الجمعة، 5 سبتمبر 2014


 
إيمحوتب: الرجل الذي أبتكر البناء بالأحجار

عماد أبو غازي
 نعود اليوم إلى مدينة أونو  في الألف الثالثة قبل الميلاد لنتعرف على واحد من بناة الحضارة المصرية العريقة، في هذه المدينة نشأ البناء العظيم إيمحوتب وتعلم الحكمة في معابد مدينة الشمس، وصار رئيسًا للكهنة وكبيرًا للعرافين المستبصرين في عاصمة العلوم بالعالم القديم، ومدينة أونو أو عين شمس ـ كما نعرفها اليوم ـ واحدة من أقدم المدن المصرية التي شيدت بالقرب من موضع التقاء الوادي بالدلتا، وفي تلك المدينة العريقة نشأت أهم المعتقدات الدينية المصرية القديمة وظهرت عبادة الشمس وأساطير خلق الكون عند المصريين القدماء، حقق كهنة عين شمس نبوغًا مبكرًا في علوم الفلك والرياضيات والطب إلى جانب ما حققوه من إنجاز في مجال العقائد الدينية، وكانت أونو أو عين شمس بما حققته من سبق حضاري عاصمة للعلوم والفنون في العالم القديم، الأمر الذي جعل منها قبلة ومقصدًا لطلاب العلم والمعرفة من مختلف أرجاء الدنيا لقرون طويلة.

إيمحوتب
 كان إيمحوتب كبيرًا لكهنة عين شمس في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، في عصر جسر ثاني ملوك الأسرة الثالثة، لقد حكمت الأسرة الثالثة مصر ما بين سنتي 2635 و2561 قبل الميلاد، ويعتبر عصر هذه الأسرة بداية للفترة التي تعرف بالدولة القديمة في التاريخ المصري، وقد انتقل الحكم من الأسرة الثانية إلى الأسرة الثالثة انتقالًا سلميًا، ويعتقد علماء المصريات أنه كانت هناك روابط عائلية تجمع ما بين ملوك الأسرتين، وكانت مدينة منف ـ بمحافظة الجيزة الحالية ـ هي مقر الحكم في عصر تلك الأسرة التي تحققت على يديها تطورات مهمة في مسيرة الحضارة المصرية، فخلال ذلك العصر تحددت حدود مصر الشرقية والجنوبية بشكل واضح، فأصبحت شبه جزيرة سيناء جزءًا لا يتجزأ من البلاد، كما صارت النوبة كذلك حدًا جنوبيًا لمصر، وخلال ذلك العصر تطور الفن الحربي في مصر بشكل واضح، كما تطورت الإدارة الحكومية وجهاز جباية الضرائب في البلاد، وعرفت البلاد انتقالًا حضاريًا مهمًا عندما حل استخدام الأحجار في البناء محل الطين والآجر والأخشاب، أو احتل مكانًا بارزًا إلى جانب تلك المواد، وقد حدث هذا التطور في عصر ثاني ملوك الأسرة الثالثة جسر المعروف لدينا باسم زوسر صاحب الهرم المدرج بسقارة؛ وقد تحقق هذا الإنجاز الحضاري على يد المعماري والوزير إيمحوتب في أواخر القرن السابع والعشرين قبل الميلاد.

الملك جسر (زوسر)
 لقد كان إيمحوتب مهندسًا معماريًا بارعًا أختاره الملك جسر للإشراف على بناء مجموعته الجنائزية الضخمة في سقارة، وتتكون هذه المجموعة من مقبرة ملكية على شكل سلسلة من الأنفاق الضخمة تحت الأرض، تضم عدة ممرات وقاعات متشابكة، يعلوها جميعا هرم من ست درجات، إنه هذا الهرم الذي كان لا يزال شامخًا إلى وقت قريب ويتعرض الآن حسب التقارير الصحفية المنشورة في الأيام القليلة الماضية لتهديدات خطيرة، ونعرفه باسم هرم سقارة المدرج أو هرم زوسر ويبلغ ارتفاعه ستين مترًا، ويحيط بالهرم والمقبرة مجموعة من المعابد يحيط بها جميعًا حرم يحده سور يبلغ محيطه 1600 متر، وتعتبر هذه المجموعة الجنائزية التي أبدعها وأشرف علي تنفيذها إيمحوتب طفرة في العمارة المصرية القديمة بكل المعايير، بل طفرة في فنون المعمار على وجه الأرض.

 
فما قيمة هذه المجموعة الجنائزية؟
 تكتسب هذه المجموعة الجنائزية قيمتها الأساسية من إنها أول مباني معروفة لنا شيدت باستخدام الأحجار في مصر بل وربما في العالم كله، فقد كانت المواد الأساسية المستخدمة في البناء قبل ذلك هي الطوب اللبن المصنوع من طمي النيل والبوص الذي كان ينمو بشكل طبيعي على ضفاف النيل وفي مستنقعات شمال الدلتا أو جذوع النخيل وجذوع الأشجار، وكلها مباني كان من الصعب أن تعيش طويلًا، فجاء الإنجاز المعماري لإيمحوتب في هذه الفترة المبكرة ليحقق الخلود للحضارة المصرية القديمة كذلك فهذه المجموعة الجنائزية التي أختار لها إيمحوتب منطقة مرتفعة عند سقارة تطل على مدينة منف بالقرب من مدافن ملوك الأسرتين الأولى والثانية شكلت تطورًا في الشكل المعماري للمقبرة، فقد طور إيموحتب المصطبة التي كانت تعلو مقابر الملوك في الأسرتين الأولى والثانية إلى شكل المصاطب الستة المدرجة التي تأخذ الشكل الهرمي، وكانت هذه هي البداية لمرحلة جديدة في تشييد المقابر أخذت بعدها مقابر ملوك الدولة القديمة والوسطى شكل الأهرام المعروفة وأكبرها بالطبع هرم خوفو بالجيزة.

 وقد حفظت الأجيال المتعاقبة من المصريين لإيمحوتب فضل ريادته في فن المعمار وفي الطب كذلك؛ فقدسوه ورفعوه إلى مصاف الآلهة، حيث جعلوا له نسبًا إلهيًا واعتبروه ابنًا للإله بتاح رب كل الصناعات والفنون، وكان ذلك في زمن الأسرة السادسة والعشرين، أي بعد مرور ما يقرب من ألفي سنه على رحيل إيمحوتب، وقد شيدت للرجل المقاصير في أرجاء البلاد، خاصة في واست ـ الأقصر الحالية ـ وكان الناس يتبركون بزيارة تلك المقاصير ويلتمسون فيها الشفاء من أمراضهم، وتشير الدراسات إلى أن الإغريق قد اعتبروا إيمحوتب إلهًا للطب وشبهوه بأسكليبو  إله الطب عندهم.

 وتشير كثير من الدراسات حول إيمحوتب إلى أنه نبغ في الطب مثلما نبغ في الهندسة والمعمار، وهذا أمر طبيعي فقد كانت ممارسة الطب من اختصاص الكهنة في العصور القديمة، ومن الغريب أن تأثير إيمحوتب على الأجيال التالية لم يقف عند حد تقديسه والتبرك بزيارة مقاصيره، بل وصل الأمر إلى حد أن المصريين ظلوا  لعصور طويلة تالية ينسبون تصميم معابدهم وتشييدها إلى أيمحوتب بعد وفاته بقرون طويلة، فاختلطت بذلك الأسطورة بالحقيقة في سيرة إيمحوتب وفي تصورات المصريين عنه.
 وفي عصر البطالمة دونت قصة المجاعة التي اكتشفت إلى الجنوب من أسوان، والتي نسبت وقائعها إلى عصر الملك جسر، وأشير فيها إلى أيمحوتب باعتباره مصدرًا للنبؤة التي تتحدث عن نهاية القحط وجاء فيها:

 "السنة الثامنة عشر من عهد ملك الوجه القبلي والوجه البحري حور الذهبي جسر، إن هذا المرسوم الملكي لأجل أن تكون على علم بأنني كنت في حزن على عرشي العظيم، وإن أولئك الذين كانوا في قصري كانوا في أسى وقلبي كان في غم شديد، لأن الفيضان لم يأت في ميقاته مدة سبع سنوات، فكانت الغلة قليلة، إذ قد يبست الحبوب، وكل ما كان يؤكل كانت كميته قليلة، وكل إنسان كان مصابًا في دخله، وأصبح الفرد غير قادر على المشي، وكان الطفل يبكي، والشاب أصابه الوهن، وقلوب المسنين في حزن، فكانت أرجلهم مطوية قعودًا على الأرض، حتى رجال البلاط كانوا في حاجة، وكانت المعابد موصدة والمحاريب يخيم عليها التراب، وكان جميع ما هو كائن في حزن... لذلك حبب إلي أن أعود إلى الماضي، فسألت رجلًا من موظفي الإله تحوت وهو رئيس الكهنة المرتلين إيمحوتب بن بتاح، في أي مكان ولد النيل؟ وأي إله يسكن هناك ليساعدني؟ فقال: سأذهب إلى محراب الإله تحوت، وسأدخل قاعة السجلات، وسأتصفح الكتب القديمة، وسأسير على هديها، وعلى ذلك ذهب ثم عاد نحوي في لحظة، وأعلمني بفيضان النيل، وقد صرح لي بما يأتي: توجد مدينة في وسط الماء، والنيل يحيط بها واسمها إلفنتين، وهى بداية البداية، وهى مرتفع أرضي ومرتفع سماوي، إنها عرش رع عندما يقرر إرسال الحياة لكل إنسان، وحلاوة الحياة هو أسم مائها، أنها قاعة الولادة حيث يولد النيل، وإن النيل سوف يعود إلى شبابه في ميقاته ويمنح البلاد قاطبة الخصب والحياة."
دي مقدمة كتابي الجديد عن ثورة 35 المفروض يصدر عن هيئة قصور الثقافة في سلسلة "حكاية مصر"، الكتاب خلصته سنة 2010 ورجعت عملت له مقدمة وإهداء جديد...
حكاية ثورة الشباب 1935

عماد أبو غازي

إهداء جديد
إلى

زياد بكير ومريم نظمي وأحمد بسيوني وكريم بنونة وسيف الله مصطفى ومحمد عماد حسين و سالي زهران ومينا دانيال وأحمد صلاح

إلى كل شهداء ثورة 25 يناير ومن انضم إليهم من شهداء ماسبيرو وشهداء محمد محمود ومجلس الوزراء
 إلى شهداء الألتراس في بورسعيد
إلى جابر جيكا والحسيني أبو ضيف وكريستي والجندي وميادة
إلى أحمد حرارة ورفاقه الذين فقدوا أبصارهم من أجل أن تبصر مصر
إلى ماهينور المصري وأحمد دومة وماهر وعادل وعلاء عبد الفتاح ويارا سلام وسناء سيف ونوبي وعمر حاذق وزملائهم من شباب الثورة الذين أصبحوا ضحايا قانون التظاهر

إلى أصحاب ثورة جيل يغير وجه مصر
لقد كتبتم بدمائكم ونور عيونكم تاريخًا جديدًا لهذه الأمة وفتحتم الباب من أجل تحقيق حلمنا الذي لم ندركه
ستظل أسماؤكم محفورة في ذاكرة الوطن

بعد الثورة وقبل المقدمة

  انتهيت من هذه الكتاب حول انتفاضة نوفمبر 1935، التي عرفت باسم "ثورة الشباب" في الأسابيع الأخيرة من عام 2010، وقد جمعت في الكتاب سلسلة من المقالات نشرتها في الإصدار الثاني من الدستور الأسبوعي قبلها بعامين وأعدت صياغتها في شكل كتاب، وكنت أنوي إصداره بمناسبة مرور خمسة وسبعين سنة على قيام هذه الثورة التي تعد مرحلة مهمة من مراحل النضال الوطني الديمقراطي في مصر، وحلقة من حلقات الحركة الطلابية المصرية.
 تأخرت قليلًا في مراجعة النص فقامت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 لتفتح صفحة جديدة في تاريخ مصر، صفحة خطها شباب العقد الأول من الألفية الثالثة بدمائهم ونور عيونهم وحريتهم، مثلما خط الأسلاف من شباب ثلاثينيات القرن العشرين ثورتهم بالدماء من أجل الاستقلال والدستور.
 وحال تتابع الأحداث دون أن أنتهي من هذا النص، وها أنا أنتهي منه بعد أكثر من ثلاث سنوات على تفجر ثورة يناير جرت فيها مياه كثيرة في النهر، تبدلت المواقف، وما زالت أهداف الثورة في العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بعيدة لم تتحقق، بل إننا تراجعنا إلى الوراء في كثير من القضايا، ارتفع صوت الثورة المضادة، وأصبح شباب الثورة ضيوفًا للسجون بقوانين مخالفة للدستور، وعندما فشلت محاولات تدجين الشباب الثائر، تعالت الأصوات التي تحاول أن تسلب الثورة من الجيل الذي قام بها مرات باتهامات ضالة توجه لهم، تصل إلى حد إدانة الثورة واعتبارها جزءًا من مؤامرة كونية، وفي أحسن الأحوال بالزعم بأن الثورات لا يمكن أن تنسب إلى جيل دون غيره، والادعاء بأن وصف الثورة بأنها ثورة الشباب تجاوز للواقع وللتاريخ، متناسين أن في تاريخنا ثورة أجمع من وصفها على أنها ثورة للشباب كانت استكمالًا للثورة المصرية في سنة 1919، أعني ثورة الشباب في عام 1935، ومغمضين أعينهم عن أن العالم شهد في عام 1968 حراكًا كان بكل المعايير ثورة للشباب في العالم غيرت القيم والمفاهيم التي سادت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفتحت الأبواب أمام عصر جديد. لقد كانت الانتفاضة الطلابية في 1935 ثورة للشباب، مثلما كان ما حدث في يناير 2011 ثورة للشباب. خرجت ثورة الشباب في 35 جيلًا من قادة العمل السياسي استمر بعضهم ممارسًا وفاعلًا حتى ثمانينيات القرن الماضي، وبالمثل سيكون الجيل الذي قاد ثورة يناير 2011 محركًا لمستقبل البلاد للسنوات القادمة مهما حاولت "دولة العواجيز" أن تحول بينه وبين قيادة مقدرات هذا البلد.

 
إهداء أول

إلى

الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي شهيد العلم

أهدي هذا الكتاب 

 
الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي

مقدمة
نوفمبر 1935 ـ  نوفمبر 2010
اليوبيل الماسي لثورة الشباب

  في تاريخ الوطن صفحات مضيئة خطها بدمائهم أبطال منسيون، وأيام ينبغي أن نحفظها في ذاكرة التاريخ، ومحمد عبد الحكم الجراحي واحد من هؤلاء الأبطال، ويوم 14 نوفمبر يوم من هذه الأيام.
 ففي هذا اليوم من عام 2010 مرت الذكرى الخامسة والسبعون لثورة الشباب، تلك الثورة التي فجرها شباب مصر عام 1935 في مواجهة استبداد الملك فؤاد وحكوماته التي ألغت الدستور وأهدرت الديمقراطية.
 تلك الثورة التي سقط فيها عدد من الشهداء من قادة الحركة الطلابية المصرية ومن العمال والمواطنين وتوجت نضالًا شعبيًا استمر لسنوات، وكللت بالنجاح برضوخ فؤاد وعودة دستور 1923 بعد غياب دام أكثر من خمس سنوات. كان أشهر هؤلاء الشهداء الذين غيروا تاريخ مصر بدمائهم عبد الحكم الجراحي شهيد العلم، الذي أصيب بالرصاص في مظاهرة 14 نوفمبر واستمر يصارع الموت خمسة أيام.
 كان محمد عبد الحكم الجراحي يومها شابًا في العشرين من عمره، كان طالبًا في كلية الآداب بالجامعة المصرية، "وسيم الطلعة، يلتمع الذكاء من عينيه، محبوبًا من زملائه، دمث الأخلاق"، كما تصفه المصادر المعاصرة.
 تفتح إدراك عبد الحكم الجراحي على الحياة ومصر تعيش ثورتها الكبرى سنة 1919، التحق بالجامعة المصرية والبلاد في ظلال أسوأ الانقلابات الدستورية التي عرفتها. ففي سنة 1930 تولى إسماعيل صدقي باشا الحكم، وألغى دستور 1923، ووضع دستورًا جديدًا للبلاد عرف بدستور 1930، رسخ فيه سلطات الملك على حساب سلطات الأمة ممثلة في مجلسها النيابي، وعصف بكل المكاسب التي حققها الشعب المصري طوال نضاله منذ سنة 1795، وتوجها في ثورة 1919.
 استمر صدقي في الحكم ثلاث سنوات اشتدت فيه المعارضة وتصاعدت، فاستقال صدقي بإيعاز من الملك في سبتمبر 1933، ولم يؤد سقوط صدقي إلى انتهاء الانقلاب الدستوري، بل استمرت نفس السياسة المعادية للدستور وللشعب، على يد حكومة حزب "الشعب" برئاسة الرئيس الجديد للحزب وللحكومة عبد الفتاح يحيي، واستمر دستور 1930 الذي سلب من الشعب حقوقه.
وفي خريف 1934 كلف الملك فؤاد توفيق نسيم باشا بتشكيل الوزارة في محاولة، كما أصدر مرسوما ملكيًا بإلغاء دستور 30 المرفوض شعبيًا، إلا أنه لم يُعد العمل بدستور 1923.
 وفي سنة 1935 كانت الأمة تموج بالغضب على الأوضاع، فالاحتلال البريطاني مستمر، والدستور المعبر عن إرادة الأمة معطل، والأحزاب السياسية منقسمة على نفسها، لكن في نوفمبر من هذا العام انفجرت ثورة الشباب، وبدأت الثورة من الجامعة والمدارس الثانوية في يوم 13 نوفمبر سنة 1935، وفي اليوم التالي تفجر الموقف في الجامعة فخرجت المظاهرات إلى ميدان الجيزة ثم اجتازت كوبري عباس، وفي الروضة تصدت قوات شرطة القاهرة التي كان يقودها ضباط وكونستبلات إنجليز للمتظاهرين وأطلقت الرصاص عليهم، وأصيب محمد عبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة برصاصة في صدره فكان أول الشهداء يوم 14 نوفمبر، وكان حامل العلم في هذه المظاهرة الطالب محمد عبد الحكم الجراحي الذي ظل يتقدم رافعًا علم مصر رغم تحذيرات قوات الأمن، فأصابته ثلاث رصاصات في بطنه نقل على أثرها إلى مستشفى قصر العيني، وهناك ظل الجراحي يقاوم الموت، وبعد خمسة أيام صدرت الصحف يوم 20 نوفمبر تحمل نبأ وفاته، وكان لوفاة الجراحي أعمق الأثر في وجدان المصريين، وصار رمزا للنضال الوطني لطلاب الجامعة المصرية.
 ولم تذهب دماء الجراحي ورفاقه سدى فقد امتد الاحتجاج والثورة إلى كل هيئات الأمة وطوائفها، وتصاعدت المظاهرات، ونجحت ثورة الشباب سنة 1935 في دفع قادة الأحزاب إلى تشكيل الجبهة الوطنية، وفي يوم الخميس 12 ديسمبر 1935 تقدمت حكومة توفيق نسيم باستقالتها، وأصدر الملك أمرًا ملكيًا بعودة الدستور، وانتصر الشعب.

*****
  كانت معرفتي الأولى بثورة الشباب من خلال جدتي لأبي التي كانت تسكن في حي منيل الروضة منذ عام 1930، فأذكر أنها حكت لي وأنا طفل صغير في أواخر الخمسينيات قبل أن ألتحق بالمدرسة، عن مظاهرات الطلبة سنة 1935، وكيف لجأ مجموعة من المتظاهرين إلى العمارة التي كانت تسكن فيها هربًا من ملاحقة البوليس لهم وعنفه في مواجهتهم، فدعتهم للدخول في شقتها للاحتماء بها من البوليس، فدخل مجموعة منهم، بينما رفض آخرون الدخول وفضلوا اللجوء إلى سطح المنزل، فلم يكن في الشقة غير جدتي وبناتها طالبات الابتدائي، فقُبض على من صعدوا للسطح، لأن الجار الذي رفض دخولهم شقته أرشد عنهم، بينما طلبت هي من الشبان الذين احتموا بها أن يجلسوا كأنهم من أهل المنزل والأقارب ويتعاملوا بشكل طبيعي، وتصدت لمأمور قسم مصر القديمة الذي حاول دخول الشقة للتأكد من هوية الطلاب، ومنعته من الدخول دون إذن من النيابة، ثم نزلت بعد ذلك إلى الشارع لتضمن أن أبي الذي كان طالبًا بمدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية بشارع نوبار سيمر من الحواجز الأمنية التي أقامها البوليس في شارع المنيل.
 بالنسبة لأبناء جيلي كنا نعرف أحداث ثورة الشباب ونسمع عن الجراحي ورافقه من حكايات الآباء والأمهات والجدود والجدات الذين عاصروا الحدث، كما كنا نعرف هذه الأحداث من الأعمال الأدبية التي عبرت عن تلك اللحظة التاريخية وجسدتها، خاصة من روايتي "القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ و"الشوارع الخلفية" لعبد الرحمن الشرقاوي، بالنسبة لي شاهدت العملين كفيلم سينمائي ومسرحية قبل أن أقرائهما كنصوص روائية؛ فالرواية الأولى تحولت في الستينات لفيلم من إخراج المبدع صلاح أبو سيف، أما الرواية الثانية فقد تحولت إلى عمل مسرحي من إخراج سعد أردش في الستينيات أيضًا، ثم قدمها بعد ذلك في السينما المخرج كمال عطية، ومؤخرًا كمسلسل تلفزيوني من إخراج جمال عبد الحميد عرض عام 2011.
 عندما التحقت بالجامعة سنة 1972 كان أحد المدرجين الرئيسيين بكلية الآداب (مدرج 74) يحمل اسم الشهيد عبد الحكم الجراحي، ولم يعد كذلك الآن! وجددت التعرف على الشهيد عبد الحكم الجراحي من خلال الشعر، عندما استمعت في ندوة من الندوات التي كانت تنظمها أسرة مصر بالكلية إلى قصيدة الشاعر زين العابدين فؤاد، الذين كان يكبرنا بأعوام قليلة، وكان أحد قادة الحركة الطلابية في 68، يقول زين في قصيدته "عبد الحكم رفع العلم"، مخاطبًا الشهيد عبد الحكم الجراحي:

باكتب لك
لجل امسح عن قلبي
عار الخوف والرجفة
أمسح عن رجلي ذل الوقفة
باكتب لك
لاجل أهرب م الموت جوايا
ترفع إيدك بالراية
تمسح إيدك علي جدري، وتورُقني
تمسح إيدك علي قلبي
في بحور الدم تغرقني
باكتب لك
إطلع، إطلع، من جلد الموت
من برج النسيان الأسود
إزعق بالصوت
يطلع كرابيج بتمزقني
داسوا بجزمهم علي وشّي
ولاصرختش
وقفوا في وشك
ردّيت
رفعوا بنادقهم علي صدرك
عدّيت، مدّيت
ضربوا، مزقت جروحك وكتبت
وأنا في الأوضة الضلمة باكتب لك
علشان أهرب حتي من نفسي

.......
ما انتش أول واحد
ولا آخر واحد
يا حبيبي يا حباية عنقود شهدا
باكتب لك، وباحس بروحي بتتاخد
وانا في الأوضة
مش تحت الشمس علي الكوبري
مش وسط الظابط والعسكر
انا في الأوضة
بانهج، باجري
إرفع علمك
أنا مش قادر أمسك قلمي
إرفع علمك
ما انتش أول واحد
ولا آخر واحد
يرفع علمي..
 مرة أخرى التقيت بشباب 35 في صيف عام 1975، عندما أمضيت الجزء الأكبر من الإجازة الصيفية في قاعة الدوريات بدار الكتب، منقبًا في صحف عام 1935 حيث كنا نعد في جماعة التاريخ المصري في كلية الآداب للاحتفال بالذكرى الأربعين لمظاهرات نوفمبر 35، وطالعت بعدها كتابًا للمؤرخ ضياء الدين الريس بعنوان "الدستور والاستقلال والثورة الوطنية"، صدر الجزء الأول منه عام 1975، وصدر الجزء الثاني في العام التالي، والغريب أنني لم ألتفت وقتها للقصة التي تشكل الفصل الأخير من الكتاب، والذي يكشف فيه المؤلف عن دوره في توحيد الطلاب أثناء أحداث ثورة الشباب سنة 1935، ورغم استعانتي بهذا المرجع المهم مرات ومرات ظللت أجهل سر الرجل الذي وحد الأمة إلى أن بدأت في إعداد هذه السلسلة من المقالات، التي أقدمها اليوم كتابًا بين أيديكم، أتمنى أن يلقي ضوء على صفحة من صفحات نضالنا الوطني.
 ورغم أن هذا الكتاب يتحدث عن ثورة الشباب سنة 1935، إلا أن فهم ما حدث في شهري نوفمبر وديسمبر من ذلك العام يتطلب منا عودة إلى الوراء، إلى صيف عام 1930 عندما بدء الانقلاب الدستوري الذي استمر لما يجاوز السنوات الخمس، لنعرف كيف بدأت الأزمة؟ وكيف تطورت؟ إلى أن تفجرت ثورة الشباب... لنبدأ الحكاية من البداية.

*****

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014


 

 

النحاس في الميزان

عماد أبو غازي

 لقد لعب مصطفى النحاس دورًا مهمًا في السياسة المصرية على مدى نصف قرن، بداية من انتمائه لتيار الحزب الوطني في مطلع القرن العشرين، ثم انضمامه إلى الوفد المصري إلى جانب سعد زغلول، فتوليه زعامته بعد وفاته سنة 1927، وانتهى هذا الدور بعد انقلاب يوليو 1952 بشهور قليلة مع حل الأحزاب السياسية، وظل النحاس معزولًا سياسيًا حتى وفاته في 23 أغسطس 1965.
 

 
 قدم النحاس الكثير لوطنه ولم يلق بعد الاحتفاء الذي يقابل ما أعطاه لمصر، كان مصطفى النحاس واحدًا من أبرز الزعماء التاريخيين لحركات الاستقلال الوطني ذات التوجه الديمقراطي التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، يقف اسمه بجداره إلى جانب أسماء عظيمة لعبت دورًا في تاريخ الإنسانية مثل: غاندي ونهرو في الهند وديفاليرا في أيرلندا وسعد زغلول في مصر، كان خليفة لسعد في نضاله مثلما كان نهرو خليفة لغاندي، وطول تاريخه السياسي قدم نموذجًا للتمسك بالمبادئ، والصمود في وجه العواصف العاتية.
 
 لكن، هل هذا يعني أن مصطفى النحاس كان ملاكًا من السماء؟ أو أنه كان زعيمًا وسياسيًا بلا أخطاء؟

 بالطبع لا، فلا يوجد ملائكة على الأرض، ولا يوجد ساسة بلا أخطاء، بل يمكن القول: إن جانب من جوانب عظمة مصطفى النحاس أنه كان سياسيًا يصيب ويخطئ، إنسانًا مثل غيره من البشر وليس زعيمًا ملهمًا من السماء، تصرفاته وممارساته السياسية قابلة للنقد بل وللنقض، ويمتد النقد إلى حياته الشخصية باعتباره ممارسًا للعمل العام، لذلك كانت حياته الخاصة موضوعًا للمسألة البرلمانية والصحفية والسياسية، وللهجوم اللاذع أحيانًا.

 لقد خاض مصطفى النحاس صرعات السياسة، تحالف وبدل الحلفاء، تحول بعض رفاق دربه إلى خصوم سياسين له، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد العداء السافر، اختلف مع روزاليوسف والعقاد أثناء الانقلاب الدستوري الثالث، انقلاب صدقي وخلفائه، بسبب نقدهما لمواقف الوفد، وكان رد الهيئة العليا للوفد تجاههما حادًا، فتحول بذلك اثنان من أبرز أنصار الوفد إلى خصوم له، اصطدم مع أحمد ماهر والنقراشي، فخرجا من الوفد وأسسا الحزب السعدي، وتحول مكرم عبيد من صديق له ورفيق لدربه إلى عدوه اللدود، وفصل من الوفد فأسس حزب الكتلة وألف الكتاب الأسود.

 ومثلما خسر الحلفاء كسب الأعداء إلى صفه أحيانًا، فتحالف مع خصومه وتعاون معهم في خضم صراعات السياسة ودروبها، لكنه لم يتحالف أبدًا مع أعداء الديمقراطية، ولم يتآمر ضد الدستور، أصاب أحيانًا وأخطاء في أحيان أخرى، بل وتجاوز في بعض الأحيان الحدود، لكنه في كل مواقفه كان سياسيًا تحكم تصرفاته بوصلة رؤيته لقضايا استقلال الوطن والديمقراطية وصيانة الدستور، حتى لو اختلفت التقديرات حول وسائله وأساليبه.

 وجهت انتقادات حادة من معارضية لأساليب حكومتيه الأخيرتين، حكومة 1942 ـ 1944، وحكومة 1950 ـ 1952، بعضها اتهامات تتعلق بسوء الإدارة وبعضها بتصفية الحسابات مع المعارضين للوفد، لكن حكم الشعب كان دائمًا في جانب النحاس، فما من انتخابات حرة أجريت في تلك الفترة إلا وجاءت بأغلبية وفدية للبرلمان ورفعت النحاس إلى رئاسة الوزارة، لكن الحكم النهائي كان عند وفاته.

 لقد كان الاستفتاء الشعبي الحقيقي على مصطفى  النحاس يوم جنازته في أغسطس 1965، فرغم أنه كان بعيدًا عن السلطة والسلطان، ورغم ما تعرض له من عزل سياسي لسنوات قاربت الثلاثة عشر عامًا، ورغم أن اسمه لم يذكر منذ نهاية أزمة الديمقراطية في عام 1954، في وسائل الإعلام الرسمية ـ والتي لم يكن هناك غيرها ـ إلا مصحوبًا باللعنات وبالأكاذيب والمبالغات حول سيرته السياسية والشخصية، فإن الشعب كان له رأي آخر، لم أشاهد الجنازة لأننا كنا في الإسكندرية لكني سمعت عن تفاصيلها ممن رأوها، وأخيرًا شاهدت صورة فوتوغرافية نادرة للجنازة عند انطلاقها من ميدان التحرير نشرتها جريدة الوفد في صدر صفحتها الأولى يوم 31 أغسطس 2008، فرأيت بعض ما سمعت عنه.
 لقد خرج عشرات الآلاف من أبناء مصر تحية لمصطفى النحاس، في جنازة من الجنازات الشعبية المعدودة في تاريخ مصر الحديث، خرجوا يحملون في داخلهم حبًا حقيقيًا للرجل ليودعوه الوداع الأخير، انطلقت الجنازة من جامع عمر مكرم إلى جامع الكخيا بنهاية شارع قصر النيل من جهة ميدان الأوبرا كما كانت العادة في الجنازات الكبيرة وقتها، لكن المشيعون الذين حولوا الجنازة إلى مظاهرة شعبية ضخمة، هي الأكبر منذ انقلاب يوليو لم ينهوا الجنازة كما كان مقررًا لها عند جامع الكخيا، بل أصروا على أن يصلوا على جثمان النحاس في مسجد الأمام الحسين، وقد كان لهم ما أرادوا رغم الحصار البوليسي، حقا لقد أعقب الجنازة حملة اعتقالات قضى بعض ضحاياها شهورًا في المعتقلات، لكن الوداع الأخير للرجل كان كلمة الفصل في تقييم الشعب لزعيم أخلص لوطنه ولقضاياه.

 
 
 
 
 

الاثنين، 25 أغسطس 2014


اغتيال النحاس...

عماد أبو غازي
 لقد تعرض مصطفى النحاس في حياته للعديد من محاولات الاغتيال نجا منها جميعًا رغم خطورتها، ففي خلال السنوات من 1945 إلى 1949 التي أقصي فيها الوفد عن الحكم، شهدت البلاد موجه من الإرهاب الدموي ارتكبت خلالها عدة جرائم اغتيالات وتفجيرات للمحال التجارية ودور العرض السينمائية، وهي جرائم قامت ببعضها جماعة الإخوان المسلمين وببعضها الأخر تنظيمات صغيرة من الشباب الراديكالي الذي ابتعد عن طريق النضال الوطني إلى طريق الإجرام السياسي، وقد افتتحت هذه الجرائم بجريمة اغتيال أحمد باشا ماهر رئيس الوزراء في فبراير سنة 1946.

 كانت أبرز محاولات الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها النحاس باشا ثلاث محاولات، الأولى في 6 ديسمبر 1945 قام بها الشاب حسين توفيق الذي ألقى قنبلة على سيارة النحاس أثناء مروره في شارع قصر العيني في طريقه إلى النادي السعدي، ولم يصب النحاس في الحادث، ولم يعرف الجاني إلا بعدها بأسابيع عندما اعترف حسين توفيق بأنه مرتكب الحادث أثناء التحقيقات في قضية اغتيال أمين عثمان، أما المحاولة الثانية فوقعت في 25 أبريل 1948 عندما انفجرت سيارة ملغومة بجوار قصر النحاس باشا بجاردن سيتي، ويشغله الآن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ولم يصب أحد في الحادث وإن كانت بعض أركان الدار قد تعرضت للتلف، ولم يستدل على الجناة، ثم في نوفمبر من العام نفسه هاجمت سيارة مسلحة النحاس باشا أثناء عودته إلى منزله مساء فقتلت اثنين من حرسه وجرحت ثلاثة أخرين ولم يعرف الجناة أيضًا.
 لقد عبر النحاس سنوات الإرهاب بسلام، تلك السنوات التي راح ضحيتها اثنان من رؤساء الوزارة، ووزير سابق، ومرشد جماعة الإخوان، ووكيل محكمة استئناف مصر، وحكمدار العاصمة، وعديد من المواطنين اللذين تصادف وجودهم في ساحة الأعمال الإرهابية الإجرامية، نجا النحاس بأعجوبة حتى أنهم كانوا يقولون عنه أنه رجل طيب مكشوف عنه الحجاب.

  لكن محاولات اغتيال النحاس لم تقف عند حد الاغتيال المادي الذي لم يصبه بأذى بل امتدت للاغتيال المعنوي الذي استخدمه خصومه السياسيين كما استخدمته السرايا لمحاولة النيل منه، كانت أول تلك المحاولات القضية المعروفة بقضية الأمير سيف الدين، والتي جرت وقائعها في أواخر عام 1928 وامتدت إلى بداية عام 1929، وترجع أصول هذه القضية إلى عام 1927 عندما تولى مصطفى النحاس وويصا واصف وجعفر فخري كمحامين، وهم جميعا خارج السلطة، قضية رفع الحجر عن الأمير أحمد سيف الدين أحد أفراد الأسرة المالكة الذي كان على خلاف مع الملك فؤاد، وقد حصل المحامون الثلاثة على توكيل من والدة الأمير للسير في القضية، وبدأت الصحف المعادية للوفد حملة تشهير ضد رئيس الوفد وزميليه متهمة إياهم بالخيانة ومخالفة شرف المهنة، وتم تسريب أوراق الدعوى للصحف، واستغلت حكومة الانقلاب الدستوري الثاني (انقلاب محمد محمود) الأمر، فحولت الأمر إلى مجلس تأديب بنقابة المحامين في محاولة للنيل من سمعة النحاس ونزاهته، بدعوى أن الأتعاب التي اشترطوها باهظة، وأنهم اشترطوا أيضا أن مؤخر الأتعاب لا يستحق إلا بعد كسب الدعوى!!! وإنهم قبلوا الدعوى دون التثبت من ظروفها مستغلين نفوذهم السياسي، وحول هذه القضية يقول الخصم السياسي للوفد وللنحاس باشا، المؤرخ عبد الرحمن الرافعي: "عرضت عليِّ الحكومة وقتئذ ـ وكنت محاميا بالمنصورة ـ وظيفة رئيس نيابة الاستئناف، وفهمت من ملابسات العرض أنهم يريدون مني أن أتولى المرافعة عن النيابة العمومية في هذه القضية، فاعتذرت إذ كنت أعتقد أن التهمة لا أساس لها من الصحة... وقد أصدر مجلس التأديب حكمه في 7 فبراير سنة 1929 ببراءة النحاس وزميليه، وأثبت في أسباب حكمه تزييف بعض عبارات الترجمة العربية التي نشرت في الصحف لبعض الوثائق المحررة أصلا بالتركية، وتصيد الشهود ليشهدوا زورًا لمصلحة الاتهام."

 ثم كانت المحاولة الثانية لاغتيال سمعة النحاس باشا من خلال "الكتاب الأسود" الذي أصدره مكرم عبيد باشا، وأحصى فيه ما اعتبره سيئات لحكومة الوفد ولرئيسه مصطفى النحاس، وذلك بعد خروج مكرم عبيد من الوزارة وفصله من الوفد المصري، وقد تسبب صدور الكتاب في اعتقال العمال الذين قاموا بطباعته وتوزيعه واعتقال مكرم باشا نفسه استنادًا إلى الأحكام العرفية التي فرضت مع قيام الحرب العالمية الثانية، ورغم الضجة التي آثارها الكتاب، ورغم الاتهامات التي وردت فيه والتي استخدمت في الهجوم على النحاس لسنوات طويلة، فإن أول انتخابات ديمقراطية أجريت بعد الحرب العالمية أتت بحزب الوفد بزعامة النحاس مرة أخرى إلى الحكم.
 لقد عبر النحاس باشا أكبر محاولتين لاغتياله معنويًا مثلمًا عبر محاولات اغتياله فعليًا واستمر زعيمًا للأمة، إلا أن القضية الكبرى التي أثير حولها الجدل السياسي بشكل واسع حول مصطفى النحاس ومواقفه السياسية وما زال الجدل مثار حولها إلى يومنا هذا، كانت حادثة 4 فبراير 1942.
 كانت حادثة 4 فبراير 1942 ومازالت من أكثر الأحداث إثارة للجدل حول مصطفى النحاس وتاريخه الوطني، فقد استخدمها خصوم النحاس في العهد الملكي للنيل منه والتعريض به، كما ظلت الحادثة بعد يوليو 1952 نقطة الارتكاز في الهجوم على النحاس. وسيظل يوم 4 فبراير 1942 من الأيام التي يختلف المؤرخون والسياسيون في تفسيرها، ولا يتفقون على قراءة واحدة لها.
 ويتلخص الاتهام الذي يوجه إلى الرجل في هذه القضية في أنه جاء إلى رئاسة الوزارة في فبراير 1942 على دبابات الإنجليز، أو بمعنى أدق قبل تولى الحكم بناء على طلب الإنجليز وضغطهم على الملك.

 السير مايلز لامبسون
 حقا لقد عاد الوفد إلى الحكم في 4 فبراير 1942 بناء على طلب السفارة البريطانية، ليس فقط بناء على طلبها بل بضغط شديد منها وصل إلى حد حصار قصر عابدين بالدبابات والتلويح ثم التصريح بعزل الملك فاروق عن العرش، والعمل على ذلك فعليًا بإعداد وثيقة التنازل وتقديمها لفاروق في قصر عابدين للتوقيع عليها أثناء حصار القصر بالدبابات.
 لقد كان الوفد المصري الخصم الأول للإنجليز منذ تأسس في نوفمبر 1918، وظل الإنجليز يناصبون الوفد العداء باعتباره الحزب القائد للحركة الوطنية، كان هذا الوضع قائما أثناء حياة سعد زغلول ورئاسته للوفد، واستمر كذلك بعد وفاة سعد وتولي مصطفى النحاس لرئاسة الوفد، كان الإنجليز دومًا وراء إقالة حكومات الوفد، أو على الأقل كانوا سندًا قويًا للملك فؤاد ولابنه فاروق في العبث بالدستور والانقلاب عليه وفي التلاعب بإرادة الأمة بإبعاد الوفد عن الحكم، حدث هذا في وزارة سعد الوحيدة، وفي وزارات النحاس الأربع الأولى، وكان الوفد دائمًا خصمًا للإنجليز يصطدم بهم في سعيه للحصول على الاستقلال الوطني والديمقراطية.

 فما الذي تغير في فبراير 1942؟ الإنجليز؟ أم النحاس؟ أم الاثنين معا؟
  لم يتغير موقف الإنجليز من الوفد ولا موقف الوفد وعلى رأسه النحاس من الإنجليز، لكن ما تغير كان الظرف الدولي والوضع الداخلي في مصر. كفة الميزان في الحرب العالمية الثانية نهاية عام 1941 والأسابيع الأولى من عام 1942 كانت تسير بشكل واضح في صالح دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، والهزائم تتوالى على الحلفاء، وكانت جبهة القتال في شمال أفريقيا مستعرة، وقوات المحور تتقدم صوب الأراضي المصرية عبر الحدود الليبية، لقد كانت ليبيا مستعمرة إيطالية منذ سنة 1911، وأصبحت في الحرب العالمية الثانية نقطة انطلاق لقوات المحور للتقدم منها لإحكام سيطرتها على شمال أفريقيا كله، كانت السيطرة على مصر وبالتالي السيطرة على قناة السويس هدفًا أساسيًا من أهداف المحور لإحكام سيطرته على العالم، فأوربا كلها باستثناء الجزر البريطانية في قبضة الألمان والإيطاليين، وقوات ألمانيا تقتحم الجبهة الشرقية وتتقدم في الأراضي الروسية، والشرق الأقصى تحت قبضة اليابان، والسيطرة على مصر تفتح الطريق للسيطرة على الشرق الأدنى كله، والانطلاق صوب الهند، كانت قوات المحور بقيادة روميل الذي يحمل في التاريخ الحربي العالمي لقب "ثعلب الصحراء" تتقدم صوب مصر.
 وفي مصر كان الوضع الداخلي غاية في الحرج، طوال أربع سنوات تدير البلاد حكومات أقلية أو حكومات إدارية لا تحظى بتأييد شعبي، وأزمة المواد الغذائية خاصة الدقيق والخبز تتفاقم، لكن الأخطر من ذلك كله كان موقف الملك الشاب فاروق، والموقف السياسي في الشارع المصري، كان فاروق متعاطفًا مع دول المحور، أولًا بحكم ميله للنظم الاستبدادية، وثانيًا بسبب الحاشية المحيطة به والتي تضم عددًا كبيرًا من الإيطاليين، والعلاقة بين إيطاليا وأسرة محمد علي قديمة، فقد استعان محمد علي في مشروعه بعدد من الإيطاليين كما وجه أولى بعثاته إلى هناك، واختار الخديوي إسماعيل إيطاليا منفى له، وعلى نهجه سار فاروق نفسه بعد تنازله عن العرش في 26 يوليو 1952، وفي إيطاليا تعلم الملك فؤاد، ومن هنا كان وجود الإيطاليين في حاشية فاروق طبيعيًا، وكان طبيعيًا أيضًا أن يدفع رجال الحاشية الإيطاليين الملك الصغير الذي كان في مطلع العشرينيات من عمره نحو دول المحور، وترددت أنباء عن مفاوضات سرية بين مبعوثين عن فاروق وهتلر، كما أصبح هناك يقين لدى الإنجليز أن إشارات ضوئية تحمل رسائل للطائرات الألمانية تخرج من قصر المنتزة.

 وعلى المستوى الشعبي وفي ظل إبعاد الوفد عن الحكم وصعود تيارات سياسية متأثرة بالنازية والفاشية مثل حركة "مصر الفتاة"، وتيارات دينية محافظة تعادي الديمقراطية وتعتبرها "رجس من عمل الشيطان" مثل جماعة "الإخوان المسلمون"، تأثر الشارع المصري بتلك التيارات، وخرجت المظاهرات في الشوارع تهتف "إلى الأمام يا روميل"، ربما من منطلق إغاظة الإنجليز، وربما من منطلق وعي سياسي زائف يتصور أن ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية ستحررن مصر من الاستعمار وتمنحانها استقلالها، وكان هذا وهمًا يدل على قصور فادح في الوعي السياسي وقتها.
 لقد ظل الإنجليز يحاولون على مدى شهور تعديل الميزان الداخلي في مصر لصالحهم بالضغط على الملك لإجراء تعديلات وزارية أو لإبعاد بعض الشخصيات المقربة منه من ذوي الميول "المحورية"، دون اللجوء إلى خصمهم الأساسي حزب الوفد، لكن محاولاتهم لم تفلح والأمور تتفاقم وروميل يتقدم في الصحراء الغربية نحو الإسكندرية، عندها لم يعد أمام الإنجليز مفر من المطالبة بعودة خصمهم اللدود النحاس باشا إلى رئاسة الوزارة وهم الذين أبعدوه عنها المرة تلو المرة.
 لكن لماذا قبل النحاس الوزارة؟ في تقديري أن الرجل اختار الانتصار للديمقراطية في مواجهة الفاشية، وأدرك اللحظة الحرجة التي يمر بها العالم، والمخاطر الحقيقية التي تحيق بمصر لو انتصر الألمان واحتلوا مصر، لقد قدر الرجل خطورة الموقف، واتخذ القرار الصائب في استعادة حقه الدستوري في تولي الحكم، ولم يكابر بشعارات جوفاء لم يكن الموقف يحتملها، وبذلك كان مصطفى النحاس واحدًا ممن أسهموا في هزيمة النازية والفاشية، فإذا كان القائد البريطاني مونتجمري قد حقق النصر الميداني على أرض المعركة في العالمين، فما كان لهذا النصر أن يتحقق لولا مصطفى النحاس الذي نجح في تأمين الجبهة الداخلية المصرية، وبعد عامين تقريبًا وبمجرد أن اطمأن الإنجليز إلى أن المحور في سبيله للهزيمة، أعطوا الضوء الأخضر للملك كي يطيح بالنحاس مرة أخرى من رئاسة الوزارة.


الأحد، 24 أغسطس 2014


مصطفى النحاس
 الديمقراطية واستقلال الوطن

عماد أبو غازي

   عاد مصطفى النحاس بعد أطول وأخطر انقلاب دستوري عرفته مصر في الحقبة الليبرالية، ذلك الانقلاب الذي اقترن بإسماعيل صدقي باشا، وطال لمدة خمس سنوات ونصف، والذي لم يكن مجرد انقلابًا تعطل فيه الدستور، بل ألغي إلغاء كاملًا ليحل محله دستورًا مشوهًا، دستور استبدادي تكمله سلسلة من القوانين المقيدة للحريات، انقلاب تعرض فيه مفكرو مصر للاضطهاد بشكل غير مسبوق؛ فنقل طه حسين من الجامعة وفصل حافظ إبراهيم من دار الكتب وسجن العقاد بتهمة العيب في الذات الملكية ومنعت الحكومة إقامة تمثالي مختار لسعد زغلول، انقلاب صُودرت فيه الصحف واعتقل الساسة وتعرضوا لنيران البوليس والجيش، ورغم قوة العاصفة لم ينحن النحاس باشا ولا الزعماء المعارضين له.

وبعد سنوات الجزر أنهت ثورة الشباب في نوفمبر 1935 الانقلاب ووحدت قوى المعارضة بزعامة النحاس، واضطر الملك والإنجليز لإعادة دستور 1923 وإعادة الحياة النيابية مرة أخرى، وكان طبيعيًا أن يعود النحاس إلى رئاسة الوزارة ليقود حكومة جبهة وطنية تضع نصب عينيها قضيتين أساسيتين: الدفاع عن الديمقراطية واحترام الدستور، والعمل من أجل تحقيق استقلال الوطن.
 
 
 كانت الظروف مواتية في الأشهر الأولى من عام 1936 للسير قدمًا في اتجاه القضيتين الأساسيتين في نضال الشعب المصري منذ مطلع العصر الحديث، قضية الديمقراطية وقضية الاستقلال، فالملك فؤاد الذي كان من دعاة نهضة مصر الثقافية في مقتبل حياته ثم أعمته السلطة منذ قبل السلطنة تحت الاحتلال سنة 1917فأدمن الاستبداد يودع الدنيا ليحل محله ابنه الفتى فاروق الذي لم يكمل السن القانونية، فيحكم من خلال مجلس للوصاية، وهو ما زال مقلم الأظافر لم يتحول بعد إلى حاكم مستهتر بالدستور.
 

 
 وكان صدام النحاس الأول من أجل حماية الدستور وفرض احترامه في تصديه الحازم لمحاولة تتويج فاروق وأدائه اليمين في احتفال ديني إسلامي، رفض الرجل خلط الدين بالسياسة وأصر على احترام الطابع المدني للدولة، والتأكيد على أن الملك ملك لجميع المصريين باختلاف أديانهم وعقائدهم.
 وفي قضية الاستقلال كان الإنجليز يسعون إلى الوصول إلى حل وسط مع الحركة الوطنية المصرية، فقد أضحى خطر صعود الفاشية والنازية في أوروبا واضحًا، وكان الإنجليز يدركون أن حربًا عالمية ثانية باتت وشيكة، وإن مصر مسرحًا مرشحًا بقوة لها، فإيطاليا الفاشية الحليف الأساسي لألمانيا النازية، تستعمر ليبيا المتاخمة للحدود المصرية، ولها مستعمراتها في القرن الأفريقي، وتحارب في الحبشة، ومصر نقطة ارتكاز محورية للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأدنى، وممر رئيسي إلى الهند جوهرة التاج البريطاني كما كانوا يطلقون عليها، إذًا لابد من الوصول إلى معاهدة مع حكومة مصرية منتخبة تحظى بقبول شعبي.
 كان المناخ الدولي والمحلي مواتًا لبدء المفاوضات مجددًا بين الحكومة البريطانية وحكومة الجبهة الوطنية برئاسة النحاس، شكل فؤاد في أسابيعه الأخيرة في الدنيا وفد المفاوضات برئاسة مصطفى النحاس وعضوية ستة وفديين وممثل لكل من أحزاب الأحرار الدستوريين والاتحاد والشعب بالإضافة إلى ثلاثة من المستقلين، كان هدف المفاوضات الوصول إلى توقيع معاهدة للصداقة والتحالف بين الحكومة البريطانية والحكومة المصرية تعترف فيها بريطانيا باستقلال مصر، فالوضع القائم كان يستند إلى تصريح 28 فبراير 1922 الذي تحولت مصر بمقتضاه إلى مملكة دستورية، مع وجود الامتيازات الأجنبية، وإشراف بريطاني على الجيش والبوليس، ووجود كثيف لقوات الاحتلال في المدن المصرية، ووضع مميز للمندوب السامي البريطاني في القاهرة كان قصر الدوبارة مقر السفارة البريطانية أقوى من قصر عابدين مقر الملك.
 كانت المفاوضات صعبة ومضنية خاصة ما يتعلق منها بوضع القوات البريطانية في مصر ومسألة السودان، وبعد أكثر من خمسة أشهر على بدء المفاوضات في 2 مارس 1936 بقصر الزعفرانة بالقاهرة تم توقيع المعاهدة في لندن يوم 26 أغسطس سنة 1936.

 
 لكن ما الذي حققه لمصر وفد التفاوض الذي قاده النحاس باشا بتوقيع المعاهدة، أولًا حققت المعاهدة استقلال مصر وإنهاء الاحتلال البريطاني للبلاد من الناحية القانونية، وألغت التحفظات الأربعة الموجودة في تصريح فبراير 1922، كما ضمنت انضمام مصر إلى عصبة الأمم، تلك المنظمة الدولية التي تأسست لصون السلم الدولي عقب الحرب العالمية الأولى، وتحول المندوب السامي البريطاني إلى سفير، وأصبح من حق مصر عقد المعاهدات مع الدول الأجنبية بشرط ألا تتعارض تلك المعاهدات مع تلك المعاهدة، وتم بمقتضى المعاهدة كذلك إلغاء الامتيازات الأجنبية في القضاء والضرائب، وبالتالي إلغاء المحاكم المختلطة، كما تم إلغاء الإدارة الأوروبية بوزارة الداخلية مع الإقرار بحق مصر في التخلص من المستشارين الأجانب وتمصير الوظائف الحكومية الكبرى، وكذلك سحب جميع المفتشين البريطانيين من الجيش المصري وإلغاء وظيفة المفتش العام ومعاونيه، كما عاد الحكم المصري المشترك إلى السودان وفقا لاتفاقيتي 1899 لحين التفاوض حول تعديلهما، وكانت مدة المعاهدة وملاحقها عشرين عاما مع إمكانية التفاوض حولها برضاء الطرفين بعد عشر سنوات.
 ورغم ما حققته المعاهدة إلا أن ملحقها العسكري كان أقل بكثير مما تطمح له الحركة الوطنية، فقد سمح ببقاء القوات البريطانية في منطقة القناة مع تحديد عددها، كما ألزم الحكومة المصرية بمد الطرق الحربية والسكك الحديدية وإنشاء المطارات اللازمة لاستخدام القوات البريطانية، وأعطى الحكومة البريطانية الحق في نشر قواتها في مصر واستخدام طرقها ومطاراتها وموانئها وأراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية بحرية في حالة الحرب أو التهديد بها.
 لكن المعاهدة كان ينبغي أن تعرض على البرلمان ليبدي رأيه فيه حتى تصبح سارية المفعول، الأمر الذي تحقق في نوفمبر من نفس العام، لقد عارض المعاهدة الحزب الوطني وبعض المستقلين في البرلمان كما عارضها الاتحاد النسائي المصري بقيادة هدى شعراوي وعارضها مفكرون بارزون منهم الدكتور محمود عزمي، لكن المعاهدة حصلت على تأييد البرلمان بمجلسيه بأغلبية كبيرة، واستمرت سارية تحكم العلاقات المصرية البريطانية إلى أن ألغاها مصطفى النحاس مثلما وقعها في أكتوبر 1951 بعد أن سدت بريطانيا كل الطرق أمام استكمال استقلال مصر بجلاء قواتها عن البلاد طوال ست سنوات أعقبت الحرب العالمية الثانية، وأعلنت حكومة الوفد الأخيرة برئاسة النحاس باشا دعم المقاومة الشعبية والكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني في منطقة القناة.
تلك المقاومة التي استمرت حتى حريق القاهرة في 26 يناير 1952 لتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ المصري.

السبت، 23 أغسطس 2014


"النحاس ولو كره بعض الناس"

عماد أبو غازي

 23 أغسطس تمر ذكرى رحيل الزعيمين الكبيرين سعد زغلول ومصطفى النحاس، هذا العام يصادف الذكرى السابعة والثمانين لرحيل سعد، والذكرى التاسعة والأربعين لرحيل مصطفى النحاس.


 سعد والنحاس
 
 ومصطفى النحاس زعيم وطني يستحق أن يكون له تمثال في أهم ميادين القاهرة تخليدًا للقيم التي عاش وكافح من أجلها، واعتذارًا لهذا الرجل الذي تم تشويه تاريخه وحجب اسمه بعد انقلاب يوليو إلا إذا ذكر مقرونًا بالأكاذيب التي تشكك في وطنيته وإخلاصه، وقد حصل بالفعل الدكتور عبد المحسن حمودة أحد رجال الطليعة الوفدية وأحد أبناء مصطفى النحاس المخلصين على حكم نهائي من مجلس الدولة يلزم الحكومة بإقامة تمثال للنحاس باشا في ميدان التحرير لكن الحكم لم ينفذ حتى الآن.
 ينتمي مصطفى النحاس إلى الرعيل الأول من مؤسسي الوفد المصري الذين انضموا إلى سعد زغلول، وكان الوفد عندما تأسس يضم خليطًا من السياسيين من اتجاهات مختلفة يمثلون أطياف الخريطة السياسية المصرية التي تشكلت في السنوات الأولى من القرن العشرين، بعضهم كان ينتمي إلى حزب الأمة أو إلى التيار السياسي الذي يمثله ذلك الحزب الذي أسسه أحمد لطفي السيد، وفي مقدمة هؤلاء سعد زغلول نفسه، وبعضهم كان ينتمي إلى الحزب الوطني، حزب مصطفى كامل، أو يتعاطف معه، ومنهم كان مصطفى النحاس، الذي أصبح بسرعة من أقرب المقربين إلى الزعيم سعد زغلول، ونفي معه، وأصبح سكرتيرًا عامًا للوفد المصري.


 مصطفى النحاس في شبابه
 
 
 سعد والنحاس في المنفى بجزيرة سيشل
 شارك مصطفى النحاس في أول حكومة وفدية تشكلت بناء على نتيجة أول انتخابات برلمانية أجريت على أساس دستور 1923، وقد تشكلت هذه الحكومة في 28 يناير 1924 برئاسة سعد زغلول، وتولى مصطفى النحاس فيها وزارة المواصلات، لكن تلك الوزارة لم تكمل العام واستقالت في نوفمبر 1924 احتجاجًا على العقوبات التي فرضتها بريطانيا على مصر بعد اغتيال السردار لي ستاك.
 وبعد فشل الانقلاب الدستوري الأول الذي قاده زيور باشا تنفيذًا لإرادة الملك، تشكلت حكومة إئتلافية بين الوفد والأحرار الدستوريين، وأصبح مصطفى النحاس وكيلًا لمجلس النواب، وبعد وفاة سعد زغلول في 23 أغسطس 1927 انتخب الوفد مصطفى النحاس رئيسًا له في 23 سبتمبر وأقر الانتخاب رسميًا في اجتماع الهيئة البرلمانية الوفدية في 26 سبتمبر، وحل محله في سكرتارية الوفد مكرم عبيد، ومن يومها حمل مصطفى النحاس راية النضال الوطني والديمقراطي زعيمًا لحزب الأغلبية في ظروف حصار مستمر للحياة النيابية على يد الملك المستبد والسفارة البريطانية.


 بعد أقل من ستة أشهر شكل النحاس باشا أول وزارة برئاسته، كانت وزارة إئتلافية امتدادًا للإئتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين الذي بدأ بوزارة عدلي باشا يكن سنة 1926، شكل النحاس الوزارة في 16 مارس 1928، وفي خطابه إلى الملك فؤاد الذي يعلن فيه قبول تشكيل الوزارة قال أنه يستمد قوته من ثقة ممثلو الأمة وتأييدهم، وتشجيع الرأي العام، وأكد على أن ارتباط الأمة بالملك رهنًا بصيانته للدستور وتمكين تقاليده، لكن حكومة النحاس لم تدم طويلًا، فبعد ثلاثة شهور نفذ الملك فؤاد انقلابه الدستوري الثاني وعطل العمل بالدستور، مستعينا بمحمد محمود باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين.
 
  النحاس والملك فؤاد
 وخلال الفترة من مارس 1928 إلى يناير 1952 تولى مصطفى النحاس رئاسة الوزارة سبع مرات، منها مرتان في عهد فؤاد ثم مرة في ظل مجلس الوصاية على فاروق وأربع مرات في عهد فاروق، لكن مجموع ما قضاه النحاس في الحكم لا يتجاوز سبع سنوات وعدة أسابيع قليلة، فعادة ما كان حكمه ينتهي بانقلاب دستوري يدبره الملك بمباركة الإنجليز، وفي الوزارة الأخيرة التي أقالها فاروق في 27 يناير 1952، كانت مؤامرة حريق القاهرة المبرر لإقالة الوزارة.
 لكن لماذا ينبغي أن نقيم تمثال لمصطفى النحاس؟

النحاس مع العقاد وطه حسين
 
 لقد كان مصطفى النحاس تاريخًا من النضال من أجل مصر، دستورها واستقلالها، ومن المواقف التي تكشف عن احترام النحاس باشا للدستور ودفاعه عنه، موقفه في وزارته الثانية، فعندما تبين بوضوح أن الملك فؤاد لا يحترم دستور البلاد ويسعى باستمرار لخرقه المرة بعد المرة، سعت حكومة النحاس باشا الثانية التي تشكلت في أول يناير 1930 بعد انتخابات برلمانية نزيهة أجرتها حكومة عدلي باشا يكن الانتقالية وجاءت ببرلمان بأغلبية وفدية كاسحة إلى وضع الضمانات لصيانة الدستور، الأمر الذي أكده النحاس باشا في خطاب قبول تشكيل الوزارة حيث قال:
 "ستتقدم الوزارة ببرنامجها إلى البرلمان جاعلة من أغراضها الأولى العمل على تثبيت قواعد الدستور وصون نصوصه وأحكامه والسير بالبلاد في طريق الإصلاح بجميع نواحيه..."
 وأعدت وزارة النحاس مشروع قانون محاكمة الوزراء تمهيدًا لتقديمه للبرلمان، وتضمن المشروع نصوص تقضي بمحاكمة الوزراء الذين يقدمون على قلب دستور الدولة أو حذف حكم من أحكامه أو تغييره أو تعديله بغير الطريقة التي رسمها الدستور، أو مخالفة حكم من أحكامه الجوهرية، كما نص مشروع القانون كذلك على محاكمة الوزراء الذين يبددون أموال الدولة العامة، إلا أن الملك رفض توقيع مرسوم إحالة مشروع القانون إلى البرلمان، وزاد على ذلك أن تدخل في أعمال الوزارة فيما يتعلق بترشيح أسماء أعضاء مجلس الشيوخ المعينين منتهكًا بذلك الدستور، فما كان من النحاس باشا إلا أن اتخذ موقف الدفاع عن الدستور ومبادئه، فقدم استقالة وزارته، وقال في خطاب الاستقالة:
 "أرفع إلى سدتكم العلية استقالتي وزملائي من الوزارة نظرا لعدم تمكننا من تنفيذ برنامجنا الذي قطعنا العهد على أنفسنا بتنفيذه"...
 واتجه النحاس باشا إلى مجلس النواب الذي يستمد منه الشرعية ليعلن استقالته ويحدد أسبابها قائلًا:
 "عندما تولت الوزارة الحاضرة الحكم قطعت على نفسها عهًدا أن تصون أحكام الدستور وأن تحوطه بسياج من التشريع يكفل له حياة متصلة ونموًا مطردًا... لكن الوزارة لم تتمكن من أن تقدم إلى البرلمان هذا التشريع الذي تقضي به المادة 68 من الدستور، لذلك رأت من واجبها أن ترفع استقالتها إلى السدة الملكية..."
 قبل الملك الاستقالة في 19 يونيو 1930 أي أن الحكومة لم تكمل ستة أشهر، لقد قدم النحاس نموذجًا لرئيس الوزراء الذي يعتبر أنه مسئول أمام الشعب ممثلًا في البرلمان المنتخب انتخابًا ديمقراطيًا وليس مسئولًا أمام الملك الذي يصدر مرسوم تعيينه ومرسوم إقالته، إن حكومته هي حكومة الشعب وليست حكومة الملك، تحترم الدستور الذي ارتضاه المصريون لأنفسهم ولا تحترم إرادة الملك المستبد الذي يسعى إلى الإطاحة بالدستور.
 لقد أتى فؤاد بإسماعيل صدقي عدو الشعب رئيسًا للوزراء فعطل البرلمان وألغى دستور 1923 ليحل محله دستور جديد يسحب سلطات الأمة ويعطيها للملك، إنه دستور 1930 الذي رفضه الشعب بكل فئاته وطوائفه.
 فماذا كان موقف مصطفى النحاس زعيم الأغلبية وزعيم الأمة؟
 كان رده الخروج إلى الشارع للتصدي للانقلاب الدستوري ولديكتاتورية صدقي، جسد المعنى الحقيقي للزعامة، لم يقبع الرجل في مقر حزبه ويكتفي بخطب في الغرف المغلقة أو مقالات في الصحف، بل قدم النموذج للزعيم الذي ينزل إلى الشارع يختلط بالجماهير يقودها بالفعل معرضًا حياته للخطر، بدأ النحاس باشا جولة في الأقاليم لحشد الجماهير ضد عدوان الملك ورئيس الوزراء صدقي باشا على الدستور، توجه إلى الزقازيق ليخطب في مؤتمر جماهيري بمحلج يملكه القطب الوفدي عبد العزيز بك رضوان، لم يتعال باعتباره رئيسًا لحزب ورئيسًا للوزراء، بل اجتماع بجماهيره في محلج قطن في مره، ونام ليله على دكه في رصيف محطة القطار في مره أخرى، وفتح صدره للرصاص مرات ومرات دون أن يهاب طغيان السلطة، أينما حل كان قوة دافعه للجماهير يحشدها من حوله، ويجمعها في مواجهة الاعتداء على حقوقها وعلى دستورها، عندما أحست حكومة إسماعيل صدقي بقوة النحاس باشا وخطورة حركته بين الجماهير وعجز قوات البوليس على التصدي لها، دفعت بالجيش إلى ساحة المواجهة.

 وفي المنصورة في الثامن من يوليو سنة 1930 احتشد الآلاف لاستقبال مصطفى النحاس، ودفعت الحكومة بقوة من الجيش قوامها ثلاثة آلاف جندي للتصدي للجماهير، وأطلق الجنود النار في الهواء في شارع البحر، وهددوا بالضرب في المليان ما لم تنفض الجموع، لكن الحشود تزايدت، وعربة النحاس باشا واصلت طريقها وسط الجماهير، فما كان من الجنود إلا أن هاجموا الجموع بسناكي بنادقهم، بل هجم أحدهم على النحاس باشا يطعنه بالسونكي، فتلقى سنيوت بك حنا الطعنة عنه وأصيب بجرح بالغ في ذراعه، واستشهد أربعة من الأهالي وقتل ثلاثة من رجال الجيش والبوليس وجرح 145 مواطنا، وكافأت السرايا والحكومة ضابط نكره باع ضميره بترقيته إلى رتبة اللواء استثناء، في الوقت الذي أحالت فيه الصاغ محمد أمين إلى الاستيداع عقابا له على رفضه استخدام القوة مع الأهالي، رغم عنف السلطة وطغيانها استمرت المقاومة واستمر النحاس باشا في وسط الجماهير، إلى أن سقطت وزارة صدقي ومن بعدها سقطت وزارتا عبد الفتاح يحيي وتوفيق نسيم، وعاد الدستور وعاد مصطفى النحاس إلى الحكم مرة أخرى بعد انتخابات ديمقراطية نزيهة.
 وللقصة بقية...

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...