السبت، 28 مارس 2015


مختار وإضراب مدرسة الفنون الجميلة

صفحات منسية من تاريخ الحركة الطلابية المصرية

عماد أبو غازي
  في يوم 12 مايو 1908 تم افتتاح مدرسة الفنون الجميلة في مصر، المدرسة التي حمل عبء تأسيسها على كاهله رجل واحد، هو الأمير يوسف كمال حفيد محمد علي، ويوسف كمال من الأمراء الذين لعبوا دورًا مهمًا في الحياة الثقافية والعلمية في مصر، فضلًا عن مواقفه الوطنية.
 خصص الأمير قصره بحي درب الجماميز ليكون مقرًا للمدرسة التي أسسها، وجلب لها الأساتذة من أوروبا إلى جانب بعض الفنانيين الأوروبيين المقيمين بمصر، وقد التحق بالدفعة الأولى في المدرسة 400 طالب وكان الالتحاق بالكلية مجانيًا، دون تقيد بسن أو جنسية أو مؤهل دراسي، ويقول بدر الدين أبو غازي في كتابه "مختار حياته وفنه": "في البدء تلقت مدرسة الفنون الجميلة خليطًا عجيبًا من سكان القاهرة، خليطًا تفاوت في كل شيء... في الجنس والسن والبيئة والثقافة، وفي مدى الاستعداد، تلقتهم المدرسة في كرم، وفتحت لهم أبوابها، ولكن الأساتذة لابلاني وفورشيللا وبيررون استطاعوا أن يلتقطوا أشعة المواهب التائهة وسط هذه الجموع، وما لبث الفضليون أن انصرفوا عن المعهد وبقى أكثر من مائة طالب بينهم فئة كان يلوح منها النبوغ وهؤلاء لقوا الأيدي التي رعتهم وكشفت عن مواهبهم، ورفعتهم إلى سماء جديدة فمضوا مبهورين بحب الفن وأصبح له في نفوسهم قداسة العبادة... من هذه القلة النادرة محمود مختار ومحمد حسن ويوسف كامل وراغب عياد".
مختار في مدرسة الفنون
وكانت مدرسة الفنون تضم أربعة أقسام: قسم التصوير وقسم النحت وقسم الزخرفة وقسم العمارة.


بورترية لمختار من أعمال زميله محمد حسن في مرحلة الدراسة
 
أول معرض لطلاب مدرسة الفنون وفي يسار الصورة تمثال محمد حسن من نحت مختار
المتسول من أعمال مختار في مرحلة الدراسة
 وسبق تأسيس مدرسة الفنون تأسيس الجامعة المصرية بعدة أشهر، فقد تم افتتاح الجامعة في 20 ديسمبر من عام 1908، وجاء افتتاح المدرسة والجامعة في وقت شهد ميلاد جديد للحركة الطلابية المصرية تواكب مع تأسيس نادي المدارس العليا في ختام سنة 1905 وافتتاح مقره وبداية ممارسته لنشاطه في أبريل 1906، حيث شهدت مصر في شهر فبراير 1906 أول إضراب طلابي تشارك فيه مدرسة من المدارس العليا بأسرها، وهي مدرسة الحقوق الخديوية، وفقًا لمؤرخنا عبد الرحمن الرافعي المعاصر لتلك الأحداث.
 ويذكر عبد الرحمن الرافعي الذي شارك في الإضراب أن الطلبة أجمعوا على الانقطاع عن الدراسة، وشكلوا لجنة تمثل جميع فرق المدرسة لتنظيم حركة الإضراب، الذي كان موجها ضد سياسة التعليم التي وضعها الاحتلال وفرضها مستشار التعليم الإنجليزي دنلوب على المدارس العليا المصرية، وكان الهدف الأساسي من وراء تلك السياسة الحيلولة دون ظهور نخبة مصرية مثقفة تستطيع قيادة الأمة في سعيها نحو الدستور والاستقلال، وقد أشار سعد زغلول الذي كان ناظرًا للمعارف في مذكراته إلى أن نظارته عرفت سياستين متقابلتين ومتعارضتين تعارضًا تامًا سياسته التي تسعى للتوسع في التعليم الوطني وسياسة المستشار دنلوب التي "ترمي إلى تضييق دائرة التعليم حتى لا تشمل إلا عددًا محصورًا من المتعلمين، ومقدارًا محدودًا من المعلومات، وإلى أن تكون وظائفه محصورة في الإنجليز خاصة، وإلى منع مواهب المصري من الظهور والنمو، حتى يبقى على الدوام ضعيفًا، قاصرًا عن إدارة شئون بلاده".
 وقد أدى الإضراب إلى ارتباط لم تنفصم عراه لسنوات بين الحركة الطلابية والحركة الوطنية، فقد كان تأييد جريدة اللواء لسان حال الحركة الوطنية المصرية لحركة الطلاب وتبنيها لمطالبهم جسرًا ربط بين الحركة الوطنية والحركة الطلابية في مصر، وسرعان ما أصبحت قيادة الحركة الوطنية المصرية في يد الطلاب الأمر الذي استمر حتى سبعينيات القرن العشرين، ولم يكن إضراب طلاب مدرسة الحقوق الخديوية نهاية المطاف لحركة الطلاب بل بداية قوية لتلك الحركة الوليدة، وكانت إيذانًا بربط المطالب الطلابية الخاصة بلوائح الدراسة ونظم التعليم بالمطالب الوطنية العامة وفي مقدمتها الدستور والاستقلال.
 كان إضراب طلاب مدرسة الحقوق العليا بداية لحركة طلابية متصاعدة، خاصة أن اتجاه سلطات الاحتلال ورجلها القوي في نظارة المعارف المستشار دنلوب في تلك الفترة كان لإصدار لوائح دراسية جديدة للمدارس العليا تقييد نشاط الطلاب وتحاصره بعد أن أصبح واضحًا منذ تأسيس نادي المدارس العليا أن الطلاب ارتبطوا بالنشاط الوطني المطالب بالجلاء والدستور، وأن تأثير تيار الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل قد أصبح طاغيًا بينهم.
 ومن تلك اللوائح التي أثارت حنق الطلاب لما فيها من القيود، اللائحة التي وضعت لمدرسة الفنون الجميلة في العام الدراسي 1909/ 1910، بعد افتتاح المدرسة بعام وعدة شهور، وعن موقف طلاب المدرسة من تلك اللائحة الجديدة وتصديهم لها في حركة طلابية جديدة قادها الطالب الشاب وقتئذ الفنان الرائد بعدها بسنوات قليلة محمود مختار، أرجع في سرد تلك الأحداث إلى ما كتبه بدر الدين أبو غازي في كتابه "مختار حياته وفنه" الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1949، وطبعته الثالثة عام 2003، وأترك له الحديث، يقول بدر الدين أبو غازي: "كانت فكرة الحق الشخصي والحرية الفردية تتأكد وتستقر إلى جانب فكرة حرية الجموع وتحرر الوطن، يدعو إلى هذه مصطفى كامل ويدعو إلى تلك لطفي السيد. ونفذت هذه الأفكار إلى المدارس العليا فتوالت حركات الإضراب احتجاجا على ما وضعه المشرفون على الإدارة من قيود عدها طلبة الفن امتهانًا لهم.
 وقاد مختار هذه الحركة ووقف يخطب في جموع الطلبة وينادي بهتافات ثائرة وتطور الأمر إلى حد دعا الناظر إلى فصله مع خمسة عشر زميلًا كانوا يمثلون خلاصة النبوغ في المدرسة، وفي مقدمة هؤلاء محمد حسن ويوسف كامل". أصبح يوسف كامل فيما بعد رائد فن التصوير الحديث في مصر إلى جانب زميله راغب عياد ومجايله محمود سعيد، أما محمد حسن فقد ترك بصمة مهمة في فن التصوير رغم أنه كان مقلًا في إنتاجه الفني، أما دوره الأساسي فجاء من خلال نشاطه الوظيفي في بناء مؤسسات الدولة في مجال الفنون التشكيلية، وتولى رئاستها.
 أعود إلى مصير الطلاب المفصولين كما رواه بدر الدين أبو غازي في كتابه، يقول: "ومضى الطلبة مزهوين ببطولتهم واصطحبوا معهم أحد شعراء الربابة وقضوا بقية اليوم في بيت مختار يستمعون إلى قصة عنترة، ولكنهم أخذوا مع مرور الأيام يفتقدون النبع الذي التقوا حوله ويحسون خواء حياتهم وعز عليهم أن تنقطع بينهم وبين معهدهم كل الصلات فاستأجروا دكانًا على مقربة منه نسقوا فيه أعمالهم الفنية لتجذب أنظار الجمهور في غدوه ورواحه، وهناك كانوا يلتقون ويستعيدون دروسهم الفنية ويرددون في زهو الأسماء الكبرى التي كانوا يسمعونها من أساتذتهم. وفي المساء ينصرف الرفاق ويعود مختار إلى بيته فيجمع جيران الحي ويظل يحدثهم عن الفن ويعلمهم بعض ما تلقاه.
 وأمدهم هذا الجو الذي أحاطوا به أنفسهم بشيء من السلوى والعزاء إلى أن أعادهم الأستاذ لابلاني إلى معهدهم إشفاقًا على ضياع مواهبهم وعادت الأسباب بينهم وبين الفن من جديد".

 مختار في نهاية مرحلة الدراسة 1911
هذا ولم تكن مشاركة مختار وقيادته لحركة طلبة مدرسة الفنون الجميلة أول إسهام له في النضال الطلابي، فقبلها بشهور شارك مختار مع زملاء له في مظاهرات عامة مطالبة بالدستور ومنددة بالقيود على حرية الصحافة، وقد صادف صديقي الراحل السوسيولوجي محمد حاكم نصًا في مذكرات سعد أرشدني إليه يتحدث فيه عن تلك الواقعة، يقول سعد الذي كان ناظرًا للمعارف وقتها: "في 31 مارس 1909 تظاهر كثير من الناس والطلبة، وطافوا الشوارع بعد أن خطبوا خطبًا مهيجة في حديقة الجزيرة، وألقوا أشعارًا غاية في الحماسة، وتقرر محاكمة الخطباء على تهيجيهم، وطعنهم في الخديوي ووزارته.
 وقبض على تلميذ من الخديوية يدعى عباس حلمي، وآخر من يدعي مختار، من مدرسة الفنون الجميلة، وحكم على كل منهما ـ في اليوم التالي ـ بالحبس 20 يوما، نظير تعديهما على رجال البوليس بالضرب، وقد رفت الأول لذلك.
  ثم حصلت مظاهرة أخرى في اليوم التالي من الطلبة في الجامع الأزهر، والمدارس على اختلاف أنواعها. لكن البوليس أراد صرف المتظاهرين في ساحة الأوبرا، وصدهم عن السير في شارع كامل، فلم يمتثلوا، فاستعمل الشدة معهم، بأن زحف عليهم بخيلة ورجاله، ورش الماء عليهم بمضخات الحريق، فتفرقوا.
 ونادت الجرائد، في اليوم التالي، بالويل والثبور وعظائم الأمور، واتهمت رجال البوليس بالقسوة البالغة، والشدة الفائقة".
  أما بدر الدين أبو غازي مؤرخ حياة مختار فقد ذكر تفاصيل أخرى تكمل الصورة حيث قال: "شارك مختار في المظاهرات مع الجموع الثائرة يطالب بالدستور ويهتف به. وعندما يشهد حكمدار القاهرة الإنجليزي يدهم جموع المتظاهرين ينقض على حصانه ويجذبه فيهوي به إلى الأرض، ويقبض عليه ويودع السجن مع جموع من فتيان الشعب".
 إنه صفحة أخرى من حياة مختار وصفحة منسية من نشاط طلاب مصر في مطلع القرن الماضي، تعكس التحامهم بالحركة الوطنية في فترة الاختمار التي مهدت للثورة الشعبية الوطنية الديموقراطية، ثورة 1919.

الجمعة، 27 مارس 2015


مختار متمردًا...

عماد أبو غازي

 
 يصادف اليوم 27 مارس ذكرى رحيل محمود مختار، الذي توفي في مثل هذا اليوم من سنة 1934 وهو في الثالثة الأربعين، و محمود مختار رائد فن النحت الحديث في مصر من المتمردين الذين شيدوا بناء نهضتنا في القرن الماضي ، لقد ولد في 10 مايو سنة 1891 في ريف الدلتا ونشأ فيه، ومنذ سنوات طفولته في قرية نشا بلدة أمه عرف التمرد عندما كان يذهب وهو طفل صغير إلى مقهى القرية ليستمع إلى حكايات الراوي الشعبي، ثم يهرب من الكتاب إلى الترعة ليصنع من الطين الموجود على ضفافها تماثيل تجسد شخصيات هذه الحكايات.

 نبوية البدراوي والدة مختار وشقيقتاه حفيظة وبديعة العيسوي
وعندما أكمل مختار عامه العاشر كان تمرده الثاني، فعندما كان يصنع التماثيل من الطين ويقوم بحرقها في فرن المنـزل كان أخواله يعتبرون أن ما يقوم به عبارة عن إهدار للوقت، وكانت أمه قد انتقلت إلى القاهرة للعلاج، فقرر مختار أن يهرب من القرية وأن يذهب إلى القاهرة ليلحق بها، وقد ساعده على رحلة الهرب شيخ متمرد من شيوخ قريته هو الشيخ محمد أبو غازي.
 وفي الوقت الذي كانت أمه تخطط لإلحاقه بالأزهر لكي يتخرج شيخًا، وكان هذا منتهى طموح أي أسرة ريفية متوسطة حينئذ، أسس الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة، فكان مختار أول طالب يلتحق بها متمردًا على أحلام أمه، ومتحديًا أخوته من الأب الذين كان يعتبرون أنه لن يكون إلا نقاشًا بشهادة، فأسقط مختار من يومها اسم أبيه ولقب أسرته من أسمه وأصبح منتسبًا إلى نفسه الحرة دون غيره، أصبح محمود مختار فقط وهو اسمه المركب.
 
الأمير يوسف كمال
 
مختار طالبًا في مدرسة الفنون
 وكانت مصر في تلك الفترة تشهد صعودًا للحركة الوطنية التي اصطدمت بمحاولات الاحتلال والخديوي والحكومة لمصادرة الحريات العامة فخرجت المظاهرات في الشوارع، وانخرط مختار فيها، وفي إحداها شد ذيل فرس حكمدار القاهرة الإنجليزي، وأسقطه أرضًا، فقبض عليه وفصل من المدرسة وكان قد أصبح واحدًا من قادة الطلاب بها، يتزعمهم في المظاهرات ويقود حركتهم ضد تغيير اللوائح، ولولا إيمان أساتذته بموهبته لما قدر له أن يكمل دراسته.

طلاب مدرسة الفنون الجميلة في المرسم
 بول فورشيللا من أساتذة مدرسة الفنون
 أول معرض لطلاب مدرسة الفنون
 رأس زنجية من أعمال مختار وهو طالب في مدرسة الفنون
مختار في مرسمه بمدرسة الفنون وخلفه تمثاله خولة بنت الأزور
 وفي عام 1911، خرج في أول بعثة مصرية لدراسة الفنون الجميلة في باريس وهناك أعاد اكتشاف مصريته فتمرد على التقاليد الفنية التي تعلمها في مدرسة الفنون في القاهرة وفي باريس وصاغ أسلوبه الفني الخاص به، فقد أعاد النظر في فن النحت المصري القديم وأعاد صياغته مرة أخرى في لحظة من لحظات التمرد وتحطيم ثوابت الفن التشكيلي وثوابت المجتمع التي كانت سائدة في هذا الوقت.

مختار في مرسمه في باريس
 وكان من القيم الأساسية التي وضعها مختار من خلال أعماله في مسيرته للتمرد على الثوابت التقليدية إعلاء قيمة المرأة وقيمة العمل، فإحدى القيم الأساسية في أعمال مختار قيمة المرأة وهي تعمل، وتحديدًا المرأة الفلاحة، كانت المرأة رمزًا في كل أعمال مختار الفنية.








فلاحات مختار
 وعندما نحت تمثال نهضة مصر أختار الفلاحة المصرية رمزًا للنهضة، فكان بذلك متمردًا من الطراز الأول على ثوابت مجتمعه، لقد جعل تمثالًا لبنت ريفية مصرية يحتل أهم ميدان في العاصمة.
 
وقد أكمل مختار عمله في التمثال أواخر عام 1926، ولم يزح الستار عن التمثال إلا في 20 مايو 1928.
 
 
 والسبب هو أن الملك فؤاد كان يرى أن ما قام به مختار من اختيار الفلاحة المصرية رمزًا للنهضة هو تحدي لسلطة القصر، فحتى ذلك الوقت لم يكن هناك تمثال ميدان في مصر إلا تماثيل أفراد الأسرة الحاكمة أو كبار رجال الدولة مثل نوبار باشا ولاظ أوغلي وسليمان باشا الفرنساوي، وحتى تمثال الزعيم مصطفى كامل لم يُسمح بإخراجه إلى موقعه الحالي إلا بعدها بسنوات طويلة، فكان اختيار الفلاحة المصرية رمزًا لنهضة مصر تحديًّا للسلطة، والذي زاد من ضراوة هذا التحدي أن مختار وقد أصبح النحات الأول في مصر الذي تلتف الجماهير حول فنه لم ينحت تمثالاً واحدًا للملك فؤاد، وعندما وجه له بعض أصدقائه النصح بضرورة عمل بورتريه نصفي للملك حتى يرضيه، بدأ في إعداد التمثال فأبدى الملك ملاحظات فنيه عليه، فما كان من مختار إلا أن دمر التمثال تمامًا ولم يكمله ولا توجد له إلا صورة وحيدة في مرحلة التشكيل بالطين.
 
 وكل الأعمال الأخرى التي صنعها مختار لشخصيات كانوا من وجهة نظره يمثلون رموزًا للاستنارة، أو لبعض أصدقائه وصديقاته.






  لقد كان مختار دائم التمرد على ثوابت هذا المجتمع وانقطع هذا التمرد برحيله في مارس عام 1934، لكن إذا كان مختار قد رحل وتوقف إنتاجه الفني، فإن رحلة التمرد مازالت في حاجة إلى متمردين جدد.



الأحد، 22 مارس 2015

نساء مصر يقاومن الاحتلال
عماد أبو غازي

 منذ سنة 1882 سقطت مصر تحت الاحتلال لقرابة 75 عاما، استمرت خلالها مسيرة المرأة المصرية في الدفاع عن الوطن والنضال من أجل استقلاله.
 فعندما هاجمت القوات البريطانية البلاد في يوليو 1882، وبدأت سفن الأسطول الإنجليزي في ضرب مدينة الإسكندرية، شاركت النساء في الدفاع عنها ويرصد الشيخ محمد عبده في مذكراته تلك المشاركة فيقول: "كان الرجال والنساء تحت نيران المدافع ينقلون الذخائر إلى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأمير سيمور ومن أرسله"، يقصد الأدميرال سيمور قائد الأسطول الإنجليزي.

 أما الزعيم أحد عرابي فيرصد هو الأخر تلك المشاركة النسائية في سياق حديثة عن الدعم الشعبي للجيش أثناء المعركة، فيقول: "في أثناء القتال تطوع كثير من الرجال والنساء في خدمة المجاهدين ومساعدتهم في تقديم الذخائر الحربية وإعطائهم الماء وحمل الجرحى وتضميد جروحهم ونقلهم إلى المستشفيات".

 
 ويؤكد شاهد عيان ثالث هو محمود فهمي باشا في كتابه "البحر الزاخر" نفس المعاني، ويشير إلى مشاركة المرأة المصرية في الدفاع عن الإسكندرية، فيقول: "رأيت في ذلك الوقت بعيني ما حصل من غيرة الأهالي بجهة رأس التين وأم كبيرية وطوابي باب العرب، وهمتهم في مساعدة عساكر الطوبجية (المدفعية بمصطلحاتنا اليوم) من جلبهم المهمات والذخائر والخراطيش والمقذوفات هم ونساؤهم وأولادهم وبناتهم، والبعض من الأهالي صار يعمر المدافع ويضربها على الأسطول".

 ومع سقوط الإسكندرية واستمرار المعارك البرية مع الغزاة، تدافع المصريون لدعم جيشهم، وكان للمرأة دورها، ويذكر أحمد عرابي في مذكراته أن والدة الخديوي إسماعيل تبرعت بجميع خيول عرباتها لصالح المجهود الحربي، رغم أن الخديوي توفيق كان متواطأ مع الغزاة المحتلين، واقتدت بها بقية سيدات العائلة الخديوية، وحرم خيري باشا رئيس الديوان الخديوي وحرم رياض باشا وكثير من الذوات والسيدات، وشملت التبرعات الأقمصة والأربطة اللازمة للجرحى بالإضافة إلى الخيول والأموال.
  وخلال سنوات الاحتلال الأولى لعبت سيدات الأسرة الحاكمة والأرستقراطية المصرية وبعض نساء الطبقة الوسطى دورا متناميا في العمل الاجتماعي والحياة الثقافية، وخضن معارك المجتمع ومعارك في مواجهة المجتمع من أجل حقوقهن، فظهرت أسماء مثل عائشة تيمور والأميرة نازلي فاضل وملك حفني ناصف ونبوية موسى والأميرة فاطمة إسماعيل، ثم هدى شعراوي التي شاركت في العمل الثقافي والاجتماعي  في تلك الفترة ثم برز دورها وتحول إلى النشاط السياسي الوطني مع ثورة 1919.

عائشة تيمور
الأميرة نازلي فاضل

ملك حفني ناصف
نبوية موسى
الأميرة فاطمة إسماعيل
هدى شعراوي
 وطوال الحقبة الليبرالية شاركت النساء المصريات من خلال لجنة سيدات الوفد والاتحاد النسائي المصري في التصدي للانقلابات الدستورية التي قادتها السرايا الملكية ضد إرادة الأمة، كما شاركن في النضال الوطني من أجل جلاء القوات البريطانية وتحقيق الاستقلال الكامل غير المنقوص لمصر.
 وتحققت للمرأة كثير من الانتصارات فاحتلت مكانتها في التعليم الجامعي وفي سوق العمل وفي النشاط النقابي.
سهير القلماوي
عائشة عبد الرحمن

كوكب حفني ناصف

أمينة السعيد

عائشة راتب
وفي الحياة الثقافية والفنية.
أم كلثوم

فاطمة رشدي

إنجي أفلاطون
 وتحقق مطلبها المشروع في حق الانتخاب والترشيح الذي لعب الاتحاد النسائي منذ العشرينات دورًا مهمًا في المطالبة به ثم واصلت هذا الدور درية شفيق وحزبها في الأربعينيات والخمسينات من خلال التظاهر والاعتصام والإضراب عن الطعام.

مظاهرات نسائية تقتحم البرلمان للمطالبة بحق الانتخاب والترشح
درية شفيق
 فمع صدور دستور 1956، وأصبحت السيدة راوية عطية أول نائبة منتخبة في مجلس الأمة في أول انتخابات نيابية تجري على أساس دستور 56، ثم حكمت أبو زيد أول وزيرة مصرية ومفيدة عبد الرحمن أول وكيلة لمجلس الأمة في الستينيات.
 
راوية عطية
حكمت أبو زيد
 
مفيدة عبد الرحمن
 لكن تبقى هناك محطات مهمة في النضال الوطني لنساء مصر من أجل الاستقلال والدستور، فعندما قاد إسماعيل باشا صدقي انقلابا دستوريا سنة 1930، وألغى دستور 23 ليحل محله دستور 30 الاستبدادي، نظمت لجنة سيدات الوفد مظاهرة نسائية ضخمة ضد حكومة صدقي باشا، وخرجت المظاهرة من دار رياض باشا وسارت في طرقات القاهرة، وانضم إليها المئات، وتدخلت الشرطة لفض المظاهرة بالقوة واعتقلت عدد من السيدات وأودعتهن في أقسام الشرطة، ثم اضطرت تحت الضغط الشعبي للإفراج عنهن ليلا، وقد شاركت النساء في أنشطة عديدة ضد حكومة صدقي أبرزها الدعوة لمقاطعة الانتخابات البرلمانية الزائفة التي نظمتها الحكومة. كما شاركت الطالبات الجامعيات زملائهن في ثورة الشباب سنة 35، تلك الانتفاضة التي أطاحت بحكومة توفيق نسيم ودستور 30 وأعادت الحياة النيابية السليمة للبلاد مرة أخرى، ومهدت لتشكيل الجهة الوطنية التي خاضت مفاوضات الجلاء مع بريطانيا بزعامة النحاس باشا، وانتهت إلى معاهدة 1936، التي حسنت نسبيا من قيود الاستقلال المنقوص، وكانت سهير القلماوي من كلية الآداب وحكمت أبو زيد طالبة الثانوي من القيادات البارزة في تلك الثورة.

سهير القلماوي
 لكن العلامة المهمة في مشاركة الفتاة المصرية في العمل الوطني كانت خلال الانتفاضة الطلابية العمالية التي تفجرت في مطلع عام 1946، فقد شكل الطلاب والعمال الذين كانت تقود حركتهم القوي اليسارية لجانا وطنية، وانتخبت الطالبة لطيفة الزيات التي كانت طالبة في السنة النهائية بكلية الآداب سكرتيرا عاما للجنة الوطنية للطلبة والعمال، وهي اللجنة التي قادت كفاح الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني في تلك الفترة.

لطيفة الزيات
 لقد تركزت المطالب الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية على الاستقلال التام لمصر والسودان، ومع مطلع الخمسينيات تصاعدت الحركة الوطنية واتخذ النحاس باشا رئيس الحكومة التي جاءت عقب انتخابات حرة ونزيهة قرارا بإلغاء معاهدة 1936 في خريف عام 51، كما أعلن تأييد الحكومة ودعمها للمقاومة الشعبية المسلحة في منطقة القناة، وقد شاركت المرأة المصرية في المظاهرات الوطنية التي اندلعت تأييدا لقرار النحاس باشا، كما نظمت النساء المصريات حركة لمقاطعة البضائع الإنجليزية، ووقفت مجموعة من الفتيات أمام فرع بنك باركليز الإنجليزي في القاهرة تمنعن العملاء من الدخول.
  وشكلت مجموعة من النساء المصريات أول لجنة نسائية للمقاومة الشعبية تعاون الفدائيين في كفاحهم المسلح، وقد سقطت عدة شهيدات أثناء عمليات المقاومة أشهرهن أم صابر في أبو حماد وسيدة بنداري في التل الكبير.



 وبعد هذه المسيرة الممتدة من النضال نسمع اليوم تلك الأصوات القبيحة التي تقلل من دور المرأة المصرية ومكانتها وتسعى إلى حجبها.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...