الثلاثاء، 21 فبراير 2017

هذا المقال نشر للمرة الأولى في 2008 بجريدة الدستور القاهرية، أعيد نشره بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الأستاذ هيكل

هيكل... وأرشيف مصر القومي

عماد أبو غازي

  الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ليس مجرد كاتب صحفي متميز، ولم يكن فقط رئيسا لتحرير الجريدة الأولى في مصر خلال الستينيات ومطلع السبعينيات من القرن الماضي، أو رئيس مجلس إدارة مؤسسة صحفية كبرى في مصر، جعلها الأكبر بجهده ورؤيته، وليس المحلل السياسي الأهم في منطقتنا العربية وحسب، إنه فوق ذلك كله جزء من تاريخ مصر الحديث والمعاصر، اقترب من مواقع السلطة في مرحلة حاسمة في تاريخنا وكان فاعلا فيها بدرجة كبيرة دون أن يتطابق معها، لذلك فشهادته على التاريخ وللتاريخ تعد وثيقة حية عن مرحلة غابت وثائقها أو غيبت.
 وقد كتب هيكل العديد من الكتب التي تناول فيها تاريخنا بعين المحلل السياسي والمشارك في الأحداث في آن واحد، ولعل من أهمها ثلاثيته "ملفات السويس" و"سنوات الغليان" و"الانفجار"، تلك الثلاثية التي تناولت حرب الثلاثين عاما من أجل السيطرة على المنطقة العربية، والتي أكتمل صدورها في عام 1990، في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة بل من تاريخ العالم، لحظة "ملحق" حرب الثلاثين عاما، عندما ارتكب صدام حسين جريمته الأخيرة، ومع قراءة ثلاثية هيكل بدى بوضوح كيف أن العرب لا يتعلمون من أخطائهم، "ولا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون".
 ورغم أهمية كتابات هيكل إلا أن أحاديثه الأخيرة على قناة الجزيرة والتي امتدت الآن لشهور طويلة تكتسب أهمية أكبر بكثير، أولا لأنها شهادة حية موثقة على التاريخ تأتي في لحظة كما أكد هيكل أكثر من مرة بعدت فيها الأحداث بما يتيح له أن يتحدث بحرية أكبر، وثانيا لأن استخدام الحديث التلفزيوني المباشر يتيح تواصلا إنسانيا مع المتلقي قد لا يتوفر في الكلمة المكتوبة، كما أن التلفزيون بالتأكيد أكثر انتشارا من الكتاب، وتصل الكلمة والصورة عبره إلى قطاعات أوسع بكثير من الجمهور الذي لا يقرأ ما يُكتب، ثالثا أن الحديث التلفزيوني حتى ولو كان مسجلا ومراجعا أكثر تلقائية وصدق وحميمية من الكتاب.
  وبغض النظر عن اختلاف الناس مع هيكل أو اتفاقهم معه فيما يقوله أو بعبارة أدق فيما يصل إليه تحليله للأحداث فلا يستطيع أحد أن ينكر أهمية شهادة الرجل على التاريخ، رغم أن له انحيازته، التي هي أمر طبيعي، وقد أكد الأستاذ محمد حسنين هيكل في أحاديثه بقناة الجزيرة على ذلك عندما قال: "سئلت كثيرا جدا عما إذا كنت أنا منحازا أو غير منحاز، وأنا بأقول بوضوح كده، نعم أنا منحاز، ولكن مسألة الانحياز لا بد أن توصف، أخجل من انحيازي إذا كان انحيازا لنظام أو انحيازا لرجل لكني لا أخجل من انحيازي إذا كان انحيازا لوطن ولأمة، وأنا أتصور برضه ويشفع لي تجربة طويلة يعني هو أني واحد بلا مطامع، أن أقول إنه حتى هذه اللحظة أنا أقدر أتكلم في هذا الموضوع وأقول والله أنا منحاز ومنحاز لوطن وأمة وليس لرجل وشخص"، كما أكد أيضا على أن ما يقدمه محاولة للتحليل والفهم عندما قال: "بترجى أنه لا أحد يتصور أنه في أحد يملك حقيقة ولا في أحد يملك حكمة ولكن كلنا بنحاول"
 وقد قدم الأستاذ هيكل من خلال برنامجه في قناة الجزيرة قرائته للتاريخ وشهادته عليه، معتمدا على ذاكرته الحية لفترة عاصرها وشارك في أحداثها، وعلى ما لديه من وثائق ومستندات، أو بالأحرى من صور لوثائق ومستندات وصلت إليه بحكم صلته بالرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وهي مجموعة شديدة القيمة والأهمية من الوثائق غير المتاحة للباحثين الذين يدرسون تاريخ هذه الفترة، فهي وثائق لا تملكها دار الوثائق القومية أو أية جهة أخرى تيح وثائقها للدارسين، الأمر الذي يدفع من يدرسون تاريخ مصر بعد انقلاب يوليو 1952 إلى الاعتماد على الأرشيفات الأجنبية التي تفتح أبوابها ووثائقها للباحثين بمجرد انتهاء مدد الحظر القانوني التي لا تتجاوز عادة الثلاثين عاما، خاصة الأرشيفين البريطاني والأمريكي، بما فيهما من وثائق ترتبط بتاريخ مصر والمنطقة، أو الاعتماد على الصحف والدوريات أو ذكريات الساسة، وهي مصادر أقل قيمة.
  وقد فتح حديث الأستاذ في الحلقة التي أذيعت في يوم الخميس 13/11/2008 قضية الوثائق التي بحوزته وهي قضية مهمة طالما لف الناس وداروا حولها دون اقتحامها بالشكل الذي اقتحمها به الأستاذ هذه المرة.
 كيف وصلت هذه الوثائق إلى هيكل؟
 وهل هي أصول أم صور؟
 وهل يحق له الاحتفاظ بها؟
ثلاثة أسئلة تبحث عن إجابات.....
 لقد أكد هيكل على ما كان معروفا وشائعا بين الناس من أنه كان يكتب للرئيسين عبد الناصر والسادات، فقال: "أنا كنت موجودا كتبت له كل كلمة تقريبا في خطبه وفي خطاباته العامة للناس كتبت كل رسائله تقريبا لرؤساء الدول لكن كان هناك شيء مهم جدا وهو أنه لم أكتب إلا ما أنا إما أنا مقتنع به أو ما أنا متفق عليه، يعني إذا كان هناك رأي في موضوع أنا بأفهم فيه أو بعرف عنه حاجة أقدر أقول أتكلم فيه وأقدر أفتي وأقدر أجاوب بدون أن أحتاج إلى أحد لكي يعطيني تعليمات مفصلة وبالفعل مع جمال عبد الناصر وحتى مع أنور السادات... بأقول إنه في سنة 1967 أنا لم أكتب ولا بيان فيما يتعلق بقفل خليج العقبة إطلاقا رغم أنني كتبت تقريبا كل شيء قبلها، في مراسلات جمال عبد الناصر على سبيل المثال مع كل رئيس أميركي وفي مراسلات أنور السادات مع كل رئيس أميركي وكل رئيس سوفياتي وكل رئيس في العالم الثالث وكل رئيس عربي وأنا كتبتها كلها وكتبتها..."، هذا الدور كان يقتضي بالطبع أن تتاح للرجل بعض وثائق الدولة حتى يتمكن من القيام بالدور المكلف به.
 ويروى الأستاذ هيكل قصة على سبيل المثال يدلل بها على كيفية وصول الوثائق إليه وينفي ما يوجه إليه من اتهامات، يقول: "لما آجي على سبيل المثال التأشيرات وأشوف لأنه أنا هنا برضه أقدم أوراق اعتماد لأنه في ناس بيتصوروا أنه في وثائق بتتاخد كده، أنه في ورق بيتاخد، ما عنديش ورق يتاخد، اللي عندي كله هو إما ما أرسل إلي رسميا نسخ من وثائق أرسلت إلي رسميا لأنه طلب فيها رأيي أو طلب فيها دوري وكانت موجودة مشاع عند غيري، يعني على سبيل المثال أنا قدامي ورقة هذه هي من رئاسة الجمهورية ورقة كاتبها سكرتير الرئيس للمعلومات في ذلك الوقت السيد سامي شرف، في جواب جاي من كينيدي وهو جواب مهم جدا في مرحلة بالغة الأهمية من علاقتنا بالأميركان، بيقول إيه الجواب؟ بيقول تعليمات الرئيس، ترسل نسخة إلى السادة، سري للغاية وشخصي. من هم؟ بغدادي، المشير، كمال حسين، علي صبري، دكتور فوزي، حسين ذو الفقار، صلاح نصر، محمود رياض، ويطلب من كل منهم أن يجهز ملاحظاته على الرسالة، وبعدين ترسل نسخة سري للغاية وشخصي لهيكل، إمضاء جمال عبد الناصر. ما فيش ورق بيروح لواحد بس ... لكن أنا بعمل إيه هنا؟ أبص ألاقي لو كملت الملف ده لآخره ألاقي ثلاث ورقات مهمين في خطاب الرئيس كينيدي الأصلي اللي هو جاء لي فيه إشارة واحدة من جمال عبد الناصر ليس فيها إلا شيء واحد، كلمة واحدة، هيكل، جمال، هيكل وتوقيع جمال، لا عندي تعليمات ولا عندي تفاصيل ولا حيقول إيه ....... لكن هنا كانت القاعدة أن كل ورقة ترسل لي نسخة منها، كل خطاب من رئيس دولة ترسل لي نسخة منه وأنا كنت بأرد، بتكلم، ممكن يبقى في مشكلة فيها ممكن.... الوثائق والورق كله ما عنديش تعليمات فيما أفعله لا من جمال عبد الناصر ولا من أنور السادات ولكن هذا جواب مثلا، بأقول، من كينيدي على سبيل المثال، وأنا قدامي في نمرة واحد رسالة كينيدي نفسها، نمرة اثنين بخط يدي الرد عليها، نمرة ثلاثة الترجمة، لأنه بتتعمل باللغة العربية في القبل ليشوفها الرئيس وبعدين تتعمل ترجمة لها، كل ده وأنا بأشتغل عملي الرئيسي هو سواء في الأخبار أو في الأهرام أو صحفي محترف قاعد بيشتغل لكنه بيشعر أنه في دور أو في ما يمكن أن يؤديه هناك ما يتجاوز دور الصحفي وهو يؤديه وبلا ثمن، بلا أجر..."
 ويذكر الرجل بأمانة أن الوثائق العسكرية بدأت تصل إليه بعد هزيمة 1967 فيقول:" أنا فضلت لغاية 1967 في طول الفترة حيث دخلت وحيث انهمكت من قبل السويس لغاية 1967 لا أقارب الموضوعات العسكرية ولكن ابتداء من سنة 1967 أصبحت الأمور العسكرية بأتكلم مش الأمور العسكرية العسكرية البحتة ولكن ما يتصل بالمعركة أصبحت أراه وأصبحت أتابعه لأنها أصبحت مسألة حياة أو موت……….. أنا عايز أقول إن كل ورقة جاءت لي في 1967 محالة إليّ بتوقيع من الفريق محمد فوزي وهو قائد القوات المسلحة، وبطلب من جمال عبد الناصر، لأنه كان مهما جدا أن أكون على علاقة وعلى فهم ونحن، ده ما كان....... بأقول هنا ثاني إنه كله ورقة، أنا اقتربت من موضوع الحرب اقتربت ولكن اقترابي له بدأ بعد 1967 لأنه وعبد الحكيم عامر موجود ولازم أعترف بهذا وعبد الحكيم عامر كان موجودا بعد السويس، فترة بعد السويس إلى، جاءت حرب اليمن وجاءت ظروف مقدمات 67 في تصورات معينة فيما يتعلق بالقوات المسلحة أنا واحد من الناس اللي كنت بناقش فيها، لكن بناقش فيها من بعيد، بناقش فيها لأن هذا موضوع أنا لا اختصاص فيه ولا علم لي فيه ولا أريد أن أتدخل فيه لأن الموضوع يتعلق بالقوات المسلحة، ..... موضوع القوات والسلاح أنا أعرف حدودي وألزمها ولا أقترب منها، لكن بعد 67 والموضوع أصبح مش حرب بقى ولا موضوع قتال لكن موضوع إستراتيجي، قومية بحالها في عالم متغير، كل الأشياء جاءت لي وجاءت لي، أنا مثلا الفريق فوزي حتى مش بس الملفات دي وأنا حأتكلم عليها ولكن حتى تطورات بناء الجبهة الشرقية الفريق فوزي "عزيزي الأخ محمد حسنين هيكل، صباح الخير، أرفق مع هذا كذا ملف عن الجبهة الشرقية، أرفق لديك.." إلى آخره، أرفق اللي حاصل فيها إيه لأنه عايز أقول إنه إذا كانت هناك مشاركة سياسية أنا ما بشتغلش باشكاتب يعني أحد يقول لي اكتب حاجة يعني ما لم أكن فاهما ومقتنعا باللي بأعمله ما أقرب منه، ليس هناك ما يدعو للاقتراب منه...."
 ويكشف هيكل في هذه الحلقة من برنامجه عن بعض الوثائق المهمة الموجودة بحوزته، والتي تتضمن تقويما لما حدث في حرب 1967، يقول: "عايز أقول إنه أنا لا أعلم في تاريخ مصر قضية حقق فيها وحقق فيها رسميا ووثقت بمقدار حرب 67 أنا النهارده جايب معي برضه في صدد تقديم أوراق اعتماد بعض التحقيقات اللي، صور بأقول صور، يعني صور التحقيقات أوراق تحقيقات بلا حدود في كل ما جرى للقوات سواء في سيناء سواء في ضربة الطيران سواء في كل ما له علاقة بالمعركة، كل تفاصيل المعركة حقق فيها تفصيلا وحقق فيها بتحديد المسؤوليات وحقق فيها بالدرجة الأولى لكي تكون الصورة واضحة عندما يجيء وقت التصحيح.... أريد أن يعرف أي أحد، كل الناس أن هذا موضوع جدي جدا أخذ جد في وقته وأخذ جد بعد وقته، ولا يستطيع أحد ولا يملك أن يتستر عليه لأن هذا ملك للناس الذين دفعوا فيه دما ودفعوا في أعصابا ودفعوا فيه ثروة .... عايز أقول إن 67 حقق في كل شيء فيها لحتى السياسة العمل السياسي ... في تصرفات القيادة وكيف فعلت؟ حقق في القرارات السياسية التي اتخذت وأدت إلى أزمة أيام من أول 14 مايو لغاية 5 يونيو، ووضعت كل القرارات المتخذة بشأنها في ملفات درست .... عايز أقول، أضيف إضافة ثانية وهذا كله يجري، جمال عبد الناصر طلب من قائد القوات البرية في ذلك الوقت اللواء مرتجي أنه يقعد يتفرغ يكتب تقريرا كاملا عما جرى لأنه مش تقرير تحقيق بس يعني الكلام التحقيق أسهل الأشياء ولكن التقارير والتحقيقات تحدد المسؤوليات ولكن أيضا تلفت النظر إلى ما هو ضروري من الواجبات، وقعد الفريق مرتجي على سبيل المثال في بيته  قعد شهرين وأعطي الخدمات اللازمة مساعدين وسائل الخرائط  وكتب تقريرا هو سماه مذكرة عن حالة واستعداد القوات المسلحة والإعداد والتجهيز للعمليات وسير المعركة وإدارتها، وهو اختار أن يسمي التقرير "أمانة"، ولما قدمه لجمال عبد الناصر حط أوله خطابا بيقول سيدي الرئيس باحترامي وكذا أنا طلبتم مني أن أقول كذا وأنا بأقولها، بأعمل ما جرى من أول 5 يونيو والتجهيز لحرب وسير المعركة حتى يوم 9 يونيو وقد أعطيت هذا التقرير الكلمة، الوصف الكودي "أمانة" لأنه فعلا كان مطلوبا منه أن يكتب بكل ما هو ممكن وبالتقرير كتب، ثم إن هذا التقرير ده راح، لم يكن سرا، هذا التقرير طبعت منه حوالي 12، مش حوالي بالتحديد 12نسخة كان عندي الحظ أنه يجي لي نسخة منها، لأنه كان مطلوبا أن أفهم إذا كان لا بد أن أشارك وأن أعبر على الأقل أشارك بالتعبير على أقل تقدير فلا بد أن أكون فاهما لماذا جرى، وقد درست طبعا طبيعي درسته دراسة كافية جدا..."
 هذا الكلام المهم للأستاذ هيكل يكشف آليات العمل التي جعلت بعض وثائق الدولة تنتقل إلى حوزته، لقد انتقلت إليه بشكل طبيعي ورسمي، في إطار مهام تم تكليفه بها من القيادة السياسية، أو لأخذ مشورته في قضايا رأى رئيس الجمهورية أن يستعين بمشورته فيها، أو لتقديم الدعم له فيما يكتبه باعتباره أكثر الصحفيين قربا من الرئيس، ولا يمكن لأحد أن يؤاخذه على ذلك أو يحاسبه عليه، كما لا يمكن أن نلوم النظام حينها، فالرجل كان أحد المستشارين المقربين جدا من رئيس الدولة في معظم عصر عبد الناصر ولعدة سنوات من عصر السادات، وبعيدا عن توليه المسؤلية الرسمية كوزير للإعلام لفترة محدودة، وبعيدا عن دوره الصحفي، كان هيكل بشخصه ورؤيته ومواقفه قريبا من قمة السلطة وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون على صلة بوثائق الدولة السياسية، ثم العسكرية بعد هزيمة 1967 ومرحلة الإعداد للمعركة، وإذا كان توافر مثل هذه الوثائق تحت يديه أعطاه ميزة لم يحصل عليه غيره من الكتاب والصحفيين فهذا شأن آخر بعيد تماما عن القضية الرئيسية، وهي مدى مشروعية حيازة هيكل لما يحوزه من وثائق، تلك القضية التي يبدو من حديث هيكل أنها تطرح عليه كثيرا، حيث يقول: " ولكن في سؤال مرات بيتقال لي وهو ده من الأسئلة أيضا، ليه عندك هذا الكلام؟ يعني ليه عندي؟ لأنه جاء لي بالطريق الشرعي المطلوب أن أعمل فيه وأن أضيف من جهدي وهو صورة من صور، وصور كلها في الدولة أين هي هذه الصور في الدولة؟"
 والحقيقة أن سؤال هيكل أكثر مشروعية من أسئلة الذين يلومون عليه وجود تلك الوثائق لديه، فالمفترض أن تكون أصول الوثائق التي انتهى استخدامها في كل مؤسسات الدولة وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية في حوزة الأرشيف القومي لمصر، أي في حوزة دار الوثائق القومية، وفقا للقانون وللأعراف العالمية في مجال الأرشيف، حتى تكون هذه الوثائق تحت أعين الباحثين الذين يكتبون تاريخ مصر.  
 أما عن طبيعة ما يملكه هيكل، هل يملك وثائق أصلية أم صور أو نسخ بمعنى أدق؟ فإن وصول بعض الأصول إلى رجال قريبين من السلطة بحكم عملهم أمر طبيعي لا غبار عليه، لكن ما قدمه هيكل وما أكد عليه أكثر من مرة أن ما بحوزته صور أو نسخ، وأن ما يعرضه علينا على الشاشة صور ضوئية من تلك النسخ، فيقول: "وبالتالي فأنا ما لدي من هذا الموضوع كل ما جاءني بالطريق الرسمي وجائتني صور منه بمعنى أنه ما لدي هو صور اللي أنا جايبه وعارضه معي النهارده هو صور من صور…"
 وهي نسخ أو صور لها قيمة الأصل خصوصا في ظل غياب تلك الأصول وعدم إتاحتها للباحثين، الأمر الذي يؤكده هيكل عندما يقول: "ما أجيئ به هنا هو صور من الصور وهي لها قيمة الوثيقة...".
 يبقى السؤال الأخير والأهم هل يحق للأستاذ هيكل أن يحتفظ بهذه الوثائق، أو بمعنى أدق بهذه النسخ؟ والتي يبدو من حديثه أنه يحتفظ بها خارج البلاد، فهو يقول: "صوري الأصلية اللي أنا أخذتها من الأصل الوثائقي اللي جاء لي أنا محتفظ بها بعيد..."
 في الحقيقة الموضوع شائك وملتبس، لقد صدر في منتصف السبعينات تعديلان لقانون الوثائق أعقبهما ثالث في مطلع الثمانينيات، بتشديد العقوبة لتصل إلى السجن لكل من حاز وثائق سرية بحكم عمله أو آلت إليه بطريق من الطرق وأفشى فحواها، ونعرف نحن المشتغلين بالوثائق تلك التعديلات باسم قانون هيكل، فقد كان مفهوما أن الهدف منه منع الأستاذ هيكل من نشر ما لديه من وثائق أو الاعتماد على المعلومات الموجودة بها في كتبه، الآن معظم تلك الوثائق أصبحت خارج الحظر القانوني، فأصبح من حق الرجل أن يستخدمها كيفما شاء، لكن هل كان عليه أن يسلم تلك الوثائق إلى دار الوثائق القومية، القانون المصري لا يلزم الأفراد بتسليم وثائقهم لأرشيف الدولة القومي، والوثائق التي بحوزة الرجل ليست الأصول، والجهات الرسمية التي تحوز الأصول هي التي ينبغي أن تسلمها إلى دار الوثائق القومية، خصوصا تلك الوثائق التي انتهت مدد حجبها وهي في القانون المصري 30 سنة، يمكن أن تمتد في حالة الوثائق المصنفة بدرجة سري للغاية أو سري جدا إلى خمسين سنة، أي أن كل وثائق الدولة حتى عام 1958 ينبغي أن تكون في دار الوثائق القومية الآن، وكل الوثائق المصنفة بدرجة سري والتي ترجع إلى ما قبل عام 1978، وكذلك الوثائق غير المصنفة بدرجات السرية والتي تعود إلى ما قبل عام 1993 لابد أن تكون الآن في دار الوثائق القومية، فهل هذا واقع الحال؟ بالطبع لا.
 هل يعني هذا أن هيكل وحده هو الذي يستطيع استخدام تلك الوثائق؟
 في الحقيقة أبدى الأستاذ بادرة طيبة عندما قال بالحرف: " بيقولوا لي بتطلع قوانين الوثائق، وأنا في وقت من الأوقات أنا مستعد بآخذ ده كله بأوديه الصور اللي عندي كلها بتروح حيث ينبغي أن توجد...أنا مستعد أعطي ده كله بكره الصبح، دلوقت حالا، كل الصور الموجودة عندي لأنها صور وعندي منها صور، ولكن أين تذهب؟"
 هذا ما ينبغي أن نجيب عليه، أين تذهب هذه الوثائق؟
 لقد طرح هيكل ثلاثة أماكن وردت على ذهنه ليسلم له ما لديه من وثائق ولكنه تراجع عنها جميعا، يقول: "فكرت تستنى في الأهرام لكن شفت ما جرى في الأهرام" وهو محق في هذا تماما فليس الأهرام أفضل مكان تذهب إليه الوثائق، فلا هو أرشيف ولا حاله أصبح يسر، فكر كذلك هيكل في مكتبة الإسكندرية وهي أحد الأماكن التي يمكن أن تحتفظ بنسخة من هذه الصور خاصة وأن لديها مشروعا ضخما على شبكة الإنترنت باسم ذاكرة مصر يضم صورا لآلاف الوثائق، والمشروع مكان مناسب تماما ليعرض الأستاذ هيكل ما بحوزته من وثائق من خلاله مثلما فعلت عائلات كثيرة، منها أسرة الرئيس الراحل أنور السادات وأسرة بطرس باشا غالي وأسرة محمد محمود باشا وأسرة الدكتور علي باشا إبراهيم وأسرة يوسف درويش المحامي اليساري، كما أهدت الدكتورة هدى عبد الناصر للمكتبة مجموعة كاملة من أرشيف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خصص لها موقعا منفصلا على الشبكة من خلال موقع مكتبة الإسكندرية، ولا شك أن وثائق محمد حسنين هيكل سوف تشكل إضافة مهمة لموقع المكتبة، كما ستقدم خدمة مهمة لكل الباحثين المهتمين بتاريخ مصر الحديث والمعاصر، ويبدو أن هيكل فكر بجدية في هذا الموضوع وتفاتح فيه مع الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير المكتبة لكنه تراجع بسبب موقفه من بعض أنشطة المكتبة، الأمر الذي يستحق من الأستاذ هيكل التفكير فيه مرة أخرى.
   أما المكان الطبيعي لهذه الوثائق فدار الوثائق القومية، ويؤكد هيكل أنه فكر في ذلك فيقول في حديثه: "وقت من الأوقات قلت تذهب إلى دار الوثائق، لكن شفت اللي بيحصل في دار الوثائق، ثم دار الوثائق مكلفة أن تحفظ الأصل مش الصور، دار الوثائق مش صور من صور، دار الوثائق لا بد أن تكون فيها الأصول وليس الصور، وبعدين الحاجة الثانية هذه الصور التي وزعت لم تكن حكرا علي، في عشرين واحد على أقل تقدير - وأنا حأتكلم على بعض التقارير المهمة وأقول راحت لمين- ما ينبغي أن يكون في دار الوثائق هو الأصول مش الصور مش صور عن صور يعني، لما نجي نتكلم كمان حتى على صيانة الوثائق بننسى مرات نقول عاوزين نجمع الوثائق لكننا لا نقدم أي ضمانات للضمير المصري أو العربي الذي يحتاج إلى هذه الوثائق حتى لو كان ما هو متاح منها هو مجرد صور من صور لأنه محتاجين لها، أين ذهب هذا كله؟ أنا لا أعلم، لكن لما آجي أتكلم على قانون الوثائق لا بد قبل أن أقول أجمع الوثائق لا بد أن يكون هناك نظام لضمان الحفاظ على هذه الوثائق لضمان استعمال هذه الوثائق لضمان عدم استغلال هذه الوثائق...."
 وكلام الأستاذ هيكل هنا صحيح تماما في ظاهرة، لكن الصور والنسخ في عرف الوثائقيين والأرشيفيين تحل محل الأصول في حالة غياب تلك الوثائق الأصلية، كما أن دار الوثائق القومية تطورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وهناك مشروع مهم للتحول الرقمي في دار الوثائق القومية، ومشروع آخر لبناء مقر جديد حديث ومتطور للدار بالفسطاط، كما أن الدار أصبحت تملك معامل متطورة للترميم، وبعض مجموعاتها النادرة سجلت تراثا عالميا، ربما يصدق كلام الأستاذ هيكل على دار الوثائق القومية قبل السنوات، لكن الوضع الآن اختلف، وربما إذا وجهت له دعوة لزيارة الدار والاطلاع على ما يجري بها يشجعه ذلك على إيداع وديعته الثمينة بالدار، أو على الأقل صورة من الصورة كما يقول.
 وإذا كان الأستاذ هيكل حريص على الضمير الوطني كما يقول، وهو حريص بكل تأكيد، فإن المكان الذي ينبغي أن تكون فيه هذه الوثائق أو صور الوثائق هو دار الوثائق القومية إلى أن يتاح للدار أن تضع يدها على الأصول وتضعها في خدمة الباحثين، وما تضمه الدار من وثائق بكامله متاحا للباحثين مصريين وأجانب وفقا للقواعد الأرشيفية المتبعة في جميع أرشيفات العالم، من المؤكد أن قانون الوثائق في مصر يحتاج إلى تطوير، ومن المؤكد أيضا أن نظم الاطلاع تحتاج إلى مزيد من تبني قواعد الشفافية الكاملة وحرية تداول المعلومات، لكنه حتى في ظل الأوضاع القائمة فإن وجود الوثائق بالدار هو الضمان الأولى لإتاحتها لأكبر عدد من الباحثين.

 وكما قال الأستاذ هيكل: "الحقائق كلها موجودة لماذا يبقى لغزا مغلقا على الضمير المصري؟ لماذا يبقى خفاء؟ لماذا يبقى سرا بينما هو كأي حقيقة ملك لكل أصحابها الذين دفعوا فيها؟" 

ملاحظة: لو كتبت المقال النهارده ما كنتش هاقترح اهداء الوثائق للدار لأنها أصبحت للأسف مؤسسة حجب مش مؤسسة إتاحة. 

الثلاثاء، 3 يناير 2017


500 سنة على الاحتلال العثماني لمصر

عماد أبو غازي

على اسم مصر              التاريخ يقدر يقول ما شاء
                أنا مصر عندي                 أحب وأجمل الأشياء
                بحبها وهي مالكة            الأرض شرق وغرب
                وأحبها وهي مرمية                     جريحة حرب
 بدأت بهذا المقتطع من كلمات شاعرنا الكبير صلاح جـاهين من ملحمته الشعرية "على اسم مصر"، لأن موضوع اليوم يقدم مصر في لحظة من لحظتها "وهي مرمية جريحة حرب".


 في مثل هذا الأيام من خمسمائة عام كانت القاهرة وضواحيها ساحة لقتال مشتعل بين أبناء البلد وفلول جيش المماليك من جانب وجيوش الاحتلال العثماني من جانب آخر.
 ففي الأسبوع الأخير من شهر يناير سنة 1517 ميلادية الموافق لبداية شهر محرم من سنة 923 هـ، كانت مصر تعيش لحظة حرجة في تاريخها، لحظة تحديد للمصير، وحسم لمستقبل البلاد، إنها لحظة امتدت آثارها لأربعة قرون طوال، بل إن بعض هذه الآثار مازلنا نعيشها إلى الآن.
نعود اليوم مرة أخرى إلى الأيام الأخيرة من عصر دولة المماليك الجراكسة في مصر، واللحظات الأولى لسقوط البلاد في قبضة الاحتلال العثماني، لقد كانت سنتا 1516 و1517 سنتين من السنوات العصيبة في التاريخ المصري، سنتان شهدتا سقوط دولة المماليك الجراكسة وفقدان مصر لكيانها المستقل؛ ليبدأ عصر جديد من عصور التبعية لقوة خارجية صاعدة في سماء المنطقة، فأصبحت مصر ولاية في دولة كبرى مركزها استنبول على مضيق البسفور، وبعد أن استمرت القاهرة لعدة قرون المركز الحضاري والسياسي الأول في المشرق العربي والإسلامي، زوت لتصبح مجرد عاصمة لولاية يديرها باشا مبعوث من قبل السلطان العثماني.
 سنتان كانتا مليئتين بالحوادث والوقائع فقدت فيهما دولة المماليك اثنين من سلاطينها على يد عدو خارجي، وسقط فيهما آلاف من القتلى من المماليك ومن أبناء الشعب، وغادر مصر لسنوات عدد من أمهر صناعها وحرفيها ومبدعيها، علاوة على عدد من شيوخها وفقهائها ومفكريها، ليبدأ عصر ظلام وجمود طويل في تاريخ مصر.
 لقد كان وقع الكارثة فادحًا على وجدان المصريين فوصف المؤرخ المصري محمد بن أحمد بن إياس الغزو العثماني لمصر شعرًا، فقال:
الله أكبر إنها لمصيبة                       وقعت بمصر ومالها مثل يرى
ولقد وقفت على تواريخ مضت         لم يذكروا فيها بإعجاب ما جرى
وفي موضع آخر من تاريخه المعروف باسم "بدائع الزهور في وقائع الدهور" يقول ابن إياس:
"ومن العجائب أن مصر صارت نيابة بعد أن كان سلطان مصر أعظم السلاطين في سائر البلاد قاطبة... ولكن ابن عثمان انتهك حرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها وأظهر أهوالها... وأشيع أن ابن عثمان خرج من مصر وبصحبته ألف جمل محملة ما بين ذهب وفضة، هذا خارجًا عما غنمه من التحف والسلاح والصيني والنحاس المكفت والخيول والبغال والجمال وغير ذلك، حتى نقل منها الرخام الفاخر، وأخذ منها من كل شئ أحسنه، ما لا فرح به آباؤه ولا أجداده من قبله أبدًا".
 لكن ماذا كان تأثير الاحتلال العثماني على مصر؟
 لقد كان للاحتلال العثماني لمصر تأثيرًا سلبيًا كبيرًا على تطور البلاد، فرغم أن مصر عرفت عبر تاريخها الطويل موجات وراء موجات من المستعمرين الأجانب، ورغم أن أوضاع البلاد في أواخر عصر المماليك كانت متردية للغاية، إلا أن الأثر السلبي الخطير للاحتلال العثماني لمصر والمشرق العربي عموما يكمن في أمرين اثنين:
 الأول: إنه قطع الطريق على التحولات الاجتماعية التي كانت أخذه في التطور في مصر، والتي كان يمكن أن تخرج البلاد من أزمتها التاريخية وتنتقل بها إلى عصر جديد، فأتى الاحتلال العثماني ليجمد الوضع الاجتماعي لعدة قرون أخرى، وليستنزف فوق ذلك موارد مصر الاقتصادية لصالح الخزانة العثمانية.
 أما مكمن الخطورة الثاني فكان التوقيت الذي أحتل فيه العثمانيون مصر، فقد احتلوها في لحظة كان العالم فيها يعيش في مفترق طرق بين عصرين، وقد نجح الغرب في كسر الحاجز والانتقال إلى عصر جديد، بينما بقي المشرق في ظل الاحتلال العثماني ثابتًا في مكانه.
  لكن ماذا كان موقف المصريين من الغزو العثماني للبلاد؟
 لقد كان أبناء الشعب المصري محرومين من حقهم في حمل السلاح للدفاع عن بلادهم منذ احتل الرومان مصر باستثناء لحظات نادرة مثل مواجهة حملة لويس التاسع على المنصورة وغارات القراصنة على الإسكندرية، ومن هنا فلم يكن الشعب مستعدًا للمواجهة مع جيوش الاحتلال العثماني بالقدر الكافي، ومع ذلك؛ فبمجرد تولى السلطان الأشرف طومان باي لعرش السلطنة في رمضان سنة 922 هجرية 1516ميلادية عقب وصول الخبر بسقوط عمه السلطان الغوري قتيلًا في مرج دابق، دعى المصريين إلى حمل السلاح للدفاع عن وطنهم، وقد شاركوا بالفعل في موقعة الريدانية، لكن قوة المدفعية والأسلحة النارية العثمانية كانت أكبر من قدرة الجيش المملوكي والمقاتلين المنضمين إليه من المصريين، فانتصر العثمانيون ودخلوا إلى القاهرة واستولوا عليها، ومع ذلك لم تتوقف المقاومة فسرعان ما جمع طومان باي فلول الجيش المملوكي وتجمع حوله أبناء البلد ليهاجموا قوات الاحتلال ويستردوا القاهرة من أيديهم مره أخرى، لكن لأيام معدودة عادت بعدها سيطرة العثمانيين.
 وهذا هو ما يرويه لنا نص مقتطع من رسالة بعث بها السلطان العثماني سليم الأول إلى نائبه في الشام يبشره فيها بنجاحه في الاستيلاء على القاهرة والقضاء على المقاومة فيها، قال سليم في رسالته بعد أن روي انتصاره في الريدانية على جيوش طومان باي:
"وكان قد فضل بقية من العساكر المصرية، فهربوا واجتمعوا هم والسلطان طومان باي وجمعوا العربان، والتموا نحو العشرة آلاف، ليلًا من نهار الثلاثاء خامس شهر المحرم الحرام سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة خفية، ودخلوا البيوت الحصينة، وحفروا حولها الخنادق، وستروا التساتير، واجتمعوا في الحارات، وأظهروا الفساد، وابرزوا العناد، فعلمت عساكرنا المنصورة بهم، فربطوا الخيالة لهم الطرقات، لئلا ينهزم أحد، وصاحت عليهم مماليكنا الإينكشارية والتفكجية، وحملت عليهم حملة رجل واحد، ودخلوا عليهم إلى البيوت التي تحصنوا فيها، ونقبوا عليهم البيوت يمينًا وشمالًا، وطلعوا على أسطحة تلك البيوت التي تحصنوا فيها ورموا عليهم بالبنادق والكفيات، واستمر الحرب بين عساكرنا المنصورة وبينهم ثلاثة أيام... وفي هذه الثلاثة أيام يستمر القتال من الصبح إلى العشاء، وبعون الله تعالى قتلنا جميع الجراكسة، ومن انضم إليهم من العربان، وجعلنا دماءهم مسفوحة وأبدانهم مطروحة ونهب عساكرنا قماشهم وأثاثهم وديارهم وأموالهم، ثم صارت أبدانهم للهوام، أما طومان باي سلطانهم فما عرفنا هل هو مات أم بالحياة..."
 هذه هي رواية وقائع المقاومة في القاهرة كما وردت على لسان المحتل العثماني، وقد أقر فيها باستمرار المعركة ثلاثة أيام كاملة، فما هي الصورة كما قدمها الجانب المصري، يقول ابن إياس في وقائع شهر المحرم سنة 923هـ:
 "فلما كان ليلة الأربعاء خامس الشهر، بعد صلاة العشاء، لم يشعر ابن عثمان إلا وقد هجم عليه الأشرف طومان باي بالوطاق واحتاط به، فاضطربت أحوال ابن عثمان إلى الغاية، وظن أنه مأخوذ لا محالة... واجتمع هناك الجم الغفير من الذعر وعياق بولاق من النواتية وغيرهم وصاروا يرجمون بالمقاليع وفيها الحجارة، واستمروا على ذلك إلى أن طلع النهار فلاقاهم الأمير علان الداودار الكبير من الناصرية عند الميدان الكبير فكان بين عسكر ابن عثمان وعسكر مصر هناك وقعة تشيب منها النواصي... واستمر السلطان طومان باي يتقع مع عسكر ابن عثمان ويقتل منهم في كل يوم مالا يحصى عددهم، من يوم الأربعاء إلى يوم السبت طلوع الشمس ثامن المحرم..."
لقد كانت هذه صورة من صور المقاومة المصرية لقوى الاحتلال الأجنبي، ورغم أن نتيجة هذه المعركة لم تكن في صالح المصريين، إلا أن جذوة المقاومة ظلت كامنة في النفوس لسنوات طويلة، لتعود مرة أخرى فتشتعل في أواخر القرن الثامن عشر...      

السبت، 26 نوفمبر 2016

عودة الدستور ... انتصار الشعب

(12)

عودة الدستور ... انتصار الشعب

عماد أبو غازي

  
صدرت صحف السبت 7 ديسمبر 1935 تحمل البيان الذي اتفق عليه الطلاب، وجاء فيه:
 "لقد قام الشباب بحركته الأبية يوم عيد الجهاد، صارخًا من اعتداء الاستعمار، مطلقًا صوته القوي داويًا مجلجلًا في أنحاء العالم ـ بعد أن نفذ معين صبره، وتمزق أخر ستار عن رياء الإنجليز وخداعهم. ورأى الشباب أن خير وسيلة لمجابهة هذا العدو المشترك، هو أن تكون صفوف الأمة كلها قلبًا واحدًا ويدًا واحدة، كالبنيان المرصوص، أمام طغيانه وبهتانه "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص" "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم". ولما ساروا في طريقهم اعترضهم خلاف بريء في الرأي، أوجد بعض الأمل عند المستعمرين في فشل حركتهم، فراحوا يتغنون بذلك في صحفهم.
 واليوم وقد بدا من تصريح وزير خارجية إنجلترا في مجلس العموم أمس إصرار الإنجليز على إهدار حقوق الوطن، رأى الطلبة من واجبهم أن يوحدوا جبهتهم ويجمعوا كلمتهم على أن يواصلوا السعي:
أولا: للاستقلال لمصر والسودان استقلالًا تامًا، وتحقيق جميع المطالب الوطنية، ومن بينها دستور 1923 مؤكدين العزم على تقديم كل تضحية مهما غلت في سبيل ذلك.
ثانيا: دعوة جميع الأحزاب والهيئات إلى ترك المناقشات والخلافات الحزبية، وأن يوجهوا جميع قواهم إلى عدو الشعب المشترك وهو الإنجليز، وأن يعملوا على تكوين جبهة وطنية قوية ضدهم".
 وقد وقع على البيان أعضاء اللجنة التنفيذية للطلبة: جلال الدين الحمامصي (كلية الهندسة) ومحمود لاشين (كلية العلوم) محمد فريد زعلوك (كلية الحقوق) أحمد الدمرداش التوني (كلية الزراعة) نور الدين طراف (كلية الطب) وأحمد طلبة صقر (كلية التجارة) ومصطفى السعدني (كلية الآداب) محمد برهام (دار العلوم العليا) محمد شبل الحضري (الفنون الجميلة العليا).
 وكان من الأسماء البارزة الأخرى من بين قيادات اللجنة وقيادات الحركة الطلابية في عام 1935، من كلية الحقوق عبد العزيز الشوربجي، ومن كلية الآداب سهير القلماوي، ومحمد حسن الزيات، ومن كلية الطب قاسم فرحات ومحمد بلال، ومن كلية الزراعة إبراهيم شكري، وكان من طلاب المرحلة الثانوية الذين شاركوا في قيادة المظاهرات جمال عبد الناصر وحكمت أبو زيد.
 ومن استعراض أسماء قادة الطلاب نكتشف أن ثورة 35 مدرسة تخرج منها رئيس جمهورية، وثلاثة وزراء، وأول وزيرة، وأول رئيسة لهيئة ثقافية حكومية، ورئيس حزب سياسي، ونقيب للمحامين، ورئيس تحرير صحيفة كبرى، ورئيس للجنة الأولمبية المصرية، ومدير لنادي رياضي، وكبير مشجعي النادي الأهلي، ونقابيين مهنيين بارزين، وأكديميين، وقد استمروا جميعًا فاعلين في العمل العام لعدة عقود تالية.
 وفي صباح 7 ديسمبر احتفل الطلاب، بحضور مدير الجامعة أحمد لطفي السيد، بإزاحة الستار عن النصب التذكاري للشهداء، ثم خرجوا في مظاهرة وصفها ضياء الدين الريس بأنها "لا يحدها النظر" متوجهين إلى القاهرة عبر كوبري عباس، فأمر قائد قوة البوليس بفتح الكوبري، وتصور أنه نجح في وقف المظاهرة، إلا أن طلاب كلية الهندسة استقلوا القوارب إلى عوامة التحكم في الكوبري، وأغلقوه لتعبر المظاهرة إلى منيل الروضة، الذي تحول إلى ساحة لمعركة حربية بين الطلاب والبوليس وأصيب لوكاس  بك مساعد حكمدار العاصمة الإنجليزي إصابة خطيرة، كما أصيب مفتش البوليس نوبل في ساقه بطلقات نارية كانت قواته تطلقها على الطلاب الذين أصيب العشرات منهم، واعتقل 78 طالبًا، وكان البوليس شديد العنف في تعامله مع الطلاب فلجأ الكثيرون منهم للاختباء في بيوت الحي.
 استمرت المظاهرات لأيام واتسع نطاقها رغم إغلاق الجامعة، واستجاب قادة الأحزاب للطلاب، وأعلنوا تأليف الجبهة الوطنية برئاسة مصطفى النحاس باشا، وشاركت فيها كل الأحزاب السياسية وبعض المستقلين، ولم يبق خارجها سوى حركة مصر الفتاة ذات الميول الفاشية وجماعة الإخوان المسلمين ـ بالطبع ـ فقد كان موقفها دائما في الجبهة المعادية للشعب وحركته.
 وصباح الأربعاء 11 ديسمبر 1935 صاغ قادة الجبهة خطابين: الأول للملك يطلب عودة دستور 1923، والثاني للمندوب السامي البريطاني يطلب بدأ المفاوضات من أجل الجلاء، وسط ذهول الملك والإنجليز من التحول السريع في المواقف، ولم ينقض يوم الخميس 12 ديسمبر 1935 إلا وكانت حكومة توفيق نسيم قد قدمت استقالتها، وأصدر الملك أمرًا ملكيًا بعودة الدستور، وانتصر الشعب.
*****
ختام القول
 لقد ظلت أفكار عبدة السلطان الذين باعوا ضمائرهم وعلمهم للمستبدين ملهمة لكل من يسعى إلى سلب الأمة حقوقها والتعدي على حرياتها، وفي المقابل ستظل تضحيات شهداء الأمة من أمثال عبد الحكم الجراحي وعبد المجيد مرسي وطه عفيفي، وأفكار وقيم الحرية التي رفع راياتها ودافع عنها وضحى من أجلها العقاد وطه حسين وروز اليوسف وحافظ إبراهيم ومختار ومصطفى النحاس وويصا واصف وعدلي يكن وسينيوت حنا وأحمد لطفي السيد وغيرهم، هادية للشعب المصري مهما مر الزمن ومهما حاول المستبدون طمس هذه القيم وإخفائها تحت التراب، لقد ذهبت أسماء من صنعوا دستور 30 إلى مزبلة التاريخ مع دستورهم، بينما ظلت وستظل أسماء من قاوموا نهج الاستبداد ساطعة في سماء الوطن.
*****
قائمة بالمراجع:
·        أحمد عبد الله: الطلبة والسياسة في مصر، ترجمة إكرام يوسف، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2007.
·        بدر الدين أبو غازي: المثال مختار، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2003.
·        حمادة إسماعيل: انتفاضة 1935 بين وثبة القاهرة وغضبة الأقاليم، دار الشروق، القاهرة، 2005.
·        عاصم محروس: الطلبة والحركة الوطنية في مصر 1922 ـ 1952، دار الكتب والوثائق القومية، 2009.
·        عبد الرحمن الرافعي: في أعقاب الثورة المصرية ثورة 1919، ج2، ط3، دار المعارف، القاهرة، 1988.
·        عبد العظيم رمضان: تطور الحركة الوطنية في مصر من سنة 1918 إلى سنة 1936، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1968.
·        عبد المنعم الدسوقي الجميعي: الجامعة المصرية والمجتمع 1908 ـ 1940، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1983.
·        علي شلبي ومصطفى النحاس جبر: الانقلابات الدستورية في مصر 1923 ـ 1936، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1981.
·        محمد زكي عبد القادر: محنة الدستور 1923 ـ 1952، ط2، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1973.
·        محمد ضياء الدين الريس: الدستور والاستقلال والثورة الوطنية، ج1، مطبوعات الشعب، القاهرة، 1975.
·        محمد ضياء الدين الريس: الدستور والاستقلال والثورة الوطنية، ج2، مطبوعات الشعب، القاهرة، 1976.
·        يونان لبيب رزق: تاريخ الوزارات المصرية 1878 ـ 1953، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1975.

الجمعة، 25 نوفمبر 2016

(11)

حكاية الرجل الذي وحد الأمة

عماد أبو غازي

  كان المشهد يوم تشييع عبد الحكم الجراحي يوحي بأن الأمة توحدت، لكننا كنا في حاجة إلى ثلاثة أسابيع أخرى قبل أن تتشكل الجبهة الوطنية، وقبل أن تستعيد الأمة دستورها، وتفرض على بريطانيا العظمى الدخول في مفاوضات.
 في اليوم التالي لتشيع الجراحي اجتمعت اللجنة التنفيذية العليا للطلبة واتخذت قرارات منها: فتح باب الاكتتاب لإرسال وفد من الطلبة إلى مقر عصبة الأمم للمطالبة باستقلال مصر والسودان، والاحتجاج على إجابة الدعوة لزيارة الأسطول البريطاني لمصر، ومنها المطالبة بمحاكمة المسئولين عن التصدي لمتظاهرين بعنف، ولم يتهم أحد وقتها بالاستقواء بالخارج، كما أعلنت اللجنة مواصلة الطلاب لنضالهم حتى تحقيق كل مطالب الأمة.
 كما أرسل الطلاب برقيات احتجاج إلى عصبة الأمم وإلى رئيس الوزراء والوزراء، يحتجون فيها على استخدام القوة لفض مظاهراتهم السلمية ويعترضون على إغلاق الجامعة.
  ورغم إحالة عدد من الطلاب المتظاهرين إلى المحاكم، استنادًا لقوانين استحضرتها الحكومة لضرب حركة الطلاب، إلا أن الحركة تصاعدت واتسع نطاقها لتشمل عددًا كبيرًا من المدن المصرية، واتخذ الطلاب قرارًا بأن يكون يوم الخميس 21 نوفمبر يومًا للإضراب العام حدادًا على أرواح الشهداء، ونجح الإضراب رغم جهود الحكومة والإنجليز لإفشاله، فاحتجبت الصحف عن الصدور، وأغلقت المحال التجارية، وأضرب المحامون، وخرجت المظاهرات إلى الشوارع تتقدمها الطالبات وتوجهت إلى بيت الأمة حيث ألقت أم المصريين كلمة في الجموع المحتشدة أشادت فيها بالحركة الطلابية الصاعدة التي تسعى نحو عودة الدستور والاستقلال.

صفية زغلول
 وفي نفس اليوم توجهت لجنة من سيدات الوفد إلى مقابر الشهداء لوضع باقات الزهور، ثم زرن أسر من استشهدوا في المظاهرات. وكان رد الحكومة مد قرار إغلاق الجامعة أسبوعًا ثم أسبوعًا أخرًا لتستمر الجامعة مغلقة حتى يوم 7 ديسمبر.
 وخلال الأسبوعين سارت الحركة في مسارين مختلفين، فمن ناحية انضمت هيئات جديدة إلى حركة الاحتجاج فأرسل القضاة رسالة للملك ورئيس وزرائه تؤكد رفضهم لغياب الحياة النيابية ولتدخل بريطانيا في شئون مصر، وتوالت بعد ذلك بيانات الاحتجاج من أساتذة الجامعة، بدأت بكلية الآداب ببيان قوي اللهجة فيه إدانة واضحة لموقف الحكومة، وللعنف الذي تمت مواجهة مظاهرات الطلاب به، وجاء في البيان:
 "شعرنا من زمن نحن المصريين من هيئة التدريس في كلية الآداب بالجامعة المصرية أن قلقًا يساور المصريين، وتكاد آثاره تفسد على البيئة الجامعية أمرها وتحول بينها وبين أداء الواجب الجامعي من تثقيف الشباب وتعليمهم، وقد انتهى هذا القلق إلى الاضطراب الذي حدث في الأيام الأخيرة، ونشأ عنه وقف الدراسة في الكليات أسبوعين بعد أن قام الطلبة بمظاهرات سلمية قمعت بعنف شديد أزهقت فيه أرواح بريئة، وما تزال تدمي لها قلوب الأساتذة حزنًا وألمًا.
 وكثيرًا ما شغلنا هذا القلق وحملنا على البحث عن أسبابه، وتحدث في ذلك بعضنا إلى بعض، والآن وقد بلغ الأمر هذا المدى الخطير، نرى من الواجب علينا والحق لنا أن نقرر أن أسباب هذا القلق الذي أثار الأبناء وأزعج الآباء ترجع إلى اضطراب الحياة السياسية المصرية الداخلية والخارجية، فإن من حق مصر أن تنعم بحياة مستقرة واضحة الحدود، قوامها الاستقلال والديمقراطية. لكن موقف إنجلترا من مصر حال دون تنظيم العلاقة بيننا وبينها أولًا، وأغراها بالتدخل في شئوننا الخاصة ثانيًا، حتى جهر وزير خارجيتها بأنها تأبى عودة الدستور الذي رضيه الشعب وأقره جلالة الملك.
 وإننا نأسف كل الأسف لهذه الحالة المنكرة التي صارت إليها الأمور، ونصارح الأمة وأولي الأمر والرأي فيها بأن مستقبل الوطن عامة والعلم والمتعلمين خاصة متعرض لأشد الأخطار، ما دام هذا القلق متسلطًا على النفوس، ونهيب بهم جميعًا أن لا يضنوا بما يملكون من جهد وعزم وحزم في درء هذا الخطر عن البلاد.
 ولعل هذا الصوت الجامعي الهادئ يبلغ مسمع الإنجليز شعبًا وحكومة، فينبههم إلى أن ما يسببونه من القلق في مصر لا يلائم المصلحة المصرية ولا المصلحة الإنجليزية ولا مصلحة السلام العام."
 وقد وقع على البيان جميع أساتذة كلية الآداب المصريين، وتلت كلية الآداب كليات الهندسة والتجارة والزراعة والحقوق، وإن كان بعض أساتذة كلية الحقوق رفضوا التوقيع على بيان الكلية بسبب فقرة في البيان تضمنت نصحًا للطلاب بالهدوء وترك الأمر لزعماء الأمة، وقد قرر هؤلاء الأساتذة الانضمام إلى بيان أساتذة كلية الآداب لقوته ووضوحه، كذلك اجتمع أساتذة كليتي الطب والعلوم وقرروا تبني البيان الصادر عن أساتذة كلية الآداب.
 ومن ناحيتهم أصدر الأطباء والمحامون بيانات تطالب بالدستور والاستقلال، وتدين عنف الحكومة في مواجهة المظاهرات السلمية، وتدعو الأحزاب لتوحيد موقفها.
 وفي نفس الوقت استمرت المظاهرات والمؤتمرات السياسية رغم تعطيل الدراسة في الجامعة والأزهر وكثير من المدارس.
 ومن ناحية أخرى بدأ انشقاق واضح في المعارضة، فالوفد يرى أن المطلب الأساسي عودة دستور 23 وإجراء انتخابات نيابية تمهيدًا للدخول في مفاوضات من أجل الاستقلال، بينما رأى الأحرار الدستوريين وبعض الأحزاب الصغيرة تقديم مطلب الاستقلال على عودة الدستور، وانعكس الانقسام على حركة الطلاب فظهرت اللجنة القومية من طلاب الأحرار ومصر الفتاة في مواجهة اللجنة التنفيذية التي كان الوفد يسيطر عليها، وبدأت الاجتماعات الطلابية تشهد تراشقًا بالكلمات ثم بالبيانات، ووصل الخلاف إلى ذروته في الأسبوع الأول من ديسمبر، واعتقدت بريطانيا أن الأزمة إلى زوال قريب وأن الأمور ستعود إلى سابق عهدها، وتصورت حكومة نسيم إنه "مولد وانفض"، وبالتالي لم تر مبررًا لتأجيل الدراسة مرة أخرى، فالخلاف بين الطلاب أصبح أشد من خلافهم مع الحكومة.
 لقد كان الطلاب يعدون لإقامة نصب تذكاري للشهداء بساحة الجامعة يزاح عنه الستار يوم افتتاح الدراسة صباح 7 ديسمبر، وكان متوقعًا أن يتحول الاحتفال إلى معركة على من يتقدم الحفل طالب الحقوق محمد فريد زعلوك زعيم الطلبة الوفديين أم طالب الطب نور الدين طراف زعيم الجبهة المعارضة للوفد.
 لكن الأقدار لعبت دورها مرة أخرى، لتتوحد جبهة الطلاب وتتكاتف، وتدفع قادة الأحزاب أيضًا إلى الوحدة.
  لكن كيف انقلب الخلاف إلى اتفاق مرة أخرى؟ وكيف مر حفل إزاحة الستار بسلام ووقف فيه طرفا الخلاف معًا؟ وكيف صدر البيان الذي يعلن وحدة الصفوف، ويدعو قادة الأحزاب إلى الاتحاد حول مطلبي الدستور والاستقلال معًا، والذي نشر في الصحف صباح السبت 7 ديسمبر؟
 هناك رواية نشرها الدكتور عاصم محروس عبد المطلب في كتابه الذي صدر مؤخرًا عن مركز تاريخ مصر المعاصر بدار الكتب، مصدرها حوار أجره مع فريد زعلوك زعيم الطلبة الوفديين، ويرجع الحديث إلى عام 77، يؤكد فيه زعلوك أن الخلاف لم يكن حادًا! وإن خصوم الوفد من الطلاب زاروا الطلاب الوفديين في مقر نادي المحاماة مما أزال الخصومة فورًا، وساعد على ذلك بعض المحامين الوفديين من لجنة الدفاع عن الطلاب المحالين للمحاكم كانوا حاضرين بالمصادفة، فتمت المصالحة وصدر البيان المشترك.

الدكتور محمد ضياء الدين الريس
 لكن هناك رواية ثانية للدكتور محمد ضياء الدين الريس في كتابه "الدستور والاستقلال والثورة الوطنية 1935" الصادر سنة 1975، تكشف عن تفاصيل أخرى كان المؤلف بطلها، يتحدث الدكتور الريس باعتباره شاهدًا على الأحداث معتمدًا على مذكراته وذكرياته، وكان قد تخرج من دار العلوم في تلك السنة وعين مدرسًا بوزارة المعارف، ويذكر أنه قرر أن يقابل زعماء الطلبة وهم شباب مثله ويتحدث إليهم مبينًا خطر الانقسام على الوطن، وما فيه من إهدار لتضحيات الشهداء، ويدعوهم إلى الاتحاد، ليدفعوا زعماء الأحزاب إلى الوقوف صفًا واحدًا، من أجل الدستور والاستقلال معًا، فلا تعارض بين المطلبين، بل هما متكاملان. واصطحب معه في هذه المهمة زميل سبقه في التخرج اسمه أحمد بدوي، وبدأ الشابان جولات "مكوكية" بين فريد زعلوك ونور الدين طراف بدأت يوم 3 ديسمبر وكللت بالنجاح مساء يوم 6 ديسمبر، وساق القدر هور بتصريح متعجرف جديد قال فيه أن بريطانيا لن تتفاوض مع مصر في هذه الظروف، فقد كان يظن أن الانقسام في صفوف المصريين قضى على حركتهم.



 يحكي ضياء الدين الريس تفاصيل القصة على مدار عشر صفحات من كتابه، تلك القصة التي تنتهي بصدور بيان مشترك لقيادات الحركة الطلابية نشر في صحف السبت 7 ديسمبر، وتلي أمام نصب الشهداء، كان الريس هو محرر مسودته.

*****

الخميس، 24 نوفمبر 2016

(10)

يوم 14 نوفمبر 1934

عماد أبو غازي

  استمرت المظاهرات التي وصفها المؤرخون بأنها ثورة الشباب واعتبروها تقارب في قوتها وأهميتها ثورة 1919، وكانت مظاهرة 14 نوفمبر من أقوى هذه المظاهرات، وقد دفعت قوتها الحكومة إلى اتخاذ قرارًا بإغلاق الجامعة ظلت تجدده حتى تهدأ ثورة الطلبة، لكن الثورة تواصلت لعدة أيام وسقط فيها عشرات الجرحى والشهداء فبعد استشهاد محمد عبد المقصود شبكة ومحمد محمود النقيب من طنطا والعامل اسماعيل محمد الخالع في سرادق بيت الأمة يوم 13 نوفمبر، استشهد عبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة في مظاهرة 14 نوفمبر وعلي طه عفيفي الطالب بدار العلوم يوم 16 نوفمبر.

الشهيد محمد عبد المجيد مرسي
 لكن أشهر هؤلاء الشهداء الذين غيروا تاريخ مصر بدمائهم كان الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي شهيد كلية الآداب الذي أصيب بالرصاص في مظاهرة 14 نوفمبر.
 لقد بدأت الأحداث يوم الخميس 14 نوفمبر 1935 وفقًا لرواية الدكتور محمد ضياء الدين الريس بتجمع طلاب كلية الحقوق في الثامنة صباحًا بفناء الجامعة الرئيسي أمام كليتهم، وسرعان ما انضم إليهم طلاب كلية الآداب، وبدأت الهتافات المطالبة باستقالة الحكومة وعودة الدستور، ثم انضم إلى الحشد طلاب كلية الهندسة وطالبات كلية الآداب، واعتلت إحداهن منصة الخطابة وألقت كلمة حماسية، أعقبتها كلمات لممثلي كليات الجامعة؛ وبعد احتشاد الطلاب خرجوا في مظاهرة كبيرة سارت في شارع المدارس (شارع الجامعة الآن) فانضم لها طلاب كليات الزراعة والطب البيطري والمدرسة السعيدية ومدرسة التجارة المتوسطة، وسارت المظاهرة حتى وصلت كوبري عباس دون تدخل من قوات البوليس التابعة لمحافظة الجيزة، وبمجرد أن عبرت المظاهرة كوبري عباس ووصلت إلى الروضة تصدت لهم قوة من الكونستبلات الإنجليز بقيادة البكباشي ليز والكونستابل لوكنر، وأصدر المستر كين بويد مدير إدارة الأمن الأوروبي بوزارة الداخلية أوامره بإطلاق الرصاص على المظاهرة، فأصيب الطالب محمد عبد المجيد مرسي من طلاب كلية الزراعة بعدة رصاصات أودت بحياته، كما أصيب عدد من الطلاب بالرصاص الحي وكانت إصابة الطالب محمد عبد الحكم الجراحي الذي أصيب بعدة رصاصات خطيرة فتم نقله إلى مستشفى قصر العيني، واستمر الجراحي يصارع الموت خمسة أيام، وكانت متابعة الصحافة لإخباره يومًا بيوم سببًا في التفاف مشاعر الأمة حول الشاب الذي كان في العشرين من عمره.

الشهيد علي طه عفيفي

هذا وكان أحمد لطفي السيد مدير الجامعة قد اتخذ قرارًا بإغلاق الجامعة لمدة أسبوع اعتبارًا من يوم 14 نوفمبر، وكذلك إغلاق نادي الجامعة بشارع المناخ (عدلي) وكان النادي ملتقى لطلاب الجامعة وأساتذتها، لكن مدرسة دار العلوم العليا التي كانت حتى ذلك الحين لا تتبع الجامعة قررت استئناف التظاهر يوم السبت 16 نوفمبر، وبعد خروج المظاهرة من مبنى المدرسة القديم بشارع المبتديان في طريقها إلى بيت الأمة تصدت لها قوات الشرطة والجيش وتعدت على المتظاهرين بالهراوات، وأصيب الطالب علي طه عفيفي بكسر في قاع الجمجمة بعد أن تعرض للضرب بعنف من بعض الجنود، واستشهد في اليوم التالي، وشيعه جمع كبير من المواطنين في جنازة شعبية كبيرة زادت من السخط على الحكومة.

علي طه عفيفي مصابًا قبيل وفاته
وفي نفس اليوم خرجت المظاهرات من طلاب المدارس الثانوية في معظم محافظات مصر، وتصدى لها البوليس والجيش بالقوة، وتم القبض على العشرات وتقديمهم لمحاكمات عاجلة، حصل معظمهم فيها على البراءة أو على أحكام مخففة.
 أما الأزهر، فبمجرد أن تسرب نبأ نية طلابه تنظيم مظاهرات ضد الحكومة، قام الشيخ المراغي شيخ الجامع الأزهر بتعطيل الدراسة بمناسبة اقتراب شهر رمضان، رغم أن الأحداث جرت في منتصف شعبان، وقد اتخذ الشيخ قراره بعد لقاء استمر لمدة ساعة كاملة مع المستر كين بويد.
 وفي نفس الوقت استمرت محاولات الأطباء في مستشفى قصر العيني لإنقاذ حياة عبد الحكم الجراحي دون جدوى، وكانت الرسائل التي يبعث الجراحي بها من سريره وهو بين الحياة والموت سببًا في حفز همم المصريين واشتعال الموقف ضد حكومة توفيق نسيم وضد الاحتلال، فقد بعث إلى مستر بلدوين رئيس وزراء بريطانيا رسالة قال في مطلعها إلى بريطانيا روح الشر، وعدد فيها مظاهر عدوان بريطانيا على الشعوب وتنبأ بقرب زوال إمبراطوريتها، كما بعث برسالة أخرى إلى زملائه قال فيها:
 "إخواني الأعزاء: إني أشكر لكم شعوركم السامي بالنسبة لما أديته، وأعتبره أقل من الواجب في سبيل البلد الذي وهبنا الحياة بل وهب الحضارة للعالم".

الجراحي
 عندما علم الطلاب بنبأ وفاة الجراحي قرروا أن يشيعوا جثمانه في جنازة شعبية تليق به وبالقضية التي استشهد من أجلها، وتناوبوا على حراسة الجثمان حتى لا تختطفه الحكومة ليدفن في صمت مثلما حدث مع زميله الشهيد محمد عبد المجيد مرسي.
 وخرجت الجنازة من مستشفى قصر العيني يتقدمها مصطفى النحاس وأحمد لطفي السيد رئيس الجامعة ومنصور فهمي عميد كلية الآداب وعشرات من الساسة المصريين من مختلف الاتجاهات وزعماء النقابات المهنية والعمالية، وآلاف الطالبات والطلاب، وتقدم العلم المصري الأخضر الجنازة وتوجهت الجنازة إلى مسجد السيدة زينب حيث صُلي على الجثمان، ومن هناك إلى المدافن، وكان الطريق محفوفا بآلاف المواطنين يهتفون لمصر ولشهيدها، وأصوات النساء ترتفع من الشرفات والشبابيك مودعة جثمان عبد الحكم في رحلته الأخيرة. مشهد رأيته يتكرر في نوفمبر 2012 في جنازة الشهيد جابر صلاح (جيكا) شهيد موقعة محمد محمود الثانية الذي ودعه الآلاف في جنازة سارت من جامع عمر مكرم إلى مدافن باب الوزير في القلعة، بعد أن ظل في حالة موت إكلينيكي لمدة خمسة أيام، وقد نقل الجثمان بعد ذلك إلى مدفن جديد بالقرب من باب النصر.

شاهد قبر الشهيد عبد الحكم الجراحي
وقد وصف بشتلي أفندي في تقريره بالقلم المخصوص بوزارة الداخلية الجنازة قائلا:
 "عندما يموت أحد المتظاهرين تكون المشكلة الكبرى أمام السلطات هي أن تنتهي الجنازة بأقل قدر ممكن من الاضطرابات، وقد نجح البوليس في تلافي القلاقل الخطيرة في كل الحالات عدا حالة واحدة، حالة محمد عبد الحكم الجراحي الذي توفي في 19 نوفمبر، وفي بادئ الأمر أخفى طلبة الطب الجثمان في المستشفى ورفضوا الإفصاح عن مكانه، حتى أعطيت التأكيدات بأنه سوف يسمح بخروج جنازة شعبية، وقد اشترك جمع غفير في الجنازة التي خرجت في مساء نفس اليوم، وعومل الفقيد باعتباره بطلًا وطنيًا، ورافق زعماء سياسيون، مثل النحاس وصدقي ومحمد محمود وآخرون مسيرة الجنازة لقدر من المسافة..."
 وقد غطت الأهرام الجنازة تغطية تفصيلية، وجاء في كلمة التحرير:
 "لقد شهدنا أمس أول بوادر الائتلاف الحقيقية في مأتم المغفور له محمد عبد الحكم الجراحي، فقد حقق هذا الفتى المعجزة التي حبطت دونها جهود المفكرين، إذ اجتمع وراء نعشه جميع رؤساء الهيئات والأحزاب، ساروا صفا واحدا وقد نسوا كل شيء إلا الضحية الغالية التي تسير الهوينة على أعناق الرفاق ملفوفة في علم البلاد."
 لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فما الذي حدث بين تشيع الجراحي يوم 19 نوفمبر وعودة الدستور يوم 12 ديسمبر 1935؟

*****

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...