الجمعة، 7 أغسطس 2015


قناة السويس تاريخ من المغامرة (2)
ده الجزء التاني والأخير من مقالي في الكتاب اللي طلعه الأهرام عن قناة السويس
عماد أبو غازي
 لقد كان مشروع قناة السويس ـ في رأي الكثيرين ـ سببًا في وضع مصر في بؤرة الصراعات الدولية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فهل كان هذا أمرًا جديدًا بالنسبة لمصر؟ وهل كانت فكرة ربط البحرين الأبيض المتوسط والأحمر وليدة الفكر الأوروبي في العصر الحديث، في مرحلة الثورة الصناعية؟ أو لم يكن لمصر امتياز الموقع منذ عصور تاريخها القديم؟ أو لم يدرك المصريون قيمة موضع بلدهم وموقعها ويفكروا في استغلاله؟
 الواقع أنه منذ ظهر مفهوما النظام الإقليمي والنظام العالمي، أي منذ عرف الإنسان في  موطنه أنه جزء من منظومة أكبر، منذ ذلك الحين ومصر تحتل موقعًا محوريًا ضمن المنظومتين الإقليمية والعالمية بمعايير الإقليمية والعالمية في ذلك العصر البعيد، والتي كانت تتغير من عصر إلى عصر؛ فبعد عدة قرون من بدء الحضارة المصرية وتكوين الدولة الواحدة الموحدة في الوادي والدلتا أدرك المصريون أنهم يشكلون جزءًا من نظام أوسع يتخطى حدودهم، وبدء اتصالهم بالعالم المحيط بهم.
 وفي إطار ذلك العالم القديم الذي كان محددًا في البداية بمراكز أكثر تطورًا، تلك التي شهدت ميلاد الثورة الزراعية وشكلت مركزًا متقدمًا لهذا العالم، في مصر وبلاد الرافدين وآسيا الصغرى، وأطرافًا أقل تطورًا في المحيط الأوسع في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا وشرقها ووسط آسيا، كانت مصر تحتل موقعًا متوسطًا في ذلك العالم، وتعد نقطة ارتباط بين أطرافه، ومن هنا تولدت لدى المصريون أفكار حول ربط أطراف ذلك العالم بعضها ببعض.
 فما قصة تلك الأفكار؟ وهل تحولت إلى مشروعات في الواقع؟
 إننا نعرف جميعا قصة مشروع قناة السويس الحالية ودور دلسيبس فيها، كما نعرف أن فكرة ربط البحرين الأحمر والأبيض سابقة على دلسيبس، فقد جاء علماء حملة بونابرت على مصر  ومعهم مشروعًا لقناة تربط البحرين لكنهم أحجموا عن تنفيذ المشروع لخطأ الحسابات الناتج عن حجم المعرفة العلمية المتاحة وقتها من ناحية، ولما أصاب أوضاع الحملة في مصر من اضطراب من ناحية أخرى.
 
 
 كما نعرف كذلك أن مشروعًا آخر لشق القناة طرحه مهندسون أوروبيون من رجال الحركة السان سيمونية على محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن الباشا رفض المشروع لإحساسه بأنه سيضع مصر في بؤرة الصراعات الدولية.
 
 لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن المشروع الذي ظهر إلى الوجود في القرن الماضي كان في الأصل مشروعًا مصريًا قديمًا. ففكرة الربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط فكرة قديمة راودت المصريين قبل عشرات القرون، بل تحققت بالفعل في بعض عصور التاريخ المصري، فعندما حفر دلسيبس قناة السويس كان يحيي مشروعًا قديمًا للغاية، ففي زمن ما في الماضي البعيد كان البحر الأبيض المتوسط متصلًا بالبحر الأحمر عبر نهر النيل، فقد كان خليج السويس يصل إلى الموضع الحالي لمدينة الإسماعيلية، حيث كان يتصل هناك بأحد الفروع القديمة للنيل الذي كان يتجه من الدلتا نحو الشرق. وتؤكد الدراسات الـﭽيولوﭽية لتلك المناطق هذه الحقيقة، فقد تركت المياة المتراجعة أثرها في الأرض، وآخر هذه الآثار وادي الطميلات وبحيرة التمساح والبحيرات المرة.
 وقد أوحت المنخفضات الطبيعية التي تمتلئ بها المنطقة للمصري القديم بالمسار الذي يمكن له أن يحفر فيه قناة تصل ما بين نهر النيل وقمة خليج السويس، وقد كانت لدى المصريين القدماء دوافعهم لإعادة شق طريق مائي صناعي يحل محل المجرى الطبيعي الذي طُمر مع مرور الزمان.
 لقد ارتبطت مصر منذ أقدم العصور بعالم البحر الأحمر، فكان للمصريين تجارتهم المستمرة مع المناطق الجنوبية والشرقية، وقد سجلوا تفاصيل رحلاتهم تلك في النقوش على جدران المقابر والمعابد، وكان شق مثل تلك القناة يمكن أن يوفر عليهم رحلة شاقة في الصحراء الشرقية ثم في صحراء سيناء فجزيرة العرب، أو في الصحراء الشرقية إلى الموانئ المصرية الجنوبية على شاطئ البحر الأحمر، فعبر تلك القناة كان يمكن أن تنتقل سفن الأسطول المصري مباشرة من وادي النيل إلى البحر الأحمر.
 إذًا فلم يكن قصد المصريين القدماء من وراء شق هذه القناة هو ربط البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، بل مجرد ربط النيل بالبحر الأحمر وتوفير القدرة للأسطول المصري على أن يجوب البحر الأحمر منطلقًا من منف على رأس وادي النيل، لكن نتيجة هذا المشروع الضخم كانت تحقيق إمكانية الانتقال ما بين البحرين بسهولة ويسر، وربط طرق التجارة في العالم القديم بطريق بحري متصل.
 
 
 وتحفل المصادر التاريخية القديمة وكذلك النصوص الأدبية ـ سواءً في ذلك المصادر الإغريقية أو الفارسية أو الرومانية أو العربية ـ بالعديد من الروايات التي تغلفها كثير من الأساطير، وتلك الروايات مختلفة في تفاصيلها وإن اتفقت في مضمونها حول حفر هذه القناة ووجودها.
 ووفقًا لما تقوله تلك الروايات وما تحمله من قصص تجمع بين الحقيقة والخيال ترجع بعض المصادر الإغريقية حفر قناة تربط النيل بالبحر الأحمر إلى عصر الدولة الوسطى، وعلى وجه التحديد إلى عصر سونسرت الثالث المعروف لدى الإغريق باسم سيزوستريس، حيث يقول أرسطوطاليس في كتابه "علم الظواهر الطبيعية": "نحن نعتبر أقدم البشر هؤلاء المصريين الذين تظهر كل بلادهم قاطبة من عمل النيل ولا تعيش إلا به. وهذه الحقيقة تفرض نفسها على أي فرد يجوب هذه البلاد، ولدينا شاهد ظاهر نجده في إقليم البحر الأحمر، والواقع أن أحد الملوك شرع في القيام بحفر البرزخ لربط النيل بالبحر، وجعل هذا الممر صالحا للملاحة، وكان له فائدة عظيمة، والظاهر أن سيزوستريس هو أول الملوك القدامى الذين تبنوا هذا العمل ولكنه لاحظ أن مستوى الأراضي كان أكثر انخفاضًا عن مستوى البحر...".
 
سونسرت الثالث
 ولا تقتصر الروايات التي تعود بقصة حفر تلك القناة إلى زمن الدولة الوسطى على ما ذكره أرسطوطاليس، بل نجد لها أصداء في ملحمة الأوديسا التي تنسب إلى هوميروس، وعند الجغرافي إسترابون والمؤرخ الروماني بليني القديم، كذلك ترجع المصادر العربية بهذه القناة إلى نفس الفترة في تاريخنا المصري القديم.
 وبالرغم من أن هناك شواهد أثرية كثيرة تؤكد علاقة مصر بعالم البحر الأحمر منذ هذه العهود البعيدة إلا أنه لا توجد أدلة مؤكدة على حفر القناة الملاحية، لكن بعض علماء المصريات المحدثين يذهبون إلى أن العلاقات التجارية والحربية القوية بين مصر وشواطئ البحر الأحمر الشرقية والجنوبية، والتي ترجع إلى عصر الدولة الوسطى على الأقل، ما كان لها أن تقوم دون وسائل مواصلات مباشرة وسهلة، كما تشير الأدلة الأثرية إلى وجود أطلال لمدن يرجع بعضها إلى عصر الدولة القديمة في مواقع مختلفة بالمنطقة التي يفترض أن تلك القناة اخترقتها، ويستنتج هؤلاء العلماء احتمال وجود قناة تمد المناطق الواقعة شرق دلتا النيل بالماء العذب منذ عصر الإسرة الثانية عشرة في الدولة الوسطى. وتؤكد الشواهد الأثرية على وجود تلك القناة في وادي الطميلات زمن الدولة الحديثة إبان عصر رمسيس الثاني.
 أما الروايات شبه المؤكدة فترجع البدء في مشروع القناة الملاحية إلى العصر الصاوي، حوالي القرن السابع قبل الميلاد، حيث تؤكد رواية المؤرخ الإغريقي هيردوت الذي زار مصر في زمن الاحتلال الفارسي، أي في فترة قريبة من العصر الصاوي، على أن صاحب المشروع هو الفرعون المصري نخاو الثاني، أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، وقد حكم مصر في الفترة ما بين سنتي 610 و595 قبل الميلاد على الأرجح، ورغم أن الآثار المادية لهذا الفرعون قليلة إلا أن المصادر التاريخية القديمة والنصوص الدينية المتأخرة لليهود تحفل بالكثير عن عصره، فقد قام نخاو بهزيمة الملك يوشيا ملك يهوذا وسحق جيشه خلال إحدى حملاته الحربية التي قادها بنفسه في فلسطين، وسيطرت مصر في بداية عصره على مناطق واسعة من فلسطين وسوريا ولبنان، وحاول أن يتصدى للنفوذ البابلي الصاعد لكنه فشل في ذلك بعد هزيمته في موقعة قرقميش التي تراجعت مصر بعدها إلى حدودها الطبيعية، وتنسب إلى هذا الفرعون مشروعات ضخمة مثل الر حلة التي قام بها أسطول مصري فينيقي للدوران حول قارة أفريقيا بدء من البحر الأحمر بمحاذاة الساحل الشرقي للقارة حتى رأس الرجاء الصالح، ثم الصعود شمالًا بمحاذاة الساحل الغربي حتى المضيق المعروف الآن بمضيق جبل طارق والدخول عبره إلى البحر المتوسط للعودة إلى مصر مرة أخرى، كما ينسب إليه المؤرخ الإغريقي هيردوت الشروع في حفر القناة التي تصل بين النيل والبحر الأحمر، حيث يقول: "كان للملك بسماتيك ابن يدعى نخاو خلفه على العرش، وكان هو أول من بدأ حفر القناة التي تجري لتصب في البحر الأحمر، وكان دارا ملك الفرس ثاني ملك اهتم بها، وكان طولها أربعة أيام بالسفينة، وكانت تتسع لسير سفينتين فيها متحاذيتين، وكان ماؤها يخرج من النيل من فوق مدينة بوبسطة بمسافة قليلة، وتمر بمدينة باتوم، وتسير لتصب في البحر الأحمر، وهكذا فإن هذه القناة الطويلة التي تجري من الغرب إلى الشرق مخترقة الأودية الصغيرة حتى الخليج الغربي، وفي أثناء انشغال نخاو بالقناة المذكورة مات فيها مائة وعشرون ألف مصري، وقد أمر بوقف العمل بسبب ذلك، وكذلك نزل عليه وحي معترضًا سير العمل فيها قائلًا: إن همجيًا سينجزها".
 
نخاو الثاني
وقد انجزت هذه القناة أو ربما أعيد افتتحها في عهد الملك الفارسي دارا الأول حيث تشير إلى ذلك لوحة تذكارية ترجع إلى عام 518 قبل الميلاد. وقد كان الفرس أثناء احتلالهم لمصر يحتاجون إلى مثل هذه القناة لربط مصر بالعاصمة الفارسية بطريق بحري متصل.
 
دارا الأول
 وقد أعيد حفر تلك القناة عدة مرات في عصور البطالمة والرومان والعرب إلى أن طمر الجزء الأكبر منها في بداية عصر الدولة العباسية كما يذكر المقريزي، ولم يعد المشروع إلى الوجود إلا مع دلسيبس.
 ترى من هو الهمجي المقصود في نبوءة نخاو من هؤلاء الذين حفروا القناة؟
 ومشروع نخاو في ضوء رحلة الأسطولين المصري والفنيقي حول القارة الأفريقية كان يهدف بلا شك إلى ربط البحرين الأبيض والأحمر وليس النيل والبحر الأحمر فقط، وهكذا فعندما تم حفر قناة السويس التي تعد اليوم من أهم طرق الملاحة العالمية، كان ذلك إحياءً لمشروع مصري قديم عمره من عمر مصر.
 وإذا كانت مصر في عصورها القديمة قد عرفت مشروعات لربط البحرين الأبيض والأحمر عبر النيل، فإن هذه المشروعات قد تجددت مرة أخرى بعد دخول العرب إلى مصر في القرن السابع الميلادي، ومصدرنا عن هذه المشروعات كتابات المؤرخين العرب، التي تتحدث عن الخليج الذي كان يعرف باسم خليج أمير المؤمنين، وتعود تلك الكتابات بأصول المشروع إلى قناة سيزوستريس التي تذكرها المصادر الإغريقية، وترجع المصادر العربية بهذا المشروع إلى فترة مبكرة جدًا في الحقبة العربية من تاريخ مصر، إلى عصر أول الولاة العرب عمرو بن العاص.
 هذا وتحفل الروايات التاريخية العربية بكثير من الاضطراب فيما يتعلق بحفر القناة في عصور الحضارة المصرية القديمة، وربما أتى الاضطراب نتيجة انقطاع صلة المؤرخين العرب بالتراث المصري القديم، ورغم ما تحمله تلك الروايات من خلط بين الأساطير والخرافات والوقائع التاريخية فإنها روايات لا تخلو من دلالة على وجود هذه القناة وأهميتها في ربط مصر بجزيرة العرب تجاريًا منذ أقدم العصور، فماذا يقول تقي الدين المقريزي شيخ مؤرخي مصر في القرن الخامس عشر الميلادي عن هذه القناة؟
 في خططه المعروفة بـ"كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار" يتحدث المقريزي  عن الخليج المسمى بخليج أمير المؤمنين نسبة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فيقول: "هذا الخليج بظاهر القاهرة من جانبها الغربي فيما بينها وبين المقس"... والمقس منطقة تقع ما بين ميدان رمسيس وبولاق أبو العلا الآن، كانت بها إدارة جباية الرسوم الجمركية على البضائع الواردة للقاهرة، حيث كان ميناء بولاق يعد الميناء الشمالي للمدينة، وكلمة مقس أو مكس كلمة غير عربية تعني الضريبة وكانت تستخدم للرسوم الجمركية خاصة، ومن هنا يتكرر إطلاق اسم المكس على الأحياء المجاورة للموانئ، كما كانت كلمة مكس وجمعها مكوس تحمل معنًا آخر له دلالة سلبية حيث يشير بها الناس في العصور الوسطى إلى الضرائب غير الشرعية.
  ونعود مرة أخرى لشيخنا المقريزي الذي قال عن الخليج: "عرف في أول الإسلام باسم خليج أمير المؤمنين، ويسميه العامة الخليج الحاكمي وخليج اللؤلؤة، وهو خليج قديم أول من حفره طوطيس بن ماليا أحد ملوك مصر الذين سكنوا مدينة منف، وهو الذي قدم إبراهيم الخليل صلوات الله عليه في أيامه إلى مصر، وأخذ منه امرأته سارة وأخدمها هاجر أم إسماعيل صلوات الله عليهما، فلما أخرجها إبراهيم هي وابنها إسماعيل إلى مكة بعثت إلى طوطيس تعرفه أنها بمكان جدب وتستسقيه، فأمر بحفر هذا الخليج وبعث إليها فيه بالسفن تحمل الحنطة وغيرها إلى جدة، فأحيى بلد الحجاز".
 ومن المفترض أن ترجع وقائع تلك القصة إلى زمن يقابل عصر الدولة الوسطى في تاريخنا المصري القديم، الزمن الذي شهد وفود العديد من القبائل السامية من مناطق غرب آسيا إلى مصر، والتي تسجلها النقوش المصرية القديمة، خاصة نقوش مقابر بني حسن بالمنيا.
 
 
 
 جدارية من بني حسن تبين رحلة لمجموعة من القبائل السامية تطلب اللجوء لمصر
ويسترسل المقريزي في تتبع تاريخ القناة في العصر الروماني فيقول: "ثم أن أندرومانوس الذي يعرف بإيليا أحد ملوك الرومان بعد الإسكندر بن فيلبس المقدوني جدد حفر هذا الخليج، وسارت فيه السفن، وذلك قبل الهجرة النبوية بنيف وأربعمائة عام"، وينتقل بعد ذلك إلى مشروع تجديد القناة عقب دخول العرب إلى مصر قائلا: "ثم أن عمرو بن العاص رضي الله عنه جدد حفره لما فتح مصر، وأقام في حفره ستة أشهر وجرت فيه السفن تحمل الميرة إلى الحجاز، فسمي خليج أمير المؤمنين، فإنه هو الذي أشار بحفره، ولم تزل تجري فيه السفن من فسطاط مصر إلى مدينة القلزم (السويس الآن)، وكان يصب ماء النيل في البحر عند مدينة القلزم إلى أن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بطمه في سنة خمسين ومائة،  فطم وبقى منه ما هو موجود الآن"...
 ومن رواية المقريزي التي سعى فيها للتأصيل التاريخي لتلك القناة تبدو بوضوح محاولته للربط بين القناة التي حفرها ملك مصر لإمداد السيدة هاجر بالطعام وقناة أمير المؤمنين، فللقناتين نفس الهدف، إمداد الحجاز بقمح مصر وخيرتها، لكن الحقيقة أيضًا أن قناة أمير المؤمنين يفترض أن لها نفس دوافع قناة دارا الفارسي، أي ربط ولاية جديدة بمركز الإمبراطورية.
 الغريب في الأمر أن مصر في عصر المقريزي، أي القرن الخامس عشر الميلادي وفي ظل حكم المماليك الجراكسة كانت مركزًا رئيسيًا لطرق التجارة العالمية، وكانت تجارتها الخارجية مزدهرة، بل كانت عوائد تجارة المرور تشكل المصدر الثاني لموارد الدولة بعد الزراعة، وتشكل مصدرًا مهمًا لموارد سلاطين المماليك الشخصية في ظل سياسة الاحتكار التي اتبعوها منذ عصر السلطان الأشرف برسباي، وكان هناك تحالف استراتـجي بين سلطنة المماليك وجمهورية البندقية أساسه مصالحهم التجارية المشتركة في السيطرة على تجارة العالم القديم، ومواجهة التهديدات القادمة من الشرق ومن الغرب لمصالحهما المشتركة، فكان هناك العدو الواحد الذي بات يشكل تهديدًا لكلا الدولتين، أعني الدولة العثمانية الصاعدة، وكانت هناك من ناحية أخرى مهمة مواجهة طموح دول غرب أوروبا الصاعدة خاصة أسبانيا والبرتغال بكشوفهما الجغرافية الساعية للوصول إلى الشرق الأقصى عبر طريق بحري مباشر، يمكنهما من إنهاء الاحتكار المملوكي البندقي لتجارة الشرق.
 وكانت بقايا خليج أمير المؤمنين لا تزال موجودة، وتاريخ الخليج وفكرته معروفة، فلماذا لم تقم مصر المملوكية بمشروع لإعادة شق خليج أمير المؤمنين لتربط طرق التجارة بين الشرق والغرب، خاصة بعد أن بدأت الكشوف الجغرافية التي قام بها الأسبان والبرتغاليين تؤتي ثمارها في كشف طريق بحري مباشر إلى شرق آسيا بالدوران حول رأس الرجاء الصالح؟
 المتتبع لمشروعات ربط النيل بالبحر الأحمر بقناة صناعية يكتشف أن الفكرة لم تغب عن المصريين منذ زمن الدولة الوسطى على الأقل، وإن هذه المشروعات أدت بطريق غير مباشر إلى ربط البحرين الأبيض المتوسط والأحمر معًا عبر النيل.
 لكن الغريب في الأمر،  إنه بعد ردم خليج أمير المؤمنين في بدايات العصر العباسي لم تتكرر المحاولة مرة أخرى لإعادة حفر قناة جديدة، حتى في ظل عصور الاستقلال زمن الفاطميين والمماليك، رغم أهمية هذه القناة لمصر.
 كنت دائما أتساءل: لقد كانت بقايا خليج أمير المؤمنين لا تزال موجودة ومعروفة لدى الناس باسم الخليج الحاكمي، وتاريخ الخليج وفكرته معروفة ـ على الأقل ـ لدى النخبة المحيطة بالسلطة، كما نستنتج من رواية المقريزي، فلماذا لم تقم مصر المملوكية عندما واجهت الأخطار الناجمة عن كشوف الأسبان والبرتغاليين البحرية، والتي كانت معروفة أيضًا لدولة المماليك كما يتبين ذلك من قراءة ابن إياس المصري مؤرخ عصر سقوط دولة المماليك، بالتفكير في مشروع لإعادة شق خليج أمير المؤمنين لتربط طرق التجارة بين الشرق والغرب، ولتحبط مشروعات البرتغاليين والأسبان؟
 ولماذا لم تفكر جمهورية البندقية الحليف التجاري ـ القوي حتى ذلك الوقت ـ في ذلك المشروع؟
 إن المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة سواء المصرية منها أو الإيطالية تشير إلى سعي جمهورية البندقية لمواجهة منافسة دول جنوب غرب أوروبا من خلال شرح الموقف الصعب الذي تتعرض له المصالح المشتركة للطرفين بسبب نجاح البرتغاليون والأسبان في الوصول إلى الهند والشرق الأقصى، والضغط على سلطنة المماليك في مصر لتخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على التجارة التي تمر عبر الموانئ المصرية، ومناشدتهم التخفيف من العوائق التي يواجهها تجار البندقية في مصر، تلك العوائق الناتجة عن الفساد والبيروقراطية، كذلك طالب البنادقة من سلطان مصر مخاطبة حكام الهند المسلمين ومناشدتهم عدم التعامل مع البرتغاليون والأسبان، وشرح مخاطر هذا التعامل على مستقبل الهند، وكنت أتصور دائمًا أن أيًا من المصريين أو البنادقة لم يفكر في الحل الحاسم المتمثل في إعادة استكمال شق القناة الواصلة بين النيل والبحر الأحمر ليتصل بذلك الطريق مباشرة بين موانئ إيطاليا والهند عبر مصر، ويفقد بذلك كشف فاسكو دا جاما لطريق رأس الرجاء الصالح قيمته وأهميته.
 هل عجز المماليك والبنادقة عن الإمساك باللحظة التاريخية، ولم يفكروا في مواجهة الأخطار المحيطة بهما بأكثر الطرق مباشرة، بمشروع "ثوري" لربط البحرين الأبيض والأحمر، في أعلى لحظة احتياج لهذا المشروع؟
ظل هذا السؤال يلح عليّ لماذا لم يفعلوها أو حتى يفكروا فيها؟ إلى أن روى لي الصديق الدكتور أحمد يوسف المهتم بتاريخ القناة قصة اكتشاف لوحة تثبت أن البنادقة عرضوا على السلطان الغوري فكرة شق قناة تربط البحرين الأحمر والمتوسط.
 
 
 وكتب مقالًا في صفحة تراث وتاريخ بجريدة الشروق، يقول أحمد يوسف في هذا المقال: "في سبتمبر عام 2000 طلبت إدارة شركة السويس الفرنسية العالمية ـ ثالث أكبر شركة في صناعة الكهرباء والطاقة النووية في العالم، وهي شركة حفيدة للشركة العالمية لقناة السويس البحرية التي أممها جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956 ـ مني ومن آخرين إبداء الرأي في لوحة ثمينة تعرضها شركة سوسبي العالمية للمزادات في لندن، تعود اللوحة لعام 1869 لفنان إيطالي اسمه جولين كالين 1830 ـ 1887، وكانت المفاجأة ان اللوحة تمثل تجارًا أو سفراء من فينسيا يقدمون لسلطان مصر خريطة توضح بعناية أن الإيطاليين يعرضون على مصر مشروعًا لربط البحر الابيض بالبحر الأحمر.
 
 
فمن أين أتي كابلين بهذه الفكرة للوحاته التي رسمها ولا شك بمناسبة احتفالات افتتاح قناة السويس في نوفمبر 1869؟
 تروي الوثائق الفينيسية أن مصر أرسلت بعثة استطلاعية الى فينسيا 1506/1507 مكونة من 20 شخصية في مجالات العلم والتجارة والسياسة، وهو ما يروية السفير مارينز سانود ومن المؤكد أن مشروع تحديث النقل البحري والبري عبر المتوسط ثم السويس على البحر الأحمر تم تداوله في هذه الزيارة، فقد أرسلت البندقية واحدا من سفرائها الأسطوريين إلى مصر وهو دومينيكو تريفيزانو عام 1512 لمقابلة السلطان الغوري وبحث مشروع حفر قناة تربط البحرين الأحمر بالتوسط وهو ما يرويه تريفيزانو في مذكراته التي خصصها لرحلته في مصر والموجودة بالمكتبة الوطنية في باريس. 
 يبدو اذا ان الفنانين المصورين لديهم حاسة تاريخية حادة وهو ما جعل جوليو كارلين يرسم هذه اللوحة المرفقة ويمكن للقارئ أن يتخيل المذكرة التي رفعتها لشركة السويس طالبًا أن تشتري اللوحة بأي ثمن وهي اللوحة التي يجدها الزائر للمقر التاريخي لشركة السويس في قلب باريس اليوم."
 إلى هنا ينتهي كلام الدكتور أحمد يوسف.
 
 السلطان الغوري يستقبل سفراء البندقية
وأطرح هنا سؤالي، ماذا لو فعلها المصريون والبنادقة يومها؟
 لقد قال لي أساتذتي الذين علموني دراسة التاريخ دومًا: إن مثل هذه الأسئلة غير واردة في دراسة التاريخ، فالتاريخ بمفهومه التقليدي لا يعرف سؤال ماذا لو كان؟ التاريخ دراسة ما كان بالفعل فقط، وليس دراسة ما كان يمكن أن يحدث!
 لكن لعبة السيناريوهات الوهمية والأسئلة الافتراضية في التاريخ لعبة ممتعة، لا أستطيع مقاومتها.
 لنفكر معا لماذا لم يقم المماليك والبنادقة بمثل هذا المشروع؟
ربما كان ذلك بسبب الغزو العثماني للشام ومصر الذي أنهى دولة المماليك تمامًا بعد أقل من خمس سنوات على طرح الفكرة، لكن الحقيقة أن السنوات الخمس لم تشهد أي شروع جدي في تنفيذ الفكرة وتحويلها إلى واقع.
 أو ربما يرجع إلى الأزمة السكانية التي كانت تعيشها مصر، فقد فقدت البلاد أكثر من نصف سكانها في سلسلة من الأوبئة والمجاعات منذ الفناء الكبير في أواخر عصر دولة المماليك البحرية لم تعد هناك أيدي عاملة تكفي لزراعة الأرض، فما بالنا بحفر قناة مات في حفرها بعد أربعة قرون عشرات الآلاف، وربما يرجع إلى ضعف الإمكانيات المالية للدولة، وربما يرجع إلى أن الدولة كانت تعيش أزمة النهاية التي فقدت فيها طاقاتها الإبداعية ومثل هذا المشروع كان يحتاج لعقلية مغامرة لا تمتلكها دولة شاخت وهرمت، وما ينطبق على دولة المماليك ربما ينطبق بدرجة أو بأخرى على جمهورية البندقية، التي سرعان ما زال مجدها بعد سقوط دولة المماليك بفترة ليست بالكبيرة.
 لنطلق لخيالنا العنان ونتصور مصير العالم لو أنهم فعلوا ذلك، حقا لو فعلوها لتغير تاريخ مصر والمنطقة العربية بل وربما  تاريخ العالم! لكن التاريخ لا يعرف كلمة لو، التي "تفتح عمل الشيطان" حسب المأثور الديني، والتي هي "حرف شعلقه في الجو" حسب المأثور الشعبي.
 


الخميس، 6 أغسطس 2015


 
قناة السويس تاريخ من المغامرة (1)
ده الجزء الأول من مقالي في الكتاب الجديد اللي أصدره الأهرام عن قناة السويس

عماد أبو غازي
  في السادس والعشرين من يوليو من كل عام تحتفل مصر بذكرى قرار تأميم شركة قناة السويس، ذلك القرار الذي غير تاريخ مصر والمنطقة العربية، بل يمكن أن نقول بلا مبالغة أنه كان قرارًا مؤثرًا على المستوى العالمي، بحيث يمكن أن نعتبره حدثًا من أهم أحداث القرن العشرين، ومازالت آثار هذا القرار ماثلة بيننا إلى الآن.
 

 لقد منح قرار التأميم لعبد الناصر ـ صاحب القرار المغامرة ـ شعبية جارفة وشرعية جماهيرية لم تتحقق له قبل ذلك اليوم، فلم يلق إجراء من الإجراءات التي اتخذها مجلس قيادة الثورة أو الحكومات المتعاقبة التي توالت على مصر منذ وصلت حركة الضباط الأحرار إلى السلطة من التأييد مثلما لقي قرار تأميم قناة السويس. لقد حقق عبد الناصر بذلك القرار الحلم الذي ظل يراود المصريين قرابة تسعين عامًا، لذلك فقد رحب المصريون بالقرار رغم ما كان متوقعًا من سخط الدول الغربية على مصر بسببه، ورغم ما كان متوقعًا من أن يجلبه على البلاد من "عواقب وخيمة".
 
 
 وقد جاء رد الفعل الغربي بعد شهور قليلة عندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الغاشم ـ كما تعودنا أن نصفه في طفولتنا ـ ذلك العدوان الذي بدأ في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر من السنة نفسها باحتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء، وأعقبه احتلال إنجليزي فرنسي لمنطقة القناة بدعوى تأمين القناة والفصل بين الطرفين المتحاربين.
 
 

 نعود إلى قرار التأميم، ففي يوم 26 يوليو 1956، وبمناسبة الذكرى الرابعة لمغادرة الملك فاروق لمصر بعد تنازله عن العرش، تلك المناسبة التي كان قادة نظام يوليو يحتفلون بها في الإسكندرية التي غادر منها فاروق البلاد، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر في كلمات محددة ضمن خطابه الذي ألقاه في ميدان المنشية قرار تأميم شركة قناة السويس وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية.
 
 
وقد عبر الشعراء عن هذا الحدث المهم في تاريخنا الوطني بعشرات القصائد، بالنسبة لي أجملها ما عبر به الشاعر والفنان المبدع صلاح جاهين عن مشاعر الشعب الجياشة تجاه التأميم في قصيدته الطويلة "موال للقنال" قائلًا:

ياسايق الغليون

عدي القنال عدي

وقبل ما تعدي

خد مننا وأدي

ده اللي فحت بحر القنال جدي

بحر القنال يا كترها رماله

وجدنا ... فوق الكتاف شاله

بحر القنال اتبدلت حاله

وجدنا متهني بعياله

واحنا على الشطين

مفتحين العين

عارفين طريقنا منين

واللي صديقنا فين

يا سايق الغليون

دي أرضنا     وأرضنا لينا

ضرب الرصاص    للي يعادينا

دي أرضنا          وتربها أجددنا

ضرب الرصاص      للي يعاندنا

  لم يكن قرار تأميم شركة قناة السويس نهاية المطاف في قصة مصر مع القناة، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الكفاح دفاعًا عن القناة عاشها أبناء جيلنا كاملة وما زلنا نعيشها إلى اليوم، كما لم يكن بالطبع بداية القصة فتاريخنا مع القناة طويل ممتد، وكله تاريخ من المغامرة والمقامرة، كان الشعب المصري دائمًا بطلها.
 
 
 وقد عبرت المذكرة الإيضاحية لقرار التأميم عن هذا التاريخ الطويل مع القناة في عبارة موجزة جاء فيها: "بالدماء المصرية شُقت قناة السويس لتخدم الملاحة البحرية"، وهذه حقيقة تاريخية عادت المذكرة ففصلت ما أجملته لتبرهن عليها: "إنه من عام 1859 حتى عام 1864 مضت خمس سنوات سخر فيها المصريون دون أجر أو شكر لحفر القناة، وأن ستين ألفًا من المصريين كانوا يُخصصون شهريًا لهذه الخدمة في وقت لم يتجاوز فيه تعداد جميع المصريين أربعة ملايين، ولقد مات من هؤلاء العمال تحت الانهيارات الرملية ما يزيد على المئة ألف دون دفع أي تعويض عنهم أو جزاء، كما قامت الجهود المصرية في كل من ترسانة القاهرة وترسانة الإسكندرية بإعداد المشروعات اللازمة لإكمال حفر القناة، ووُضعت جميع وسائل النقل البري والنهري في خدمة الشركة بالمجان، ومنحتها الحكومة جميع الأراضي والمناجم اللازمة، ولم تكتف الحكومة المصرية بذلك، بل ساهمت مساهمة جبارة في تمويل عمليات حفر القناة، فقد بدأت الشركة برأس مال لا يتجاوز نصف مليون من الجنيهات، بينما تكلف إنشاء القناة ما يزيد على الستة عشر مليون جنيه، وتحملت مصر بهذا الفرق جميعه".
 لقد كانت تلك مبررات أوردتها المذكرة الإيضاحية لقرار التأميم الذي أيده الشعب رغم ما حمله من مخاطر وما كان واضحا فيه من روح المغامرة، فكيف تكون لدى المصريون الإحساس بأهمية هذا القرار وضرورته؟
 إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب العودة إلى الوراء أكثر إلى بداية مشروع القناة.


 لقد بدأت قصة مشروع قناة السويس في عهد سعيد باشا، عندما حصل المهندس الفرنسي فرديناند دليسبس في 30 نوفمبر 1854 على عقد امتياز تأسيس شركة عامة لحفر قناة السويس واستثمارها لمدة 99 سنة تبدأ من تاريخ افتتاح القناة للملاحة، وكانت شروط العقد مجحفة بمصر.

 ويروي دليسبس كيف حصل على امتياز القناة من صديقه القديم سعيد باشا عقب توليه حكم مصر، بعد شهر من تقديمه للمشروع، عندما عرض عليه الفكرة أثناء رحلة عبر الصحراء من الإسكندرية إلى القاهرة، فيقول: "بعد أن قبل سعيد باشا المشروع استدعى قواد جنده، ودعاهم إلى الجلوس أمامه، وقص عليهم الحديث الذي دار بيننا، وطلب منهم أن يبدوا رأيهم في مشروع صديقه، فلم يكن من هؤلاء المستشارين وقد فاجئهم هذا الاقتراح، وهم أقدر على إبداء الرأي في مناورات الخيل منهم في التكلم عن مشروع عظيم لا يستطيعون فهم مراميه، إلا أن نظروا إلي بملء أعينهم، كأنما يريدون إفهامي أن صديق مولاهم الذي رأوه يقفز على الحواجز ممتطيًا جواده بمهارة فائقة لا يمكن إلا أن يدلي إلا بآراء صائبة، وكانوا أثناء الحديث يرفعون أيديهم إلى رءوسهم بين آن وآخر".
 
 

 وكان دليسبس أثناء رحلته مع سعيد باشا من القاهرة إلى الإسكندرية قد أبدى مهارة في ركوب الخيل واجتياز الموانع الطبيعية في الصحراء وهو ممتطيًا جواده، مما أثار إعجاب حاشية سعيد باشا وقادة جيشه بالصديق الأجنبي لمولاهم.
 وفي موضع آخر يذكر دليسبس أثر إعجاب هؤلاء القادة بفروسيته على قرارهم بالموافقة على مشروعه، تلك الموافقة التي لم تستغرق سوى أسابيع قليلة من الدراسة، لم تصل إلى شهر، في بلد كانت تتميز بيروقراطيته ونخبته العسكرية بالبطء القاتل في اتخاذ القرار، فما سر هذه السرعة المذهلة؟
يقول دلسيبس: "جمع سعيد باشا قواد جنده، وشاورهم في الأمر، ولما كانوا على استعداد لتقدير من يجيد ركوب الخيل ويقفز بجواده على الحواجز والخنادق أكثر من تقديرهم للرجل العالم المثقف انحازوا إلى جانبي، ولما عرض عليهم الباشا المشروع بادروا إلى القول بأنه لا يصح أن يرفض مشروع صديقه، وكانت النتيجة أن منحني الباشا ذلك الامتياز العظيم".
 بهذه البساطة حصل دليسبس على امتياز شق القناة، بهذه البساطة كانت النخبة الحاكمة تتخذ قرارًا يحدد مصير الوطن لسنوات طويلة. رغم أنه نفس المشروع الذي رفضه محمد علي باشا قبلها بسنوات عندما عرضه عليه السان سيمونيون، وهم أتباع حركة إصلاحية ذات توجهات اجتماعية   استعان بهم الباشا في تحديث مصر وفي مشروعات إقامة البنية الأساسية الحديثة في البلاد، وكان مبرره في الرفض الخوف من أن تزيد القناة من المطامع الدولية في مصر، الأمر الذي تحقق بالفعل.
 وبعد انتهاء مرحلة الدراسات التمهيدية للمشروع التي استغرقت عامًا وبضع أسابيع تم تعديل عقد الامتياز في 5 يناير سنة 1856 بشروط أكثر إجحافًا بمصر.
 وفي 25 إبريل سنة 1859 توجه دليسبس بصحبة أعضاء مجلس إدارة الشركة إلى شاطئ البحر المتوسط بالقرب من الفرما، عند الموقع الذي أُنشئت فيه مدينة بورسعيد بعد ذلك، وفي احتفال كبير ضرب الرجل أول معول في الأرض إيذانا ببداية حفر قناة السويس، الحفر الذي استغرق  أكثر من عشر سنوات، ضرب فيها مئات الآلاف من الفلاحين المصريين ملايين المعاول، في ظروف عمل غير إنسانية وأوضاع قاسية، سقط عشرات الآلاف من الفلاحين، وتكبدت الخزانة المصرية أعباءً مالية جسيمة بلغت أكثر من ستة عشر مليون جنيه.
 
 
 بعد تلك السنوات العشر افتتح الخديوي إسماعيل قناة السويس في احتفال تاريخي بدأ من مدينة بورسعيد يوم 16 نوفمبر سنة 1869، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ مصر وعلاقاتها الدولية.
 

 لقد أعاد مشروع قناة السويس مصر مرة أخرى إلى قلب الصراع الدولي، فبعد أن كانت أمور البلاد قد استقرت في أعقاب معاهدة 1840، عادت مصر مرة أخرى مسرحًا للتنافس الاستعماري وصراع المصالح بين الدول الأوروبية الكبرى.
 وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من الساسة والمؤرخين المصريين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى القول بأن مشروع القناة كان نقمة على البلاد، بل أنه كان المسئول الأول عن أزمة الديون التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر.
 

 ومنذ الإعلان عن عقد الامتياز تنبه القنصل الإنجليزي في مصر مستر بروس إلى أن حفر القناة "سيؤدي إلى ازدياد المواصلات التجارية بين أوروبا وبلاد الشرق، وسيترتب على ذلك أن تنشأ مراكز قانونية للدول الأجنبية في هذه البلاد، وسيؤدي هذا الوضع إلى أن تحدث منازعات بين تلك المراكز وشعوب الشرق، وسوف تكون هذه المنازعات ذريعة تتيح للدول الأوروبية التدخل المسلح والاحتلال الدائم للبلاد...".
 وقد صدق بالفعل توقع القنصل الإنجليزي، فبدأ التنافس البريطاني الفرنسي على مصر من جديد، وبدأ التدخل الأجنبي في شئون البلاد، ذلك التدخل الذي انتهى بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882.

 بل إن القناة لعبت دورًا مهمًا في نجاح القوات البريطانية في احتلال مصر، فبعد الهزائم المتوالية التي تلقاها الجيش البريطاني على الجبهة الشمالية الغربية بين الإسكندرية وكفر الدوار، بدأ القائد البريطاني ولسلي يخطط للانقضاض على مصر من جهة الشرق، عبر قناة السويس، وكانت بريطانيا قد مهدت للهجوم من جبهة الشرق عندما تحججت بترميمات طابية الجميل بالقرب من بور سعيد لتقتحم إحدى سفن أسطولها القناة من جهة الشمال وتخترقها حتى بحيرة التمساح في الأسبوع الأخير من يوليو 1882، وبعدها بأيام كانت سفن الأسطول البريطاني القادمة من الهند قد بدأت تلقي مراسيها في السويس لتكمل احتلال المدينة في الثاني من أغسطس، تحتلها باسم الخديوي الخائن الذي باع البلد من أجل عرشه، لكن التحرك الكبير في اتجاه احتلال القناة بدأ مع توالي الهزائم في كفر الدوار، فخلال ثلاثة أيام من 20 إلى 22 أغسطس احتلت القوات البريطانية منطقة القناة بالكامل وأغلقتها أمام السفن التجارية، وسيطرت على السكة الحديد بين السويس والإسماعيلية وعلى الترعة التي تغذي المنطقة بالمياه العذبة. وبعد السيطرة على القناة لم يضع الإنجليز وقتًا، فبدأ زحفهم تجاه الغرب من يوم 23 أغسطس، وتساقطت المواقع المصرية بسرعة موقعًا بعد موقع، إلى أن تم احتلال القاهرة في 14 سبتمبر 1882.
وكان أحمد عرابي قد وقع في خطأ فادح بعدم قيامه بسد القناة أو إغلاقها وتعطيل الملاحة فيها، لقد صدق عرابي وعد ديلسيبس له بالحفاظ على حياد القناة وعدم السماح للقوات البريطانية بدخول مصر عبرها، ولم يأخذ عرابي بنصيحة معاونيه وأركان جيشه، ولو كان عرابي أغلق القناة لأعاق تقدم الجيوش البريطانية، ويقول جون نينيه رئيس الجالية السويسرية في مصر وصديق عرابي في كتابه "عرابي باشا": "إن بساطة عرابي جعلته يرتكب أغلاطًا كبيرة ظهرت عواقبها فيما بعد، فبمقدار ما بذل من الهمة في الدفاع عن الإسكندرية وتحصين خطوط الدفاع في كفر الدوار بحيث امتنعت على الإنجليز، قد أظهر منذ بداية المعارك غفلة بالغة إذ استمع إلى النصائح الكاذبة التي خدعه بها المسيو فردينان دلسبس حين زعم أن الإنجليز لا يمكن أن يتعرضوا للعمل الفرنسي، فامتنع عرابي عن سد القناة في الوقت المناسب واستمسك برأيه رغم ما كانت تحتمه الخطط الفنية الحربية، ورغم ما ارتآه زملاؤه وما ارتأيته أنا، وكررته عشر مرات، تارة بالقول القارس وطورًا بالكتابة في وجوب سد القناة، ورغم كل ذلك أصر عرابي على رأيه، فمهد للجنرال ولسلي نصرًا من أسهل ما عرف في تاريخ المعارك".


 وطوال سنوات الاحتلال التي جاوزت السبعين سنة، وخلال كل المفاوضات التي دارت بين الحكومات المصرية المتعاقبة والحكومة البريطانية كانت قناة السويس وحماية الملاحة الدولية فيها من القضايا الشائكة المعقدة التي تؤدي دومًا بالمفاوضات إلى طريق مسدود.
 لقد كان الوجود العسكري البريطاني حول قناة السويس بدعوى تأمينها أمرًا مرفوضًا من المصريين الذين رأوا دائمًا ـ محقين في ذلك ـ أنهم قادرون على حماية القناة والدفاع عنها، وكان المطلب المشروع الذي رفعته الحركة الوطنية في مصر: "أن تكون القناة لمصر لا أن تكون مصر للقناة"، الأمر الذي لم يتحقق إلا يوم التأميم.

يتبع...


الاثنين، 27 يوليو 2015


إضراب مدرسة الحقوق الخديوية

صفحات منسية من تاريخ الحركة الطلابية المصرية

عماد أبو غازي

 تواكب تأسيس نادي المدارس العليا في ختام سنة 1905 وافتتاح مقره وبداية ممارسته لنشاطه في أبريل 1906 مع ميلاد الحركة الطلابية المصرية، ففي الوقت الذي ظهر فيه النادي إلى الوجود كأول تنظيم طلابي مصري، شهد شهر فبراير من عام 1906 أول إضراب طلابي شامل في مصر تشارك فيه مدرسة من المدارس العليا بأسرها، وفقًا لمؤرخنا عبد الرحمن الرافعي المعاصر لتلك الأحداث.
 هذا وترجع البدايات الأولى لذلك الإضراب إلى شهر يناير من عام 1906، عندما وضعت نظارة المعارف نظامًا جديدًا لمدرسة الحقوق الخديوية بهدف التضييق على الطلاب ومحاصرة أنشطتهم، وبمقتضى ذلك النظام تحولت مدرسة الحقوق العليا في أسلوب معاملتها لطلابها إلى ما يشبه أسلوب معاملة تلاميذ المدارس الثانوية وربما الابتدائية، وكان مستر دنلوب الذي شغل منصب السكرتير العام لنظارة المعارف في ذلك الحين وراء هذا النظام الجديد، وأخذت احتجاجات الطلاب تتصاعد إلى أن وصلت ذروتها في فبراير من نفس العام عندما قرر الطلاب الإضراب عن الدراسة إلى أن تتراجع النظارة عن النظام الجديد وتعود إلى اللائحة القديمة.
 ويذكر عبد الرحمن الرافعي الذي شارك في الإضراب أن الطلبة أجمعوا على الانقطاع عن الدراسة، وشكلوا لجنة تمثل جميع فرق المدرسة لتنظيم حركة الإضراب، الذي كان موجها ضد سياسة التعليم التي وضعها الاحتلال وفرضها دنلوب على المدارس العليا المصرية، وكان الهدف الأساسي من وراء تلك السياسة الحيلولة دون ظهور نخبة مصرية مثقفة تستطيع قيادة الأمة في سعيها نحو الدستور والاستقلال، وقد أشار سعد زغلول الذي كان ناظرًا للمعارف في مذكراته إلى أن نظارته عرفت سياستين متقابلتين ومتعارضتين تعارضًا تامًا سياسته التي تسعى للتوسع في التعليم الوطني وسياسة المستشار دنلوب التي "ترمي إلى تضييق دائرة التعليم حتى لا تشمل إلا عددًا محصورًا من المتعلمين، ومقدارًا محدودًا من المعلومات، وإلى أن تكون وظائفه محصورة في الإنجليز خاصة، وإلى منع مواهب المصري من الظهور والنمو، حتى يبقى على الدوام ضعيفًا، قاصرًا عن إدارة شئون بلاده". وبالمناسبة فإن تلك المذكرات التي بدأ تحقيقها ونشرها نشرًا علميًا الدكتور عبد العظيم رمضان وأصدرتها وزارة الثقافة من خلال مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، على أجزاء متتابعة منذ عام 1987 في الذكرى الستينية لوفاة سعد باشا، تعد عملًا علمًيا مهم يستحق التحية والتقدير، وقد شكل صدورها إضافة للمكتبة التاريخية المصرية وخدمة لكل المشتغلين بدراسة تاريخ مصر الحديث والمهتمين به.
 
 

 ولنترك سعد ومذكراته لنعود لإضراب الطلاب، عقد الطلاب اجتماعًا في حديقة الأزبكية، التي كانت في ذلك الوقت مركزًا للنشاط الثقافي والفني والسياسي في القاهرة، عقد الاجتماع يوم 26 فبراير سنة 1906 وألقيت فيه الخطب الحماسية، وقرر الطلاب في الاجتماع الاستمرار في الإضراب إلى أن تجاب مطالبهم.
 وفي مواجهة حركة الطلاب أصدر اللورد كومر أوامر مشددة إلى نظارة المعارف لمواجهة الإضراب بالشدة، فأعلنت النظارة تعطيل الدراسة لخمسة أيام وأنذرت من يتخلف عن الانتظام في الدروس بالفصل النهائي، وقد أبدى طلاب المدارس العليا الأخرى تتضامنهم مع طلاب مدرسة الحقوق، لكن الأزمة انتهت يوم 3 مارس بعد وعد من المستشار القضائي للنظارة بالنظر في مطالب الطلاب.
 ورغم انتهاء الإضراب وانتظام الدراسة إلا أن آثار الأزمة تعددت في أكثر من اتجاه، فمن ناحية تمت مكافأة دنلوب بترقيته مستشارًا لنظارة المعارف، ومن ناحية أخرى أدى الإضراب إلى ارتباط لم تنفصم عراه لسنوات بين الحركة الطلابية والحركة الوطنية، فقد كان تأييد جريدة اللواء لسان حال الحركة الوطنية المصرية لحركة الطلاب وتبنيها لمطالبهم جسرًا ربط بين الحركة الوطنية والحركة الطلابية في مصر، وسرعان ما أصبحت قيادة الحركة الوطنية المصرية في يد الطلاب الأمر الذي استمر حتى سبعينيات القرن العشرين، أما النتيجة الثالثة فكانت عزل الأستاذ جرانمولان ناظر المدرسة بنهاية العام الدراسي، وقد حل محله ناظر جديد هو إدوار لامبير الفرنسي الذي أحبه الطلاب واحترمه المجتمع المصري لذلك لم يعمر كثيرًا في منصبه، حيث استقال مع نهاية العام الدراسي 1906 ـ 1907 احتجاجًا على سياسة المستشار دنلوب.
وقد وصف الناظر لامبير ما حدث في مقال نشره بالفرنسية بجريدة لطان الباريسية عقب استقالته احتجاج على سياسة دنلوب فقال: "إن المستر دنلوب وضع لهؤلاء الطلبة الذين بلغوا سن الرجال نظامًا من النظامات الموضوعة لصغار تلاميذ المدارس الابتدائية، وأخذ يعاملهم بقسوة متناهية، ويستعمل معهم سياسة وخز الإبر، سياسة اضطهاد دنيء، فكانت نتيجة ذلك أن انضم إلى الحزب المعارض للإنجليز فئة متعلمة راقية، وأن يسود على أفئدة الشبيبة الحقد والبغض للإدارة الإنجليزية، وأن تتحول مدرسة الحقوق معقلًا للوطنية المصرية بحيث لا تكاد ترى بين الأربعمائة تلميذ الموجودين بها الآن عشرة لا يؤمنون كل الإيمان بمبادئ مصطفى    كامل باشا".
 ويذكر لامبير في مقاله كذلك أن دنلوب كان يضغط عليه لاتخاذ مواقف مضادة لسعد زغلول ناظر المعارف في سياسته للنهوض بالتعليم الوطني، وقد أشار سعد في مذكراته إلى أن دنلوب فتح معه موضوع هذا المقال الذي وثق فيه لامبير دسائس دنلوب ضد سعد محاولًا تكذيب لامبير والاستعانة بسعد في الرد عليه، لكن سعد زغلول تهرب منه.
 لم يكن إضراب طلاب مدرسة الحقوق الخديوية نهاية المطاف لحركة الطلاب بل بداية قوية لتلك الحركة الوليدة، وكانت إيذانًا بربط المطالب الطلابية الخاصة بلوائح الدراسة ونظم التعليم بالمطالب الوطنية العامة وفي مقدمتها الدستور والاستقلال.

الجمعة، 24 يوليو 2015


نادي المدارس العليا...

عماد أبو غازي
 في خريف عام 1905 تبلورت لدى مجموعة من شباب مصر من طلبة المدارس العليا وخريجيها فكرة إنشاء نادٍ للمدارس العليا يجمع في عضويته بين الطلاب والخريجين، وجاءت هذه المبادرة في سياق نمو متصاعد للوعي الوطني شهدته مصر منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، وقد أخذ هذا النمو عدة مسارات متوازية، منها تنظيم هذا الوعي في أطر مؤسسية تدفع بحركة المجتمع إلى الأمام، ومن بين هذه الأطر المؤسسية كان نادي المدارس العليا.
 وكانت المدارس العليا في ذلك الوقت معاهد للتعليم العالي، وتعتبر أعلى مؤسسات التعليم المدني درجة في مصر، فلم تكن الجامعة قد أُنشئت بعد، ومن أهم تلك المدارس التي كانت قائمة والتي يرجع تأسيس بعضها إلى عصر محمد علي: مدرسة الطب والمهندسخانة (الهندسة) والحقوق والمعلمين والألسن، والتي تخرج منها على مدار سنوات أجيال من مثقفي مصر الذين حملوا على عاتقهم تمهيد الأرض وتهيئة المناخ لأهم الثورات في تاريخ مصر الحديث، ثورة 1919.
 في أكتوبر من عام 1905 تألفت لجنة تأسيسية للنادي برئاسة الدكتور عبد العزيز نظمي بك، وأعلنت اللجنة عن فتح باب الاكتتاب لتأسيس النادي، وتبنت جريدة اللواء، جريدة مصطفى كامل الدعوة، وكتب مصطفى كامل معضدًا لها في 19 أكتوبر فقال: "نرى من أوجب الواجبات إعانة هذا النادي ممن يقدرون العلم وذويه"، ونظمت اللجنة التأسيسية عرضًا تمثيليًا بدار التمثيل العربي ذهبت حصيلته لتمويل المشروع، وقد بلغت حصيلة الاكتتاب حتى آخر نوفمبر 1905 281 جنيها.
 وفي 8يوم الجمعة  ديسمبر 1905 اجتمعت أول جمعية عمومية للنادي في صورة جمعية تأسيسية، وقد عقد الاجتماع بإحدى قاعات مدرسة الطب، وبلغ عدد الحاضرين من طلبة المدارس العليا مائتي طالب، بالإضافة إلى عدد من الخريجين، وانتخبت الجمعية العمومية مجلس الإدارة الأول برئاسة عمر بك لطفي، وضم المجلس في عضويته ممثلين للطلاب والخريجين، وبلغ عدد أعضائه 14 عضوًا، وكان من بينهم عبد الخالق ثروت رئيس وزراء مصر فيما بعد ممثلًا لخريجي مدرسة الحقوق وأمين سامي صاحب كتاب تقويم النيل من خريجي المهندسخانة وحافظ عفيفي الطالب بمدرسة الطب والذي أصبح فيما بعد أحد أعضاء الوفد المصري ثم خرج عليه وصار رئيسًا للديوان الملكي في أواخر عصر فاروق.
 
 

 وبعد اكتمال الاكتتاب تم افتتاح مقر النادي يوم الخميس 5 أبريل سنة 1906، وكان المقر يقع في المنزل رقم 4 بشارع قصر النيل و"كان بناءً فخمًا تحيط به حديقة غناء" وفقًا لوصف المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي وهو مصدرنا حول هذه الوقائع، ومصدر الصور الفوتوغرافية كذلك، فقد كان شاهد عيان وعضوًا مؤسسًا للنادي باعتباره طالبًا في مدرسة الحقوق، وكان بالمبنى عدة غرف واسعة تستخدم بعضها للمحاضرات والبعض الآخر كصالونات للجلوس، كما كان النادي يضم قاعة للمكتبة وأخرى للبلياردو وقاعات للألعاب المباحة التي لم يحددها الرافعي، وإن كان قد ذكر أن مبادئ النادي كانت تمنع تقديم الخمور ولعب القمار.
 وقد حضر حفل الافتتاح عدد من رجال الحكومة منهم: حسين فخري باشا ناظر المعارف، الذي ألقى كلمة في حفل الافتتاح، ويعقوب أرتين باشا وكيل المعارف، ومحمود صدقي باشا محافظ العاصمة ونظار المدارس العليا ووكلائها، والغريب أن بعض المستشارين الإنجليز للنظارات المصرية قد حضروا الاحتفال منهم مستشار المعارف دنلوب والذي كان نموذجا للغطرسة الاستعمارية وكانت بينه وبين القيادات المصرية الوطنية لنظارة المعارف صدامات عديدة، كما حضر الحفل كذلك متشل أنيس وكيل وزارة المالية والذي أصبح بعدها بعام واحد أول رئيس للنادي الأهلي، كان حفل افتتاح المقر تدشينًا لنشاط ثقافي وفني وعلمي وسياسي استمر على مدى ثماني سنوات، وخلال هذا النشاط الذي شمل تنظيم المحاضرات والرحلات والمسابقات والأنشطة الاجتماعية، من خلاله تأسست جمعية لرعاية الأطفال، وفيه امتزج طلاب المدارس العليا بخريجيها وتفاعلوا لخدمة مصر، ومن هذا النادي خرجت مجموعة من المشروعات المهمة ففي قاعاته اجتمعت لبعض الوقت لجنة إنشاء الجامعة المصرية، وفيه تأسست مدارس الشعب لتعليم العامة، وقام أعضاء النادي بالتدريس فيها، وربما كان هذا المشروع الذي أطلقه الزعيم محمد فريد أول مشروع لمحو الأمية في مصر، وفي النادي أيضًا أنشأ عمر بك لطفي رائد الحركة التعاونية المصرية مشروع النقابات الزراعية.
 
 

 عندما تأسس النادي كان عدد أعضائه 240 عضوًا بلغوا في نهاية عام 1906 471 عضوًا، ومع نهاية العقد الأول من القرن العشرين كان عددهم قد ناهز ثمانمائة عضو.
 وقد استمر النادي الذي يعد أول تنظيم طلابي مصري يمارس نشاطه حتى قامت الحرب العظمى سنة 1914، وأعلنت بريطانيا الحماية على مصر، فأصدرت السلطة العسكرية البريطانية قرارها بإغلاق النادي قبل أن تنتهي سنة 1914، فقد تواكب مع إنشاء النادي نموًا للحركة الطلابية المصرية سواء الحركة الخاصة بالمطالبة بإصلاح التعليم ولوائحه أو النشاط السياسي للطلاب المدافع عن مصالح الوطن والمناهض للاحتلال والمطالب بالجلاء والدستور والحريات العامة، ولهذا حديث آخر.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...