقيق، وبعد أن تركت العمل العام في نهاية 2011 وحتى قبيل غيابه عن بأسابيع قليلة، كنت ألقاه في منزله على فترات تتقارب أو تتباعد وفقًا لظروفه الصحية، ألقاه لنتحاور في الشأن العام، ولأستمع منه عن آماله فيما بقي له من عمر، وأحلامه لهذا الوطن أن يكون وطنًا يحترم قيم الحق والعدل والحرية، ويحترم الإنسان الذي كان الارتقاء بشأنه هم مصطفى سويف الأول طوال مسيرته.
 اخترت لهذه المحاضرة موضوعًا يتعلق بجانب من اهتمامات الأستاذ الدكتور مصطفى سويف؛ مؤسسات العمل الثقافي وأزمة الحداثة في مصر؛ فقد كان الرجل مشتبكًا مع مؤسساتنا الثقافية ساعيًا لإصلاحها راصدًا لجوانب القصور في عملها، كما كان في كتاباته العامة مهمومًا بقضية انتقال مصر إلى العصر الحديث ومواطن الخلل في هذا الانتقال.
 ومن هنا اخترت أن يكون موضوعي عن الحداثة المشوهة من خلال قراءة في تاريخ مؤسسات الدولة الحديثة في مصر، واخترت له عنوانًا: "المؤسسات الثقافية وأزمة الحداثة في مصر".
 لقد بدأ اهتمامي بإشكالية/الحداثة منذ أكثر من عشرين عامًا، وفي ظني أن الإحباطات المتوالية والانتكاسات التي أصابت مشروعات التحديث ومحاولات النهضة في مصر والمنطقة العربية ما زالت تلقى اهتمامًا من المشتغلين بدراسة تاريخ المنطقة، ومن المعنيين بمستقبلها على حد سواء، فقضية "أزمة النهضة" هي هم مستقبلي بقدر ما هي مبحث تاريخي، والاشتباك مع الإشكالية له زوايا متعددة، رغم أن زمن الحداثة قد ولى.
تنطلق هذه المحاضرة من مسلمة وفرضية...
 المسلمة أن مجتمعنا المصري - وكذلك المجتمعات العربية - قد فشلت على مدى ما يزيد على قرنين من الزمان في إنجاز مهام الحداثة والتحديث، فشلت في مشروع نهضتها المرة تلو المرة.
 أما الفرضية فتتلخص في أن فشل تجارب الحداثة المتوالية ربما يرجع إلى عوامل داخلية أكثر مما يرجع إلى أسباب خارجية.
 لقد جئت إليكم بأفكار وفروض قابلة للإثبات أو النفي، آملًا في أن تكون مناقشاتكم وتعليقاتكم هادية لي في استكمال بحثي.
  ما هي النهضة المقصودة عند الحديث عما وقع منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر؟
  إنها التحديث أو الانتقال من حضارة الموجة الأولى (حضارة الثورة الزراعية) – إذا استعرنا تعبيرات المستقبلي الأمريكي أولفن توفلر – إلى حضارة الموجة الثانية (حضارة الثورة الصناعية) في وقت كانت فيه مقدرات تلك الثورة قد أصبحت في يد الغرب والشمال بالكامل أو كادت..
 ويستدعى السؤال الأول سؤالا ثانيا؛ هل من الضروري أن تمر كل المجتمعات الإنسانية بنفس المراحل التاريخية؟
 وهل كان حتمًا ولزامًا على مجتمعاتنا الشرقية أن تتحول إلى حضارة الموجة الثانية؟ أو بمعنى آخر هل كان علينا أن نخوض تجربة الحداثة، وأن نتحول إلى مجتمعات صناعية حديثة؟
 لقد كان الرأي السائد منذ القرن التاسع عشر أن إعادة صياغة العالم على شاكلة الغرب الأوروبي بات الطريق الوحيد إلى التقدم، إلا أن بعض مدارس نقد الاستشراق حاولت أن تجيب على هذا السؤال إجابة مغايرة، أن تجيب عليه بالنفي، وأن تبرز فكرة الطريق الخاص لتطور كل مجتمع بغض النظر عن النموذج الأوروبي أو الغربي للتطور، وظهرت مقولات ترفض فكرة التقدم المستمر للبشرية، أو على الأقل فكرة الارتباط الحتمي بين التقدم والتحديث على النمط الغربي.
 لكن استقراء أحداث التاريخ الإنساني – للأسف في تقديري – ليس في صالح هذا الاتجاه، فبقدر ما في الاتجاه الأول من سعى لفرض قوالب خارجية وافدة من الغرب الأوروبي على أرجاء العالم المختلفة، بقدر ما في الاتجاه الثاني من تأييد للتخلف في مجتمعاتنا.
 فلكل عصر "كلمة سره" والمجتمعات التي تملك كلمة سر عصر من العصور هي التي يكون لها السبق والريادة، وهى التي تسود في ذلك العصر، لقد كان لمجتمعاتنا في شرق وجنوب المتوسط السبق والريادة في حضارة الموجة الأولى – حضارة الثورة الزراعية – فمعظم إنجازات هذه الثورة قد تحققت في مصر وبلاد الرافدين وآسيا الصغرى للمرة الأولى (الزراعة – استئناس الحيوان – ابتكار الكتابة والأبجدية والأرقام - الدولة) ومن هنا انتقلت تلك المنجزات إلى أنحاء العالم المعروف حينذاك، ومن هنا أيضا كان لمجتمعاتنا السيادة على ذلك العالم لبضع آلاف من السنين، وكان نموذجنا الحضاري هو المثل الأعلى في تلك الحقبة.
 واستمر الحال على ذلك حتى بعد أن انتقلت منجزاتنا الحضارية إلى "الآخر" في الشمال والغرب.. ما تغير فقط هو التنافس والصراع الذي وصل إلى الصدام العنيف في أحيان كثيرة، لكنه صدام بين أنداد، وقد ترجح الكف هنا مرة وترجح هناك مرة أخرى، لكن الأطراف متقاربة في القوة والقدرة.
 وعندما بدأت حضارة الموجة الثانية - حضارة الثورة الصناعية – تغيرت كلمة سر العصر، وفاتنا – للأسف – الإمساك بمقدرات تلك المرحلة الجديدة.
 وعندما أفقنا على تلك الحقيقة؛ وقفنا نتساءل، في البداية كان السؤال: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟
 ثم تبدل السؤال وأصبح: وهل كان من الضروري أن نسير وفقًا لنمط التطور الأوروبي؟
القضية في تقديري ليست نمطًا أوروبيًا أم نمطًا شرقيًا، ولكنها قضية إنجاز حضاري متمثل في الثورة الصناعية وفى مجموعة من القيم والمبادئ والأفكار التي واكبت عصرها، نسميها "الحداثة" شكلت في مجملها مقدرات القوة في تلك الحقبة؛ وقد أنجز الغرب هذه الثورة ولم ننجزها نحن.
لقد حدث هذا الإنجاز في الغرب انطلاقًا من تطور ذاتي، وكانت الإمكانية الوحيدة لتحقق هذا الإنجاز في الشرق أن نمر به – نحن كذلك – انطلاقًا من تطورنا الذاتي؛ لكن هذا لم يحدث، كما لم يتحقق لنا كذلك النجاح في إنجاز هذا التطور اقتباسًا من الغرب بإرادتنا، أو بالإقحام والفرض علينا.
لماذا إذن كان نصيبنا الفشل؟
 كنت أعتقد دومًا أن السبب في الفشل يرجع إلى عوامل خارجية بالأساس، كنت أبحث عن إجابة على هذا السؤال في تأثير القوى الاستعمارية الغربية وسعيها الدائم لإفشال مشروعات نهضتنا.
 وكانت فكرتي الأساسية تدور حول أن الجذور التاريخية لأزمة "النهضة"، أو لنقل لأزمة التحديث في مصر، تعود إلى ما يقرب من ثلاثة قرون سابقة على التاريخ الذي أعتدنا أن نعتبره بداية لعصر التحديث في مصر والمشرق العربي، وقد أقمت هذا التصور استنادًا إلى رصد تحولات شهدتها مصر في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر كان من الممكن أن تشكل أساسًا اجتماعيًا لتحديث البلاد، وتتلخص مؤشرات التحول في المجتمع المصري، التي حدثت في تلك الفترة المفصلية في تاريخ العالم (أعنى أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر) في تغير في شكل الحيازة الزراعية في مصر لصالح قوى اجتماعية جديدة، وفى تحلل مقومات المجتمع الإقطاعي الشرقي الذى ساد لعدة قرون سابقة لصالح مجتمع جديد، كان الوزن النسبي للقوى المدنية فيه ينمو على حساب القوى العسكرية، كما شهدت البلاد كذلك مؤشرات ثقافية وفكرية مهمة منذ أوائل القرن الخامس عشر يغفلها كل من يبحثون عن الجذور التاريخية للتحديث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث ظهرت أعمال متميزة في مجالات التأليف التاريخي والتحليل الاقتصادي الاجتماعي لمشكلات المجتمع؛ كانت هذه الأعمال منبئة بتطورات فكرية مهمة فى دلالاتها، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا ما حدث من تحولات على المستوى الاجتماعي.
 إلا أن تلك التحولات والمؤشرات لم يقدر لها أن تستمر بسبب الاحتلال العثماني للمشرق العربي وشمال أفريقيا، والذى قطع الطريق عليها وأدى إلى إجهاضها، فتأجلت مشروعات تحديث المنطقة العربية لما يقرب من ثلاثة قرون، وحينذاك كانت كل محاولات النهضة أو التحديث محكومًا عليها بالفشل، لأن أوانها كان قد فات، بسبب تغير الظروف التاريخية في المنطقة، وبسبب التحولات التي حدثت في  الغرب؛ لقد كانت كل هذه المحاولات المتأخرة لإدراك ما فات مساع صادقة للنهضة لكنها "النهضة المستحيلة"، إنها النهضة التي لا يمكن أن تتحقق مهما حسنت النوايا وتوالت المساعي.
 فقد الاحتلال العثماني قطع الطريق على تطورات اجتماعية وثقافية كانت تختمر في مصر والشام، في وقت كان العالم يتشكل فيه بصورة جديدة، وعندما بدأت محاولات التحديث مرة أخرى مقترنة بمشروعات الاستقلال عن الدولة العثمانية، كان الآخر هناك في الغرب قد وصل إلى نقطة من التطور أمتلك معها القوة التي مكنته من إعاقة التطور المستقل في مناطق أخرى من العالم ومن هنا كانت النهضة حينذاك قد أصبحت "نهضة مستحيلة".
 ومن هنا كان جل تركيزي على العنصر الخارجي في المسئولية عن إعاقة عمليات النهضة أو التحديث في مجتمعنا:
 فتجربة محمد علي باشا التي بدأت في مطلع القرن التاسع عشر أجهضتها معاهدة لندن التي فرضتها الدول الأوروبية على الباشا فحجمت مشروعه وأعادته إلى حدوده.
 كذلك أنهت أزمة الدين الخارجي المحاولة الثانية للنهضة والتي بدأت في عهد سعيد باشا مرتبطة بالإطار العثماني للتحديث وتطورت بشكل واضح في عصر الخديوي إسماعيل، ووصلت ذروتها مع الثورة العرابية، وانتهت هذه المحاولة بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882.
 أما التجربة الثالثة التي بلغت ذروتها في المرحلة الليبرالية فقد أسهم في إجهاضها بشكل واضح مساندة سلطة الاحتلال لمساعي الملكية الاستبدادية للاعتداء على الدستور المرة بعد المرة، لتنتهي هذه المرحلة بفشل التجربة.
 كذلك انتهت التجربة الرابعة في العصر الشمولي بعدوان عسكري إسرائيلي مدعوم بشكل واضح من الولايات المتحدة في عام 1967.
 كان العنصر الخارجي واضحًا في كل التجارب، لكن سنوات من البحث جعلتني أتوجه وجهة أخرى، فربما يرجع جزء كبير من مسئولية الفشل إلى عوامل داخلية، مكنت الآخر الخارجي من تحقيق أهدافه، عوامل ترتبط بشكل أساسي بالمنظومة الثقافية في مجتمعنا؛ المؤسسات والقيم، وعندما أتحدث عن المؤسسات هنا أعني مؤسسات الثقافة والتعليم التي تتحمل المسئولية عن تشكيل الأساس الفكري والمعرفي لبناء المجتمع الحديث بدولته القومية القائمة على مبادئ المواطنة.

 السؤال هنا، ما الهدف من إنشاء هذه المؤسسات؟ وهل نجحت في تحقيق هذا الهدف؟
 افتتاحية المحاضرة التذكارية للدكتور مصطفى سويف الاثنين 17 يوليو 2017 كلية الآداب.

السبت، 15 يوليو 2017

صورة اليابان في فكر النخبة السياسية والثقافية المصرية

الورقة اللي قلتها النهارده في مؤتمر "تجارب الحداثة والتحديث خارج العالم الغربي" اللي بينظمها مركز الدراسات اليابانية في كلية الآداب جامعة القاهرة...

صورة اليابان في فكر النخبة السياسية والثقافية المصرية

عماد أبو غازي
 في البداية لابد من أن أشير إلى أن من لفت انتباهي لهذا الموضوع كان استاذي الراحل الدكتور محمد أنيس منذ قرابة أربعين عامًا، عندما قدم ورقة بحثية بعنوان: "حول الخبرة المتبادلة بين بزوغ اليابان ومصر"، في المؤتمر الأول للعلاقات العربية اليابانية الذي عقد بطوكيو في ربيع 1979، تناول فيه بالمقارنة خبرة المصريين بالنهضة اليابانية مقابل خبرة اليابانيين بالنهضة المصرية، وكان يرى أن مصر قدمت لليابان تجربة لم تكلل بالنجاح لكنها صادقة، بينما قدمت اليابان لمصر تجربة ناجحة لكنها خادعة؛ وفي نفس العام وجهني أستاذي لتسجيل بحث استكمال متطلبات الحصول على دبلوم الدراسات العربية في التاريخ في موضوع يتعلق بالنهضة اليابانية، وقد كان، فأنجزت في عام 1980 بحثي بعنوان: "اليابان الحديثة – دراسة في تطور الاستعمار الياباني.

الدكتور محمد أنيس
 وبعد؛ فقد شهد القرن التاسع عشر عدة محاولات خارج العالم الغربي للانتقال إلى المجتمعات الحديثة، مجتمعات عصر الثورة الصناعية، بقول آخر شهدت بلدان عدة تجارب للتحديث، والدخول في زمن الحداثة.
 ومن التجارب المتقاربة زمنيًا للتحديث هناك تجربتان؛ الأولى التجربة المصرية التي بدأت حلقتها الأساسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر في عهد محمد علي باشا.

محمد علي باشا
 والثانية التجربة اليابانية التي بدأت حلقتها الأساسية حول منتصف القرن التاسع عشر وانطلقت مع عصر ميجي.


 وإن كانت هناك ارهاصات سابقة لهذا التحول في كلا المجتمعين المصري والياباني ترجع إلى القرن الثامن عشر.
 وقد ارتبطت التجربتان بالاحتكاك بين مجتمعينا الشرقيين من ناحية والغرب الأوروبي من ناحية أخرى، وكان الاحتكاك يحمل جانبًا من القهر والإرغام من الطرف الأوروبي في مرحلة التوسع الاستعماري والتنافس الأوروبي على فتح أسواق العالم والاستيلاء على موارده الطبيعية، بعد الثورة الصناعية في أوروبا.
  كما كان لكل من اليابان ومصر تراث حضاري قديم، وتقاليد ثقافية تختلف عن قيم الثقافة الأوروبية الحديثة في عصر الثورة الصناعية، وكان لكل منهما تجربتها في التعامل مع الحضارة الصناعية الحديثة.
 وفي الوقت الذي حققت فيه تجربة الانتقال للحداثة في اليابان نجاحات مبكرة ومتواصلة واستطاعت أن تستعيد توازنها وتنطلق من جديد بعد مأساة الحرب العالمية الثانية؛ فإن التجربة المصرية أصيبت بانتكاسات متوالية، مثلها في ذلك مثل التجارب العربية الأخرى، ولم تنجح أي منها في الانتقال إلى حضارة العصر الصناعي وثقافته انتقالًا كاملًا.
 هذا وقد شهد القرن التاسع عشر كذلك بدايات التعارف بين المجتمعين المصري والياباني في العصر الحديث، ومحاولات استكشاف كل منهما للآخر. بدأت كل من مصر واليابان تنظر إلى الأخرى، وإلى تجربتها في النهضة، وقد كان انتباه اليابان إلى التجربة المصرية مبكرًا، في مطلع الستينيات من القرن التاسع عشر عندما زارت مصر بعثة من الساموراي كانت في طريقها إلى أوروبا، ثم جاءت بعثة أخرى للوقوف على جوانب من تجربة التحديث والتعامل مع الغرب عندنا، بهدف الاستفادة منها في اليابان.



 وفي هذا البحث محاولة للتعرف على صورة اليابان في فكر النخبة السياسية والثقافية في مصر من خلال قراءة في بعض النصوص السياسية والإبداعية المبكرة التي ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛
 لقد تمحورت صورة اليابان في الفكر المصري المعاصر حول ما يجمع بين مصر واليابان من سمات مشتركة، فكلاهما بلد له حضارة قديمة وتقاليد راسخة، وكلاهما اصطدم بالغرب، وكلاهما سعى للحاق بالعصر الصناعي؛ جاء انتباه مصر لليابان مع أواخر القرن التاسع عشر، ومراجعة فهارس الدوريات التي كانت تصدر في مصر أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مثل: المقتطف والمقطم والهلال والموسوعات، ثم السياسة الأسبوعية في مرحلة تالية، تكشف لنا عن اهتمام بالتعرف على ذلك البلد البعيد، حيث تحفل هذه الدوريات بالمواد المتنوعة عن تاريخ اليابان ونهضتها الحديثة، وعن أوجه الحياة المختلفة فيها.
 ومع انتصار اليابان على روسيا في الحرب الروسية اليابانية في سنتي 1904 - 1905، تحول الاهتمام إلى إعجاب وانبهار بالتجربة اليابانية المبكرة في الانتقال إلى المجتمع الصناعي الحديث، وفي انجاز مشروعها في الحداثة، ذلك الانتصار الذي رأى فيه الوطنيون المصريون وقتها بادرة أمل، وإشارة إلى إمكانية أن يتفوق الشرق على الغرب، ومن يومها استقرت التجربة اليابانية في العقل المصري والعربي، وكان لنجاح اليابان الفذ في الخروج من مأساة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية بسرعة، وانطلاقها لتصبح ضمن الثمانية الكبار في العالم، أثرًا إضافيًا في رسوخ صورة اليابان في الوجدان المصري، كحضارة شرقية قادرة على التحدي وإثبات الذات.
 إن تقديم التجربة اليابانية من قبل النخبة للمصريين كنموذج يمكن تكراره لتحقيق النهضة الحديثة أمر يعود إلى بدايات القرن الماضي ونجد هذه الفكرة واضحة لدى الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل في كتابه الشمس المشرقة الذي صدر سنة 1904 في أعقاب الانتصارات اليابانية الأولى في الحرب، وكذلك في رسائله لصديقته الفرنسية جوليت آدم، والتي يبدو فيها بوضوح أن هدف مصطفى كامل من تأليف كتابه الشمس المشرقة كان حس المصريين على النظر إلى الأمة اليابانية والتطلع إلى تحقيق مثل ما حققته، واحتذاء نموذجها وطريقها الأمر الذي ذكره بوضوح في إحدى رسائله إلى مدام آدم في 18 مارس سنة 1904، عندما قال: "إنني أبذل الآن جهدي في وضع سفر عربي عن اليابان ورقيها الحديث ووطنيتها لأنني أريد أبين للشعب كيف يرقى وأشجعه في مجهوداته الحاضرة".


 وقد عقد كامل في هذا الكتاب مقارنة بين الأمة المصرية والأمة اليابانية واستعرض فيه تاريخ اليابان ونهضتها الحديثة، وأفرد مساحة واضحة لتطور التعليم في اليابان باعتباره مدخلًا ضروريًا لتحقيق النهضة، وهي الفكرة التي كان يركز عليها قطاع أساسي من النخبة المصرية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
 وقد تكررت فكرة استلهام النموذج الياباني في النهضة في قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي بعد عشرين عامًا على كتاب مصطفى كامل الشمس المشرقة؛ فقد كتب أحمد شوقي قصيدته التي تحمل عنوان "مصر تجدد مجدها بنسائها المتجددات"، وقد أُلقيت القصيدة في مسرح حديقة الأزبكية في حشد نسائي بمناسبة انطلاق النشاط الاجتماعي للمرأة، حيث تأسس في مارس من العام السابق، أي عام 1923 الاتحاد النسائي المصري.

شوقي
 ورغم أن القصيدة التي استهلها بقوله: "قم حيّ هذي النيرات" تركز على الهجوم على الحضارة الغربية، وتشيد بوضع المرأة في الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها، فإن شوقي اعتبر في بعض أبيات القصيدة تجربة اليابان مصدرًا لإلهام مصر في نهضتها، فيقول:
وإذا خطبت فلا تكن    خطبًا على مصر الفتاة 
اذكر لها اليابان لا         أمم الهوى المتهتكات 
ماذا لقيت من الحضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارة يا أخي الترهات 
لم تلق غير الرق من    عسر على الشرقي عات 
 لقد كان الانتصار الياباني على روسيا من وجهة نظر النخبة المصرية أول انتصار عسكري لدولة تنتمي لعالم الشرق على دولة أوروبية، ومن أبرز النماذج التي تعبر عن هذه الرؤية؛ هذا الاقتباس من مقدمة كتاب الشمس المشرقة:
 "كأن البعض منا معاشر الشرقيين يقول، ويلقن هذا القول للصغار والكبار، إننا أمم انقضى دورها، ودالت الأيام على مدنيتها، ومحا الزمان وجودها السياسي، وليس في وسعها التسلح بمدنية أوروبا ومقارنتها بها، وإنه لابد من الاستسلام للغرب وقبول حكمه وسلطانه بلا عمل للحاضر وبغير جهاد في سبيل المستقبل، فقامت أمة اليابان مكذبة لهذه الدعوة، منادية الشرقيين أجمعين بأن طريق الارتقاء ميسرة لقصاده، وأن من جد وجد وكل من سار على الدرب وصل، وتساءل الناس بدهشة وعجب: من هذا الشعب الذي خرج من القبور ليزعج الأحياء بأصوات مدافعه وقنابله وحركات جنوده في البحر والبر، ومطالب ساسته وتغلبه على الدولة التي ظنت وظن العالم معها أنها لا تغلب، وفوزه هذا الفوز الذي حارت فيه العقول وكادت الدنيا أن ترتاب فيه، وكيف أدرك هذا الشأو في سنوات قلائل، وجارى الغرب في أمور وسبقه في أخرى."
 وهي نفس الفكرة التي رددها شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدة له نشرها في نوفمبر من العام نفسه تحدث فيها عن عودة الشرق بقوة إلى التاريخ بفضل انتصار اليابان، وجاء فيها:
أتى على الشرق حينٌ           إذا ما ذُكر الأحياءُ لا يذكرُ
ومر بالشرق زمانٌ وما         يمرُ بالبال ولا يخطرُ
حتى أعاد الصفرُ أيامه    فانتصف الأسودُ والأسمرُ
فرحمة اللهِ على أمةٍ       يروي لها التاريخُ ما يؤثرُ


حافظ
 وكان حافظ إبراهيم فقد نظم قبلها بشهور قصيدته الشهيرة "غادة اليابان" ونشرها في 6 أبريل 1904، وقال في مطلعها:
  لا تلم كفي إذا السيف نبا   صح مني العزمُ والدهرُ أبى
وكانت القصيدة تروي في شكل حواري قصة فتاة يابانية ومحبوبها، حيث تقرر الفتاة العودة إلى الوطن لتتطوع في الحرب مشاركة لشعبها في معركته؛ وتقول القصيدة على لسان الفتاة:
 أنا يابانية لا أنثني   عن مرادي أو أذوق العطبا
أنا إن لم أحسن الرمي ولم     تستطع كفاي تقليب الظبا
أخدم الجرحى وأقضي حقهم   وأواسي في الوغا من نُكبا
هكذا الميكادو قد علمنا   أن نرى الأوطان أمًا وأبا
 ويبدو أن الانبهار بالتجربة اليابانية مع الانتصارات الأولى لليابان على روسيا في الحرب قد امتد إلى قطاعات واسعة من الجمهور، ففي مقال للكاتب المصري عباس محمود العقاد بعنوان "المشرق قبل 50 سنة وبعد 50 سنة" نشره في مقاله الذي كان يحمل عنوان اليوميات بجريدة الأخبار القاهرية بتاريخ 19 نوفمبر سنة 1955، قال: "كنا في نحو الخامسة عشرة يوم نشبت الحرب بين اليابان وروسيا، وكنا نتلقف الصحف لنقرأ فيها أخبار انتصارها في البر والبحر، وأخبار وقائعها الحاسمة حول المعاقل الكبرى في الشرق الأقصى، ولا نذكر أن الشرق من أقصاه إلى أقصاه شملته هزة من الفرح كتلك الهزة التي شملته أثناء الحرب اليابانية الروسية، لأنه اعتبرها حربًا شرقية غربية، وإن لم تكن روسيا مثلًا صحيحًا للغربيين أو الأوروبيين".

العقاد
 ويقول العقاد في موضع آخر من المقال نفسه: "وهاجرت من مصر طائفة من الشبان للتطوع في جيش اليابان، وبقي منهم شاب هناك تزوج من يابانية واسمه محمد فضلي على ما أذكر فثابر على الكتابة إلى الصحف المصرية زمنًا وبقي غيره ممن عاشوا هناك ولم يكتبوا إلى الصحف، وسمعنا أن بعضهم عاد بعد حين."
 ومن الجدير بالذكر أن هذا الاهتمام بالتجربة اليابانية ومقارنتها بتجارب التحديث المصرية ظل حاضرًا لسنوات في فكر النخبة المصرية، فنجده يظهر في مطلع الستينيات من القرن العشرين في الوثيقة السياسية الأساسية لنظام جمال عبد الناصر: "الميثاق الوطني"، فعندما تعرض الميثاق الوطني لجذور النضال المصري قارن بين تجربة اليابان في النمو وفشل التجربة المصرية في أيام محمد علي، واعتبر التجربة اليابانية تجربة ناجحة في النمو فشلت مصر في القيام بمثيل لها بسبب المغامرات الفردية؛ يقول الميثاق الوطني: "إن اليابان الحديثة بدأت تقدمها في نفس الوقت الذي بدأت فيه حركة اليقظة المصرية، وبينما استطاع التقدم الياباني أن يمضي ثابت الخطى، فإن المغامرات الفردية عرقلت حركة اليقظة المصرية وأصابتها بنكسة ألحقت بها أفدح الأضرار، إن هذه النكسة فتحت الباب للتدخل الأجنبي في مصر على مصرعيه، بينما كان الشعب قبلها قد رد بتصميم ونجاح محاولات غزو متوالية كان أقربها في ذلك الوقت حملة فريزر ضد رشيد".
وقد عاد المفكر والجغرافي المصري جمال حمدان إلى هذه المقارنة مرة أخرى في مقال له عن الدولة العصرية نشره في مجلة الفكر المعاصر في عدد يوليو 1968، ثم تكررت المقارنة مرارًا في كتابات مفكرين وساسة ومبدعين مصريين.
 وأصبحنا أمام ظاهرة واضحة، نجد فيها أن عددًا من المفكرين والساسة والمبدعين المصريين والعرب قد أصيبوا بما يمكن أن نسميه الاستلاب الفكري تجاه اليابان، ففي الوقت الذي كانت فيه بلدانهم تعاني من النهب الاستعماري والاحتلال العسكري والتبعية والتخلف الشديد بزغت في الشرق الأقصى دولة لا تنتمي إلى الدول الأوروبية، استطاعت أن تدخل في لعبة تقسيم العالم قبل الحرب العالمية الأولى، وأن تصبح طرفًا يحسب حسابه في التوازنات الدولية في منطقة الشرق الأقصى على الأقل. كما استطاعت اليابان قبل هذا كله أن تحقق نهضة شاملة انتقلت بها من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، فأعجب بها مفكرونا وساستنا ومبدعونا إلا قليل.
السؤال الذي يسعى هذا البحث إلى الإجابة عليه: هل كانت قراءة النخبة المصرية للتجربة اليابانية قراءة تاريخية؟

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...