الأربعاء، 31 مايو 2017

زمن المماليك


زمن المماليك

عماد أبو غازي

تمر هذا العام، عام 2017 الذكرى ال 500 لبداية الاحتلال العثماني لمصر، الذي بدأ في يناير 1517 بعد هزيمة السلطان طومان باي في موقعة الريدانية، وبعد أشهر قليلة من احتلال العثمانيون للشام بعد انتصارهم على السلطان قانصوه الغوري في موقعة مرج دابق، لقد أزال العثمانيون دولة المماليك من الوجود، لكنهم في الوقت نفسه استعانوا بمن بقي منهم في إدارة أمور مصر كولاية عثمانية، وسمحوا لهم بتجديد دمائهم، حتى كاد أن يصبح المماليك الحكام الفعليين لمصر مرة أخرى تحت السيطرة العثمانية في القرن الثامن عشر، وتكررت محاولاتهم للاستقلال بولاية مصر ونجحوا في ذلك لعدة سنوات في زمن علي بك الكبير، فما حكاية هذه الدولة؟ وكيف نشأت؟ ولماذا انهارت؟
من الدول المثيرة للتفكير في أمرها، دولة المماليك في مصر، تلك الدولة المليئة بالتناقضات، فهي عصر بناء وتشييد، لكنها في ذات الوقت عصر استبداد واستغلال، تقلبت فيها الأحوال بين انتصارات باهرة وهزائم ماحقة، بين ثراء ورخاء وفقر ووباء، دولة حكم فيها عبيد أرقاء رعية يفترض أنها من الأحرار.


 ينقسم تاريخ دولة المماليك إلى حقبتين أساسيتين، عصر دولة المماليك البحرية أو الأتراك، وعصر دولة المماليك البرجية أو الجراكسة؟
 نشأت دولة المماليك البحرية من قلب الدولة الأيوبية، حيث ظهر المماليك كمجموعات من الرقيق المقاتل المجلوب من خارج البلاد استجابة لتحدى الخطر الصليبى فى المشرق، وامتدادًا للنهج الذي سار عليه الخلفاء العباسيون منذ العصر العباسي الثاني، ثم ترسخ وجود هذه المجموعات المقاتلة مع الغزو المغولى للمشرق الإسلامي، فتحول المماليك إلى سادة للمجتمع، وورثوا دولة أساتذتهم الأيوبيين بنظمها ورسومها.
 لقد ظهرت دولتهم إلى الوجود على أنقاض الدولة الأيوبية عقب معركة المنصورة التي انتصر فيها مماليك الصالح نجم الدين أيوب على لويس التاسع، وكان هذا الانتصار هو شهادة الميلاد للدولة الجديدة التي حملت أعباء القضاء على الوجود الصليبي في المشرق العربي وعبء مواجهة الخطر الجديد؛ خطر الهجمة المغولية التي انطلقت من السهوب الآسيوية لتجتاح العالم القديم كله.
 وكانت الملامح الإقطاعية قد اتضحت في المجتمع الشرقي الإسلامي كله في مواجهة الأخطار الخارجية الداهمة التي أحاطت بالعالم الإسلامي، ومع سيطرة المماليك منذ النشأة الأولى لهم كان لدولتهم طبيعة عسكرية وإقطاعية، فارتبط نفوذهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالدور العسكري الذي كانوا يقومون به.
  لقد شيد المماليك دولة إقطاعية عسكرية نجحت في أداء مهمة تاريخية محددة؛ ألا وهي التصدى للأخطار الخارجية، والتي كانت المبرر التاريخي لنشأة دولتهم. ومن العجيب أن تلك الدولة الإقطاعية التي تسودها طبقة من الأرقاء المقاتلين نجحت فى تصدر المجتمع كله، وقيادته سياسيًا واجتماعيًا؛ والسيطرة على ثروته الاقتصادية.
 واحتكر المماليك القتال والأعمال العسكرية، ولم يسمحوا للمصريين بالانخراط في صفوف الجيش حتى صار الجيش المملوكي لا يضم أحدًا من خارج طبقة المماليك سوى بعض أبنائهم "أولاد الناس" وقليلًا من الأعراب، وكان حمل السلاح وركوب الخيل محرمين على غير المماليك، ولم يستثن من ذلك سوى الأعراب.
 كان الاقتصاد المصري في ذلك العصر يقوم على دعامتين أساسيتين:
 الدعامة الأولى: الزراعة التي ظلت تشكل العنصر الأساسي في الاقتصاد المصري طوال آلاف السنيين منذ سيطر الإنسان المصري الأول على نهر النيل وحول المستنقعات إلى أراضي زراعية، كانت الزراعة العمل الأساسي لأغلبية السكان، وكان القمح المحصول الرئيسي الذي تنتجه مصر، ويشكل عائد الزراعة والضرائب المفروضة عليها المصدر الأكبر لموارد الدولة، كما تشكل الأراضي الزراعية التي تمنح كإقطاعات لأمراء المماليك مصدر دخلهم ونفوذهم في نفس الوقت.
 الدعامة الثانية: تجارة المرور التي كانت تعبر الأراضي المصرية، فقد أدت الحروب التي قامت في وسط آسيا إلى تحول التجارة بين أوروﭘـا والشرق الأقصى من الطرق البرية إلى الطرق البحرية، فتأتي التوابل والبهارات وبضائع الشرق عبر المحيط الهندي وبحر العرب إلى موانئ مصر  على البحر الأحمر ثم تنقل بالطريقين البري والنهري إلى الموانئ الشمالية على البحر المتوسط (الإسكندرية ودمياط)، ومن هناك ينقلها التجار الأوروبيون ـ خاصة البنادقة ـ بسفنهم إلى موانئ أوروبا الجنوبية، وكانت سلطنة المماليك تحصل على جزء من مواردها من الرسوم التي تفرضها على تلك التجارة.
 أما على الصعيد الاجتماعي فقد عرف المجتمع تفاوتًا طبقيًا واسعًا ما بين قمته وقاعدته، كما عرف تميزات على أساس العرق والدين إلى جانب التمايزات الاقتصادية.
 كان المماليك يشكلون قمة الهرم الاجتماعي وعلى رأسهم السلطان، وداخل طبقة المماليك كان هناك تفاوتًا كبيرًا بين كبار الأمراء الذين يحملون رتبة "أمير مئة مقدم ألف" ويبلغ عددهم عادة 24 أميرًا، وصغار المماليك الذين يشكلون قاعدة هذه الطبقة الاجتماعية الغريبة في تكوينها، وبين الفئتين نجد أمراء الأربعين وأمراء العشرات، وكانت العلاقات التي تحكم المجتمع المملوكي علاقتي الأستاذية والخشداشية، الأولى علاقة ولاء تربط بين الأمير المملوكي ومماليكه الذين اشتراهم ورباهم في طباق مخصصة لسكناهم بقصره، وكان المماليك يجلبون أطفالًا صغارًا من وسط آسيا ومناطق القوقاز غالبًا، ويباعون في أسواق خاصة للرقيق، ويشتريهم الأمراء ويربونهم تربية عسكرية ودينيه ليعدونهم ليكونوا مقاتلين مسلمين عند تخرجهم من الطباق المملوكية، وبعد تخرج الأمير وتحوله إلى مقاتل، بل حتى بعد تدرجه في سلك الإمارة تظل تربطه بسيده الأول ـ أو أستاذه حسب مصطلح ذلك العصر  ـ علاقة ولاء تسمى علاقة الأستاذية، أما الخشداشية فكانت العلاقة التي تربط المملوك بزملائه الذين تربوا معه في نفس الطبقة في قصر سيدهم، وكلمة خشداشية من اللفظ الفارسي خشداش وتعني أخ أو زميل، وكانت روابط الأستاذية والخشداشية في المجتمع المملوكي أقوى من روابط الدم.
 أما أبناء المماليك فكان يطلق عليهم مصطلح "أولاد الناس"، وربما نستطيع أن نعتبرهم يشكلون الفئة التالية للمماليك في السلم الاجتماعي رغم أنهم لا ينتمون لطبقة المماليك بحال من الأحوال، وكان مصدر دخلهم الأساسي ما يحصلون عليه من "ِرِزَق" من الدولة، والرِزق أراضي كانت الدولة تمنح حق استغلالها والاستفادة من ريعها لبعض الأفراد، كما اتجه عدد من أولاد الناس إلى العمل في التجارة أو للدراسة الدينية والعمل في التدريس أو الفتوى أو القضاء، كما اشتهر عدد من أولاد الناس بالكتابة التاريخية، وكان أولاد الناس حلقة الوصل بين المماليك والمجتمع المصري، فقد كانوا يتزوجون من مصريات.
 يلي المماليك وأولادهم كبار التجار وكان لبعضهم ثروات ضخمة، لكنهم كانوا معرضين في أي وقت لصدور قرارات من الدولة بمصادرة ثرواتهم وأملاكهم بدعاوى مختلفة، وفي نفس المستوى الاجتماعي يمكن أن نصنف كبار رجال الدولة من الموظفين من أرباب الأقلام، وأرباب الأقلام مصطلح يشير إلى الموظفين المدنيين في الدولة، وكانوا عادة ذوي خلفية دراسية دينية إذا كانوا مسلمين، وكان عدد منهم مصريين مسيحيين أو يهود، وإن كان عصر المماليك قد شهد تراجعًا كبيرًا في أعداد كبار الموظفين الأقباط الذين ظلوا على دينهم، وإلى نفس المستوى الاجتماعي أيضًا ينتسب كبار القضاة والعلماء ورجال الدين.
 ثم تأتي بعد ذلك الفئات الوسطى من التجار والموظفين والعلماء، وإلى جانبهم الصناع والحرفيين، والمتعاملين مع سلطة الدولة من أهل الريف.
 وفي أسفل السلم الاجتماعي يأتي الفلاحون الذين يزرعون أرضهم ويقدمون الإسهام الأكبر في انتاج المجتمع بينما يحصلون على أقل نصيب من الثروة.
 هناك فئة اجتماعية مهمة في ذلك العصر هي العرب أو العربان كما تطلق عليهم بعض المصادر، وكانوا يعيشون على أطراف الدلتا والوادي، وهم من سلالة الفاتحين العرب وبعض القبائل العربية الأخرى التي جاءت في هجرات متوالية إلى مصر، وكانوا يعتقدون أنهم أحق بحكم مصر من المماليك، وكان هؤلاء العرب يعيشون على مساعدة الدولة في الجباية وفي قمع انتفاضات الفلاحين أحيانًا، وعلى نهب القرى وقطع الطريق أحيانًا أخرى، كما شكلوا قسمًا من احتياطي الجيش المملوكي أثناء الحروب الكبرى.
 أما سياسيًا فكان السلطان رأس الدولة، وقد حاول كثير من سلاطين المماليك خاصة في عصر دولتهم الأولى إقرار مبدأ وراثة العرش، لكن معظم محاولاتهم بأت بالفشل وانتهت إلى انقلاب الأمراء على وريث العرش والإطاحة به، وربما كانت أسرة قلاوون التي تنتسب إلى السلطان المنصور سيف الدين قلاوون أحد أهم سلاطين مصر في ذلك العصر الاستثناء الوحيد، ورغم تولي عددا من أبناء قلاوون وأحفاده عرش مصر فقد تعرض كثيرين منهم للعزل وانتهى عصرهم بزوال دولة المماليك البحرية وقيام دولة المماليك الـﭽراكسة محلها.
 وكان الدور الأكبر للإدارة السياسية للدولة في يد كبار الأمراء من العسكريين، مع مساهمة من بعض كبار الموظفيين من المدنيين وكبار الفقهاء، لكن الكلمة الحاسمة عادة كانت بيد السلطان وكبار الأمراء.
 وكانت الشرعية السياسية والدينية للدولة مستمدة من الخلافة العباسية التي قام السلطان الظاهر بيبرس بإحيائها في القاهرة بعد سقوطها في بغداد على يد المغول، فقد جلب بيبرس أحد أفراد البيت العباسي ونصبه خليفة بالقاهرة في محاولة لإضفاء الشرعية على دولة المماليك، وكان الخليفة العباسي بالقاهرة منزوع السلطات دوره الوحيد أن يصدر مرسومًا بتقليد السلطان وتفويضه بسلطات الخليفة أو الإمام.
 أما على الصعيد الأقليمي، فقد قامت السياسة الخارجية للماليك على نسج تحالفات مع عدد من الدول الإسلامية واستندت تلك التحالفات على موازين القوة في المنطقة، كما أقامت تحالفات أخرى مع بعض الدول الأوروبية خاصة المدن التجارية الإيطالية، مستندة إلى المصالح التجارية المشتركة للطرفين؛ فعندما قامت دولة المماليك البحرية أصبحت خلال سنوات القوة الأولى في منطقة المشرق العربي.


السبت، 22 أبريل 2017

المراكز الريفية: صفحة من تاريخ مصر في الأربيعنيات


صفحة من تاريخ مصر في الأربيعنيات

المراكز الريفية

تجربة إصلاحية منسية

عماد أبو غازي

وأنا بارتب مكتبتي لقيت كتيب صغير بلون العلم المصري الأخضر، عنوانه "المراكز الاجتماعية في خدمة الفلاح"، الكتيب صادر سنة 1949 من "مصلحة الفلاح" اللي كانت تبع وزارة الشؤون الاجتماعية، كان واضح إنه من المطبوعات الحكومية الدعائية، بعد الغلاف زي العادة في المطبوعات الحكومية في الوقت ده، فيه صورة للملك فاروق، مكتوب تحتها "حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم راعي الفلاح".


 ابتديت اتفرج على الكتيب لقيته بيتكلم عن تجربة في الريف المصري بدت سنة 1941 بإنشاء مراكز اجتماعية في الريف المصري، المقدمة اللي بتشرح بداية التجربة كتبها أحمد حسين اللي تولى منصب وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة الوفد الأخيرة سنة 1950، وده غير أحمد حسين مؤسس حركة مصر الفتاة اللي كان لها اتجاه فاشي، أحمد حسين باشا اللي كتب المقدمة كان من الإصلاحين أصحاب الرؤية في تطوير منظومة للعدالة الاجتماعية في الوقت ده، واستقال من حكومة الوفد في أغسطس 1951، وفيه رواية شائعة عن استقالته بتقول أنه طالب في الحكومة بفرض ضرايب على كبار الملاك علشان تنمية الريف، فواحد من أعضاء الحكومة قال له: يا باشا واضح أنك باشا أحمر، فرد عليه أحمد حسين باشا وقال له: ما فيش "أحمر" منك يا باشا، وقدم استقالته من الحكومة.

أحمد حسين باشا مع زوجته السيدة عزيزة حسين
 المهم نرجع للكتيب، المقدمة بتقول إن المراكز ابتديت سنة 41 بخمس مركز، وفي سنة 43 أضيف لها ست مراكز تانية، وبعد دراسة للتجربة استمرت لغاية سنة 46 وافقت الحكومة على تعميم التجربة في القطر المصري، ورصدت ميزانية لإنشاء ما بين 30 و40 مركز في السنة، وبالفعل في بداية سنة 49 كان فيه في قرى مصر 111 مركز بتخدم مليون وميه وخمسين ألف مواطن.



 المبادئ اللي قامت عليها المراكز كانت البساطة في الإنشاء والتكاليف، وتولي الأهالي لإدارتها بشكل ديمقراطي، وتغطية خدمتها لكل نواحي الحياة، يعني كانت بتقدم خدمات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية ورياضية وصحية، وكانت بتتعاون مع الجهات التابعة للوزارات التانية زي المجموعات الصحية والوحدات الزراعية والمدارس الريفية.
نجاح التجربة خلى المؤسسات الدولية توصي بتكرارها في البلاد الزراعية الأخرى، وبيكتب أحمد حسين في المقدمة عن إصلاحي تاني لعب دور مهم في تأسيس التجربة دي وتوفي قبل صدور الكتيب، وهو محمد مصطفى بك وكيل عام مصلحة الفلاح.
 التجربة أساسها نقل الخبرات لتطوير الريف المصري، وكانت بتقوم بشكل أساسي على 3 موظفين مقيمين في القرية مع الفلاحين، أخصائي زراعي وطبيب وحكيمة، مهمتهم توصيل أساليب الإنتاج الزراعي الحديث للفلاح، وتوصيل طرق الوقاية الطبية من الأمراض المتوطنة ونشر التعاليم الصحية بين الفلاحين، المهمة المشتركة للتلاتة كانت إقناع الفلاحين بضرورة العمل على النهوض بنفسهم وبقراهم.
 العمل في المركز الاجتماعي كان بيدار من خلال 5 لجان بيشكلها الأهالي من بينهم بشكل ديمقراطي، وهي: لجنة الاقتصاد والزراعة، ولجنة الصحة، ولجنة الثقافة، ولجنة الإحسان، ولجنة المصالحات.
 كل مركز كان بيخدم 10 آلاف نسمة في قرية واحدة أو مجموعة قرى متجاورة، رسالة المركز كانت: "رفع مستوى الفلاح الاجتماعي والاقتصادي والصحي في وقت واحد عن طريق الفلاحين أنفسهم ومساهمتهم الفعلية على أسس اجتماعية علمية سليمة يتوفر فيها البساطة وقلة التكاليف".
 فكرة المراكز بتقوم على المشاركة بين الأهالي والحكومة، الأهالي بيجمعوا من بينهم 1500 جنيه، يعني 15 قرش في المتوسط عن كل مواطن، وكل واحد بيدفع اللي يقدر عليه، يعني القادر بيشيل غير القادر، لكن ضروري تكون فيه مساهمة ولو رمزية، والهدف من ده إن الأهالي يشعروا إن المركز مركزهم؛ تكاليف تشغيل المركز الواحد كانت في حدود 2500 جنيه في السنة، يعني نصيب الفرد 25 قرش في السنة من ميزانية الحكومة.
 الأخصائي الزراعي أول ما بيوصل القرية بيلف على الأهالي في بيوتهم ويتعرف عليهم، ويكون من الأهالي جمعية المركز الاجتماعي اللي بتجتمع وتنتخب من بينها خمس لجان تتولى مسؤلية الإصلاح الريفي بالقرية، الهدف من ده تعويد الأهالي على حل مشاكلهم بنفسهم، وإشعارهم إنهم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، وعمل المركز بيعتمد على الإعانة الحكومية من ناحية واشتراكات الأهالي وتبرعاتهم من ناحية تانية.
 أول لجنة من اللجان الخمسة المنتخبة كانت لجنة الاقتصاد والزراعة، ودي بتقوم بالتعاون مع الجمعية التعاونية في القرية على رفع مستوى الإنتاج الزراعي والحيواني بالقرية، بتعميم الأساليب الحديثة في الزراعة وتربية الحيوانات والدواجن والنحل، ونشر زراعات جديدة تدر ربح على الفلاحين وتحسين سلالات الدواجن والمواشي.
 كمان لجنة الاقتصاد والزراعة بتهتم بتنمية الصناعات الريفية وتطويرها في القرية لتحسين دخل الفلاحين، وتشغيل النساء في أعمال منتجة، وتوفير فرص عمل مناسبة للمعاقين من أبناء القرية.

أما لجنة الإحسان فكانت بتقوم بحصر العائلات الفقيرة في القرية وتدبر لهم مورد رزق ثابت، ورغم إن اسمها لجنة الإحسان لكن عملها ما كانش توزيع صدقات على الغلابة، لكن توفير وسائل انتاج وفرص عمل لهم تخليهم يعتمدوا على نفسهم، وبعدين يردوا تمنها بشروط سهلة من عائد الإنتاج.
 أما لجنة الثقافة والرياضة فكانت بتنظم فصول لتعليم الأميين والأميات من أهل القرية مبادئ القراءة والكتابة والحساب والدين والمعلومات العامة بالتعاون مع وزارة المعارف، وكانت اللجان الثقافية بتستخدم السينما الثقافية في توصيل الإرشادات للأهالي، وكانت بتستعين بنشاط المسرح الشعبي والسينما المتنقلة، وجزء من نشاط اللجنة كان تنظيم رحلات وزيارات للأماكن الأثرية والتاريخية والعلمية. كمان كل مركز كان فيه مكتبة عامة.




 أما النشاط الرياضي فكان بإنشاء الأندية الريفية في القرى، وتشجيع الأهالي على ممارسة النشاط الرياضي، وكمان كانوا بياخدوا الأطفال من القرية في معسكرات صيفية في إسكندرية يصيفوا ويتفسحوا ويعملوا رياضة. جزء من النشاط الرياضي كان النشاط الكشفي، اللجنة الثقافية الرياضية كانت بتعمل فرق زهرات للبنات وفرق أشبال للأولاد.




 لجنة المصالحات بتتشكل من رؤساء العائلات علشان تفض المنازعات اللي بتحصل بين اأهالي بشكل ودي.


اللجنة الأخيرة كانت لجنة الصحة والنظافة، وهدفها إيجاد بيئة صحية بالقرية تحت إشراف الطبيب والحكيمة، بتهتم بتوفير مياه شرب نقية، ونشر الوعي بأهمية النظافة الشخصية بإيجاد الحمامات والمغاسل، وتنظيف الطرق في القرية وردم البرك وتعفير البيوت.


 ده غير خدمات العيادة الطبية اللي في المركز واللي بتشمل التطعيمات وعلاج الأمراض الباطنية والجلدية والرمد، وصرف الأدوية المجانية، وعمل الإسعافات الأولية للمصابين في الحوادث، ده غير المتابعة الصحية للحوامل والأمهات حديثي الولادة، وتوعيتهم بالقواعد الصحية، والمراكز دي لعبت دور مهم في حصار وباء الكوليرا سنة 1947.



 أهم حاجة في التجربة دي إنها كانت بتقوم على توعية الناس وتمكينهم من تحسين أحوالهم وإدارة أمرهم بنفسهم بشكل ديمقراطي...

الخميس، 13 أبريل 2017

السلطان الشهيد على باب زويله

زي النهار ده من 500 سنة اتشنق طومان باي أخر سلاطين مصر على باب زويلة
السلطان الشهيد على باب زويلة
عماد أبو غازي
 "على باب زويلة" عنوان لرواية للروائي الراحل سعيد العريان، تناول فيها أحداث سقوط دولة المماليك وشنق أخر سلاطينهم الأشرف طومان باي، وباب زويلة كان أحد الأبواب الرئيسية لمدينة القاهرة التي شيدها الفاطميون في منتصف القرن العاشر الميلادي لتكون دارًا لحكمهم، وباب زويلة الباب الجنوبي الكبير للمدينة، الذي كان المدخل الرئيسي لسكان الفسطاط والمناطق السكنية التي امتدت إلى الجنوب من القاهرة بينها وبين العاصمة القديمة للبلاد، وقد اتخذ الباب موقعا لشنق المجرمين والمعارضين للدولة وتعليق جثثهم.

باب زويلة
 وعندما وقع السلطان طومان باي في يد عدو البلاد وعدوه سليم الأول العثماني بعد ثلاثة أشهر من الهروب والمقاومة، وقرر سليم إعدامه، تم تنفيذ الحكم عند باب زويلة، وكانت المرة الأولى والأخيرة التي يعدم فيها سلطان البلاد ويعلق على باب زويلة.

شنق طومان باي من مخطوطة تركية
 وقد احتل طومان باي مكانة كبيرة في وجدان الناس في مصر، واستمرت تلك المكانة لأجيال عدة بعد استشهاده، أو إعدامه على باب زويلة، فقد ظل الناس يقرأون الفاتحة عند مرورهم تحت باب زويلة في الموقع الذي شنق فيه طومان باي حتى سنوات قليلة مضت ترحمًا على الرجل، وكانوا يشيرون إلى بقايا حبل في الخطاف الموجود بسقف الممر الذي يتوسط الباب باعتباره الحبل الذي شنق به طومان باي.
 لقد نفذ الغزاة العثمانيون حكم الإعدام في طومان باي في يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة 923 هجرية، الموافق للثالث عشر من إبريل سنة 1517 ميلادية، ففي ذلك اليوم تحرك موكب الأشرف طومان باي للمرة الأخيرة من معسكر سليم العثماني في بر إمبابة عابرا إلى بولاق مخترقا القاهرة إلى باب زويلة حيث شنق هناك وسط صراخ الناس وعويلهم، ويصف مؤرخو القرن العاشر الهجري في مصر اليوم والمشهد بألفاظ تنم عن حالة الحزن.
صورة متخيلة لموكب طومان باي لرحالة أوروبي ق 16 
 فيقول ابن زنبل الرمال: "وكان ذلك اليوم على أهل المملكة أشأم الأيام، وبكت عليه الأرامل والأيتام"، أما المؤرخ محمد بن أحمد بين إياس المصري فيقول: "فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف، فإنه كان شابًا حسن الشكل سنه نحو أربع وأربعين سنة، وكان شجاعًا بطلًا تصدى لقتال ابن عثمان وثبت وقت الحرب وحده بنفسه، وفتك في عسكر ابن عثمان وقتل منهم ما لا يحصى، وكسرهم ثلاث مرات في نفر قليل من عسكره، ووقع منه في الحرب أمور لا تقع إلا من الأبطال... وقد مضت أخباره كأنه لم يكن". قال في رثائه أبياتا منها:
لهفي على سلطان مصر كيف قد     ولى وزال كأنه لن يذكرا
شنقوه ظلما فوق باب زويلة      ولقد أذاقوه الوبال الأكبرا
يا رب فاصفح عن عظائم جرمه    واجعل جنات النعيم له قرا
 لقد تولى طومان باي عرش السلطنة عقب التأكد من مصرع عمه السلطان قانصوه الغوري في مرج دابق، وكان العصر يحمل كل ملامح النهاية: انهيار للأوضاع الاقتصادية، ترتب عليه اضطراب اجتماعي، صراع سياسي بين الأمراء، ضعف عسكري واضح، وأخيرا عدو خارجي متربص بالبلاد، وفي ضوء هذا الإطار التاريخي نستطيع أن نتفهم المصاعب التي تواجه أميرًا يتولى زمام الأمور في عصر مضطرب، يرث فيه جيشا مهزوما، ووضعا داخليا منهارا بينما عدو زاحف يدق الأبواب.
 ورغم صعوبة الظروف فإن الصورة التي رسمتها المصادر التاريخية المعاصرة لطومان باي عندما تتحدث عنه أميرًا، ثم سلطانًا حاكمًا، ثم سلطانًا مخلوعًا يقاوم العثمانيين تكشف عن ملامح شخصية متميزة ومختلفة تمامًا عن غيرها من أمراء ذلك العصر وسلاطينه، فالصورة التي أمامنا صورة لشخصية محببة إلى قلوب الشعب قريبة منه إلى حد بعيد، بل وملتحمة معه في اللحظات الحرجة، كما حدث عندما استعان طومان باي بالمصريين في مواجهة العثمانيين بعد أن دخلوا القاهرة ونجح في استردادها منهم بعدة أيام.
 وقد ساعدت مقاومة طومان باي الباسلة للعثمانيين والنهاية المأساوية لهذه الشخصية في حفر صورة مضيئة لطومان باي في الوجدان الشعبي المصري باعتباره واحدا من الأبطال القوميين في تاريخنا رغم أنه جركسي الأصل.
 لقد أصبحت وقائع الغزو العثماني لمصر ـ التي سجلها الشيخ أحمد ابن زنبل الرمال وأبرز فيها دور طومان باي في التصدي لهذا الغزو، ومعاركه ضد سليم الأول وجيوشه، ثم وقوعه في الأسر وشنقه ـ واحدة من السير التي تروي في مقاهي القاهرة في العصر العثماني، كما أن روايات الرحالة الأوروبيين لواقعة أسر طومان باي وشنقه، التي استمرت تتردد في مدوناتهم عن رحلاتهم إلى مصر طوال أكثر من مائة عام تالية للغزو العثماني للبلاد، تكشف عن المكانة التي احتلها طومان باي في وجدان الشعب المصري، فلا شك في أن مصدر هذه الروايات هم المصريون الذين التقى بهم هؤلاء الرحالة.
 وإذا كانت تلك الروايات قد امتلأت بالمبالغات عن بطولات طومان باي وشجاعته وصلابته في مواجهة تعذيب تعرض له لانتزاع الاعترافات منه عن أماكن وجود كنوزه، فإن هذه المبالغات التي ولدها الخيال الشعبي تعكس مقدار الإعزاز الذي كان المصريون يحملونه لطومان باي.
 وحسب ما تذكره المصادر العربية فإن إعدام طومان باي أحدث صدىً واسعَا بين المصريين الذين حزنوا عليه حزنًا شديدًا، فقد ظل لعدة شهور بعد الغزو العثماني لمصر يمثل أمل المصريين في التخلص من هذا الاحتلال الجديد، وبإعدامه خبا هذا الأمل.
 وقد كان حزن الناس على طومان باي أمرًا مفهومًا، فقد كان حسب معاصريه أميرًا وسلطانًا "لين الجانب قليل الأذى كثير الخير غير متكبر ولا متجبر، كما كان دينًا صالحًا خيرًا فاضلًا زائد الأدب والسكون والخشوع والخضوع..."، كما تشير تلك المصادر إلى أنه كان زاهدًا في جمع المال بخلاف غيره من أمراء العصر وسلاطينه.
 إلا أن دعته وهدوءه لم يمنعاه من أن يكون محاربًا شجاعًا مقدامًا خبيرًا بالحرب، وقد بدت مهارته الحربية في معاركه التي تصدى فيها لسليم الأول بدءًا من الريدانية وانتهاء بمعركة الجيزة عبر ما يقارب الأشهر الثلاثة، وقد أذهلت شجاعته وقدراته الحربية معاصريه حتى الأعداء منهم، وقد سجل طومان باي بنفسه ـ وفقا لرواية ابن زنبل الرمال ـ ملحمته وحربه مع سليم وذلك بعد هزيمته الأخيرة في موقعة الجيزة من خلال قصيدة طويلة أنشدها أمام الأهرام لأحد أمراء جيشه الذين صمدوا معه حتى النهاية وهو الأمير قيت الرجبي، وعلقها على الهرم مثلما كانت المعلقات تعلق على أستار الكعبة، وقال في مطلعها:
دموع العين فاضت من مآق
وقلبي ذاب من كثر احتراق
فلا ناري طفاها دمع عيني
ولا دمعي يفيض من اختناق
وشمس السعد في شرق المعالي
وبدر الضد في درج المحاق
فلما أن أراد الله هذا
أتانا الروم من جهة العراق
وسلطان الجميع سليم شاه
عظيم الملتقى مر المذاق
وكان الماجد الغوري منا
مليكا شبه بحر في اندفاق
وكان الحرب يوم الحد لكن
تولى جيشنا والحرب باق
وسلطان لنا أضحى قتيلا
طريحا والدماء لفي انهراق
وكان الخائن الكلب الغزالي
وخاير بك مبوطن في النفاق
هما أصل الهزيمة عن حقيق
لدى حلب كخيل في سباق
وساروا بعدها سيرا حثيثا
لغزة ثم مصر في لحاقي
ولما استجمعوا في مصر قالوا
نسلطن أيكم والضد باق
وجاءتنا رجال الروم مصرا
وقد حازوا البلاد مع الآفاق
وأخرجت الجموع لنلتقيهم
وكان الشر يوم الحرب راقي
وفي خط المدافع قام قومي
وزادوا في الخصام وفي الشقاق
وقد جاءت علينا الروم حقا
كبحر هائج في الاندفاق
قتلنا من ملوكهم ثلاثا
وأسقيناهم كأس الرهاق
ولما قد رأوا ذا العقل مني
أتونا كالجبال بانطباق
وأسقيناهم كأس المنايا
فخروا للذي مذ كنت ساقي
ولما أن رأيت الحرب دارت
علي ولم تتابعني رفاقي
فوليت الجواد لنحو مصر
وأيقنت الفناء والله باق
ثلاثة أيام كان القتل فيهم
وفينا والعساكر في محاق
وبعد الظهر جاءتنا جيوش
عداد الرمل جمعا في انطباق
وزلزلت البلاد بهم إلى أن
حسبت الحشر قام مع التلاقي
فقلت لرفقتي خلوا وفلوا
وولينا جميعا بافتراق
وعدنا عن قتال الروم قهرا
لقينا قيث رجبى من بلاق
وعلقنا على الأهرام شعرا
كنظم الدر في حسن السياق
لمن يقرأه معبرا ليدري
بأن الله بعد الخلق باق
وتجزي كل نفس يوم عرض
بما فعلته في يوم التلاقي
 ولم يكن حب الناس لطومان باي مرتبطًا بتوليه للسلطنة ومقاومته للعثمانيين، فمنذ كان أميرًا دوادارًا كبيرًا في عصر عمه السلطان الغوري كان محببًا لعامة الناس لاختلافه عن غيره من الأمراء، هذا وقد أمتد الإعجاب بطومان باي إلى الأوروبيين المعاصرين فبعد أكثر من مائة عام على شنقه نجد صورة هذا المشهد حاضرة في كتابات الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر، وقد دفع هذا الإعجاب مؤرخًا إيطاليا معاصرًا لطومان باي هو باولو جيوفو إلى وضع طومان باي ضمن الشخصيات التاريخية الكبرى في العالم، وإلى إفراد قسم من تاريخه لطومان باي.
طومان كما تخيله باولو جيوفو
 لكن هل هذه الصورة المثالية التي رسمها المؤرخون والرحالة لطومان باي دقيقة تمامًا؟
 لقد كان طومان باي أميرًا ثم سلطانًا محبوبًا من الناس وذلك كما تذكر المصادر لقلة الأذى والضرر الذي كان يسببه للعامة إلا أن مناقبه ينبغي ألا تدفعنا إلى رسم صورة مثالية خيالية له، فمحاسنه تلك تقاس إلى أمراء عصره وسلاطينه وما كانوا يرتكبونه من مظالم فادحه بحق الرعايا، أم هو فكانت مظالمه قليلة ومحدودة، كما أن تصويره بصورة الزاهد الفقير أمر مبالغ فيه، فقد كانت له ثروة ضخمه وقفها على نفسه وعلى ذريته من بعده أثناء حياته، ووقف جزء منها على بعض المساجد والأعمال الخيرية، خاصة تلك المساجد التي شيدها عمه السلطان الغوري، لكن الشعوب تصنع لأبطالها الصورة التي تحبها بغض النظر عن الحقيقة التاريخية.
عموما لقد استشهد طومان باي في مثل هذا اليوم من خمسمئة سنة في 13 أبريل سنة 1517 لكنه ظل حيًا في وجدان المصريين لسنوات وسنوات تشهد على ذلك المعتقدات التي نسجها خيال الشعب حول باب زويلة والمنطقة المحيطة به حيث شنق طومان باي.


الأحد، 12 مارس 2017

المرأة والفنون (5) ـ خاتمة ومراجع

المرأة والفنون
(1919 ـ 1952)
(5)

عماد أبو غازي

خاتمة ومراجع



  لقد كانت حصيلة تلك الحقبة في علاقة المرأة بالفن إيجابية إلى أبعد حد، لقد انتقلت المرأة المصرية إلى مرحلة جديدة بالمشاركة في الحركة الفنية في مجالاتها المختلفة، ففي الفنون الجميلة التي كانت مصر مهدا لها منذ أقدم العصور، تلك الفنون التي استعادت مكانتها في مصر مع مطلع القرن العشرين، بعد قرون طويلة من التراجع، كان للمرأة مكانا بارزا فيها احتلته بجدارة منذ قيام الثورة المصرية (ثورة 1919). وفي فنون المسرح والسينما تلك الفنون الجديدة الوافدة على المجتمع المصري، كان للمرأة دورها وعلاماتها الواضحة، بل أن فن السينما شهد ريادة نسائية فريدة على مستوى العالم في مجال هذا الفن من خلال أربع مخرجات رائدات، كما تغير وضع المرأة في الفنون القديمة التي لم تشهد انقطاعا مثل فنون الموسيقى والغناء، وتغيرت نظرة المجتمع إلى تلك الفنون مع تطور دورها في الحياة المصرية، بل أن فن الرقص أيضا كان من الفنون التي بدأت نظرة المجتمع تختلف تجاهها، فتغيرت النظرة للراقصة الشرقية، خاصة مع اقتران هذا الفن بفنون المسرح والسينما وتحول راقصات شرقيات إلى السينما ونبوغهن فيها مثل تحية كاريوكا وسامية جمال، وتجاوز نشاط الأولى منهن العمل الفني إلى العمل العام في مجال السياسة.
 كما تغيرت نظرة المجتمع للفن بشكل عام، فبعد أن كانت علاقة الفتاة بالفن قاصرة على بعض الطبقات العليا في المجتمع التي تعلم البنات بعضا من فنون الموسيقى أو التطريز أو التصوير على أيدي مدرسين خصوصيين بالقصور والبيوت، كنوع من استكمال "الوجاهة" الغربية، وأصبح من المقبول أن تدرس الفتاة الفنون في معاهد العلم خاصة مع ظهور مؤسسات تعليمية تُدرّس الفن، وتحولها تدريجيا إلى تبعية وزارة المعارف العمومية.


 كذلك أصبحت المرأة موضوعا للفن، ففي الفن التشكيلي إذا أخذنا مختار كرائد لفن النحت الحديث نموذجا، نجد أنه خط مكانة بارزة للمرأة المصرية عندما جعل الفلاحة رمزا للنهضة في تمثاله الميداني نهضة مصر، ونجح في أن يجمع الأمة حول هذا الرمز، ولا تقتصر المرأة في أعماله على تمثال النهضة، بل كانت دوما قيمة من القيم الأساسية التي وضعها من خلال أعماله في مسيرته للتمرد على الثوابت التقليدية للمجتمع، فأعلى قيمة المرأة وقيمة العمل، فإحدى القيم الأساسية في أعمال مختار الفنية هي قيمة المرأة وهي تعمل، وتحديدًا المرأة الفلاحة وهي تعمل في الحقل، وكانت المرأة رمزًا في كل أعمال مختار الفنية، المرأة وهي تحب، المرأة وهي تعمل، المرأة وهي ذاهبة إلى الترعة أو إلى النهر تجلب الماء مصدر الحياة، لقد ربط مختار دائمًا بين المرأة والعمل والحياة، وأصبحت المرأة عنده رمزًا للحضارة المصرية ورمزًا للعطاء لمصر. وتعتبر مجموعة التماثيل التي تمثل الفلاحات والماء هي المجموعة الأساسية في أعمال مختار، والتي مثلت المرأة في أوضاع مختلفة، حتى عندما تناول مختار موضوعات مثل الراحة والقيلولة والحزن، كانت المرأة هي الرمز دائمًا.


وقد ربط مختار أيضًا بين المرأة وبين تراثنا المصري القديم في مجموعة من الأعمال الرمزية مثل تمثال "كاتمة الأسرار" و"إيزيس" و"عروس النيل" و"لقية في وادي الملوك"، والتي اختار لها موضوعات مرتبطة بالحضارة المصرية القديمة وجسدها أيضًا من خلال المرأة. وعلى منوال مختار سار كثير من فناني عصره.

 أما المسرح والسينما فقد قدما صورا مختلفة للمرأة، وتناولا كثيرا من قضاياها، ولم تقتصر صورة المرأة في الأعمال الفنية على المرأة المحبة أو المحبوبة، بل تطرقت كثير من تلك الأعمال خاصة في الأربعينيات إلى مشكلات المرأة في المجتمع، وإلى قضايا تعليم المرأة وعملها فأسهمت بذلك في تغيير الصورة التقليدية للمرأة المصرية.

****************
المصادر والمراجع:
  • آمال السبكي: الحركة النسائية في مصر ما بين ثورتين 1919 و1952، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1986.
  • إجلال خليفة: الحركة النسائية الحديثة، المطبعة الحديثة، القاهرة، 1973.
  • أحمد فؤاد سليم: بانوراما الفن المصري في القرن العشرين، سلسلة دراسات تشكيلية (1)، تقديم: مصطفى الرزاز، مكتبة الإسكندرية، الإسكندرية، 2003.
  • إيميه آزار: التصوير الحديث في مصر، ترجمة: إدوار الخراط ونعيم عطية، المشروع القومي للترجمة (1000)، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005.
  • بث بارون: النهضة النسائية في مصر: الثقافة والمجتمع والصحافة، ترجمة: لميس النقاش، المشروع القومي للترجمة (118)، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1999.
  • بدر الدين أبو غازي: جيل من الرواد، جمعية محبي الفنون الجميلة، القاهرة، 1975.
  • جابر عصفور وآخرون: سمحة الخولي سنوات من العطاء، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2006.
  • سمير فريد (محررا): المهرجان الثاني لأفلام المرأة المصرية، 8 ـ 16 مارس 2008، مكتبة الإسكندرية، الإسكندرية، 2008.
  • مصطفى الرزاز: الفن المصري الحديث، القرن العشرين، وزارة الثقافة ـ قطاع الفنون التشكيلية، القاهرة، 2007.
  • هدى الصدة وعماد أبو غازي: مسيرة المرأة المصرية علامات ومواقف، ج1، مراجعة وتقديم: جابر عصفور، المجلس القومي للمرأة، القاهرة، 2001.


السبت، 11 مارس 2017

المرأة والفنون
(1919 ـ 1952)
(4)
المرأة وفنون الموسيقى والغناء

عماد أبو غازي


 ربما كانت فنون الموسيقى والغناء من الفنون التي ارتبطت بالمرأة في مصر منذ أقدم عصور حضارتنا، وتشهد على ذلك جداريات المقابر المصرية القديمة، وقد استمر هذا الوضع في عصور الحضارة العربية المتوالية حيث ارتبطت تلك الفنون بنظام الرق الذي ساد في تلك العصور، فكانت الجواري والقيان تمارسن فنون الغناء والعزف الموسيقي والرقص في أوساط الطبقات العليا في المجتمع، وكان الفنانون الشعبيون رجالا ونساء ينتشرون في موالد الأولياء والقديسين وفي الأفراح والاحتفالات الشعبية، واستمر هذا الوضع بشكل عام حتى منتصف القرن التاسع عشر، فمع إلغاء الرق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ تحول تدريجي في التعامل مع المؤدين في تلك الفنون وفي نظرة المجتمع إليهم، تواكب هذا التحول مع المؤثرات الأوروبية على فنون الموسيقى والتي بدأت تظهر مع إنشاء دار الأوبرا بمناسبة احتفالات افتتاح قناة السويس، تلك المؤثرات التي انعكست بدرجات متفاوتة على تطور الموسيقى الشرقية، وبلغت مداها في مطلع القرن العشرين، وكانت ثورة 1919 إيذانا بعصر جديد في الموسيقى والغناء حيث تصدرت الأغنية الوطنية المعبرة عن الثورة المصرية ومبادئها العظيمة ساحة الغناء، وكان لثورة سيد درويش في هذا الفن أثرها الذي امتد لسنوات.
  هذا ومنذ عصر إسماعيل عرفت فنون الموسيقى والغناء أسماء لامعة لنساء مارسن الموسيقى والغناء من أشهرهن ساكنة بك وألمظ التي ارتبط أسمها بمطرب العصر عبده الحامولي.

ساكنة بك

ألمظ
 ومع مطلع القرن العشرين ظهرت منيرة المهدية التي جمعت بين الغناء والمسرح.

منيرة المهدية
 لكن التحول الحقيقي لدور المرأة في تلك الفنون كان مع أم كلثوم تلك الفنانة التي نقلت فن الغناء العربي نقلة كبيرة، وقد ولدت أم كلثوم إبراهيم في ريف الدلتا بمحافظة الدقهلية لأسرة تعمل في مجال فنون الإنشاد الديني، ونشأها أبوها تنشئة فنية بمعاير عصره، وبدأت رحلتها مع الغناء بالإنشاد الديني وهي طفلة صغيرة، واستطاعت خلال سنوات قليلة أن تنافس على صدارة الغناء العربي لقوة صوتها وجماله، وقد شهدت الحقبة ما بين 1919 و1952 سطوعها في سماء فن الغناء، فتحولت من منشدة دينية في الموالد والاحتفالات الشعبية إلى مطربة، احتلت قلوب الملايين من عشاق الغناء والموسيقى على امتداد العالم العربي، الأمر الذي دفع نحات مصر الأول محمود مختار إلى اختيارها كرمز للفن المصري المعاصر، عندما كلفته إدارة متحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس في مطلع العشرينيات بنحت تمثال يمثل الفن المصري، فنحت تمثالا لأم كلثوم الفتاة التي كانت وقتها في مطلع العشرينيات، في نبوءة تحققت بعدها بسنوات عندما أصبحت أم كلثوم سيدة الغناء العربي، لقد كانت تعد بحق علامة بارزة على هذا الفن ـ فن الغناء ـ في القرن العشرين كله، ولم يقتصر دور أم كلثوم على الغناء بل أمتد كذلك إلى فن السينما من خلال خمسة أفلام غنائية قامت ببطولتها، وفي عام 1943 انتخبت أم كلثوم نقيبة للموسيقيين لتكون أول امرأة مصرية ترأس نقابة مهنية، واحتفظت بهذا المنصب لسنوات عديدة، وقد حصلت على نيشان الكمال من الملك فاروق عام 1944، فكانت أول فنانة مصرية تحصل على وسام بهذا القدر.
أم كلثوم
 ورغم المكانة التي احتلتها أم كلثوم فلم تكن وحدها في سماء الغناء في هذا العصر، فقد ظهرت بعدها وإلى جانبها أسماء مصرية وعربية كبيرة لمعت في مصر، منهن أسمهان ونور الهدى وليلى مراد ونجاة علي ورجاء عبده، ثم جاءت بعدهن أجيال من المطربات اللاتي بدأن في أواخر الأربعينيات واستمر عطائهن الفني في السنوات التالية.

 وقد ساعد دخول الراديو إلى مصر على تحقيق انتشار واسع لفنون الموسيقى والغناء في صفوف قطاعات أوسع من المواطنين، كما أدى ظهور المعاهد الفنية والكليات المتخصصة في دراسة الموسيقى وإشراف وزارة المعارف عليها، والتحاق الفتيات بها إلى ظهور أجيال جديدة من الدارسات الأكاديميات للموسيقى العربية والغربية على حد سواء، وشهدت السنوات الأولى من الخمسينيات تخرج رائدات لعبن في الحقبة التالية دورا مهما في الحياة الفنية في هذا المجال في مقدمتهن سمحة الخولي التي تخرجت من المعهد العالي للموسيقى ـ الذي أصبح الآن كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان ـ في سنة 1951، والتي تخصصت في الموسيقى الغربية.


الدكتورة سمحة الخولي

الدكتورة رتيبة الحفني
 ورتيبة الحفني التي اتجهت إلى مجال الموسيقى العربية إلى جانب تخصصها في الغناء الأوبرالي.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...