السبت، 12 مارس 2016

حكاية القاضى والشاعر والسلطان
عماد أبو غازى
  لقد تعاقب على مصر الحكم الأجنبي لقرون طويلة منذ احتلها الفرس في القرن السادس قبل الميلاد، وكانت معاناة المصريين الشديدة من ظلم الحكام الأجانب فتوالت ثوراتهم جيلًا بعد جيل، وعادة كانت تلك الثورات وحركات التمرد ضد الحكام الأجانب وطغيانهم تنتهي إلى الفشل أمام قوة الحاكم وجبروته، لكن سلاحًا آخر ظل عبر العصور سلاح المصريين الماضي والذي لم يستطع حاكم أو محتل مهما بلغت قوته أن يقضى عليه، إنه سلاح النكتة والسخرية والتعبير عن رفض الظلم والطغيان من خلال الأدب.
 لقد حرص الحكام الأجانب الذين استولوا على حكم مصر منذ الاحتلال الفارسي سنة 526 ق.م. على حرمان المصريين من حقهم في حمل السلاح وتجريدهم باستمرار من أية وسائل للدفاع عن أنفسهم ولم يقتصر الأمر في ذلك على فترات الاحتلال الأجنبي  وتحول مصر إلى ولاية تابعة لدولة أخرى مثلما كان عليه الحال فى العصور الفارسية والرومانية والبيزنطية والعثمانية مثلًا، بل امتد أيضا إلى الفترات التى كانت مصر فيها دولة مستقلة لكن يحكمها حكامًا أجانب وليس من المصريين مثلما كان الحال فى زمن البطالمة والطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك، فقد حرم المصري طوال تلك العصور من شرف الدفاع عن الوطن وبالتالي من حق حمل السلاح، ولم يستعد هذا الحق إلا في القرن التاسع عشر عندما أسس محمد علي الجيش الحديث، ومن هنا فقد كانت فرص نجاح ثورات المصريين محدودة، وطوال تلك العصور كان سلاح النكتة والسخرية والتعبير عن رفض الظلم والطغيان من خلال الأشكال الفنية والأدبية أقصى سلاح في يد المصري؛ فقد واجه المصريون ظالميهم بالسخرية منهم.
وسلاح السخرية عند المصري قديم قدم الحضارة المصرية، فقد عرفت مصر القديمة أقدم الرسوم الساخرة في التاريخ، والتي وصلتنا ملونة على أوراق البردي، كما لجأ المصري منذ أقدم العصور إلى التعبير عن شكاواه من خلال الأنواع الأدبية والفنية المختلفة من قصة وشعر وغناء.
 وحكايتنا اليوم من عصر المماليك الجراكسة الذين حكموا مصر منذ أواخر القرن الثامن الهجري حتى أوائل القرن العاشر، واستمر حكمهم قرابة مائة وأربعين عامًا، وقد ذاق المصريون شتى أنواع المظالم في عصر الجراكسة وتكاتفت عليهم ظروف الطبيعة القاسية من قحط ومجاعة مع نهم المماليك لجمع الأموال ومبالغتهم في استغلال المصريين ونهب ثروات البلاد؛ وربما كان السلطان الأشرف قانصوه الغوري أكثر حكام ذلك العصر ظلمًا وجورًا وقد أمتد حكمه من سنة 906 إلى 922 هـ.


 وعنه يقول المؤرخ محمد بن أحمد بن إياس المصري في ترجمته له بعد وفاته:
 "كان ملكًا مهيبًا جليلًا مبجلًا في المواكب، ملئ العيون في المنظر، ولولا ظلمه وكثرة مصادراته للرعية وحبه لجمع الأموال لكان خيار ملوك الجراكسة، بل وخيار ملوك مصر قاطبة، وأما ما عد من مساوئه فإنها كثيرة لا تحصى، منها أنه أحدث في أيام دولته من أنواع المظالم ما لا حدثت في سائر الدول من قبله، ومنها معاملته في الذهب والفضة والفلوس الجدد أنحس المعاملات، جميعها زنك ونحاس وغش ولا يحل صرفها، واستمر الغش في معاملته في مدة دولته إلى أن مات، ومن مساوئه أنه كان يضع يده على أموال التركات الأهلية ويأخذ مال الأيتام ظلمًا، ولو شرحنا مساوئه كلها لطال الشرح في ذلك".
 ومع كل هذه المساوئ التي عددها المؤرخ المصري محمد بن أحمد بن إياس فإن الغوري يعتبر من أشهر سلاطين عصره ليس فقط لطول فترة حكمه لكن أيضًا لسقوطه في ميدان المعركة دفاعًا عن البلاد ضد الغزو العثماني رغم كبر سنه، كذلك فإن كثرة المنشآت التي خلفها الغوري وأشهرها مجموعته المعمارية القائمة إلى الآن فى منطقة الغورية بالقاهرة الفاطمية أدت إلى ذيوع صيته عبر العصور؛ لكن حتى هذه المجموعة المعمارية المهمة لم تخل من القيل والقال؛ فقد كانت أرضها ورخامها بل وحتى أوقافها من المصادرات، وقد شيد الغوري هذه المنشآت ومنها الوكالة والمدرسة والمسجد والخانقاه والسبيل وهو يضع في اعتباره أن يدفن في إحداها وهي المدرسة، وفى ذلك يقول ابن إياس:
"ومن العجائب إنه لم يدفن فى مدرسته التى أصرف عليها نحو مائة ألف دينار، فصار مرميًا في البراري وقد تناهشته الذئاب والنمورة، فمات وله من العمر نحو ثمانى وسبعين سنة، ومن العجائب والغرائب أن الطواشي مختص، الذي كان بنى أساس مدرسة الغوري أولًا، وأخذها منه غصبًا في المصادرة، سأل الغوري من ذلك، فمنع الله تعالى الغوري من الدفن في مدرسته، وصار لا يعرف له مكان قبر، فعد ذلك من العبر"
وإذا كان ابن إياس قد أستخلص هذه العبرة بعد موت الغورى فإن المصريين قد سخروا من هذه المنشآت فى حياة السلطان، فقد أطلق الناس على مسجد السلطان الغوري اسم "المسجد الحرام" ولم يقصد المصريون بذلك بالطبع أن يشبهوا مسجده بالكعبة المشرفة، إنما كان قصدهم نوعًا من التورية الساخرة؛ فقد رأى المصريون أن الأموال التي شيد بها المسجد أموال مصادرة بغير حق، ورخامه مسروق من مساجد أخرى، وأرضه قام السلطان بالاستيلاء عليها دون سند، والأوقاف التي أوقفها عليه استولى عليها بغير حق، ومن هنا اعتبروا أنه مسجد بنى من مال حرام.


 وبالطبع لم يكن الغورى يستطيع أن يمارس كل هذه المظالم دون مساندة أعوان السوء وفى مقدمتهم القضاة الفاسدون الذين سهلوا له مصادرة أموال الأيتام وحل الأوقاف والاستيلاء عليها؛ ومن أشهر هؤلاء القضاة قاض اسمه عبد البر ابن الشحنة الحنفي وأصله من أسرة حلبية اشتغلت بالفقه والقضاء، وقد ذاع صيت عبر البر هذا في زمن السلطان الغوري وكان مقربًا إليه ساعده في كثير من مظالمه باستخدام الغش والتدليس والحيلة.
وقد أدرك المصريون مفاسد القاضي عبد البر بن الشحنة وتندروا بها، وقد حفظ لنا التاريخ أجزاء من قصيدة من قصائد الهجاء اللاذع هجا فيها جمال الدين السلاموني أحد شعراء ذلك العصر الشيخ عبد البر، حيث أوردها مؤرخ ذلك العصر ابن إياس المصري في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، ويصف ابن إياس القصيدة بأنها "قصيدة مطولة فيها ألفاظ فاحشة إلى الغاية وإساءة مفرطة لا ينبغي أن تذكر"، ولكنها أورد منها بعض أبيات على سبيل الاختصار، قال بعدها: "وأنا أستغفر الله العظيم وأتوب إليه"، فقد كان ابن إياس يرى أنه بترديد هذه الأبيات يرتكب معصية كبيرة.
ومن الأبيات التي وصلتنا قول الشاعر:
فشا الزور في مصر وفي جنباتها
ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها
أيُنكرُ في الأحكام زورٌ وباطلٌ
وأحكامُهُ فيها بمختلفاتها
إذ جاءه الدينار من وجه رشوة
يرى أنه حلٌ على شبهاتها
فإسلام عبد البر ليس يرى سوى
بعمته، والكفر فى سنماتها
ألست ترى الأوقاف كيف تبدلت
وكانت على تقديرها وثباتها
فإن كان فى الأوقاف ثم بقية
تكذبنى فيما أقول، فهاتها
ولابد من بيع الجوامع، تارك
الجماعات منها، مبطل جُمَعاتها
ولابد أن يستبدل الناس أعبُدًا
بأحرارها بيعًا لنفس ذواتها
ولو أمكنته كعبة الله باعها
وأبطل منها الحج مع عمراتها
ومصداق قولي أنه كان مغريًا
ليحيى بن سبع في خراب جهاتها
وقد كان ذئبًا لابن سبع وقومه
يطالع بالأخبار قبل رواتها
ولو يعط دينارًا وطاوعه الورى
لأسقط عنها صومها وصلاتها
شكت ملة الإسلام مما ينالها
بأفعاله يا هل تزيل شكاتها
فلا تخش إثمًا أن تخوض بعرضه
فغيبته للناس خير لغاتها
فماذا على الإسلام حَلَّ من الرد!
بأيام عبد البر مع سنواتها
 وترجع هذه القصيدة إلى عام 913 هجرية، لهذه القصيدة قصة ترجع إلى أحداث وقعت قبلها بعامين؛ فقد كان الشاعر جمال الدين السلاموني من أشهر شعراء عصره، وكان محبوبًا من المصريين يعبر عن همومهم من خلال الشعر، كما كان في ذات الوقت محببًا للسلطان يحرضه على هجاء من يغضب عليه، وكان قد عرف عنه الهجاء اللاذع.
 وقد عاين السلاموني المظالم التى أرتكبها أحد كبار موظفي الدولة وهو معين الدين بن شمس وكيل بيت المال فهجاه بقصيده قاسية، فاشتكى وكيل بيت المال إلى السلطان الغوري، فقال له: "إن وجب عليه شيىء بالشرع أدبه"، فنزل معين الدين من عند السلطان ووضع الشاعر السلاموني في الحديد ودفع به إلى بيت قاضي القضاة الحنفي عبد البر بن الشحنة وأقام الدعوى عليه، فما كان من القاضي إلا أن أمر بضرب السلاموني وتجريسه على حمار وهو مكشوف الرأس، وعندما علم السلطان بذلك، وبأن معين الدين ادعى أن السلطان الغوري سمح له بتجريس السلاموني، أمر السلطان باعتقال معين الدين وظل قيد الاعتقال لفترة طويلة.
 لكن السلاموني لم ينس ما فعله به قاضي القضاة عبد البر بن الشحنة؛ فكتب فيه قصيدته تلك التي أوردت أجزاءً منها، ولما كان عبد البر قاضيًا مكروهًا من الناس بسبب ما اشتهر به من الظلم والفساد، فقد تناقل الناس القصيدة وانتشرت بسرعة في القاهرة وضواحيها وسارت حديث المجالس والأسواق، فغضب عبد البر، وكان مقربًا للسلطان فانتهز فرصة صعوده للقلعة في مطلع العام الهجرى الجديد عام 913 لتهنئة السلطان بهذه المناسبة وشكا له من السلامونى، فأمر السلطان باستعاء السلاموني ووبخه وقال له: "أتهجو شيخ الإسلام بهذا الهجو الفاحش"، فأنكر السلموني وقال للسلطان: "أنا ما قلت فيه هذا كله"، فلما قامت عليه البينه بمجلس السلطان أن القصيدة له، أمر الغوري بتسليمه للقاضي لمحاكمته.

 وعندما انعقد مجلس القضاء بالمدرسة الصالحية النجمية، قرر القضاه جلد السلاموني وتجريسه في القاهرة لإدانته بسب قاضي القضاة، فتجمهر الناس بساحة المدرسة الصالحية وقد جمعوا الحجارة في أكمامهم، وأخذوا يرجمون القضاة بالحجارة وكادوا يقتلون عبد البر، فما كان من قاضي القضاة عبد البر إلا أن أعفا عن السلاموني من عقوبتي الجلد والتجريس لينقذ نفسه وقضاته من غضب الناس، لكن القضاة أصروا على سجنه، وكان السلطان الغورى قد خشى على هيبته خاصة وإن القصيدة تضمنت تلميحًا لسكوته عن مظالم عبد البر فسكت عن حبسه، واستمر السلاموني في السجن عدة شهور إلى أن أمر السلطان الغوري بإطلاق سراحه في رمضان من نفس العام.

الجمعة، 11 مارس 2016


ثلاثة مشاهد من وقائع الديوان

عماد أبو غازي

 في 2 أكتوبر سنة 1800 قرر مينو ثالث قادة الحملة الفرنسية على مصر إعادة تشكيل الديوان الذي كان بونابرت قد شكله عقب احتلاله لمصر، وقد تشكل ديوان مينو من تسعة من مشايخ الأزهر الكبار برئاسة الشيخ عبد الله الشرقاوي وأمانة سر الشيخ محمد المهدي وكان من بين أعضائه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي والحاج علي الرشيدي صهر مينو، وشغل إسماعيل الخشاب منصب كاتب الديوان، ومن خلال وظيفته تلك قدم لنا ملخصًا لجلسات ووقائع اجتماعات الديوان.
الشيخ عبد الله الشرقاوي


المشهد الأول: جلسة إجراءات

 ويذكر الخشاب في عرضه لوقائع الجلسة الأولى من جلسات الديوان كيف تم اختيار رئيس الديوان وكاتم سره بالانتخاب الذي يسميه القرعة، فيقول: "وبدأ بذلك في اليوم المبارك الموافق لاثني عشر شهر برومير الثاني من أشهر السنة التاسعة من المشيخة الفرنساوية، الموافق لخامس عشر شهر جماد الثاني سنة خمس عشر ومائتين وألف، وانعقد الاجماع في ذلك المجلس المنيف وحفل الديوان الشريف على أن يكون العلامة الشيخ عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان، والعلامة الشيخ محمد المهدي كاتم سر الديوان، وأن يكون الشيخ الفاضل عبد العال جاويشًا للديوان المرقوم، كل ذلك بالقرعة على جاري العادة في ذلك، بحضرة الوكيل واحتماع كلمة مدبرين الديوان بالقرعة على ذلك، ولما تم الحال على هذا المنوال، إلتمس حضرة الكمساري وكيل الديوان من رؤساء الديوان وأهله أن يكتبوا بذلك عرضًا إلى حضرة ساري العسكر يعلموه بذلك، ووقع التوافق في ذلك المجلس على أن يكون الديوان في كل ثلاثة أيام مبدأها يوم تاريخه، وأن يكون الحضور قبل الظهر بثلاث ساعات، وأن تكون مدة الجلوس بحسب الداعي، وطلب منهم أن يكتبوا كذلك إلى حضرة الجنلار ـ يقصد الجنرال ـ الكبير والهمام الذي ليس في همته وشجاعته نظير، ساري العسكر بونابارته، ذو الهمة العالية، ومدبر جمهور العساكر الفرنساوية، يهنوه فيه بالنصر على سائر القرانات، ويهدون إليه فيه صالح الدعوات، فأجابوه إلى ذلك".

المشهد الثاني: رسالة أهل الديوان إلى ساري عسكر بونابارته

  تأجل تحرير رسالة الديوان إلى بونابرت حتى الجلسة الرابعة التي انعقدت يوم الأربعاء 24 جماد آخر سنة 1215، الموافق 21 برومير سنة 9 وفقًا لتقويم الثورة الفرنسية، ففي تلك الجلسة وضع الشيخ محمد المهدي لنفسه كرسيًا بوسط الديوان وجلس عليه ليقرأ على الأعضاء نص الخطاب الذي صاغه بناء على تكليفهم ليرسلوه باسمهم وباسم شعب مصر إلى "حضرة عزيز المقام المشهور بين الخاص والعام عضيم العظماء والكبراء ... الجناب المهاب الأعظم، والمخصوص بالرأي التام بين الأمم، أمير الجيوش الفرنساوية على الإطلاق، والمنظور إليه في جميع الأقطار الآفاق، حضرة الجنلار بونابارته"، وبعد الديباجة الطويلة التي تحوي ألفاظ التفخيم والتعظيم والدعاء لبونابرت بالنصر وبلوغ الآمال، يبدأ نص الرسالة الذي يتشوق فيه مشايخ الديوان لرؤية طلعة بونابرت البهية في مصر مرة أخرى فتقول الرسالة: "وبعد مزيد الأشواق برؤياكم وتمني التلاقي بمحاسنكم ومزاياكم، فإن جنابكم أيها الأمير الجزيل شرفًا، الجميل لطفه وظرفه، أوعدتمونا مرارًا عديدة وفرحتونا بأقوالكم السديدة وألفاظكم السعيدة، بأن عينيك دائمًا ملاحظان لهذه البلاد، ونحن نتحقق وفاء وعدكم، إن الله لا يخلف الميعاد، خصوصا وأن الله سبحانه وتعالى أراد تمام كلما تقولونه على الإجمال".
الشيخ المهدي

 وينتقل مشايخنا الأجلاء لمخاطبة بونابرت باسم الشعب المصري كله: "كل سكان القطر المصري من أمراء وأعيان ومن سائر أحبابنا الذين يعز علينا نجاحهم ونحبهم من الإخوان، وأهل أنواع التجارة، وأرباب الصنائع في جميع مدائنهم والبنادر، أصحاب الفضائل والعلوم، وأرباب المحامد والمفاخر، والمشتغلين بالفلاحة والزراعة، وسائر النساء التي صان الله عرضهن على يديكم الشهيرة بالفروسية والشجاعة، وكامل الفقراء والمساكين، وجميع الشباب والشيوخ من الأغنياء والمقترين هم باتفاق واحد بنا إليكم متوسلين، وعلينا في مخاطبتكم معولين وبنا مستعينين، لكونهم يفهمون خطابنا ونفهم خطابهم، وجعلتونا حين كنتم عندنا واسطة بينكم وبينهم ونحن وإياهم جميعًا مبتهلون، وإلى الله راغبون طالبين من فضل رب العالمين أن تكونوا دائمًا على أعدائكم منتصرين ظافرين ولفعل الخيرات متعطفين محبًا وعضدًا للفقراء والمساكين، موقرًا مكرمًا ومعضدًا لديننا الأمجد الأجل، من حيث أنك قدمت فأعطيت لسانًا أكمل للوقار والاعتبار لحريمنا، إذ أنه أمر مهم من بعد الدين لا يوجد عندنا أعز منه..... قد عاملتنا وقت افتتاحك مصر وانتصارك معاملة أناس كأنهم اختاروك عليهم مع قوتك واقتدارك .... فنشكرك ونحمد الله حيث أنك تصدرت لمنع كامل الأضرار والأوصاب التي كان يمكن حدوثها علينا، وعاقبت فاعليها في أوقات الاضطراب، والفرنسيس طبعهم لا يميل، ولم يسرعوا وراء المظالم ".

 ويؤكد رجال الديوان مرة أخرى على رغبتهم في عودة بونابرت إلى مصر: "وأنتم سترجعون للقطر المصري، إنشاء الله أمنين، وأنت ظهرت عندنا لمحة نظير برق لامع من قبل الله الحق، وغبت عنا بغتة كأسرع ما يكون البرق، إذ أخبرتنا بأن موضوعًا آخر يدعوك إليه، وأنت تتوجه إلى حيث ما تكون رشيدًا مفيدًا منصورًا مؤيدًا بعون الله، معتمدًا عليه، وقد بلغنا الفرنساوية أحبابنا الذين سرورنا يسرهم وسرورهم يسرنا، فرّحونا بأنكم توجهتم وقصدتم الحصول على نصرة عظيمة جدًا ... وها قد غلبتم فحمدنا الله على نصرتكم ونجاح مقصدكم ... والآن نخبركم من خالص الطوية تصديقًا لمقالنا بأن الطائفتين المصرية والفرنساوية لا يعدان الآن سوى رعية واحدة، مع وفور المحبة وصدق النية، ولا زال هذا الاتحاد يشتد يومًا فيومًا في سائر الأوقات وذلك باعتناء محبنا وعزيزنا عبد الله مينو الجزيل إكرامه بين المخلوقات... فنحمد الله على أنه اشتاقكم لأن تحكموه وتقرروه وتختاروه على أن يسوسنا ويلاحظنا ويحفظنا ويرعانا ويقوم بحقوقنا وحقوق فقرائنا، ويجعلنا عباد الله إخوانا."

 ويختم المشايخ رسالتهم بقولهم: "ونؤمل بأنكم لا تنسونا كون القطر المصري بلدتكم العظيمة... وإن كامل سكانها يحبونكك ويعزونك، ثم هم مشتاقون إليك يترجونك وينتظرونك، وديننا الذي أنت محب له يدعوك ويراك بالقلب والعين لأنك وعدته، والوعد عند الحر دين، وذلك اليوم الذي به اتحاد الطائفتين، قد تعين بين العباد فلا بد عن كمال هذا الاتحاد، لأن الله هكذا شاء وإذا أراد قضى المراد والسلام". هكذا تحدث مشايخ الأمة وممثلوها... لكن الأمة نفسها كان لها رأي آخر!

المشهد الثالث: وحانت ساعة الرحيل

 لم تمض إلا  شهور قليلة وكان قد تم توقيع الاتفاق بين الإنجليز والأتراك والفرنسيين على رحيل الحملة من مصر، وعقد الديوان جلسته الأخيرة وهي "الديوان الحادي والثلاثون"، حيث كان الخشاب يطلق على كل جلسة ديوانًا، وقد انعقدت تلك الجلسة يوم الاثنين أربعة وعشرون صفر سنة ألف ومائتين وستة عشر الموافق لسابع عشر مسيدور من السنة التاسعة من المشيخة الفرنسية، وبدأت الجلسة في الثانية، وقد دعي لحضور الجلسة جمع غفير من مشايخ أروقة الأزهر الشريف وحسين أفندي الروزنامجي المشرف على الإدارة المالية وعدد من معاونيه، وبعض رجال الأوجاقات، وطائفة من التجار المصريين، وغيرهم من أهل البلد، فقد كان مقررًا أن تشهد الجلسة حدثًا جلالًا؛ الإعلان عن خروج الجيوش الفرنسية من مصر وعودة العثمانيين مرة أخرى، وفي هذه الجلسة حضر من الجانب الفرنسي ستيف المسئول المالي للحملة والذي كان المصريون يسمونه خازندار عام، كما حضر وكيل الديوان والتراجمة كالعادة.

 جاء وكيل الديوان الفرنسي حاملًا معه رسالة من مينو قائد الحملة إلى أعضاء الديوان، فسلمها للشيخ الشرقاوي رئيس الديوان، وطلب منه أن يفتحها ليقرأها الترجمان على الحاضرين، وللأسف يذكر الخشاب مختصرًا للرسالة، جاء فيه: "نخبركم أنا علمنا بكثرة الانبساط أنكم تهدؤوا بكثرة الحكمة والإنصاف في الوضع، والتنظيم لأهالي البلد بالهدى والطاعة الموجبة لحكومة الفرنساوي، وأخبرنا المقدام الجسور بونابارته عن كل ما فعلتم حكمًا نافعًا، بوصاية لأجلكم سارة واستراحة لتلك الفعال الجيدة، وعرفني عن قرب يرسل لكم جواب إلى جميع مكاتيبكم."

 ثم يوصي مينو رجال الديوان على ولده وزوجته زبيدة الرشيدية، ويحمل الديوان تعازيه للست نفيسة في وفاة زوجها مراد بيك، وينهي الرسالة بأمره للمشايخ بملازمة وظائفهم.
مراد بك

 وخلال تلك الجلسة يتحدث جيرار وكيل الديوان الفرنسي طويلًا عن حب بونابرت للمصريين، ويؤكد ثانية على أن رده على رسالة الديوان سيصل خلال أيام، ثم يلتفت إلى الشيخ الشرقاوي، ويسأله: "تشهد بما أقول أن حضرة سر العسكر بونابارته عزم على أن يتوجه معك إلى البيمارستان لينظر في مصالح الضعفاء؟ فرد الشيخ الشرقاوي قائلًا: وكان أخبرنا أنه يريد يبني مسجد. فقال: لم يعقه عن هذا إلا توجهه إلى الشام."

 وألقى القس رفاييل كبير التراجمة كلمة تحية لأعضاء الديوان أشاد فيها بجهودهم وتعاونهم مع الفرنسيين، ويختم كلمته بقوله: "نحن نشترك معكم إن كان في السعودات أو في النحوسات، ونسأله نجاح الرعايا وخصوصًا رعية مصر ذات العذوبة والحلاوة، التي يستحق أن تكون مساسة بحكام ذوي حكمة، من حيث أننا عشنا معهم بالسوية مدة مديدة كأننا عائلة واحدة."

 أما ستيف فقد ختم الجلسة بكلمة طويلة تحدث فيها عن ما قامت به الحملة في مصر، وختمها بقوله: "فلم نحتاج نعرفكم الذي تعرفوه، ويكفينا أننا نحقق لكم من عند حضرة القنصل الأول، ومن سر عسكر مينو المحبة والشفقة الصادقة، وهذه المحبة والعشم لم تنقطع بسبب سفر جانب من الجيش، وهلبت أن يصادف يوم إننا نرجع إلى عندكم لأجل تمام الخير الذي يصدر من حكم الفرنساوي، والذي لم أمكننا نتمه، فلم تتوهوا يا مشايخ وعلماء لأن فراقنا لم يقع إلا عن مدة، وذلك محقق عندي، ولابد أن دولتينا يربطوا ثانيًا في مدة قريبة المحبة القديمة التي كانت بينهم، وهلبت أن دولة العثمنلي لما تصير على الجرف الخالي الذي عملة الإنجليز، يروا أن الفرنساوية في طلبة الديار المصرية لم له إلا يربط بزيادة في المحبة صحبتهم لأجل كسر نفس الإنجليز، الذي مراده نهب جميع البحور ومتاجر الدنيا".


 وانصرف المشايخ والحاضرون وكان هذا آخر دواوين الجمهور الفرنساوي وفق ما ذكره الشيخ إسماعيل الخشاب.

الخميس، 10 مارس 2016

9 مارس يوم لكرامة الجامعة واستقلالها
استقالة مدير الجامعة بسبب طه حسين
عماد أبو غازي
(نشرت هذا المقال في جريدة الدستور ـ صفحة تراث الأمة ـ في مارس 1996)
 عندما وقع الانقلاب الدستوري في مصر سنة 1930 أطاحت حكومة إسماعيل صدقي بالمؤسسات الديمقراطية في مصر، واعتدت على الحريات العامة في البلاد، وكانت الجامعة من بين الجهات التي تعرضت لبطش حكومة صدقي، أما الضحية في الجامعة فهو عميد كلية الآداب في ذلك الوقت طه حسين الذي صدر قرار من وزير المعارف بنقله إلى وظيفة إدارية في الوزارة وإبعاده عن عمادة كلية الآداب وعن الجامعة، وإذا كان المؤرخون لم يتفقوا على الأسباب المباشرة لإبعاد طه حسين عن الجامعة؛ إلا أن الأمر الذي لا شك فيه أن هذا الإبعاد كان تعديًا صارخًا على استقلال الجامعة وعلى كرامة أساتذتها وعلى حرية البحث العلمي فيها، الأمر الذي استثار المجتمع الجامعي طلابًا وأساتذةً، وأسفر عن استقالة مدير الجامعة آنذاك أحمد لطفي السيد باشا.
أحمد لطفي السيد مع طلاب الجامعة
 ومنذ سنوات قليلة دعا أحد شباب جامعة القاهرة، وهو الصديق والزميل هاني الحسيني المدرس بكلية العلوم إلى الاحتفاء باليوم الذي استقال فيه أحمد لطفي السيد من رئاسة الجامعة تضامنا مع أحد أبرز أساتذتها، وطالب بأن يكون يوم 9 مارس "عيدًا للجامعة وأساتذتها" و"يومًا للأستاذ الجامعي"، وأعاد نشر خطاب استقالة أحمد لطفي السيد باشا.

 وصفحة تراث الأمة تعيد اليوم مرة أخرى نشر هذه الوثيقة المهمة تأكيدًا لمعاني الدفاع عن استقلال الجامعات وعن كرامة أساتذتها.
 "هليوبوليس في 9 مارس سنة 1932
 إلى حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية
 أتشرف بإخبار معاليكم أني أسفت لنقل الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب إلى وزارة المعارف، لأن هذا الأستاذ لا يستطاع فيما أعلم أن يعوض الآن على الأقل في الدروس التي يلقيها على الطلبة، ولا في محاضراته العامة للجمهور، ولا في جهة هذه البنية العلمية التي خلقها حوله وبث فيها روح البحث الأدبي وهدى إلى طرائقه.
 أسفت أيضًا على هذا النقل الفجائي لأن الدكتور طه حسين أستاذ في كلية الآداب تنفيذًا للعقد الذي تم بين وزير المعارف وبين الجامعة القديمة، ثم أسفت أشد من ذلك كله لأن نقله على الصورة التي عليها وبدون رضاه وبدون رضا الجامعة كما جرت عليه التقاليد المطردة منذ نشأتها فيما أعرف؟ كل ذلك يودي بالسكينة والاطمئنان الضروريين لإجراء البحوث العلمية، وهذا بلا شك يفوت على أجل غرض قصدت إليه خدمة الجامعة.
 من أجل ذلك قصدت يوم الجمعة الماضي إلى حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء واستعنته على هذا الحادث الجامعي، واقترحت عليه تلافيًا للضرر من ناحية واحترامًا لقرار الوزير من ناحية أخرى، أن يرجع الدكتور طه حسين إلى الجامعة أستاذًا لا عميدًا، خصوصًا وأنه نفسه قد ألح علي في أن يتخلى عن العمادة منذ أكثر من شهر فلم أقبل.
 تقبل دولة رئيس الوزراء هذا الاقتراح بقبول حسن وأكد أنه سيشتغل منذ الغد بهذه المسألة، وفعلًا قد اشتغل بها، ومازال الأخذ والرد فيها حتى علمت الآن أن اقتراحي غير مقبول، وأن قرار النقل نافذ بجملته وعلى إطلاقه.
 ومن حيث إني لا أستطيع أن أقر الوزارة على هذا التصرف الذي أخشى أن يكون سنة تذهب بكل الفروق بين التعاليم الجامعية وأغيارها.
 أتشرف بأن أقدم بهذا إلى معاليكم استقالتي من وظيفتي، أرجو قبولها، كما أرجو أن تتقبلوا شكري على ما أبديتم من حسن المجاملة الشخصية مدة اشتراكنا في العمل وأن تتقبلوا فائق احترامي.
مدير الجامعة المصرية

أحمد لطفي السيد"

الأربعاء، 2 مارس 2016


التاريخ المسلسل
في
حوادث الزمان ووقايع الديوان

عماد أبو غازي

"بسم الله الرحمن الرحيم"
 "الحمد لله الكفيل بحسن العواقب، الرافع من عمل صالحا إلي أرفع المراقي والمراتب، المرشد من عدل في أحكامه إلي أحسن المذاهب ..."

  بهذه الصيغة التقليدية التي نصادف عبارات مثيله لها دائما في فواتح كتب التراث العربي في العصور الوسطى، استهل إسماعيل الخشاب نصًا غير تقليدي بين المخطوطات العربية، يعود تاريخه إلي مطلع القرن التاسع عشر، نص سجل فيه وقائع جلسات أخر دواوين القاهرة في زمن الحملة الفرنسية، وهو الديوان الذي أصدر مينو ـ ثالث قادة الحملة في مصر ـ قرارًا بتشكيله في 2 أكتوبر سنة 1800، وبدأ أعماله في الثالث من نوفمبر من السنة نفسها، واستمرت جلساته بانتظام حتى السادس من يوليو سنة 1801، قبيل رحيل الحملة عن مصر مباشرة.


 وكان بونابرت قد تبني عند قدومه إلي مصر في صيف 1798 سياسة تقوم على إشراك مجموعة من أعيان المصريين في إدارة أمور البلاد في ظل الاحتلال الفرنسي، وفي هذا السياق شكل بونابرت ديوانه الأول في 25 يوليو سنة 1798 من بعض كبار مشايخ الأزهر الذين برزوا في الحياة العامة في السنوات السابقة على مقدم الحملة الفرنسية إلي مصر، وقد مر الديوان بمراحل متعددة وتوقف أكثر من مرة بسبب ثورة القاهرة الأولي في أكتوبر 1798، ثم مقتل كليبر القائد الثاني للحملة في يونيو 1800.

 وبعد شهور من تولي مينو قيادة الحملة في مصر، ومع اتجاهه إلي استمرار الاحتلال الفرنسي للبلاد، قرر إعادة إنشاء الديوان ليلعب دورًا أساسيًا في مشروعه السياسي، وكان هذا الديوان يضم تسعة أعضاء من المسلمين وأربعة عشر عضوًا شرفيًا، وقد تولي الشيخ عبد الله الشرقاوي رئاسة هذا الديوان، وقام الشيخ محمد المهدي بعمل السكرتير أو كاتم السر كما تسميه الوثائق الرسمية العربية للديوان، وكان من بين أعضاء هذا الديوان المؤرخ المصري الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، كما كان للديوان وكيلًا فرنسيًا وهيكلًا إداريًا يضم كُتابًا ومترجمين، وكان الديوان يجتمع بشكل دوري منتظم، بمعدل ثلاث مرات كل عشرة أيام.

 وقد صدر منذ عدة سنوات عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة كتابًا محققًا جديدًا في سلسلة "نصوص عربية ودراسات إسلامية" يحمل عنوان: "التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان"، والكتاب يضم نصين منفصلين، لكنهما نصان مترابطان كل منهما يكمل الآخر، وهما عبارة عن مخطوطتين، الأولي كانت معروفة منذ فترة طويلة، وتتكون من 44ورقة، وهي من مقتنيات المكتبة الوطنية الفرنسية، وتحتوى وقائع ديوان مينو في شهره الأخير، وهي وقائع الجلسات التي تغطي الفترة من 6 يونيو إلي 6 يوليو سنة 1801، وتحمل الأرقام من 21 إلي 31 من دواوين الوكيل الثاني ـ جيرار ـ الذي تولي هذا المنصب في 10 إبريل سنة 1801، أي المخطوطة تغطي وقائع الجلسات الإحدى عشرة الأخيرة للديوان.


   أما المخطوطة الثانية، فقد اكتشفت في عام 1998 ضمن بعض الأوراق القديمة في مخزن بأحد المنازل القديمة في بار لو دوك، في منطقة ميز بفرنسا، وقد استقرت هي الأخرى ـ الآن ـ بالمكتبة الوطنية بباريس، وهي عبارة عن 265 صفحة تضم الجلسات العشرين الأولي للديوان، والتي تغطي الفترة من 3 نوفمبر إلي 30 ديسمبر سنة 1800.

  ومن هنا، فإن المخطوطتين جزءان من عمل واحد: وقائع جلسات الديوان في مرحلته الأخيرة، وقد قام على تحقيق المخطوطتين وتحليلهما والتعليق عليهما بعد جمعهما في كتاب واحد اثنان من المتخصصين البارزين في الدراسات العثمانية، ينتميان إلي جيلين مختلفين، أولهما المؤرخ الفرنسي الكبير أندريه ريمون الأستاذ بجامعة بروفانس، وأحد ألمع الأسماء  على مستوي العالم في دراسة تاريخ مصر والمشرق العربي في العصر العثماني، وقد قضى ما يزيد على نصف قرن من العمل العلمي الجاد والدؤوب في هذا الحقل، قدم خلال تلك الفترة عشرات الأبحاث والكتب المهمة والمتميزة التي أثرت مكتبة الدراسات العثمانية.


وثانيهما محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الذي يعد أبرز أبناء جيله في مجال الدراسات العثمانية في مصر، وقد اتجه إلي هذا المجال الدراسي منذ أكثر من عشرين عامًا قدم خلالها عددًا من الدراسات المهمة والرائدة حول تاريخ مصر في العصر العثماني.


 والنصان اللذان يحملان عنوان: "التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان" منسوبان إلي إسماعيل الخشاب، الذي شغل وظيفة كاتب الديوان، أي أنه شاهد عيان مشارك في وقائع تلك المرحلة الأخيرة من عمل الديوان التي سجلها بقلمه.


نعود مرة أخرى إلى كتاب التاريخ المسلسل، يبدأ هذا النص الفريد بعد الافتتاح التقليدي بالإشارة إلى تشكيل الديوان وتحديد أعضائه، ثم يذكر الخشاب وقائع جلسات الديوان بداية من الجلسة الأولى التي تم فيها اختيار الشيخ الشرقاوي رئيسًا للديوان والشيخ محمد المهدي كاتمًا للسر، وهي الجلسة التي تم فيها كذلك الاتفاق على دورية انعقاد الجلسات ونظام العمل فيه، ويؤرخ الخشاب جلسات الديوان بالتقويم الهجري وتقويم الجمهوري الفرنسي معًا، ويسمي كل جلسة من الجلسات ديوانًا، ويسرد في كل ديوان ملخصًا لما جرى من مناقشات حول الموضوعات المطروحة على الأعضاء، وما صدر عنه من توصيات وقرارات.


 ومن القراءة المدققة التي قام بها المحققان تبين لهما أن النص كتب في فترة تالية للوقائع التي يسجلها، كما أن اختلاف الرسم الإملائي بين المخطوطتين يؤكد من ناحية أخرى أن هناك ناسخ مختلف لكل جزء من جزئي الكتاب.

 وجلسات الديوان تقدم تفاصيل دقيقة لجوانب متنوعة من حياة المصريين، خاصة القاهريين منهم في الأشهر الأخيرة للحملة الفرنسية في مصر، وهي جوانب تغفلها المصادر التاريخية التقليدية عادة، وتدور كثير من القضايا التي يناقشها الديوان حول شكاوى الناس الذين يلجئون إلى الديوان كوسيط بينهم وبين سلطة الاحتلال لرفع الظلم الواقع عليهم، وكان الديوان يبادر برفع الشكاوى إلى قائد الحملة (صارى عسكر) أو وكيله، هذا وتحتفظ مكتبة جامعة القاهرة بأصول بعض الالتماسات المرفوعة لقيادة الحملة ضمن مجموعة وثائق الحملة الفرنسية بقسم المخطوطات بالمكتبة.

 ويتضمن الكتاب الذي نحن بصدد عرضه النصوص المحققة باللغة العربية، مع كشاف للأماكن وآخر للأعلام، ودراسة تحليلية لعمل الديوان باللغة الفرنسية قام بها المحققان، إلى جانب مقدمتهما وتصديرهما للعمل، ثم تقديم جان فرنسوا كليمنت مكتشف المخطوطة التي تضم وقائع الجلسات العشرين الأولى، ويحكي فيه قصة هذه المخطوطة في ثلاثة عناصر موجزة يتناول فيها: ظروف اكتشاف المخطوطة، وخصائصها، وبعض الافتراضات حول أصلها، كما تقدم ماري جنيفياف جيدون أمينة القسم العربي في قسم المخطوطات الشرقية بالمكتبة الوطنية بباريس نبذة عن المخطوطتين، وكل ذلك باللغتين العربية والفرنسية.

 ويعتبر هذا العمل إضافة مهمة إلى المصادر المتاحة عن فترة الحملة الفرنسية على مصر والشام، حيث يغطي جانبًا جديدًا من جوانب تاريخ مصر في تلك المرحلة، خاصة أن كاتب هذا النص هو أحد المعاصرين للأحداث والمشاركين فيها، ومن هنا فإن النص يرقى إلى مصاف المصادر الأصلية، أو ما يسمى بمصادر الدرجة الأولى، إذ إننا إذا سجل حافل بتفاصيل الحياة اليومية للناس من ناحية، وما يشبه المضبطة لوقائع هيئة شبه تمثيلية تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ مصر الحديث من ناحية ثانية.

 لكن تبقى نقطة مثيرة للتفكير في هذا النص المكون من جزئين، فالمفترض أن يكون هذا الديوان قد عقد ما يزيد عن ثمانين جلسة، بينما لا يضم النص سوى وقائع الجلسات العشرين الأولى، والجلسات الأحدى عشرة الأخيرة، وبينهما فجوة زمنية تبلغ خمسة شهور؛ أي أن أكثر من نصف الجلسات غير مضمن في هذا العمل، واللافت للنظر أن النص يبدو مكتملًا من الناحية الشكلية فالجلسات مسلسلة في الجزء الأول من الجلسة الأولى إلى الجلسة العشرين، وينتهي بعبارة: "نجز الجزء الأول بحمد الله وعونه"، فنحن إذًا أمام نص مكتمل، بينما يبدأ الجزء الثاني بالبسملة وعبارة الدعاء، ثم رقم الجلسة، وقد حدده الناسخ بأنه "الديوان الحادي والعشرون من دواوين الوكيل الثاني".


 وقد ذهب المحققان إلى احتمال أن تكون باقي المحاضر قد فقدت من الخشاب خلال الفترة ما بين عمله في الديوان وجمعه لهذا النص، أو أنه استبعدها لسبب رآه هو ولا نعرفه، لكن يبقى هناك احتمال ثالث يشي به ترقيم جلسات الجزء الثاني، الذي يبدأ بالديوان الحادي والعشرين من دواوين الوكيل الثاني، فربما قسم الخشاب عمله إلى قسمين كبيرين وفقًا لمدة ولاية كل وكيل من وكيلي المجلس، وإن كل قسم يتكون من جزئين أو أكثر، بمعنى آخر فإن هناك نصًا مفقودًا يضم باقي أعمال الديوان في عهد وكيله الأول جون جوزيف فورييه، في جزء أو أكثر، كما أن هناك جزء أول مفقود أيضًا، يضم وقائع الجلسات العشرين الأولى من أعمال الديوان في فترة وكيله الثاني، إنها مجرد محاولة لتفسير الفجوة في محاضر الجلسات، قد تكشف الأيام صوابها، وقد تكون مجرد شطحة من شطحات الخيال.
رابط المقال في موقع العين
http://www.al-ain.net/article/77126

السبت، 20 فبراير 2016


صانع التاريخ مؤرخًا

عماد أبو غازي

 قديمًا كانت صفة المؤرخ تطلق على من يدون الأحداث التي يعاصرها ويعايشها، مثلما كان هيردوت أبو التاريخ كما نسميه يفعل؛ كان المؤرخ بمفهوم ذلك الزمن البعيد أقرب إلى الرحالة أو المدون المتابع للأحداث اليومية، كان أقرب إلى شاهد العيان، وفي زمن تالٍ كان المؤرخ يعود إلى الماضي مسجلًا حوادثه، هكذا كان مؤرخو العصور الوسطى من أمثال ابن قتيبة وأبو جرير الطبري وابن الأثير، كان هؤلاء موثقين مسجلين لما يعيشونه من أحداث، وفي نفس الوقت جامعين منقبين عن ما وقع في ماضيهم القريب أو البعيد، لكن معظم هؤلاء المؤرخين لم يعتمدوا على منهج علمي في جمعهم للحوادث، ولم يلجأ أغلبهم إلى نقد ما يتجمع لديهم من حكايات ومرويات، إلى أن جاء القرن الخامس عشر الميلادي وفيه بزغ نجم اثنان من أبرز مؤرخينا، عبد الرحمن بن خلدون وتقي الدين المقريزي، حيث وضع الأول إطارا منهجيا لكتابة التاريخ، ونجح الثاني في أن يطبق هذا الإطار المنهجي باقتدار، بل ويضيف إليه، وفي ذلك العصر الذي ازدهرت فيه الكتابة التاريخية، عرفنا فئة من المؤرخين كانوا في ذات الوقت من صناع التاريخ، أي أنهم بحكم قربهم من الحكام أو مشاركتهم في دوائر الحكم كانوا مساهمين في صنع التاريخ، وفي الوقت نفسه كانوا ممن يسجلون التاريخ، تاريخ زمنهم، وحوادث الماضي.

 ولاشك في أن محمد حسنين هيكل يعد أحد صناع التاريخ المصري الحديث والمعاصر، فقد كان فاعلا أساسيًا في كثير من الأحداث المهمة، فضلا عن كونه شاهدًا على تاريخ مصر والمنطقة العربية، على الأقل طوال سبعين عامًا؛ فقد بدأ هيكل عمله الصحفي عام 1942 قبل أن يكمل عامه العشرين، وتنقل بين الإيجيبشيان جازيت وآخر ساعة وأخبار اليوم ثم الأهرام التي ارتبط اسمه بها منذ تولى رئاسة تحريرها منذ أغسطس 1957 حتى فبراير 1974 وارتبط اسمه بها كما ارتبطت الأهرام الجريدة والمؤسسة به، ولا زلت أذكر نداء بائع الصحف في الستينات كل يوم جمعة "أهرام هيكل".

 طوال سنوات عمله الصحفي لم يكن هيكل مجرد مخبر صحفي أو مراسل أو محرر أو كاتب أو صانع صحافة، كان أكثر من ذلك بكثير، ليس على المستوى الصحفي المهني الذي نبغ قيه وتفوق، بل على مستوى علاقته بالأحداث المهمة والفاصلة في تاريخ مصر والمنطقة العربية بل وفي تاريخ منطقة شرق المتوسط وجنوب أوروبا، فقد اختار اختراق الحواجز والصعاب، فكانت أول جائزة صحفية يحصل عليها على تغطية صحفية متميزة لوباء الكوليرا الذي ضرب محافظة الشرقية في أواخر الأربعينات، ثم دفعت به تغطيته لحرب البلقان ثم حرب فلسطين سنة 1948 إلى قلب الأحداث السياسية الكبرى، وفي حرب فلسطين كان اللقاء الأول بجمال عبد الناصر أثناء حصار القوات المصرية في الفالوجا، هذا اللقاء الذي تكرر إلى أن أصبح علاقة تاريخية قوية بين قائد تنظيم الضباط الأحرار ورئيس الجمهورية الثاني لمصر وبين الكاتب الصحفي والمفكر محمد حسنين هيكل، جعلت هذه العلاقة التي توطدت قبل أن يتولى عبد الناصر قيادة البلاد عقب انتصاره في أزمة مارس 1954 من هيكل قريبًا من مركز اتخاذ القرار في مصر لسنوات، بل مشاركًا في القرار في كثير من الأحيان، ورغم أن علاقة هيكل بالرئاسة تراجعت في زمن الرئيس السادات حتى وصلت إلى اعتقال هيكل في سبتمبر 1981، الذي أسماه هيكل "خريف الغضب"، إلا أن قامة هيكل وقيمته كصاحب رؤية سياسية لما يدور على أرض الوطن وفي المنطقة العربية وعلى ساحة الصراع الدولي لم تتراجع، بل يمكن القول بحق أن الأزمات أضافت لهيكل ولم تنتقص منه.


 وقد أتاح اقتراب هيكل من السلطة أن يحصل على كثير من صور لوثائق ومستندات وصلت إليه بحكم صلته بالرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، لقد اقترب الرجل من مواقع السلطة في مرحلة حاسمة في تاريخنا وكان فاعلا فيها بدرجة كبيرة دون أن يتطابق معها، كل هذا أهل محمد حسنين هيكل لأن يكون إلى جانب صفته الأصيلة كصحفي، ودوره كسياسي ومشارك في صنع الحدث، شاهدا على التاريخ وللتاريخ، ومؤرخًا لعصرنا.


 وإذا كانت شهادة هيكل على العصر تعد وثيقة حية عن مرحلة غابت وثائقها عن أرشيفنا القومي، فإن هيكل في كتاباته المتعددة يعتبر بحق مؤرخ ممتلك لمنهج تحليلي نقدي يتعامل مع الوثائق كمصدر رئيسي للتأريخ، إلى جانب اعتماده على ذاكرته الحية كمشارك في الأحداث أو شاهد عليها.

 ورغم أن كتابات محمد حسنين هيكل وأحاديثه في مجملها تعد مصدرًا تاريخيًا، إلا أن من بينها ما يمكن أن نعتبره دراسة تاريخية منهجية بحق فضلا عن كونها كتابة سياسية تحليلية، فقد كتب هيكل العديد من الكتب التي تناول فيها تاريخنا بعين المحلل السياسي والمشارك في الأحداث في آن واحد، ولعل من أهمها ثلاثيته "ملفات السويس" و"سنوات الغليان" و"الانفجار"، تلك الثلاثية التي تناولت حرب الثلاثين عاما من أجل السيطرة على المنطقة العربية، والتي أكتمل صدورها في عام 1990، ومن هذه الأعمال كذلك "أكتوبر 73 السلاح والسياسة"، ثم كتابه عن حرب فلسطين سنة 1948 "العروش والجيوش" بجزئية.


 ورغم أن هيكل يقول في مقدمة 1967 الانفجار أن العمل يتضمن "قراءة التاريخ وليست كتابته، وتنشيط الذاكرة وليس إصدار الأحكام"، وإذا كان هيكل يرى: "إن الصحفي ليس في مقدوره أن يكتب التاريخ، فتلك مهمة أكبر من طاقته، وأوسع من أي تحقيق يقوم به في حدث بذاته، ولعلها أبعد من عمر أي إنسان فرد ، ثم إنها أعقد من أن تحتويها دفتا كتاب واحد. وإنه حتى وإن كان أحد شهود الحدث الذي يكتب عنه يستطيع أن يقدم شهادة تاريخية لكن الشهادة التاريخية ليست تاريخا وإنما هي إن صدقت تصلح لأن تكون مادة تاريخية أي عنصرا من العناصر وزاوية من زوايا النظر حين يكتب التاريخ." إلا أن ثلاثية "حرب الثلاثين سنة"، وغيرها من كتبه التي تناول فيها مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، هي كتابة للتاريخ بجداره، يطبق في هيكل بمهارة وحرفية منهج البحث التاريخي الذي يقوم على التحليل والتركيب، إنها كتابة تاريخية تعتمد على الوثائق تحللها وتستنطقها، وتعيد ترتيب المادة المستخلصة منها لتشكل بها بناءً تاريخيًا مكتملا، فإن ما قدمه في هذه المجموعة من الأعمال المتوالية لم يكن تحقيقا صحفيا، ولم يكن مجرد شهادة تاريخية، بل عملا في التأريخ للصراع في المنطقة ـ منطقة الشرق الأوسط ـ وعليها، كما كان مشروعه في البداية في عام 1985، عندما اقترح عليه ناشره البريطاني أن يستبدل بفكرة هذا الكتاب عن الشرق الأوسط كتابا عن حرب السويس في ذكراها الثلاثين.

  ورغم أنه حقق رغبة ناشره بالتأليف عن حرب السويس بعد ثلاثين عامًا من وقوعها، إلا أنه ربطها تاريخيًا بما قبلها وما بعدها؛ فقد كان يرى أن: "السويس كانت قمة صراع بدأ قبلها بسنوات طويلة ثم استمر بعدها وتصاعد حتى قمة 1967، ولم يتوقف تصاعده حتى جاءت سنة 1973، وبعدها بسنوات بدا أن مرحلة بكاملها في الشرق الأوسط قد وصلت إلى نهايتها، وأوشك الستار أن ينزل عليها ليرتفع إلى مرحلة جديدة لا أحد يعرف متى وأين وكيف بدايتها؟"، وأن "السويس وحدها لا تقول القصة كاملة للصراع على الشرق الأوسط وفيه، والصراع كله يستحق أن يعالج، وليس السويس وحدها وإلا فإن الموضوع مبتور وناقص!"

 وهذا ما حققه العمل بالفعل، لم يأت في صورة سرد صحفي، بل تحليل سياسي تاريخي، وضع هيكل في مكانة بارزة بين طائفة المؤرخين، إلى جانب مكانته بين الصحفيين والمحللين السياسيين.

 ما يميز هذه الأعمال لمحمد حسنين هيكل أنه كتبها بعد الحدث بسنوات، وإنها اعتمدت على الوثائق بدرجة كبيرة، ورغم أنه كما يقول تباعد مرات عن الحديث وترك الوثائق وحدها تحكي ما عندها، إلا أن صوته يظهر محللًا وقارئًا للوثائق الأصلية، فاكتسبت بذلك خصائص الكتابة التاريخية.

 يبقى السؤال، هل كان هيكل منحازًا في كتابته، لقد أشار بوضوح في مقدمته لملفات السويس إلى أن: "الذين يعيشون الحوادث هم في أغلب الأحيان آخر من يصلح لتأريخها، ذلك لأن معايشتهم للحوادث تعطيهم على الرغم منهم دورا، والدور لا يقوم إلا على موقف، والموقف بطبيعته اقتناع، والاقتناع بالضرورة رأي، والرأي في جوهره اختيار، والاختيار بدوره انحياز، والانحياز تناقض مع الحياد وهو المطلوب الأول في الحكم التاريخي."

 لكن هل هناك مؤرخ محايد، أو باحث في التاريخ بلا انحياز، أشك في ذلك، فكل العاملين في حقل الإنسانيات والدراسات الاجتماعية لهم انحيازاتهم، وهذا الانحياز لا يعيب بحثهم ولا ينتقص منه، طالما أن هذا الانحياز لا يؤثر على الموضوعية، ولا يدفع بهم إلى إخفاء وثيقة أو اختلاق واقعة.

 وأتذكر هنا ما أكد عليه الأستاذ محمد حسنين هيكل في أحاديثه بقناة الجزيرة منذ عدة سنوات عندما قال: "سئلت كثيرا جدا عما إذا كنت أنا منحازا أو غير منحاز، وأنا بأقول بوضوح كده، نعم أنا منحاز، ولكن مسألة الانحياز لا بد أن توصف، أخجل من انحيازي إذا كان انحيازا لنظام أو انحيازا لرجل لكني لا أخجل من انحيازي إذا كان انحيازا لوطن ولأمة، وأنا أتصور برضه ويشفع لي تجربة طويلة يعني هو أني واحد بلا مطامع، أن أقول إنه حتى هذه اللحظة أنا أقدر أتكلم في هذا الموضوع وأقول والله أنا منحاز ومنحاز لوطن وأمة وليس لرجل وشخص"، كما أكد أيضا على أن ما يقدمه محاولة للتحليل والفهم عندما قال: "بترجى أنه لا أحد يتصور أنه في أحد يملك حقيقة ولا في أحد يملك حكمة ولكن كلنا بنحاول".

  إن كتابات هيكل حول الصراع في المنطقة وعليها محاولة ناجحة في التأريخ جعلت من صانع التاريخ مؤرخًا.

الجمعة، 19 فبراير 2016


إسماعيل الخشاب

 شاهد على زمن الحملة الفرنسية في مصر

عماد أبو غازي
http://www.al-ain.net/article/71681

  إسماعيل بن سعد الخشاب أحد أبرز الأدباء والمؤرخين الذين عاشوا في مصر في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وكان الخشاب ثالث ثلاثة من أعلام التأريخ والأدب في ذلك العصر ممن تركوا بصمة واضحة في تاريخ مصر، فقد كان الرجل معاصرًا للمؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي كما كان صديقًا مقربًا له، أما ثالث علماء ذلك العصر الذين برزوا في مجال الأدب والتأريخ فهو الشيخ حسن العطار والذي أصبح شيخًا للجامع الأزهر في عصر محمد علي، وهو الذي رشح رفاعة الطهطاوي رائد التنوير المصري ليكون إمامًا لطلاب بعثة محمد علي باشا إلى فرنسا، وكان الطهطاوي تلميذًا للشيخ العطار، وقد ترجم الجبرتي للخشاب والعطار فقال عنهما: "كانا فريدا وقتيهما ووحيدا مصرهما لم يعززا في ذلك الوقت بثالث، فقد برعا في كل فن من الفنون الأدبية والتواريخ والمحاضرات..."


 وقد ولد الخشاب في القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي، وإن كان تاريخ ميلاده على وجه التحديد مجهولًا، وتوفى في الثاني من ذي الحجة سنة 1230 هجرية الموافقة لسنة 1815 ميلادية، والخشاب هو إسماعيل بن سعد الوهبي الحسيني الشافعي وقد عرف بالخشاب لأن أباه كان نجارًا ففتح له مخزنًا لبيع الخشب تجاه تكية الجلشني بالقرب من باب زويلة، ويذكر الجبرتي أن الخشاب قد حفظ القرآن في صباه، وتتلمذ على بعض فقهاء عصره، وبرع في فقه الأمام الشافعي، واشتغل بالشهادة في المحاكم.


 لكن العمل لم يحل بين الخشاب وبين اهتماماته بالأدب والكتابة؛ فواظب على مطالعة الكتب الأدبية وكتب التصوف والتاريخ، وحفظ كثيرًا من الأشعار والطرائف وقصص الصوفية، وقد أصبح الخشاب من أبرع المحاضرين والمحاورين في عصره فجالس العلماء والكتاب والأدباء والأمراء، كما كان شاعرًا وكاتبًا وأديبًا، وله ديوان يحوي أشعاره جمعه صديقه الشيخ حسن العطار في حياته، وطبع بعد وفاته.

 كان الخشاب مثل زميليه الجبرتي والعطار رجلًا ناضجًا عندما وصلت الحملة الفرنسية لاحتلال مصر في صيف سنة 1798، وكانت لكل واحد من الأصدقاء الثلاثة قصته مع الحملة الفرنسية ورجالها، فما هي حكاية إسماعيل الخشاب مع الحملة؟

 عندما استقرت الأمور للحملة الفرنسية في معظم أنحاء البلاد باستثناء الصعيد، بدأت في التعرف عن قرب على أوضاع مصر، لقد كان اهتمام الفرنسيين بمصر وأحوالها سابق على حملة بونابرت، كما كان التحضير للحملة يحتاج إلى تقصي الكثير من أخبار البلاد وأحوالها؛ لكن بونابرت اصطحب معه مجموعة من العلماء لدراسة أوضاع مصر، وقد أسفرت جهودهم  عن عمل علمي ضخم صدر بعد رحيل الحملة عن مصر بعدة سنوات: كتاب "وصف مصر"، وقد استعان علماء الحملة الفرنسية في تأليفهم لكتاب وصف مصر بعدد من المصريين تعرفوا من خلالهم على بعض التفاصيل الدقيقة للحياة في مصر؛ حيث اتبع الفرنسيون أسلوب توجيه أسئلة محددة إلى بعض العلماء المصريين وبعض كبار الموظفين ليتحصلوا من خلال إجاباتهم عن تلك الأسئلة على ما يحتاجون إليه من بيانات لتأليف كتاب وصف مصر، وكانت الإجابات عن هذه الأسئلة تقدم كتابة باللغة العربية لعلماء الحملة، ليقوموا بترجمتها وتحليل ما تحويه من بيانات.


 وقد حفظت المكتبات المصرية والفرنسية ثلاث مخطوطات تحمل إجابات مصرية على أسئلة فرنسية، كانت هذه المخطوطات تأخذ عادة شكل الأسئلة والأجوبة، ومنها مخطوطة بعنوان "ترتيب الديار المصرية في عهد الدولة العثمانية" عبارة عن مجموعة من الإجابات قدمها حسين أفندي الروزنامجي أحد أفندية الروزنامة، وهي الإدارة المالية في الدولة، ردًا على أسئلة وجهها له استيف المسؤل المالي في الحملة الفرنسية، وتتضمن إجابة حسين أفندي الروزنامجي تفاصيل النظام المالي والإداري الذي كان سائدًا في مصر في العصر العثماني، وقد نشر هذا المخطوطة المؤرخ المصري الكبير الأستاذ شفيق غربال في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي في مجلة كلية الآداب بالجامعة المصرية، أم المخطوطة الثانية للشيخ أحمد العريشي قاض قضاة مصر زمن الحملة الفرنسية، وهو أول من يتولى هذا المنصب من المصريين منذ الاحتلال العثماني لمصر، وتتضمن ردوده عن الأسئلة التي وجهها له علماء الحملة حول النظام القضائي في مصر العثمانية، وتحمل عنوان "دفتر علم وبيان طرق القضاة وأسماؤهم بمصر المحروسة وأقاليمها" وقد نشره الأستاذ الدكتور محمد نور فرحات كملحق لدراسة له عن القضاء في مصر العثمانية، أما المخطوطة الثالثة فكتاب "أخبار أهل القرن الثاني عشر الهجري" للمؤرخ والأديب والشاعر إسماعيل الخشاب.

 وإذا كان علماء الحملة وقادتها قد توجهوا بأسئلتهم حول النظم الإدارية والمالية لمن عينوه رئيسًا للجهاز المالي والإداري، وتوجهوا بأسئلتهم حول نظام القضاء لقاضي قضاة مصر الذي نصبوه في هذا الموقع؛ فقد لجأوا في التعرف على تاريخ مصر القريب للشيخ إسماعيل الخشاب الذي توطدت علاقته بالحملة من خلال عمله كاتبًا للديوان الذي أسسه بونابرت وجمع فيه بين قادة الحملة وممثلين عن طوائف المصريين؛ فقد توجهوا إليه ليستعينوا به في التعرف على تاريخ مصر في القرن السابق على مقدم الحملة، فكانت إجابته عليهم من خلال مخطوط أخبار أهل القرن الثاني عشر الهجري، الذي استهله بعبارة افتتاحية تؤكد أن ما كتبه كان إجابة على سؤال موجه إليه حيث يقول:

"بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي، والحمد لله الذي دلت مصنوعاته على قدرته، وهدى من شاء بما أبدع من حكمته إلى شهود وحدانيته، والصلاة والسلام على أشرف خلقه ونوابه، وعلى آله وأصحابه، وبعد، فقد سألتني أرشدك الله من العمل إلى صوابه، وفتح لك باب الخير، وسلك بك ما يوصلك إلى بابه، أن أجمع لك جزءًا يشتمل على بعض أخبار القرن الثاني عشر، مما شاهدته عيني، أو نقلته عن من غير ذي جبت، إلى ذلك مستمدًا من فيض الملك الوهاب سلوك الصواب، إنه ولى ذلك وبه الإعانة على جميع ما هو مالك."

 هذا وقد استفاد علماء الحملة بالفعل من هذا العمل، فقد اعتمد عليه لابورت مؤلف القسم الخاص بتاريخ مصر في العصر العثماني ضمن كتاب وصف مصر اعتمادًا كبيرًا، ومخطوط أخبار أهل القرن الثاني عشر الهجري كما يتضح من عبارته الافتتاحية إجابة عن سؤال حول تاريخ مصر في السنوات السابقة على الحملة الفرنسية، وقد راعى فيه مؤلفه الشيخ إسماعيل الخشاب الإيجاز والاختصار مركزًا على الحوادث الأساسية للقرن الثاني عشر الهجري فصاغها وقدمها في سرد موضوعي يساعد على متابعة الحوادث والوقائع.


 ورغم وقوع الخشاب في بعض الأخطاء فيما يتعلق بتحديد تواريخ بعض الحوادث، خاصة تلك التي لم يعاصرها بنفسه، فإن المخطوط يكشف كثيرًا من جوانب تاريخ مصر في القرن الثاني عشر الهجري، ويرصد الخشاب في كتابه ملامح التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيه، فيكشف المخطوط عن الصراع العنيف بين أوجاقات الحامية العثمانية في مصر، وبينهم وبين بكوات المماليك، ومن الأمور التي يلقي عليها الخشاب الضوء تعاظم دور العلماء ورجال الأزهر في الصراعات السياسية، وتصديهم المستمر لبطش المماليك بالشعب، ويرصد كذلك في بعض المواضع موقف عامة المصريين من تلك الحوادث، كما لم يغفل الخشاب رصد بعض الحركات المهمة مثل حركة علي بك الكبير والتي كانت تهدف إلى استقلال مصر عن الحكم العثماني، وحركة الهمامية في الصعيد، كما أشار إلى علاقة علي بك الكبير بضاهر العمر في فلسطين والتحالف الذي قام بينهما، وسجل كذلك بشيئ من التفصيل وصول إبراهيم بك ومراد بك إلى الصدارة، ثم الثورة التي انتهت بإرغامهما على توقيع حجة تفرض عليهما قدرًا من رقابة العلماء ورجال الأزهر عليهما عند فرض الضرائب والرسوم.

 هذا وقد اعتنى الخشاب رغم الإيجاز الشديد، في مؤلفه بذكر تفاصيل دقيقة لم ترد عند المؤرخين المعاصرين له، خاصة بعض التفاصيل المتعلقة بالصراعات بين أمراء المماليك وربما يرجع ذلك إلى اختلاطه بهؤلاء الأمراء، وقد تأثر الخشاب في تدوينه للحوادث التاريخية بثقافته الأدبية الواسعة وإلمامه بالطرف والنوادر، فزود مؤلفه ببعض النوادر والأشعار، ورغم أن النص الذي قدمه الخشاب موجز لا تتجاوز صفحاته الخمسين صفحة من القطع الصغير، إلا إنه مثل إسهامًا مصريًا مهمًا في إعداد الجزء التاريخي من كتاب وصف مصر.

 وللخشاب كتاب آخر طبع محققًا مع ترجمة إلي الإنجليزية عام 1992، بعنوان: "خلاصة ما يراد من أخبار الأمير مراد"، سجل فيه سيرة هذا الأمير المملوكي الذي لعب دورًا مهمًا في تاريخ مصر قبيل مجيئ الحملة الفرنسية على مصر، ثم قاومها في الصعيد بعد مجيئها.


 هذا وقد وفر عمل الخشاب كاتبًا في الديوان الذي أنشأه الفرنسيون الفرصة له لتسجيل وقائع الديوان؛ ويذكر الجبرتي أن الخشاب جمع في أثناء عمله بالديوان عدة كراريس دون فيها حوادث الديوان، استعان الجبرتي بمذكرات الخشاب تلك في تأليفه لتاريخه المعروف بكتاب "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، ويرى بعض الباحثين الذين أرخوا للصحافة العربية أن الخشاب يعتبر أول محرر لصحيفة عربية، صدرت عن الديوان في زمن الحملة الفرنسية، وكانت تحمل الأوامر والقرارات الصادرة عن قيادة الحملة أو عن الديوان، ولهذه الكراسات حكاية أخرى لا يتسع لها المجال هنا.

 لقد عاش الخشاب فترة من أهم فترات التحول في تاريخ مصر الحديث؛ فقد شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر تحولات ثقافية واجتماعية مهمة مهدت لما حدث بعد ذلك في عصر محمد على، وكان الخشاب شاهدًا على تلك التحولات ومعاصرًا لها، كما عاش فترة الحملة الفرنسية بكل ما تركته من أثر على الفكر المصري، بل شارك في أحداثها عن قرب وكان فاعلًا فيها، وربما دفعت به هذه المشاركة إلي اعتزال الحياة العامة عقب خروج الحملة من مصر سنة 1801، في الفترة التي شهدت حالة من الاضطراب السياسي استمر حتى عام   1805، عندما نجح المصريون في إرغام السلطان العثماني على تولية محمد على باشا حاكمًا على البلاد، فكانت المرة الأولي التي يستطيعون فيها اختيار حاكمهم.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...