الأحد، 18 يناير 2015


مصر قصة حضارة

عيد الغطاس المجيد

عماد أبو غازي

 نحتفل في الحادي عشر من شهر طوبة من شهور التقويم المصري بعيد الغطاس المجيد، ويوافق هذا اليوم التاسع عشر من يناير ما عدا السنوات المصرية الكبيسة فيوافق فيها العشرين منه.
 

 والاحتفال بعيد الغطاس المجيد احتفال بذكرى عماد السيد المسيح عليه السلام بنهر الأردن، وكانت مصر في العصر الإسلامي تحتفل بعيد الغطاس احتفالًا رسميًا وشعبيًا، ويذكر تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" المعروف بخطط المقريزي احتفالات الغطاس فيقول: "ويعمل بمصر في اليوم الحادي عشر من شهر طوبة، وأصله عند النصارى أن يحيى بن زكريا ـ عليهما السلام ـ المعروف عندهم بيوحنا المعمداني ـ عمد المسيح (أي غسله) في بحيرة الأردن، وعندما خرج المسيح عليه السلام من الماء اتصل به روح القدس؛ فصار النصارى لذلك يغمسون أولادهم في الماء في هذا اليوم، وينزلون فيه بأجمعهم، ولا يكون ذلك إلا في شدة البرد، ويسمونه يوم الغطاس، وكان له بمصر موسم عظيم للغاية".

 ويذكر المقريزي نقلا عن المُسبّحي مؤرخ العصر الفاطمي أن بعض خلفاء الدولة الفاطمية كانوا يضيّقُون على المصريين في احتفالاتهم بهذه المناسبة، لكن الغالب الأعم كان مشاركة الخليفة وأرباب الدولة في الاحتفال، ويذكر احتفال أهل مصر بهذا العيد سنة 415 هـ فيقول: "وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة كان غطاس النصارى، فجرى الرسم من الناس في شراء الفواكه والضأن وغيره، ونزل أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله لقصر جده العزيز بالله في مصر (يقصد الفسطاط أو مصر القديمة اليوم) لنظر الغطاس ومعه الحرم، ونودي ألا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم في البحر في الليل. وضرب بدر الدولة الخادم الأسود متولي الشرطتين خيمة عند الجسر وجلس فيها، وأمر أمير المؤمنين بأن توقد النار والمشاعل في الليل، وكان وقيدًا كثيرًا، وحضر الرهبان والقسوس بالصلبان والنيران، فقسسوا هناك كثيرًا إلى أن غطسوا".

 ويؤكد ابن المأمون أحد مؤرخي العصر الفاطمي على أن الغطاس كان من أعياد الدولة التي يوزع فيها الخليفة العطايا والهدايا، فيقول في حوادث سنة 517 هـ عن احتفال الغطاس: "ففرق أهل الدولة ما جرت به العادة لأهل الرسوم من الأترج والنارنج والليمون المراكبي وأطنان القصب والبوري، بحسب الرسوم المقررة بالديوان لكل أحد."

 ويبدو أن مشاركة الحكام في الاحتفال أقدم من العصر الفاطمي، فالمسعودي الذي حضر ليلة الغطاس بمصر في زمن محمد بن طغج الإخشيد يقول: "ولليلة الغطاس في مصر شأن عظيم عند أهلها، لا ينام الناس فيها، وهي ليلة الحادي عشر من طوبة، ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاث مائة ليلة الغطاس بمصر والإخشيد محمد بن طغج ـ أمير مصر ـ في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة للنيل، والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج في جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل، غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر بشاطئ النيل في تلك الليلة آلاف من الناس من المسلمين ومن النصارى: منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم من سائر الشطوط، ولا يتناكرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجوهر والملاهي والعزف والقصف؛ وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سرورًا، ولا تغلق فيها الدروب، وبغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن في ذلك أمان من المرض ونشرة الداء".

الثلاثاء، 13 يناير 2015


 أقل من أسبوع يفصل بين رحيل محمود أمين العالم ورفيق دربه عبد العظيم أنيس، في شهر يناير من عام 2009.
 هذا ما كتبته في رثاء الدكتور عبد العظيم أنيس منذ ست سنوات، أعيد نشره في ذكرى رحيله...

مخربشات

... ولحق برفيقه

عماد أبو غازي
 كان الأسبوع الماضي أسبوعًا لوادع الراحلين، جاءت البداية بخبر مفاجئ برحيل المفكر الاشتراكي محمود أمين العالم صباح السبت، والخبر كان مفاجأة لأن العالم كان قبلها بأيام قليلة يحضر صالون عبد الرحمن بدوي ويناقش بحيويته المعهودة، ولم يكد ينتصف الأسبوع وقبل أن نجتمع في عزاء راحلنا الكبير، حتى غاب عنا روائي وقاص مبدع ينتمي إلى جيلنا، جيل السبعينيات، يوسف أبو رية الذي ظل يصارع المرض لشهور، وما كاد الأمل في إمكان إجراء جراحة زرع الكبد له يقترب إلا وكان الموت قد غدره، فرحل تاركًا لنا سبع مجموعات قصصية وخمس روايات وأربعة كتب للأطفال وذكرى طيبة لإنسان جميل لا ينسى.
 
 
 في عزاء محمود أمين العالم يوم الثلاثاء كان السؤال الملح على الجميع عن رفيق دربه عبد العظيم أنيس، ولم ينته الأسبوع الذي بدأ برحيل العالم قبل أن يرحل أنيس لاحقًا بزميله ورفيق نضاله، غريب جدًا أمر هذه الحياة، جمعت بينهما مواقف عديدة في مشوارهما الذي جاوزا فيه الثمانيين، ولد العالم عام 1922 وولد عبد العظيم أنيس بعده بعام، جمع بينهما الأصل القاهري، في الاحتفاء بأنيس منذ بضع سنوات قال العالم عنه ضمن ما قال عن علاقتهما التاريخية: "...عبر السنوات الـ 50 لصداقتنا المشتركة شعرت أنها لم تكن علاقة معايشة فقط ولكنها حقيقة موضوعية، فقد ولدنا بحي الازهر وتعلمنا في مدرسة واحدة ثم فصلنا من المدرسة، وعندما فتح باب المجانية عدنا إلى المدرسة ثانية حتي التقينا في العام 1935 في معركة ضد النحاس باشا وضد الانجليز، تلك المظاهرة التي اعتقل فيها الدكتور أنيس لأول مرة وهو مازال صغيرًا، ثم ابعدتنا الحياة والتقينا في الأربعينيات حيث كان المناخ متوترًا محملًا بروح ثورة قادمة، ثم عينا بالجامعة وفصلنا منها أيضًا وسافر كل منا في طريق..."
 جمعت بينهما النشأة، وجمع بينهما الاهتمام بالأدب وكتابة الشعر، والعمل السياسي والفصل من الجامعة في حركة التطهير، وكان تدشينهما معا في الحياة الفكرية والثقافية المصرية والعربية من خلال كتابهما المشترك "في الثقافة المصرية" الذي صدر عام 1955، وخاضا فيه وبسببه معركة ثقافية مع أعلام عصرهما وفي مقدمتهم طه حسين والعقاد، كتابهما الذي قال عنه طه حسين بسخريته اللاذعة: "يوناني فلا يقرأ"، بينما قال العقاد بحدته المعروفة: "أنا لا أناقشهما وإنما أضبطهما. إنهما شيوعيان"، ورغم موقف طه حسين والعقاد من الكتاب فقد أسس الكتاب لاتجاه جديد في الثقافة المصرية وكان بداية لها ما بعدها.
 جمع بينهما الاعتقال في حملة نظام عبد الناصر الكبرى ضد الشيوعيين مطلع عام 1959، ثم جمع بينهما العمل بعد ذلك في حقلي الصحافة والثقافة، ثم الاستمرار في الإخلاص للقيم والمبادئ التي عاشا من أجلها حتى اللحظة الأخيرة، قيم الديمقراطية والاشتراكية والدفاع عن استقلال الوطن، ثم جمع بينهما الموت في النهاية.
 ورغم أن عبد العظيم أنيس كان عالمًا للرياضيات والإحصاء، لكنه لم يقف أبدًا عند حدود تخصصه الدقيق، فهو في ذات الوقت الناقد الأدبي الذي يتبنى الاتجاه الاجتماعي في تحليله للأدب، وهو الكاتب السياسي صاحب المواقف الجذرية، وهو المفكر الممتلك للرؤية المحددة في قضايا الوطن، والأستاذ الجامعي الذي يقدم اجتهاداته في إصلاح التعليم عبر كتاباته ورئاسته للجنة القومية لتطوير تعليم الرياضيات في مصر في سنوات السبعينيات.
 ولد أنيس بحي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية عام 1923، وتخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة عام 1944، وذهب في بعثة إلى بريطانيا عام 1950 ونال دكتوراه الفلسفة في الإحصاء الرياضي من جامعة لندن عام 1952، اعتقل في العصر الملكي وفي العصر الجمهوري، وفصل من الجامعة في حركة التطهير التي أسست لانهيار الجامعات في مصر، فترك مصر للعمل بالخارج، أستاذًا للرياضيات بجامعة لندن، وعندما صدر قرار تأميم  قناة السويس قدم استقالته وعاد للوطن ليشارك في المعركة، لكن النظام الاستبدادي الذي لم يكن ليقبل بشريك مستقل سرعان ما اعتقله مع عشرات من رفاقه ليقضوا سنوات عدة بين سجون النظام ومعتقلاته.
 كتب عبد العظيم أنيس في الصحافة قبل اعتقاله وبعده، وترك مجموعة من الكتب المؤلفة والمترجمة في مجالات الرياضيات والتاريخ والأدب والتعليم والسياسة، منها: "مقدمة فى علم الرياضيات،" و"العلم والحضارة" و"التعليم في زمن الانفتاح" و"رسائل في الحب والحزن والثورة" و"قراءة نقدية في كتابات ناصرية" و"ذكريات من حياتي"، هذا بخلاف كتابه الشهير المشترك مع محمود أمين العالم، "في الثقافة المصرية"، ومن أشهر مترجماته: "بنوك وباشوات" الذي يدرس تاريخ مصر قبل الاحتلال البريطاني وبعده، فضلا عن مراجعته لعدد من الترجمات في مجال الرياضيات والإحصاء الرياضي والاقتصاد.
  رحل ليلحق برفيقه، ذلك الذي أحب الوطن وانحاز إلى كادحيه ودافع عن قضاياه، رحل وترك أعماله شاهده على دوره في الحياة المصرية لأكثر من نصف قرن، ترك ذكرى يحفظها كل من عرفه عن قرب وتعامل معه، ترك منى ووفاء وحنان حافظات لتراثه.

السبت، 10 يناير 2015


 اليوم تمر الذكرى السادسة لرحيل محمود أمين العالم، السياسي والمفكر والناقد الذي عاش حياته حالمًا بوطن نستحقه...
 أعيد اليوم نشر ما كتبته عنه عقب رحيله في مخربشاتي بجريدة الدستور.

 


مخربشات

العالم...عطاء حتى اللحظة الأخيرة

عماد أبو غازي

  مشهد مهيب لم أره من قبل لجبل المقطم، قمة عالية مدببة تشبه أهرامات الأجداد، تعلو حنية تحتضن من يقفون في ظلالها بحنو، في موقع خاص بسفح الجبل في رحاب مقام العارف بالله عمر بن الفارض، هناك أودعنا جثمان الشيخ الجليل، أودعنا جسده الذي تحمل عذاب السنين لأنه حمل في عقله وقلبه وروحه هموم الإنسان، أودعناه في أحضان جبل المقطم الذي يحيط بالقاهرة، القاهرة التي ولد في أحد أحيائها العريقة، حي الدرب الأحمر، وعشقها، كان في وداع الرجل أفراد أسرته الصغيرة وبعض من أسرته الكبيرة، مجموعة من رفاق دربه وتلاميذه ومحبيه.
 صباح العاشر من يناير رحل الكاتب والمفكر اليساري محمود أمين العالم وقد قارب السابعة والثمانين، عمر أفناه في خدمة القيم التي آمن بها وعاش من أجلها وناضل ليحققها في الوقع، وفي المقدمة منها حرية الإنسان؛ حرية الإنسان من كل قيد يقف في طريق ارتقائه وتقدمه، حرية الإنسان التي لا تتحقق دون حرية الوطن، لا تتحقق دون تحرر الإنسان من الاستغلال، لا تتحقق دون ديمقراطية وعدالة اجتماعية، لا تتحقق دون تحرر الإنسان من الأفكار الظلامية التي تحد من انطلاق عقله ووجدانه.
 ولد محمود أمين العالم في أعقاب الثورة المصرية الكبرى، ثورة 1919، كانت سنوات طفولته سنوات المد والجذر في النضال من أجل الاستقلال والدستور، تفتح وعيه مثل أبناء جيله من مواليد السنوات الأولى من العشرينيات على ثورة الشباب التي أعادت دستور 1923.
 وفي شبابه في الأربعينيات من القرن الماضي حيث درس في جامعة فؤاد الأول، كانت حركة اليسار الماركسي تنمو في أوساط الطلاب والعمال، وسرعان ما أصبح محمود أمين العالم واحدًا من القيادات البارزة في الحركة الشيوعية المصرية، لهذا السبب كان من ضحايا التطهير الذي قام به انقلاب يوليو في الجامعات خلال الفترة من 1952 إلى 1954، أو لنقل بدقة أكثر كان واحدًا من العقول المبدعة التي فقدتها الجامعة بسبب التطهير الذي طال مجموعة من أبرز أساتذة الجامعة من الماركسيين والوفديين وممن ينتمون إلى أي فكر حر لا يقبل أن تساق الأمة كالقطيع.
 فقدت الجامعة المعيد محمود أمين العالم الذي كان قد حصل على درجة الماجستير في الفلسفة من كلية الآداب في رسالة بعنوان: " فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية"، لكن مصر لم تفقد السياسي المدافع عن الجماهير الكادحة وعن حرية الوطن وحرية الإنسان، ولم تفقد المفكر والناقد الذي شق طريقا جديدًا "في الثقافة المصرية" واشتبك هو وزميله ورفيق دربه عبد العظيم أنيس مع عميد الأدب العربي طه حسين الذي كان يمثل جيلًا سابًقا ومدرسة مغايره في معارك فكرية ونقدية أثرت في الحياة الثقافية في منتصف الخمسينيات وأنبأت عن ميلاد جيل جديد في حياتنا الثقافية.

 

 
 عبد العظيم أنيس
مرة أخرى وبعد محنة الإبعاد عن الجامعة كانت محنة الاعتقال في واحدة من الحملات التي شنها نظام عبد الناصر ضد المختلفين معه في الرأي، كان محمود أمين العالم أحد من طالتهم الاعتقالات التي تعرض لها الشيوعيون المصريون في يناير 1959، قضى بعضا من أجمل سنوات العمر رحالًا بين سجون النظام ومعتقلاته: قراميدان، الحضرة، القلعة، أبو زعبل، طرة، الواحات، مثل أمام المحاكم العسكرية، وتعرض لحملات التعذيب الهمجية التي سقط ضحية لها بعض رفاقه في مقدمتهم شهدي عطية الشافعي، بعد قرابة ست سنوات بين السجون والمعتقلات خرج مع من خرج في إطار المصالحة بين نظام عبد الناصر والشيوعيين المصريين سنة 1964 والتي توجت بقرار إنهاء الوجود التنظيمي المستقل للشيوعيين.

 شهدي عطية الشافعي
خلال السنوات الأخيرة من الستينيات قدم محمود أمين العالم عطاء متنوعًا من خلال مؤسسات صحفية وثقافية عمل فيها وتولى رئاسة بعضها، مؤسسة أخبار اليوم ومؤسسة التأليف والنشر ومؤسسة المسرح، وفي أعقاب أزمة مراكز القوى في مايو 1971 ترك العمل في مؤسسات الدولة الثقافية والإعلامية، وترك مصر كلها متوجهًا إلى أوروبا، حيث استقر في فرنسا ودرّس في جامعاتها، وكان طوال سنوات مثالًا للمثقف والمفكر المصري الذي تفخر به ثقافة بلاده، بما يحمله من عمق فكري ووعي بقضايا وطنه وبعد إنساني يضفر قضايا الوطن بقضايا الإنسان في كل مكان.

محمود أمين العالم مع ابنته شهرت
 عاد في الثمانينيات وقد وصل الستين من عمره، لا ليستريح ولا ليستكين، بل ليواصل البناء في الثقافة المصرية والعربية، ليواصل النضال من أجل القضايا التي آمن بها ودافع عنه دون كلل، لم تثنه سنوات الاعتقال والسجن ولا سنوات الغربة، ولم تجعله يحد عن أفكاره، لقد طور هذه الأفكار في مرونة لكنه لم يتخل أبدًا عن مبادئه.
 في السنوات الأخيرة أسس اثنتين من أهم المجلات الفكرية في مصر والعالم العربي، مجلة "قضايا فكرية" التي كانت مشروعه الخاص، قدم من خلاله أجيالًا جديدة من الباحثين، وطرح مجموعة من الموضوعات المهمة والشائكة، ومجلة "الفلسفة والعصر" التي صدرت عن لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة عندما كان محمود أمين العالم مقررًا لها.
 
 
 استمر العالم في عطائه حتى اللحظة الأخيرة، عندما شعر بوطأة المرض والسن في العامين الأخيرين تخلى عن مهامه كمقرر للجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة وعن عضويته في بعض اللجان، لكنه أبدًا لم يتخل عن دوره الفكري والثقافي والنضالي حتى آخر يوم في حياته، ظل متفاعلًا مع العصر وقضاياه لم يتجمد عند لحظة من التطور كما يفعل الكثيرون، بل كان منفتحًا على كل جديد متقبلًا للاختلاف والتطور ساعيًا من أجل الإنسان هدفه الأسمى طوال حياته.

الاثنين، 5 يناير 2015


 ليلة الأربع هتحتفل الكنيسة المصرية الأرثوذكسية بعيد الميلاد المجيد، اليوم ده كان في مصر زمان عيد لكل المصريين، بيحتفلوا بيه مع بعض...


عيد الميلاد المجيد في ختام أسبوع الأعياد

عماد أبو غازي


  قديمًا في مصر كان الناس يتفاءلون عندما تجتمع الأعياد الدينية المختلفة مع بعضها، وكان تزامن الاحتفالات الدينية الإسلامية والمسيحية واليهودية من الأمور اللافتة لنظر المؤرخين، التي تستوقفهم ليكتبوا عنها باعتبارها من طرائف الأمور، وطبعًا فإن هذا التزامن يقع بسبب اختلاف التقاويم، قمري، نجمي، شمسي، قمري شمسي، الذي يجعل أيام السنة القمرية تدور حول السنة النجمية والسنة الشمسية، وهذا الأسبوع عندنا في مصر أسبوعًا للأعياد نحتفل في نهايته بعيد الميلاد المجيد وفقًا للتقويم المصري (القبطي)، وفي بدايته احتفلنا برأس السنة الميلادية، وفي منتصفه بالمولد النبوي الشريف وفقا للتقويم الهجري، وفي الأسبوع الماضي احتفلنا بعيد الميلاد المجيد للكنائس الغربية، وفقًا للتقويم الميلادي الجريجوري.

 والاحتفال بعيد الميلاد المجيد عاد مرة أخرى منذ عدة أعوام احتفالًا مصريًا عامًا تعطل فيه المصالح الحكومية والمدارس بعد انقطاع دام مئات السنين كان المسيحيون المصريون يحتفلون وحدهم بهذا العيد، أقول عاد لأن المصريين في عصور مضت كانوا يحتفلون بعيد ميلاد السيد المسيح، وكانوا يشتركون جميعا في هذا الاحتفال، ولو عدنا إلى الوراء لكتب التاريخ سوف نكتشف أن مصر كلها "حكومة وشعبًا" زي ما بنقول دلوقتي، كانت تحتفل بعيد الميلاد المجيد باعتباره واحدًا من أهم الأعياد في البلاد.

 تؤكد المصادر التاريخية أن الاحتفال بعيد الميلاد المجيد كان احتفالًا مصرًيا عامًا منذ العصر الفاطمي على الأقل واستمر الحال كذلك إلى عصر المماليك، ولو عدنا إلى ما قاله شيخ المؤرخين المصريين وكبيرهم تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" المشهور بخطط المقريزي، والذي يعد سجلًا لتاريخ مصر الاجتماعي في العصور الوسطى، نجده يعد "ليلة الميلاد" ضمن الأعياد المسيحية الكبرى في مصر حتى عصره (النصف الأول من القرن الخامس عشر)، فيقول: "اعلم أن نصارى مصر من القبط ينتحلون مذهب اليعقوبية، وأعيادهم الآن التي هي مشهورة بديار مصر، أربعة عشر عيدًا في كل سنة من سنينهم القبطية: منها سبعة أعياد يسمونها أعيادًا كبارًا، وسبعة يسمونها أعيادًا صغارًا. فالأعياد الكبار عندهم: عيد البشارة وعيد الزيتونة وعيد الفصح وعيد خميس الأربعين وعيد الخمسين وعيد الميلاد وعيد الغطاس...."

 ويقول في موضع آخر من خططه: "الميلاد وهو اليوم الذي ولد فيه عبد الله ورسوله المسيح عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم. والنصارى تتخذ ليلة يوم الميلاد عيدًا، وتعمله قبط مصر في التاسع والعشرين من كيهك، وما برح لأهل مصر به اعتناء."

 كما يقول: "وسنتهم فيه كثرة الوقود بالكنائس وتزينها... ولم يزل بمصر من المواسم المشهورة".

 وبالمناسبة فنحن نحتفل بعيد الميلاد في مصر إلى الآن في 29 كيهك وفقا لتقويمنا المصري والذي يصادف 7 يناير في التقويم الميلادي وكان يقابل قديما 25 ديسمبر حتى قام بابا روما جريجوري الثالث عشر بتعديل التقويم الميلادي في القرن السادس عشر.

  ويصف المقريزي احتفالات عيد الميلاد في أيام الدولة الفاطمية، التي بلغ في عصرها اهتمام الدولة بالاحتفالات الشعبية أقصى مداه، مؤكدًا أن الدولة كانت تعتبر هذا العيد من بين الأعياد الرسمية التي كانت تفرق فيها الأطعمة من قصر الخليفة على أرباب الرسوم من الأمراء وكبار رجال الدولة من المدنيين والعسكريين وعلية القوم عمومًا ويذكر نقلًا عن مؤرخي ذلك العصر وكتابه: "وكان من رسوم الدولة الفاطمية فيه تفرقة الجامات المملوءة من الحلاوات القاهرية، والمتارد فيها السمك، وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية والبوري. فيشمل ذلك أرباب الدولة أصحاب السيوف والأقلام، بتقرير معلوم على ما ذكره ابن المأمون في تاريخه."

 ويصف مظاهر الاحتفالات الشعبية بعيد الميلاد في العصر الفاطمي ناقلًا عن ابن الرقيق القيرواني في تاريخه رواية عن الأديب محمد الكهيني قوله: "ما رأيت قط أجمل من أيام النوروز والغطاس والميلاد والمهرجان وعيد الشعانين، وغير ذلك من أيام اللهو التي كانوا يسخون فيها بأموالهم رغبة في القصف والعزف، ذلك أنه لا يبقى صغير ولا كبير إلا خرج إلى بركة الحبش متنزها، فيضربون عليها المضارب الجليلة والسرادقات والقباب والشراعات، ويخرجون بالأهل والولد، ومنهم من يخرج بالقينات المسمعات المماليك والمحررات، فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكهون وينعمون..." وتشير الرواية إلى حماية الدولة للاحتفال حيث يقول الكهيني: "فإذا جاء الليل أمر الأمير تميم بن المعز مائتي فارس من عبيده بالعسس عليهم في كل ليلة إلى أن يقضوا من اللهو والنزهة أربهم وينصرفوا...."

 أما عن الاحتفال بعيد الميلاد في عصره هو، أي أواخر القرن الرابع عشر وبدايات القرن الخامس عشر، عندما كان المصريون جميعهم من مسلمين ومسيحيين يحتفلون بالعيد، فيقول المقريزي: "وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر موسمًا جليلًا، يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشترى من ذلك لأولاده وأهله. وكانوا يسمونها الفوانيس، ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئًا يخرج عن الحد في الكثرة والملاحة. ويتنافس الناس في المغالاة في أثمانها، حتى لقد أدركت شمعة عملت فبلغ مصروفها ألف درهم وخمس مائة درهم فضة، عنها يومئذ ما ينيف على سبعين مثقالًا من الذهب".

 كما يذكر أنه شاهد المتسولون في الطرقات أيام هذه المواسم يطلبون التصدق عليهم بالشموع فيقول: "وأعرف السُّؤال في الطرقات أيام هذه المواسم، وهم يسألون الله أن يتصُدق عليهم بفانوس، فيُشتري لهم من صغار الفوانيس ما يبلغ ثمنه الدرهم وما حوله".

 ويبدو أن الاحتفال بدء يتراجع مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي ضربت مصر في القرن الخامس عشر، ويقول في ذلك: "ثم لما اختلت أمور مصر، كان من جملة ما بطل من عوائد الترف عمل الفوانيس في الميلاد إلا قليلًا". 

 كل سنة وكل الناس طيبين...

الجمعة، 2 يناير 2015


المولد النبوي الشريف... احتفالية مصرية

عماد أبو غازي

 بكرة 3 يناير يوافق يوم 12 ربيع الأول، وفي اليوم ده من كل عام بنحتفل بالمولد النبوي الشريف، وبتتنوع أشكال الاحتفال ومستوياته ما بين الاحتفال الرسمي اللي بتقيمه مؤسسات الدولة المختلفة، والاحتفالات الأهلية اللي بتنظمها الطرق الصوفية.
 والشعب المصري ابتكر أشكاله الخاصة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وهي أشكال بتعبر عن روح الشعب المصري وحضارته، وبتتميز وتختلف عن أشكال الاحتفال في بلدان العالم الإسلامي التانية. وممكن نقدر نقول إن حلاوة المولد وعرايسه هي أشهر طقوس الاحتفالات الشعبية في مصر، فالعروسة الحلاوة تقليد مصري صرف مرتبط عادة بمناسبة سعيدة هي المولد النبوي الشريف.

*****


 لكن هل عرف المسلمون الأوائل احتفالات المولد النبوي الشريف؟

 نترك الإجابة للشيخ مصطفى عبد الرازق، في خطبة ألقاها عندما كان شيخا للجامع الأزهر، أثناء الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي الشريف عام 1946، يومها قال الشيخ:

 "لم يكن من سنة العرب أن يحتفلوا بتاريخ ميلاد لأحد منهم، ولم تجر بذلك سنة المسلمين فيما سلف، ويظهر أن عادة الاحتفال بميلاد النبي عليه السلام من العادات المحدثة، اللهم إلا أن أهل مكة ـ فيما رواه بعض المؤرخين ـ كانوا يتبركون بزيارة الموضع الذي ولد فيه عليه السلام، في يوم ميلاده.

 وما هي بالبدعة السيئة أن يجعل الناس يومًا من أيام العام خاصًا بتذكار محمد رسول الله، أكبر أبناء آدم بركة على الإنسانية، وأبقاهم في صحائف التاريخ أثرًا."

 ويستطرد الشيخ مصطفى عبد الرازق قائلًا:

 "لم تشعر الأمة العربية بذلك اليوم العظيم الذي وضعت فيه حملها الأيم الفقيرة آمنة بنت وهب، أرملة عبد الله بن عبد المطلب. حتى لقد خفي على العرب عام ميلاد النبي، وخفي عليهم موضع الدار التي جاء لآمنة فيها المخاض، واختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا. وقد يتبين من هذا أن ما ذكره بعض أرباب السير من أن إرهاصات وحوادث سماوية وأرضية وقعت في يوم مولده الشريف فيه من الغلو ما لا يقوم عند التمحيص، ولا يحققه التاريخ.

 وليست سيرة النبي العظيم محمد بن عبد الله محتاجة إلى نافلة من خيال المؤرخين. إن محمدًا لعظيم في طفولته بين ذلي اليتم والفقر، وعظيم في كهولته بين جلال الإسلام ومجد العرب.

 وهل حفظ التاريخ مجدًا أكبر من مجد النبي العربي صاحب الدين الخالد والهدي الراشد؟"
 

الشيخ مصطفى عبد الرازق
 لكن متى بدأت احتفالات المولد النبوي بأشكالها المختلفة؟ وأين كان ذلك؟
  تكاد تكون هناك درجة عالية من الإجماع بين الباحثين والمؤرخين على أن الاحتفال المنتظم بالمولد النبوي الشريف قد بدأ في مصر، وإن ذلك كان في زمن الخلافة الفاطمية، وقد وضع الأستاذ حسن السندوبي الذي كان أمينًا لمكتبة وزارة الأوقاف بقبة الغوري كتابًا مهمًا عن تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، صدرت طبعته الأولى عام 1948، وقد تتبع فيه هذا الاحتفال منذ بداياته الأولى في مصر في القرن العاشر الميلادي حتى الأربعينيات من القرن الماضي، أي زمن تأليف كتابه.
 وقد تميزت الدولة الفاطمية في مرحلتها المصرية بإدراك لروح الشعب المصري المحبة للبهجة والمرح، فحاول رجال هذه الدولة أن يجعلوا حياة المصريين احتفالات متوالية، فكانت الدولة تنظم العديد من الاحتفالات الدينية وفي مقدمتها المولد النبوي الشريف، وموالد آل البيت ورأس السنة الهجرية، إلى جانب الاحتفال الرسمي بالأعياد الدينية المسيحية، كعيد الميلاد المجيد وعيد الغطاس وعيد القيامة، فضلًا عن رأس السنة المصرية المعروفة بالنيروز، وبعض الاحتفالات المصرية الأخرى وأهمها عيد وفاء النيل.

 لقد اهتمت المصادر التاريخية بوصف الاحتفالات الرسمية التي كانت تقيمها الدولة الفاطمية في مصر، فحفلت مصادر العصر الفاطمي والعصور التالية له بصور من الحياة الاجتماعية في تلك الحقبة من تاريخنا. ويصف تقي الدين المقريزي المؤرخ البارز الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي، أي بعد عصر الدولة الفاطمية بقرابة ثلاثة قرون، احتفالات المولد النبوي الشريف في زمن الفاطميين، نقلا عن المؤرخين الذين عاصروا تلك الاحتفالات، فيقول:
 "فإذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأول تقدم الخليفة بأن يعمل في دار الفطرة ـ وهي دار بجوار قصر الخليفة مخصصة للولائم والاحتفالات ـ بأن يعمل بها عشرون قنطارًا من السكر اليابس، لتصنع منها حلواء يابسة، وتعبئ في ثلاثمائة صينية من النحاس، وتفرق تلك الصواني على أرباب الرسوم من ذوي المراتب، وأول أرباب الرسوم قاضي القضاة ثم داعي الدعاة، ويدخل في ذلك القرأ بحضرة الخليفة، والخطباء بالجوامع بالقاهرة، والقائمون على المشاهد، ويبدأ ذلك من أول النهار إلى ظهره. فإذا صلى الخليفة الظهر، ركب قاضي القضاة ومن معه إلى الجامع الأزهر، فيجلسون مقدار قراءة الختمة الكريمة، ثم يستدعى قاضي القضاة ومن معه، فيركبون ويسيرون إلى أن يصلوا إلى بين القصرين، فيقتربون من المنظرة التي يجلس فيها الخليفة ويترجلون من فوق الدواب قبل الوصول إليها بخطوات، ويجتمعون تحت المنظرة لانتظار الخليفة، فتفتح إحدى الطاقات، فيظهر منها وجهه وعليه منديل، ثم يخرج أحد معاوني الخليفة رأسه ويده اليمنى من الطاقة قائلا: أمير المؤمنين يرد عليكم السلام، ثم يستفتح قراء الحضرة بالقراءة، ثم يخطب الخطباء، فإذا انتهت خطابة الخطباء أخرج الرجل رأسه ويده من الطاقة ورد على الجماعة السلام، فينفض الناس".

 ولما كان الاحتفال بالمولد النبوي قد بدأ في مصر منذ زمن الفاطميين فقد ربط الناس دائما بين العروسة الحلاوة والعصر الفاطمي، وتتردد بين الناس أساطير حول ظهور هذا الطقس الاحتفالي وارتباطه بالمولد النبوي الشريف؛ حيث يردد البعض أن الحاكم بأمر الله الفاطمي قد فرض على الناس ضمن تشريعاته الغريبة منع احتفالات الزفاف في جميع أيام السنة ما عدا ليلة المولد النبوي. ومن هنا كان الناس يعدون كل شيء استعدادا للاحتفال بأفراحهم في ليلة المولد فيعقدون قران الراغبين في الزواج، ويعدون جهاز العرائس، ثم في الأيام القليلة السابقة على المولد يعدون الحلوى. ومن بين هذه الحلوى عرائس تصنع من السكر وتزين وتلون ابتهاجا بحفلات الزفاف التي تتم في ليلة المولد النبوي. وبعد وفاة الحاكم بأمر الله ذهب معه قراره بمنع حفلات الزفاف واستمرت العرائس الحلاوة كطقس من طقوس المولد.
 

والقصة لا تخلو من طرافة، إلا أنها بعيدة عن الحقيقة تمامًا، فعرايس الحلاوة، أو التماثيل المصنوعة من السكر عمومًا من الطقوس الاحتفالية المصرية الأصيلة، ولم يقتصر استخدامها في العصر الفاطمي على المولد النبوي فقط؛ فالمصادر القديمة تحكي لنا عن صنع تماثيل السكر أشكال العرائس والطيور والحيوانات في احتفالات وفاء النيل في ذلك العصر. وما زالت العروسة الحلاوة طقسًا احتفاليًا في عديد من المناسبات الاجتماعية في بعض مناطق الريف المصري.
 

 كذلك فإن العروسة ورسومها كشكل احتفالي موجودة منذ زمن المصريين القدماء، وقد استمرت في العصرين البطلمي والروماني، ثم في العصر القبطي، وانتقلت بعد ذلك إلى مصر في عصور حضارتها الإسلامية مع عديد من العادات والتقاليد التي ما زالت تحيا بيننا منذ آلاف السنين، ومن الطقوس المرتبطة بعروسة المولد في الأحياء الشعبية في المدن وفي قرى ريف مصر إلى الآن، قيام العريس الجديد أو من يتقدم للزواج، بتقديم عروسه حلاوة كبيرة إلى عروسه في أول مولد نبوي يمر بعد الخطبة، وتسمى تلك العروسة "عروسة النفقة".

 وبالمناسبة فلمن يريد الاستزادة حول عروسة المولد فعليه بكتاب الفنان عبد الغني الشال عن عروسة المولد والذي طبع في الستينيات من القرن الماضي، وأعيد طبعه منذ سنوات قليلة في المجلس الأعلى للثقافة.

 

الأربعاء، 31 ديسمبر 2014


كل سنة وانتم طيبين النهار ده رأس السنة الميلادية، يا ترى عارفين إن أصلها مصري؟

مرسوم كانوب وقصة اكتشاف التاريخ

عماد أبو غازي

 نبحر اليوم إلى عصر البطالمة، الذي يبدأ في التاريخ المصري بعد وفاة الإسكندر الأكبر، ففي سنة 332 ق.م. ضم الإسكندر مصر إلى إمبراطوريته، وقضى بذلك على الاحتلال الفارسي لمصر، الذي ذاق خلاله المصريون صنوفًا من القهر والاضطهاد، لذلك رحب المصريون بالاسكندر خاصة بعد أن سعى إليهم، وزار معابدهم التي دنسها الفرس، وأعلن نفسه ابنا للإله آمون. ووضع الاسكندر حجر الأساس لمدينة الإسكندرية قبل أن يغادر مصر في سنة 331 ق.م. ليستكمل فتوحاته في الشرق، التي وصل فيها حتى الهند، وفي عام 323 ق.م. مات الاسكندر وهو بعد شاب صغير، وترك خلفه إمبراطورية عظيمة، وبوفاة الإسكندر يبدأ العصر الذي اتفق المؤرخون على تسميته بالعصر الهلينستي، وكانت مدينة الإسكندرية مركزه الحضاري الرئيسي. وقد تميزت هذه الحقبة في عالم البحر المتوسط القديم بامتزاج عناصر الحضارة اليونانية الهلينية بعناصر الحضارات الشرقية القديمة لتشكل ما يعرف اصطلاحًا باسم الحضارة الهلينستية.

 الإسكندر الأكبر
لقد تفككت إمبراطورية الاسكندر وقامت على أنقاضها عدد من الممالك التي تولى كل منها قائد من قواده، وكانت مصر من نصيب بطليموس، الذي أسس أسرة توارثت العرش قرابة ثلاثة قرون، وظلت تحكم مصر حتى سنة 31 ق.م. عندما أحتل الرومان البلاد وأنهوا حكم كليوباترا السابعة آخر البطالمة.
 ورغم أن البطالمة كانوا حكامًا من أصول أجنبية، قامت سياستهم على استنزاف المصريين واستبعادهم من المشاركة في إدارة أمور بلادهم، إلا أن ثورات المصريين المتوالية، ثم احتياج البطالمة لمشاركتهم في الجيش، أدى تدريجيًا إلى تصاعد دورهم السياسي، وفي كل الأحوال ظل الإسهام الثقافي والعلمي والفكري للمصريين قائمًا طوال عصر البطالمة، وإن كان قد امتزج ببعض عناصر الثقافة اليونانية.
 لكن لماذا نعود اليوم إلى عصر البطالمة؟
 نعود لنبحث عن أصل التقويم الذي نستخدمه في حياتنا الآن، ونقيس من خلاله الزمن.
 لقد كان المصريون من أوائل الشعوب التي اكتشفت فكرة الزمن، فأدركوا مغزى تعاقب الأيام والشهور والفصول، وقسموا الزمن إلى سنوات، ففي الوقت الذي كانت فيه جل الشعوب تستخدم التقويم القمري الذي يعتمد على الدورة الشهرية للقمر، خرج المصريون القدماء وبعدهم شعوب أمريكا الجنوبية القديمة عن هذه القاعدة منذ آلاف السنين، لقد عرف المصريون القدماء أول تقويم نجمي شمسي دقيق على وجه الأرض، وكان ذلك منذ أكثر من ستة آلاف سنة، ففي سنة 4241 قبل الميلاد أبتكر سكان وادي النيل تقويمهم الأول. وهذا التقويم هو الأساس الذي استند عليه النظام الشمسي للسنوات الميلادية الذي يستخدمه العالم كله الآن.
 ورغم أن التقويم المصري القديم عمره أكثر من ستة آلاف عام إلا أنه لا يزال مستخدمًا إلى الآن في مصر، في تنظيم مواسم الزراعة، وفي تحديد الأعياد الدينية للأقباط الأرثوذكس.
 لكن ما هي قصة هذا التقويم؟
 لقد لاحظ المصري القديم أن نجم سبدت والذي نعرفه باسم الشعري اليمانية يشرق مرة واحده في العام قبل شروق الشمس، كما لاحظ أن هذا الشروق يقع يوم وصول الفيضان إلى مدينة منف، فقسم المصريون الفترة الممتدة بين كل شروقين للنجم سبدت إلى أثنى عشر شهرًا متساوية، وأضافوا لها خمسة أيام لتكتمل السنة 365 يومًا، وقسم المصريون سنتهم إلى ثلاثة فصول: فصل للفيضان وفصل للزراعة وفصل للحصاد، وجعلوا رأس سنتهم أول شهر توت مع وفاء النيل.
 لكن إذا كان المصري القديم قد توصل إلى تقويمه وابتكار سنته النجمية في الألف الخامسة قبل الميلاد، فما علاقة عصر البطالمة بذلك؟
 مع مرور الزمن تبين للمصريين أن هناك خلالًا ما في تقويمهم، فقد لاحظوا أن طول السنة عندهم أقصر من طول السنة الطبيعية، وقد اشتكى الكاتب المصري إلى الإله آمون أيام الرعامسة في الأسرة التاسعة عشر من أن أيام الأعياد الدينية والمدنية تسير القهقري، واكتشف المصريون أن شروق النجم سبدت يتقدم باستمرار مما يؤدي إلى اختلال المواعيد، وأنه يعود إلى موعده الطبيعي بعد دوره مدتها 1461 سنة، وتم إضافة شهر نسيء الصغير المكون من خمسة أيام في نهاية العام، لكن الخلل استمر بعد ذلك، ولإصلاح هذا الخلل اجتمع الكهنة المصريون من كل أنحاء البلاد في صورة مجمع كهنوتي مقدس بمعبد مدينة كانوب بالقرب من الاسكندرية، وموضعه الآن مدينة أبو قير، وكان ذلك في أيام حكم بطليموس الثالث الذي حكم مصر بين سنتي 247 و222 قبل الميلاد، وتدارس الكهنة الارتباك الذي يحدث في التقويم المصري، وكان الكهنة هم علماء مصر في ذلك العصر وكانت لهم معرفه واسعة بعلوم الفلك والرياضيات، وانتهى الكهنة المصريون إلى أن السنة الطبيعية تتكون من 365 يوما وربع اليوم، وإن هذا هو سبب الخلل الذي يحدث، ومن هنا كان عليهم أن يجدوا حلا لهذه المشكلة.
 ومثلما ابتكر أسلافهم التقويم المصري قبل هذا الاجتماع بأربعة آلاف سنه، ابتكر الكهنة المجتمعون في كانوب نظام السنة الكبيسة التي تأتي مره كل أربع سنوات، وقد أسفر هذا الاجتماع عن صدور الوثيقة الملكية المعروفة باسم مرسوم كانوب، والتي وضع صياغتها الكهنة المصريون، وصدرت في عام 238 قبل الميلاد، وجاء في افتتاح المرسوم:
"السنة التاسعة اليوم السابع من شهر أباليوس في اليوم السابع عشر الشهر الأول من فصل الشتاء. كان سكان مصر تحت حكم جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري ـ بطليموس محبوب بتاح عاش أبديا ـ ابن الملك بطليموس وأرسنوي الأخوين الإلهين، حينما كان كاهن الاسكندر المرحوم وكاهن الأخوين الإلهين والإلهين المحسنين هو أبولانيدس بن موسكيان، كما كانت مناكراوا ابنة بيلامنا حاملة السلة أمام أرسنوي محبة أخيها.

 في هذا اليوم قرر المشرفون على المعابد والكهنة خدمة الآلهة والكهنة السريون والكهنة مطهرو الإله الذين يلبسون الآلهة ملابسهم وكتبة كتاب الإله، والعلماء والكهنة أباء الآلهة، والكهنة جميعا الذين أتوا من شطري الوادي؛ أي الوجه القبلي والوجه البحري، وقد تجمعوا في بيت الإله الخاص بالإلهين المحسنين في بر- جوتي كانوب......"
 وتتوالى مقررات المجمع المقدس إلى أن يصل لإصلاح التقويم فيقول المرسوم:
 "ولأجل أن تتوالى الفصول بنظام مطلق على حسب نظام العالم الفعلي وألا يحدث أن بعض الأعياد الدينية التي يحتفل بها في الشتاء لا تقع أبدًا في الصيف ـ وذلك بسبب أن النجم يتقدم يوما كل أربعة أعوام ـ وحتى لا يحدث أن بعض الأعياد من بين الأعياد الأخرى التي تقام الآن في الصيف تقام في الشتاء في الأزمان التي ستأتي بعد، كما حدث ذلك فيما مضى، ويحدث الآن كذلك إذا بقيت السنة مؤلفة من ثلاثمائة وستين يومًا والخمسة أيام التي زيدت باسم أيام نسيء الخمسة، فإنه منذ الآن سنضيف يوما مخصصًا لعيد الإلهين المحسنين كل أربع سنوات لخمسة أيام النسئ قبل السنة الجديدة حتى يعلم الكل أن ما كان ناقصًا من قبل في نظام الفصول والسنة، وفي القواعد الموضوعة بخصوص النظام العام للعالم قد أصلحه وتممه الإلهان المحسنان"
 
 
 
بطليموس الثالث
لكن كيف وصلنا نص هذا المرسوم؟
 لقد نقش هذا المرسوم على الحجر الجيري باللغة المصرية القديمة بالخطين الهيروغليفي والديموطيقي وكذلك باللغة اليونانية، ووصلتنا منه أربع نسخ، ثلاثة منها بالمتحف المصري بالقاهرة، والرابعة بمتحف اللوفر بباريس، والنسخ التي وصلتنا من المرسوم تكمل بعضها البعض وهى جميعها متفقة في المعنى، وإن جاءت بها اختلافات طفيفة في النصوص، وقد نشر الترجمة العربية الكاملة لهذا المرسوم عالم الآثار المصرية سليم حسن في كتابه "مصر القديمة"...
 لكن هل يقتصر المرسوم على موضوع إصلاح التقويم؟
 إن مرسوم كانوب نص طويل يتناول عدة موضوعات تدور حول الإشادة ببطليموس الثالث وزوجته، وتعدد أعمالهما، وتتحدث عن وفاة ابنتهما الصغيرة، وعن قرار المجلس بتقديسها، وتحديد يوم للاحتفال بعيدها، لكن يبدو أن الهدف الحقيقي من إصدار المرسوم هى تلك الفقرة التي تنص على إصلاح التقويم المصري القديم.
 إذا ما علاقة التقويم المصري القديم الذي مازلنا إلى الآن نستخدمه في مصر بالتقويم الشمسي الميلادي المستخدم في العالم كله الآن؟

 في سنة 46 قبل الميلاد أراد يوليوس قيصر أن يصلح التقويم الروماني، الذي كان حتى ذلك الوقت تقويمًا قمريًا، فاستدعى الفلكي السكندري سوسيجينس ليقوم بهذه المهمة، فأعاد صياغة التقويم الروماني على نفس النمط الذي كان عليه التقويم المصري القديم بعد إصلاحه في عصر البطالمة، مع اختلاف طفيف وهو توزيع أيام النسئ الخمسة في التقويم المصري على شهور السنة ليصبح شهرًا منها 31 يومصا والشهر التالي 30 يومًا، بينما يكون الشهر الأخير منها وهو شهر فبراير ـ حيث كانت السنة تبدأ في مارس ـ مكونا من 29 يومًا فقط، تصبح ثلاثين يومًا في السنوات الكبيسة التي تأتي مره كل أربع سنوات، وفي عصر الإمبراطور أغسطس أوكتافيوس وبعد إطلاق أسمه على الشهر السادس من شهور السنة أضيف لشهر أغسطس يومًا ليصبح 31 يومًا وخصم هذا اليوم من شهر فبراير.

 أوغسطس أوكتافيوس
وبعد ذلك تحولت بداية التقويم إلى شهر يناير بدلًا من مارس مع احتفاظ الشهور التي تعبر أسمائها عن ترتيبها في السنة القديمة بنفس مسمياتها دون تغيير، وهى شهور سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وديسمبر، الشهر السابع والثامن والتاسع والعاشر على التوالي.
 وهكذا كان إصلاح التقويم الروماني على يد الفلكي المصري السكندري سوسيجينس، وعلى نفس نمط التقويم المصري القديم، وهو الأساس الذي يقوم عليه تقويمنا العالمي الآن مع التعديلات الطفيفة التي أدخلت عليه في القرن السادس عشر الميلادي على يد البابا جريجوري فيما يعرف باسم الإصلاح الجريجوري للتقويم، والذي أدى إلى الاختلاف بين الأعياد الدينية المسيحية بين الكنيستين الغربية والشرقية، حيث استمرت الأخيرة تحتفل بعيد الميلاد وفقًا للتقويم المصري.
البابا جريجوري الثالث عشر
 فالتقويم المصري هو الأب الحقيقي للتقويم المعاصر...

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2014

اخمدوا الأنفاس هذا جهدكم !!!
 
شاعر القطرين يهاجم الاستبداد
 وأنا بقلب في ملفاتي القديمة لقيت المقال ده، كنت كتبته في مخربشاتي في الدستور من سبع سنين في خريف 2007، حسيت إني عاوز أنشره تاني وأهديها لضحايا قانون التظاهر وضحايا مصادرة حرية الرأي والتعبير... 
عماد أبو غازي

 الشيء بالشيء يذكر كما يقولون، والشيء هنا ثلاثة أشياء، أولها الحديث عن دنشواي الذي قادني إلى لحظة مهمة من تاريخنا الوطني، إلى بدايات القرن الماضي حيث كانت عناصر حلقة جديدة من حلقات النهضة الوطنية والديمقراطية تتشكل في مصر، وثانيها التجليات الأدبية والفنية لتلك الحادثة التي وجهتني إلى عالم الشعر في وقت انغمست فيه في الإعداد لملتقى الشعر العربي الذي ينتظم عقده في نوفمبر القادم تحت عنوان "الشعر في حياتنا"، وثالثها قضايا حرية الصحافة المتأججة اليوم مع أحكام تصدر ضد كتاب وصحفيين في قضايا نشر، وإحالة آخرين إلى المحاكم، وتعديلات في القوانين لا تفي بمطالب نقابة الصحفيين في صون حرية الصحافة، بل ومحاولات لاستصدار قوانين جديدة تفرض مزيد من القيود على حرية الصحافة، ذكرتني هذه الثلاثية بشاعر القطرين خليل مطران ودفاعه نثرًا وشعرًا عن حرية الصحافة في مصر.
 
 

  ففي أعقاب المد الوطني الذي نتج عن حادث دنشواي شهدت مصر حملة حكومية شرسة ضد الحركة الوطنية المتصاعدة، فبقدر ما كان لحادثة دنشواي من آثار إيجابية تمثلت في دفعة كبيرة للحركة الوطنية المصرية تجلت في ظهور الحزب الوطني ككيان سياسي منظم، وفي إجبار اللورد كرومر الحاكم الفعلي لمصر منذ الاحتلال سنة 1882 على الاستقالة من منصبه، كان للحادث كذلك آثاره السلبية، فقد دفع تصاعد الحركة الوطنية بالخديوي عباس حلمي الثاني الحاكم الشرعي لمصر بعيدًا عنها وعن مواقفها، خاصة مع اتجاه الحركة الوطنية نحو التنظيم، والتفاف قطاعات أوسع من الشعب حولها، وربطها بين المطالبة بالجلاء والمطالبة بالدستور، واتجه الخديوي إلى التحالف مع سلطات الاحتلال في مصر ممثلة في السير إلدون جورست، وكانت الساحة الأساسية  للمواجهة ساحة حرية الصحافة.

جاءت المواجهة الأولى في صيف 1908 فيما عرف بقضية الكاملين، والكاملين بلدة في السودان شهدت انتفاضة شعبية في عام 1908، وبعد أن قمعت قوات الجيش الانتفاضة، تمت محاكمة زعماء الحركة أمام المحكمة المدنية الكبرى التي أصدرت أحكامًا بالإعدام والسجن ومصادرة الأملاك على المتهمين ، وتكتمت الحكومة أخبار القضية كي لا تعيد إلى الأذهان ذكرى دنشواي، إلا أن جريدة اللواء لسان حال الحزب الوطني نشرت الخبر مع كثير من المبالغة، فقد رفعت عدد المحكوم عليهم بالإعدام من 12 إلى 70 شخصًا، وعندها اضطرت وزارة الحربية إلى إعلان الحقيقة ونشرت اللواء بيان الحربية مع تعليق يحمل التشكيك فيه، عندها أقامت الحكومة الدعوى ضد الشيخ عبد العزيز جاويش رئيس تحرير اللواء بتهمة إهانة وزارة الحربية ونشر أخبار مثيرة للخواطر، وقد انتهت القضية إلى براءة الشيخ عبد العزيز جاويش من التهمتين.

 وفي نوفمبر 1908 استقالت حكومة مصطفى باشا فهمي التي استمرت في الحكم 13 عامًا، وتشكلت حكومة جديدة برئاسة بطرس باشا غالي، التي ضمت وجوها جديدة، وقد استقبل رئيس الحزب الوطني محمد فريد الحكومة الجديدة مستبشرًا بها خيرًا بمقال قال فيه: "كل أعضاء هذه الوزارة من رجال العصر المتعلمين، فمنهم أربعة من حائزي الشهادات العالية في العلوم الحقوقية، وواحد من أكبر مهندسي العالم بشهادة الخاص والعام، أما رئيسهم فإنه لم يكن من حائزي الشهادات، إلا أنه ممن يشهد لهم بالنباهة والذكاء والحنكة والدهاء، فالوزارة الحالية في مجموعها من أحسن ما يتمنى لمصر والمصريين، ويرجى منها للبلاد خير عظيم، وكلهم ممن درسوا الحكومات الأوروبية، وعلموا فوائد النظام الدستوري، وأيقنوا أن لا تقدم للبلاد إلا بمنحها النظام النيابي، الذي أجمعت الأمة على طلبه من أميرها..."

 ورغم أن الحكومة قد اتخذت بعض الخطوات الإصلاحية مثل علنية جلسات مجلس شورى القوانين، ومنحه حق سؤال الوزراء، وتعديل قانون مجالس المديريات بزيادة أعضائها ومنحها مزيد من السلطات، لكن أمل محمد فريد سرعان ما خاب ففي 25 مارس 1909 أعاد مجلس الوزراء العمل بقانون المطبوعات الصادر سنة 1881، أثناء الثورة العرابية، وكان العمل بهذا القانون قد توقف منذ عام 1894، وكان هذا القانون يمنح لوزارة الداخلية حق إنذار الصحف وتعطيلها مؤقتًا أو نهائيًا دون حكم قضائي، وعقب ذلك بدأت ملاحقة الصحف وإنذارها، وتقديم الصحفيين والكتاب للمحاكم على مقالاتهم، وحبس بعضهم بسبب هذه المقالات، ومنهم عبد العزيز جاويش ومحمد فريد نفسه، كما وضعت الحكومة قانونًا جديدًا يقضي بإحالة تهم الصحافة إلى محكمة الجنايات بدلًا من الجنح، كما عدلت نصوص قانون العقوبات لمعاقبة من ينشر المرافعات في القضايا الجنائية، واعتبرت مديري الصحف مسئولين بالاشتراك الجنائي عما ينشر في صحفهم، وأكملت الحكومة تقييدها للحريات بوضع لائحة للمسارح تجرم تمثيل الروايات التي تدعو للحرية والاستقلال.

 وقد تصدى دعاة الحرية لتلك التشريعات والقوانين بالقول والفعل، وكان من المدافعين عن الحرية بقلمه شاعر القطرين خليل مطران الذي كتب في المجلة المصرية:

 "في مصر وفي الإستانة العلية خطتان رسمتا للتضييق على الصحافة يراد بهما أن تصدر الجريدة كما يخرج الكلب العقور من بيت صاحبه وفي فكه كمامة، على أنه ليس في العزائم أدل من هذه العزيمة على رسوخ الداء الشرقي القديم في قلوب أولياء الأمور منا، داء الخوف من النقد. وبديهي أن هذا الخوف يكون عادة نتيجة حالتين: الكبرياء وهي أخصهما، وسؤ السيرة أو الطمع في الراتب وهو أعمهما".

 وكتب مطران كذلك أبياتًا من أروع ما كُتب في الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، قال فيها:

شردوا أخيارها برًا وبحرًا         واقتلوا أحرارها حرًا فحرًا
إنما الصالح يبقى صالحـــــًـا  آخــــر الدهر ويبقى الشر شرًا
كسروا الأقلام هل تكسيرها     يمنع الأيدي أن تنقش صخرًا
قطعوا الأيدي هل تقطيعها       يمنع الأعين أن تنظر شـذرًا
أطفئوا الأعين هل إطفاؤها      يمنع الأنفاس أن تصعد زفرًا
اخمدوا الأنفاس هذا جهدكم      وبه منجــــــــاتنا منكم فشكرًا

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...