الثلاثاء، 17 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور (28)

إعلان نوفمبر غير الدستوري وإعادة انتاج الاستبداد

عماد أبو غازي
 كانت مشكلة صياغة الدستور أحد أهم أسباب اتساع الفجوة داخل المجتمع المصري في الأسابيع الأخيرة من سنة 2012، الفجوة بين الحكم والمعارضة السياسية، الفجوة بين تيارات الإسلام السياسي من ناحية ومعظم أطياف المجتمع المصري من ناحية أخرى، وكان إصرار جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها على عدم تقديم تنازلات، وإحساسهم بأن لحظة "التمكين" قد أتت، ورفضهم لأي محاولات للوصول إلى حلول وسط، دافعًا لمعظم الأطراف التي تبقت داخل الجمعية التأسيسية من خارج الجماعة وحلفائها إلى الانسحاب.


 وكان صيف 2012 قد شهد مرحلة الصراع بالإعلانات الدستورية بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين، حيث استبق المجلس نتائج الانتخابات الرئاسية في جولة الإعادة بإعلان دستوري مكمل في 17 يونيو  2012، يحدد سلطات الرئيس المنتخب أيًا كان، وفي 12 أغسطس أصدر رئيس الجمهورية إعلانه الدستوري الأول الذي ألغى به آثار إعلان يونيو، وجاء ذلك بعد أيام قليلة من جنازة شهداء مذبحة رفح التي فشل رئيس الجمهورية في السير فيها بسبب احتجاجات الجماهير المحتشدة على وجوده، والتي تعرض رئيس وزرائه الدكتور هشام قنديل للاعتداء خلال صلاة الجنازة بمسجد آل رشدان فانسحب هو الأخر دون أن يتمكن من المشاركة في الجنازة، وقبل مظاهرات 24 أغسطس التي دعت لها بعض القوى السياسية، ويبدو أن ما حدث في الجنازة من ناحية واستباق مظاهرات 24 أغسطس من ناحية أخرى، كان دافعًا لمرسي لإصدار إعلانه الدستوري الأول وما صحبه من قرارات.



 ثم جاءت مظاهرات جمعتي "كشف الحساب" و"مصر مش عزبة" في أكتوبر لتؤكد اتساع الفجوة بين الحكم والمعارضة، تعددت الاحتجاجات واتسع مجالها. ث


م زادت حدة الاحتقان مع الأحداث التي وقعت في الذكرى الأولى لأحداث محمد محمود واستشهد فيها الشاب جابر صلاح (جيكا).


 وبدى واضحًا أن الأمور تسير في طريق الصدام بين الرئيس وجماعته من ناحية وباقي ألوان الطيف السياسي والمجتمعي من ناحية أخرى، ومع ازدياد حالة الاحتقان فاجأ الرئيس محمد مرسي الجميع بإعلانه الدستوري الذي أذيع في عصر يوم الخميس 22 نوفمبر 2012، ذلك الإعلان الذي نقل به الصراع إلى نقطة اللاعودة، مع القوى السياسية والقضاء.


  بدأ الإعلان الدستوري بديباجة طويلة قدم فيها الرئيس مبرراته لإصدار الإعلان، جاء فيها: "بعد الاطلاع على الإعلان الدستورى الصادر في 13 فبراير 2011، وعلى الإعلان الدستورى الصادر في 30 مارس 2011، وعلى الإعلان الدستورى الصادر في 12 أغسطس 2012، لما كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 قد حملت رئيس الجمهورية مسئولية تحقيق أهدافها والسهر على تأكيد شرعيتها وتمكينها بما يراه من إجراءات وتدابير وقرارات لحمايتها وتحقيق أهدافها، وخاصة هدم بنية النظام البائد وإقصاء رموزه والقضاء على أدواته في الدولة والمجتمع والقضاء على الفساد واقتلاع بذوره وملاحقة المتورطين فيه وتطهير مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية مصر وشعبها والتصدى بمنتهى الحزم والقوة لرموز النظام السابق والتأسيس لشرعية جديدة تاجها دستور يرسي ركائز الحكم الرشيد الذي ينهض على مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية ويلبي طموحات الشعب ويحقق آماله."
 أما مواد الإعلان السبعة فكانت كما يلي:
 المادة الأولى: تعاد التحقيقات والمحاكمات في جرائم القتل والشروع في قتل وإصابة المتظاهرين وجرائم الإرهاب التي ارتكبت ضد الثوار بواسطة كل من تولى منصبًا سياسيًا أو تنفيذيًا في ظل النظام السابق وذلك وفقًا لقانون حماية الثورة وغيره من القوانين.
 المادة الثانية: الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 30 يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد تكون نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأى طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض بقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية.
 المادة الثالثة: يعين النائب العام من بين أعضاء السلطة القضائية بقرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات تبدأ من تاريخ شغل المنصب ويشترط فيه الشروط العامة لتولي القضاء وألا يقل سنه عن 40 سنة ميلادية ويسري هذا النص على من يشغل المنصب الحالي بأثر فوري.
المادة الرابعة: تستبدل عبارة تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته 8 أشهر من تاريخ تشكيلها، بعبارة تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته 6 أشهر من تاريخ تشكيلها الواردة في المادة 60 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011.
المادة الخامسة: لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور.
المادة السادسة: لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد ثورة 25 يناير أو حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها، أن يتخذ الإجراءات والتدابير الواجبة لمواجهة هذا الخطر على النحو الذي ينظمه القانون."
 أما المادة السابعة فتتعلق بنشر القرار في الجريدة.
كما أصدر رئيس الجمهورية قرارًا بعزل النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، وتعيين المستشار طلعت إبراهيم بدلًامنه، وقرارًا جمهوريًا بقانون بتحديدمعاشات أسر شهداء الثورة، كما طرح مشروع قانون حماية الثورة، مستعيدًا بذلك تراث الأنظمة الاستبدادية في مصر التي كانت تمرر أكثر القرارات ترسيخًا لسلطة الحاكم المستبد وسط حزمة من القوانين التي تبدوا كما لو كانت في صالح الشعب.

 كانت قرارات 22 نوفمبر صادمة ومفاجئة، كانت ترسخ للاستبداد والحكم المطلق، وقد فتحت على الرئيس جبهة واسعة من المعارضة، وكانت المسمار الأول في نعش شرعيته، تحولت جمعة "عيون الحرية" التي كانت القوى الثورية تعد لها في إطار إحياء ذكرى أحداث محمد محمود الأولى والاحتجاج على انتهاكات محمد محمود الثانية إلى احتجاجات على الإعلان الدستوري، وعادت وتيرة المسيرات الكبرى أيام الأحد والثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، وتشكلت جبهة الإنقاذ في محاولة من الأحزاب والقوى الديمقراطية لمواجهة القرارات، ومحاولة التصدي لمشروع الدستور الذي تعده الجمعية التأسيسية.
 كما دفع هذا الإعلان الدستوري عددًا من أعضاء الهيئة الاستشارية التي شكلها محمد مرسي عقب توليه الرئاسة إلى الاستقالة من مناصبهم.
 لكن لماذا كنا نرفض الإعلان الدستوري والقرارات التي أصدرها الدكتور مرسي؟
 كانت الأحزاب والقوى الديمقراطية ترى أن الاعلان الدستوري يعطي رئيس الجمهورية سلطات مطلقة غير قابلة للمراجعة، ولا تخضع لرقابة القضاء بكل مستوياته؛ لا القضاء الدستوري ولا القضاء الإداري، كما أن  الاعلان أعطى رئيس الجمهورية حق إصدار ما يشاء من قوانين وقرارات دون أي ضوابط او رقابة او مراجعة، فضلًا عن أته كان يعطل سلطة المحكمة الدستورية ويغل يدها في الرقابة على القوانين، ويعيق سلطة القضاء الإداري في الرقابة على القرارات الإدارية، ومنع الاعلان القضاء من استكمال النظر في قضايا مرفوعة أمامه مما يشكل اعتداء على استقلال القضاء ومصادرة لحق المواطنين في التقاضي، كذلك جعل الاعلان لرئيس الجمهورية حق اتخاذ إجراءات استثنائية وقرارات وفقًا لتقديره هو، وهذه الإجراءات لا يجوز وقفها أو مراجعتها أو الاعتراض عليها أمام القضاء. . 
 أما مشروع قانون حماية الثورة فكان يعطي النائب العام حق احتجاز المواطنين لمدة ٦ اشهر دون رقابة من أية جهة قضائية. 

 الخلاصة أن الإعلان وما صحبه من قرارات كانت تجعل رئيس الجمهورية حاكمًا مطلق السلطات، فهو يجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية في يده ويعطل عمل السلطة القضائية ويتعدى عليها.

 كانت القرارات تضع مصر في حالة طوارئ أسواء مما عاشته في عصر مبارك.
 كان الهدف المباشر وراء كل هذه الخطوات منح الفرصة للجمعية التأسيسية من إنهاء مشروع الدستور، وطرحه للاستفتاء، وتمريره.


 على مدى أسبوعين تصاعدت الاحتجاجات، وخرج مئات الألوف إلى الشوارع، وقام المتظاهرون بحصار قصر الاتحادية يوم الثلاثاء 4 ديسمبر 2012، وكان في مقدورهم اقتحامه، واعتصم المتظاهرون حول القصر، وفي اليوم التالي الأربعاء 5 ديسمبر 2012 دفعت جماعة الإخوان بميلشياتها لفض الاعتصام بالقوة، وتواصلت المعارك لعدة ساعات سقط فيها عدد من الشهداء.





وفي يوم الجمعة 7 ديسمبر 2012 عاد عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى محيط قصر الاتحادية وتواصل الاعتصام هناك إلى جانب اعتصام التحرير.

الاثنين، 16 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 27 )

معركة الجمعية التأسيسية للدستور

 فرض الأمر الواقع

عماد أبو غازي

 أسفرت الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الأسابيع الأخيرة من عام 2011 والأسابيع الأولى لعام 2012 عن حصول تيارات الإسلام السياسي مجتمعة على الأغلبية في مجلسي الشعب والشورى، وتصدر حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين الأحزاب الممثلة في البرلمان، مع حصول أحزاب التيار المدني والنظام القديم والمستقلين على ما يقارب ثلث مقاعد المجلسين، وبدأت أعمال مجلس الشعب في 23 يناير 2012، وبعد أسابيع قليلة اتجه حزب الحرية والعدالة وحلفاؤه إلى تشكيل الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور.


 وفي شهر مارس 2012 عقد البرلمان عدة جلسات لتحديد أسلوب اختيار الجمعية التأسيسية، الذي كان أحد مواضيع الخلاف الرئيسية في وثيقة السلمي، وتم الاتفاق في الاجتماع الثاني على أن يكون تشكيل الجمعية التأسيسية على أساس 50% من أعضاء البرلمان و50% من خارجه، وفي الاجتماع الثالث الذي عقد في 24 مارس 2012 تم تشكيل الجمعية، وكان تشكيل الجمعية التأسيسية محل إنتقادات واسعة من معظم القوى السياسية، لغياب المعايير والإشتراطات الواضحة في اختيار الجمعية، كما اتهم المنتقدين جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي عمومًا بالسعي إلى الهيمنة على الجمعية التأسيسية، بالإضافة إلى ضعف نسب تمثيل قطاعات رئيسية في المجتمع المصري.


وفي 10 إبريل 2012 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا بحل الجمعية التأسيسية، فقام البرلمان في 12 يونيو 2012، قبيل حله مباشرة في 14 يونيو، بتشكيل جمعية تأسيسية أخرى، عقدت أولى جلساتها في 18 يونيو 2012 واختارت المستشار حسام الغرياني رئيسًا لها.


 وقد قاطعت معظم الأحزاب المدنية جلسة تشكيل الجمعية التأسيسية الثانية، ورفضت الانضمام إليها، وأعلن الدكتور زياد بهاء الدين رئيس الكتلة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي أن الأجواء السائدة لا تسمح بالتوافق.


 وأعلن الدكتور البرادعي أن تشكيل الجمعية التأسيسية وأد للثورة.


 وانسحبت المحكمة الدستورية العليا بقرار من جمعيتها العمومية من المشاركة في الجمعية الجديدة، ثم توالت الانسحابات في الأسابيع التالية بعد أن بدى واضحًا للجميع أن تيارات الإسلام السياسي تسعى لفرض رؤيتها في صياغة الدستور الجديد.


 وكان حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشعب قد أدى إلى صدور قرار من المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبل أقل من 48 ساعة من جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية بين مرسي وشفيق بحل المجلس.

 أعقبه إصدار إعلان دستوري مكمل يوم 17 يونيو 2012، وكان فرز صناديق الانتخابات في بدايته، وتضمن ذلك الإعلان عدة موضوعات أهمها:
تحصين أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة من العزل لحين إقرار الدستور الجديد، ومباشرة المجلس صلاحية التشريع وإقرار الموازنة لحين انتخاب مجلس الشعب الجديد، بالإضافة إلى حق المجلس في حال تعذر عمل الجمعية التاسيسية للدستور في تشكيل جمعية تأسيسية جديدة، كما أعطى الحق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في الاعتراض على نص أو أكثر من النصوص المقترحة للدستور، حيث نصت المادة 60م1 على أنه: "إذا رأى رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس مجلس الوزراء أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية أو خمس عدد أعضاء الجمعية التأسيسية، أن مشروع الدستور يتضمن نصًا أو أكثر يتعارض مع أهداف الثورة ومبادئها الأساسية التي تتحقق بها المصالح العليا للبلاد، أو مع ما تواتر من مبادئ في الدساتير المصرية السابقة، فلأي منهم أن يطلب من الجمعية التأسيسية إعادة النظر في هذه النصوص خلال مدة أقصاها 15 يومًا، فإذا أصرت الجمعية علي رأيها، كان لأي منهم عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا، وتصدر المحكمة قرارها خلال سبعة أيام من تاريخ عرض الأمر عليها، ويكون القرار الصادر من المحكمة الدستورية العليا ملزما للكافة، وينشر القرار بغير مصروفات في الجريدة الرسمية خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدوره، وفي جميع الأحوال يوقف الميعاد المحدد لعرض مشروع الدستور على مجلس الشعب لاستفتائه في شأنه، والمنصوص عليه في المادة 60 من هذا الإعلان الدستوري حتى الانتهاء من إعداد مشروع الدستور في صياغته النهائية وفقا لأحكام هذه المادة."

 وبعد تسلم مرسي للسلطة في 30 يونيو 2012 بأسابيع قليلة أصدر إعلانه الدستوري الأول في 12 أغسطس 2012، ذلك الإعلان الذي استعاد فيه رئيس الجمهورية السلطات التي سلبه إياها إعلان 17 يونيو، ونصت مادته الأولى على إلغاء الإعلان الدستورى الصادر فى 17 يونيو 2012، ومادته الثانية على مباشرة رئيس الجمهورية لجميع سلطاته المنصوص عليها في الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 فور توليه منصبه.


 ونصت المادة الثالثة على أنه: "إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية لعملها، شكل رئيس الجمهورية خلال 15 يومًا جمعية تأسيسية جديدة تمثل أطياف المجتمع المصرى بعد التشاور مع القوى الوطنية لإعداد مشروع الدستور الجديد خلال 3 أشهر من تاريخ تشكيلها ويعرض مشروع الدستور على الشعب لاستفتائه فى شأنه خلال 30 يومًا من تاريخ الانتهاء من إعداده وتبدأ إجراءات الانتخابات التشريعية خلال شهرين من تاريخ إعلان موافقة الشعب على الدستورى الجديد."

 كما أصدر في نفس اليوم قرارات بإعفاء عدد من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة من مناصبهم على رأسهم المشير طنطاوي والفريق عنان، مع تعيين عدد منهم في مواقع مدنية أخرى.


 وفي هذه الأثناء باشرت الجمعية التأسيسية عملها ببطء، وتم رفع دعوى أمام القضاء الإداري مرة أخرى لحل التشكيل الثاني للجمعية، ولكن المحكمة بتاريخ 23 أكتوبر 2012 حكمت بعدم اختصاصها في القضية، بدعوى أن التشكيل الثاني للجمعية صدر بقانون، ولا يجوز للمحكمة النظر في القوانين، وكان محمد مرسي بعد توليه السلطة قد أصدر قانون بتشكيل الجمعية التأسيسية، وفتح هذا الحكم الباب أمام الجمعية للأسراع بعملها.



 وكانت الاحتجاجات تتزايد ضد الرئيس مرسي، وقد بدأت في شهر أغسطس بعد مذبحة رفح، وتصاعدت في جمعة كشف الحساب، التي نظمتها الحركات الثورية والأحزاب بمناسبة عدم وفاء الرئيس بما وعد به في المائة يوم الأولى من حكمه.


 وقد تصدت ميلشيات الإخوان للمتظاهرين واعتدت عليهم، الأمر الذي دفع الجمعية الوطنية للتغيير وعدد من الأحزاب والحركات الثورية إلى الدعوة لجمعة "مصر مش عزبة" يوم 19 أكتوبر 2012.


الأحد، 15 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 26 )

سقوط دستور 1971 والمسار المرتبك

عماد أبو غازي
 لقد عاش دستور 1971 قرابة أربعين عامًا وأدخلت عليه تعديلات عدة، وعندما قامت ثورة 25 يناير 2011 كان أسقاط هذا الدستور في مقدمة مطالبها، كانت فكرة دستور جديد تلح على كثير من الأطياف السياسة، لكلٍ مشروعه، ولكلٍ دستوره، كانت هناك منذ سنوات عدة مشاريع لدساتير مختلفة، كل واحد منها يعبر عن تيار سياسي.
 في أيام الثورة الثمانية عشر أصبح السؤال حول الموقف من دستور 1971 مطروحًا بشدة، ماذا عن الدستور، تعديل أم إلغاء؟ لقد اعتراف النظام بالحاجة لتعديل الدستور وقدم التعهدات الغائمة في البداية، كان مبارك يتصور أن بإمكانه احتواء الثورة من خلال إقالة الوزارة، وتعيين نائب له، والإعلان عن قبول أحكام محكمة النقض فيما يتعلق بالطعون الانتخابية، والتعهد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا أن تجرى في سبتمبر من نفس العام، والإعلان عن لا نية للتوريث، ثم تشكيل لجنة لتعديل عدد من مواد الدستور التي كانت مثارًا للجدل ولانتقادات المعارضة، لكن قرارات مبارك كانت تأتي متأخرة دومًا.


 بدأت اللجنة المشكلة لدراسة تعديل الدستور تباشر عملها، لكن عمل اللجنة توقف مع تنحي مبارك وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة دفة الأمور، وتم تعطيل العمل بالدستور وتشكيل لجنة جديدة بقرار من المجلس برئاسة المستشار طارق البشري بعد يومين من تنحي مبارك.

المستشار طارق البشري
 وكان بهذه اللجنة الجديدة تمثيل واضح لجماعة الإخوان المسلمين ولتيار الإسلام السياسي، كانت اللجنة مكلفة بمهمة محددة عليها أن تنجزها في عشرة أيام، وهي إعداد مقترح بتعديلات على بعض مواد الدستور وما يرتبط بها من قوانين.


 وكان في مقدمة مهام اللحنة: دراسة الغاء المادة 179 من الدستور  المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وتعديل المواد 88 و77 و76 و189 و93 وكافة ما يتصل بها من مواد تري اللجنة ضرورة تعديلها لضمان ديمقراطية ونزاهة انتخابات رئيس الجمهورية ومجلسي الشعب والشورى، ودراسة التعديلات اللازمة للقوانين المتعلقة بالمواد الدستورية محل التعديل.
 وانتهت اللجنة من إعداد مقترحها، الذي حدد مسارًا للمرحلة الانتقالية ينتهي خلال ستة أشهر بانتخابات برلمانية ورئاسية، ثم تشكيل البرلمان بمجلسيه لجمعية تأسيسية تضع الدستور الجديد للبلاد؛ وبناء على هذا أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة قرارًا بدعوة الناخبين للاستفتاء على التعديلات في التاسع عشر من مارس 2011.


 وهنا بدأت على الساحة السياسية معركة جديدة؛ وانقسم المجتمع إلى فريقين؛ فريق يرفع شعار "الدستور أولًا"، ويضم معظم القوى الثورية والأحزاب الليبرالية واليسارية، وفريق يرفع شعار "الانتخابات أولًا"، ويضم تيار الإسلام السياسي بتنويعاته، وعدد قليل من رموز التيار المدني والقوى الثورية.


 وبناء على هذا الاستقطاب كانت تتم دعوة الناخبين بالتصويت بنعم أو لا في الاستفتاء، كما حولت تيارات الإسلام السياسي المعركة إلى معركة حول الهوية الإسلامية واعتبرت أن الداعين لإسقاط دستور 71 يهدفون إلى إلغاء المادة الثانية، كما روج قطاع من الإعلام الرسمي لفكرة أن الموافقة على التعديلات هي الطريق للاستقرار.


 وقبل إجراء الاستفتاء استقالت حكومة الفريق أحمد شفيق وتم تكليف الدكتور عصام شرف بتشكيل الحكومة، التي أعتبرت حكومة الميدان، كان موقف عدد من وزراء الحكومة الجديدة مع البدء بصياغة دستور جديد ثم إجراء الانتخابات على أساسه.


 وفي أول اجتماع للحكومة عقب أداء اليمين الدستورية اقترح وزير العدل المستشار محمد عبد العزيز الجندي وقف إجراءات الدعوة إلى الاستفتاء، وإصدار إعلان دستوري لإدارة المرحلة الانتقالية، لكن الاقتراح قوبل بالرفض من المشير طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، باعتبار أن الدعوة قد تمت للاستفتاء بالفعل ولا مجال للرجوع فيها.


 تم الاستفتاء في 19 مارس، وشارك فيه قرابة 45% من مجموع الناخبين، وشابته بعد المخالفات الطفيفة، كما تعرض الدكتور محمد البرادعي للاعتداء أثناء توجهه للإدلاء بصوته في المقطم، فأضطر للمغادرة دون التصويت.


 وحازت التعديلات على موافقة 77% من المشاركين في الاستفتاء، ووصف أحد مشايخ السلفية ما حدث بأنه غزوة الصناديق، في إصرار على تديين الصراع الدستوري.

 وفقًا لهذه النتيجة، كان من المفترض أن يعود دستور 1971 إلى الحياة معدلًا، ومن ثم يتولى إدارة شؤون البلاد رئيس المحكمة الدستورية العليا وفقًا لنصوص الدستور، باعتبار أن مجلس الشعب منحل، أو هكذا كان يبدو منطق الأمور! لكن ما حدث كان أمرًا مختلفًا تمامًا؛ ففي 30 مارس 2011 أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلانًا دستوريًا من 63 مادة، تضمنت المواد الإحدى عشر التي تم الاستفتاء عليها في 19 مارس، والمواد الأساسية في دستور 71 مع تعديلات طفيفة.
 لم ينتهي الصراع بصدور الإعلان الدستوري المنظم للفترة الانتقالية، فقد ظل كل طرف على موقفه، وشهدت هذه المرحلة تأسيس عدد من الأحزاب الجديدة، كان أبرزها في التيار المدني بأجنحته المختلفة: الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وحزب المصريين الأحرار، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وحزب مصر الحرية، وحزب العدل، إلى جانب أحزاب التيار الإسلامي: الحرية والعدالة، والنور، والأصالة، والبناء والتنمية، ومصر القوية، هذا إلى جانب عدد آخر من الأحزاب الصغيرة التي كان بعضها إعادة انتاج للحزب الوطني الديمقراطي الذي تم حله بحكم قضائي، وبلغ عدد الأحزاب في سبتمبر 2011 قرابة خمسين حزبًا نصفها أحزاب جديدة، وكانت قضية الدستور أولًا أم الانتخابات أولًا، قضية خلافية أساسية بين هذه الأحزاب.
 استمر مسار الإعداد للانتخابات مع تمسك المجلس الأعلى للقوات المسلحة به، واستمرت تصريحات عدد من وزراء الحكومة، خاصة أعضاء المجموعة السياسية، تؤكد على أن المسار الصحيح ينبغي أن يبدأ بالدستور، وانتصر المسار الأول.

الدكتور يحيى الجمل
 وخلال الفترة من مارس حتى نوفمبر 2011 طرحت عدة مبادرات للحوار، الأولى عرفت باسم الحوار الوطني وكان الهدف منها الخروج باتفاقات عامة بين القوى السياسية والاجتماعية تفتح الباب أمام وضع ضوابط للجمعية التأسيسة عند صياغتها للدستور، وتولى المسؤلية عن ملف هذا الحوار الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء، لكن الجلسة الأولى التي كانت مذاعة على الهواء، فتحت أبواب هجوم واسع على آلية الحوار بسبب مشاركة بعض أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي فيه، وطرح فكرة المصالحة في إطار العدالة الانتقالية.

الدكتور عبد العزيز حجازي
 ونتيجة لهذا الهجوم تم نقل إدارة الملف إلى الدكتور عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء السابق ورئيس اتحاد الجمعيات، واسند إلى الدكتور يحيى الجمل مهمة إدارة حوار ثان عرف باسم الحوار القومي، ولم يسفر أيًا من الحوارين عن نتائج ذات بال فيما يتعلق بقضية صياغة دستور جديد.
 وبدى واضحًا أن الجميع يتجه نحو الانتخابات البرلمانية، وخلال شهر سبتمبر أثيرت مشكلة جديدة تتعلق بقانون الانتخابات ونسبة مقاعد الفردي والقوائم الحزبية، فبدأ حوارًا موسعًا بين المجموعة السياسية في حكومة الدكتور عصام شرف وقادة الأحزاب، استمر على مدار أسبوعين، وعقدت في نهايته جلسة لجميع رؤساء الأحزاب بحضور بعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أصرت خلاله معظم الأحزاب السياسية المدنية على زيادة نسبة مرشحي القوائم، واقترحت بعض الأحزاب تأجيل الانتخابات من الأساس، بين أصر حزب الحرية والعدالة على إجراء الانتخابات في موعدها بأي نظام من أنظمة الانتخاب، وقد أسفرت هذه اللقاءات عن أدخال تعديل على الإعلان الدستوري في مادته الثامنة والثلاثين في 25 سبتمبر 2011، نص التعديل على أن يكون انتخاب ثلثي أعضاء البرلمان بالقوائم الحزبية المغلقة والثلث بالنظام الفردي.
 وفي 19 نوفمبر 2011 أضيفت مادة للإعلان الدستوري برقم 39 مكرر تنص على تنظيم مشاركة المصريين في الخارج في الانتخابات والاستفتاءات بقانون خاص، وكانت الحكومة قد أعلنت منذ توليها في مارس 2011 تبنيها لحق المصريين في الخارج في المشاركة في الانتخابات، لكن قوانين الانتخابات لم تنص على ذلك، إلى أن حصل عدد من المصريين بالخارج على حكم من محكمة القضاء الإداري يلزم الحكومة بتنظيم مشاركتهم في الانتخابات، ورفضت الحكومة الطعن على الحكم وأصرت على الالتزام بتنفيذه، فصدرت هذه الإضافة على التعديل الدستوري قبل استقالة الحكومة بأيام قليلة.
                                        الدكتور علي السلمي

 وكان اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية يثير نقاشًا متجددًا حول طريقة تشكيل الجمعية التأسيسية، والضوابط التي ستحكم عملها، وهنا ظهرت الوثيقة التي عرفت باسم "وثيقة السلمي"، والتي كانت تحدد أسلوب تشكيل الجمعية التأسيسية بما يضمن تمثيل كل الأطراف السياسية والقوى المجتمعية فيها، كما تحدد مجموعة من المبادئ يتم الاتفاق عليها لتكون هادية لعمل الجمعية التأسيسية عند صياغته للدستور الجديد، وكان الدكتور علي السلمي قد طرح هذه الوثيقة في صورتها الأولى في صيف 2011 قبل أن ينضم إلى التشكيل الثاني لحكومة عصام شرف نائبًا لرئيس الوزراء للتحول الديمقراطي.

في الجلسة الأولى للحوار حول الوثيقة 
 وأعيد إحياء الوثيقة مرة أخرى بناء على اقتراح من المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أواخر أكتوبر، ودارت حولها نقاشات موسعة في الأسبوعين الأولين من شهر نوفمبر 2011، شارك ممثلين لمعظم الأحزاب والقوى الثورية وقاطعتها أحزاب التيار الإسلامي، ودعت الأخيرة إلى تحويل جمعة المطلب الواحد التي كان مقررًا لها يوم 18 نوفمبر من المطالبة بتسليم المجلس الأعلى للسلطة إلى المطالبة بإقالة الدكتور علي السلمي، ورغم أن بعض أعضاء المجموعة السياسية لمجلس الوزراء اجتمعوا يوم 15 نوفمبر بممثلين للتحالف الديمقراطي الذي كان يقوده حزب الحرية والعدالة وتوصلوا لصيغة مقبولة من كل الأطراف، إلا أن رئيسي حزب الحرية والعدالة والنور التقوا في اليوم التالي برئيس الوزراء وأصروا على سحب الوثيقة، وعلى النزول إلى الميدان يوم 18 نوفمبر.
 وفي اليوم التالي بدأت أحداث محمد محمود الأولى، لتجري في النهر دماء جديدة.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...