الثلاثاء، 22 أبريل 2014

صورة برج الثور
 كتاب عجائب المخلوقات للقزويني من كتب التراث العربي التي وصلتنا منها نسخ كثيرة ترجع إلى عصور متعددة، كثير منها نسخا مزودة بالرسوم والصور، فموضع الكتاب ومادته تفتح المجال أمام الفنان والمزوق لإضافة رسومه التي تجمع بين الجانب التوضيحي والجانب الفني.
 ومن نسخ هذا الكتاب نسخة مخطوطة مصورة تحتفظ بها المكتبة الوطنية في ميونخ بألمانيا، ترجع هذه النسخة إلى القرن الثامن عشر على الأرجح، وتعكس الرسوم المصورة في تلك النسخة آخر مراحل تطور مدرسة التصوير العربي، ويبدو فيها خليطا من المؤثرات الشعبية مع بعض المؤثرات الأجنبية.
 
 وتمثل هذه الصورة برج الثور كما قدمه الفنان الذي رسم المخطوطة، في الصورة رسم تخيلي لثور يبعد تماما عن رسم حيوان الثور الحقيقي، وقد أحاط به إطار زخرفي من الزهور والنباتات، ويحمل وجه الثور ملامح إنسانية بائسة تدعو إلى الشفقة.
 ويرى إتنكهاوزن في كتابه "فن التصوير عند العرب" أن صورة برج الثور هذه تستدعي إلى الذاكرة لوحة بيكاسو الشهيرة جرنيكا التي عبر فيها عن مأساة تلك القرية الإسبانية التي دمرت في الحرب الأهلية الإسبانية، ويستطرد إتنكهاوزن قائلا: "فهذه الصورة المشوهة المبتورة المحزنة يمكن أن تعتبر في الواقع رمزا للنهاية المحزنة التي انتهى إليها التصوير العربي".
 وعلى العكس من ذلك أتصور أن فن التصوير عند العرب كان يتجه إلى "ثورة" فنية منذ القرن السادس عشر، ظهرت آثارها في مجموعة من المخطوطات التي تحرر فيها الفنان من قواعد المدارس التقليدية في التصوير العربي، وبدأ ينتقل بلوحاته إلى آفاق رحبه في التعبير ظهرت فيها المؤثرات الشعبية واضحة، وربما كان هذا يرتبط بانهيار الدولة الراعية للفن، الأمر الذي تأكد مع الاحتلال العثماني، مع انتقال المركز إلى الأستانة.

الاثنين، 21 أبريل 2014

حكاية مؤرخ ضاع تاريخه
عماد أبو غازي
 عاشت مصر في القرن العاشر الميلادي الرابع الهجري فترة اضطراب سياسي امتد لعشرات السنوات، وشهدت البلاد مخاضا سبق لحظة ميلاد جديد لمصر، في ذلك العصر كانت الخلافة العباسية قد دب فيها الضعف، والدولة الكبرى تفككت إلى إمارات صغيرة تتبع الخليفة من الناحية الإسمية فقط، وفى مصر كان الطولونيون قد نجحوا في القرن الثالث الهجري في الاستقلال بالبلاد في إطار الخلافة العباسية نحو نصف قرن من الزمان، ورغم أن العباسيين استعادوا مصر مرة أخرى لكن الأمور لم تستقر لهم فيها فسرعان ما استقل بها محمد بن طغج الإخشيد وخلفاؤه من بعده.
 وفى نفس الوقت كان شمال أفريقيا قد خرج عن السيادة العباسية وقامت فيه دولة خلافة منافسة لخلافة العباسيين في بغداد، هى دولة الخلافة الفاطمية، وسعى الفاطميون إلى التوسع شرقا فتكررت محاولاتهم للاستيلاء على مصر وضمها إلى دولتهم، فأصبحت مصر بذلك خط المواجهة الأول بين دولتي الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية.
 وانعكس هذا الوضع المتوتر على أوضاع مصر السياسية والاقتصادية فعاشت البلاد في أواخر عصر الإخشيديين حالة من الفوضى والاضطراب، لكنها الفوضى التي تبشر بميلاد جديد.
 وبالفعل نجح جوهر الصقلي قائد جيوش الخليفة الفاطمي المعز لدين الله في فتح مصر سنة 358 هجرية 969 ميلادية، وشرع في بناء مدينة القاهرة التي نقل لها الفاطميون مقر حكمهم، وكان تحول مصر إلى جزء من الدولة الفاطمية، وانتقال مقر خلافة الفاطميين إليها نقطة تحول مهمة في تاريخ مصر الإسلامية، فقد بدأ عصر جديد من عصور استقلال مصر، وعادت مركزا رئيسيا من مراكز الإشعاع الحضاري في عالم العصور الوسطى.
 في هذا المناخ التاريخي المضطرب ولد ونشأ وعاش رجلنا الذي نتحدث عنه اليوم؛ المؤرخ أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي المصري.
 فقد ولد ابن زولاق بالفسطاط في شعبان سنة 306 هجرية المقابلة لسنة 919 ميلادية وتوفى في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 387 هجرية المقابلة لسنة 997 ميلادية. وقد نشأ ابن زولاق في بيت علم حيث كان جده الحسن بن على من مشاهير علماء مصر في القرن الثالث الهجري كما كان من أعمامه محمد بن زولاق أحد اللغويين البارزين في عصره، وقد درس الحسن بن زولاق الفقه والتاريخ على يد أعلام القرن الرابع الهجري، فكان تلميذا لأبى بكر زين الحداد من أعظم أئمة العصر وفقهائه، ودرس التاريخ على أبى عمر الكندي صاحب كتابي ولاة مصر وقضاة مصر.
 
صفحة الغلاف من كتاب ابن زولاق
 
 وقد تخصص ابن زولاق في التاريخ، واهتم على وجه الخصوص بتاريخ مصر دون غيرها فألف فيه العديد من الكتب والرسائل، وكانت الفترة التي عاشها كغيرها من عصور الانتقال ملهمة للمؤرخ الواعي الممتلك للرؤية التاريخية.
 لقد عاش ابن زولاق لحظات صعود دولة الإخشيديين وازدهارها، كما شهد تدهورها وانهيارها، وعاصر دخول الفاطميين لمصر والسنوات الأولى لدولتهم فيها، وقد أرخ ابن زولاق لكل هذه الأحداث المهمة التي عاصرها وعايشها بنفسه، وكان قريب الصلة بمن صنعوها، فقدم صورة دقيقة عنها.
 اتصل ابن زولاق ببلاط الإخشيديين وكتب تاريخ الإخشيد بطلب من ابنه أبى الحسن على بن الإخشيد، واتصل بجوهر قائد المعز، وعن طريقة تعرف على أول خلفاء الفاطميين بمصر، ثم وضع كتابه سيرة المعز من خلال معرفة قريبة بالرجل، وتذكر المصادر التاريخية التي ترجمت لابن زولاق ثلاثة مؤلفات أخرى للرجل تتناول كلها مصر التي شغلت اهتمامه بالكامل، وهذه المؤلفات هي: كتاب تاريخ مصر وكتاب فضائل مصر وكتاب خطط مصر.
 وإذا كان عبد الرحمن بن عبد الحكم أول مؤرخي مصر الإسلامية قد سبق ابن زولاق في الكتابة عن تاريخ مصر وفتح العرب لها، كما كتب في فضائل مصر بعض معاصري ابن زولاق كعمر بن الكندي، فإن مؤرخنا كان سباقا في التأليف في مجال الخطط.
 وإذا كان المؤرخون السابقون على ابن زولاق من أمثال ابن عبد الحكم والكندي، قد أشاروا إلى خطط الفسطاط وتوزيع مناطقها بين القبائل في مؤلفاتهم العامة عن مصر وتاريخها، فإن ابن زولاق على ما يبدو قد تناول الموضوع في كتاب مستقل يحمل عنوان الخطط (وهى تقسيمات المدن) بلغة ذلك العصر.
 ويبدو أن ابن زولاق قد تناول خطط الفسطاط  بنوع من الإفاضة والتوسع، كما امتد به البحث والتقصي إلى خطط عواصم مصر الأخرى كالعسكر والقطائع، وربما يكون قد تناول في خططه إنشاء القاهرة التي شهد قيامها قبل وفاته بنحو ثلاثين عاما كما يقول المؤرخ الراحل محمد عبد الله عنان.
 ورغم تنوع مؤلفات الحسن بن زولاق وغزارة إنتاجه الفكري إلا أن الجزء الأعظم من هذا الإنتاج لم يصلنا في صورته الأصلية، لقد فقدت جل مؤلفات ابن زولاق التاريخية، وما وصلنا منها جاء مبتورا ناقصا أو مضمنا في مؤلفات غيره من المؤرخين الذين عاشوا بعده ونقلوا عنه. ومن حسن الحظ أن بعض هؤلاء المؤرخين قد ضمنوا في كتبهم مؤلفات كاملة أو شبه كاملة لابن زولاق، مثلما فعل أبو سعيد الأندلسي في القرن السابع الهجري، عندما نقل سيرة الإخشيد لابن زولاق كاملة في القسم الذي ألفه من كتاب "المُغرب في حلى المَغرب".
 كذلك لخص المقريزي فصلا من كتاب ألفه ابن زولاق عن أخبار الماردانيين، وهم أسرة توارثت منصب الوزارة في زمن الإخشيديين، كما وصلتنا عن طريق المقريزي أيضا فقرات متعددة من كتاب ابن زولاق عن المعز لدين الله الفاطمي وذلك من خلال السفر العظيم الذي ألفه المقريزي وعنونه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الخلفاء".
 وقد وصلتنا من بين مؤلفات ابن زولاق التاريخية أجزاء من مخطوطته عن فضائل مصر، لكنها أجزاء غير مكتملة ولا تشكل نصا أصليا للكتاب.
 أما الكتاب الوحيد الذي وصلنا كاملا من أعمال ابن زولاق المصري فرسالة صغيرة تدخل في باب السير والتراجم بعنوان: "كتاب أخبار سيبويه المصري" ويترجم فيه لأحد المعاصرين له من ظرفاء ذلك العصر.
 وقد كان المفكر والمؤرخ الراحل محمد عبد الله عنان هو أول من ألتفت إلى أهمية هذا الكتاب عندما اكتشف نسخته المخطوطه التي كتبها المؤلف بخطه ونشر دراسه عن هذه النسخة محققا نسبتها إلى المؤلف في الملحق الأدبي لجريدة السياسة في سنة 1932، ثم دفع بصورة من تلك النسخة إلى اثنين من الباحثين قاما بنشر الكتاب هما محمد إبراهيم سعد الذي كان من خريجي دار العلوم ويعمل بالتدريس بالمدارس الابتدائية وحسين الديب الضابط بمدرسة البوليس والإدارة، وقد قام عنان بالتقديم لهذه الطبعة التي صدرت في عام 1933.
 
وفى مقدمة الرسالة يعرفنا الحسن بن زولاق بمعاصره سيبويه وبسبب تأليفه هذه الرسالة فيقول:
 
 "كان عندنا بمصر رجل يعرف بسيبويه، لو كان بالعراق لجمع كلامه ونقلت ألفاظه، ولو عرف المصريون قدره لجمعوا عنه أكثر مما حفظوه، وسئلت أن أجمع من كلامه ما أقدر عليه مما حفظته عنه، وما بلغني عنه، فعملت كتابي هذا بصفته وما كان يُحسنه حسب ما قدرت عليه.
 وهو أبو بكر محمد بن موسى بن عبد العزيز الكندي الصيرفي، المعروف بسيبويه، ولد بمصر سنة أربع وثمانين ومائتين، وتوفى في صفر سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وسِنّهُ أربع وسبعون سنة، قبل دخول القائد جوهر إلى مصر بستة أشهر، وتأسف عليه لما ذكرت له أخباره، وقال: لو أدركته لأهديته إلى مولانا المعز صلوات الله عليه في جملة الهدية.
 وكان أبوه شيخا صرفيا يكنى أبا عمران أعرفه، لأبنه سيبويه معه قصص أنا أذكرها في كتابي هذا..."
 لكن إذا كانت معظم مؤلفات ابن زولاق قد فقدت فما هي قيمته بين مؤرخي مصر الإسلامية؟
 رغم ضياع الغالبية العظمى من مؤلفات ابن زولاق، فإن النصوص التي وصلتنا أجزاء متفرقة منها هنا وهناك في كتابات المؤرخين الذين جاءوا من بعده تكشف عن حس تاريخي يقظ، وعن مؤرخ مدقق لماح، استفاد من قربه من مواقع اتخاذ القرار في فترة مليئة بالأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية والفكرية والثقافية فرصد هذه التحولات بذكاء وفطنة، وحتى رسالته الصغيرة التي لا يعدو عدد صفحاتها الأربعين والتي تحمل عنوان أخبار سيبويه وهى المؤلف الوحيد الذي وصلنا كاملا تقدمه لنا كمؤرخ وأديب بارع في نفس الوقت، والرسالة على صغرها ذات قيمة بالغة فهي أقدم نص أدبي عربي في مصر يصل إلينا مكتملا، كما أن المؤرخ يستطيع أن يستخلص الكثير من ثناياها عن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية بل أيضا عن الأوضاع السياسية.
 أننا أمام مؤرخ فذ بخل علينا الزمن بالاحتفاظ بمؤلفاته.

الأحد، 20 أبريل 2014

حكاية مكتشف الفسطاط
عماد أبو غازي
 القاهرة في أخريات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فترة البدايات في علم الآثار، فترة وإن كانت الجهود الأساسية فيها للأجانب إلا أنها شهدت جهودا مصرية لازمت البناء وأرست دعائمه، هذا نفس ما شهدته مصر في إرساء معالم نهضتها القومية في مختلف المجالات، في الأدب والشعر، في الموسيقى والغناء، في الفنون الجميلة، في مؤسسات التعليم والبحث، وقبل ذلك كله في مجال النهضة الوطنية، ففي القرن التاسع عشر نبغ من بين المصريين اثنان من علماء الآثار، أحمد كمال في مجال الآثار المصرية القديمة أو علم المصريات، ورجلنا الذي نتحدث عنه اليوم في مجال الآثار الإسلامية، على بهجت... كلاهما كان له دوره البارز في الحياة المصرية في سنوات إرساء دعائم النهضة الجديدة التي جاءت كتحدي للاحتلال البريطاني لمصر.
 فمن هو على بهجت؟
على بهجت
 
 على بهجت سليل عائلات تركية الأصل من ناحية الأم والأب أبوه محمود بهجت وأمه زهرة محمود أغا، وهما من أبناء العائلات التي استوطنت في مصر خلال عصر الاحتلال العثماني وحكم أسرة محمد على وتمصرت مع مرور الزمن، وأصبح الانتماء الأساسي لهذه العائلات إلى الوطن الجديد مصر، ورغم اعتزازهم بأصولهم التركية والـﭽركسية فقد كان من المعتاد أن يذوب الجيل الثاني أو الثالث في المحيط المصري، وهذا ما حدث مع على بهجت.
 ولد على بهجت عام 1858 في قرية بهاء العجوز بمديرية بني سويف، وتنقل في سنوات التعليم بين المدرسة الناصرية ثم المدرسة التجهيزية، وأمضى سنتين في مدرسة المهندسخانه ومنها إلى مدرسة الألسن والتي أهلته لوظيفة مترجم بالمدرسة التجهيزية عام 1882، وبعد عشر سنوات أصبح مفتشا في المدارس الابتدائية التابعة للأوقاف ثم رئيسا لإدارة الترجمة بنظارة المعارف ومن هنا بدأ مسار حياته يتغير.
 أهتم على بهجت منذ تخرجه بالآثار فعمل مع المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في حل كتابات النقوش العربية والمخطوطات، وقد وصل إلى هذا العمل بمساعدة يعقوب أرتين الذي كان وكيلا للمعارف ومهتما بالآثار في ذات الوقت، وهكذا وجد على بهجت نفسه في البيئة التي التقت مع ميوله، فعمل مع البعثة الفرنسية خمسة عشر عاما بنجاح تام يساعده على ذلك درايته باللغات، فقد كان يعرف غير العربية الفرنسية والألمانية والتركية ثم الإنجليزية، وأتاح له عمله مع بعثة الآثار الفرنسية الاحتكاك ببعض من أشهر علماء الآثار الإسلامية في ذلك الوقت والتتلمذ على أيديهم، وفي مقدمة هؤلاء الأثري الكبير كازانوفا.
 وظل على بهجت موزعا بين طريقين، طريق العمل الحكومي الذي يلتقي بدراسته، وطريق الحقل الأثري الذي ينبع من ميوله واستعداده إلى أن توحد المسار في مطلع عام 1900. لقد كانت لعلى بهجت ميوله الوطنية المعادية للإنجليز، لذلك فقد اصطدم خلال عمله في نظارة المعارف بمستشارها الإنجليزي دنلوب، وكانت الحركة الوطنية تعتبر الرجل من أعدى أعداء مصر ومن المحاربين لنهضتها، وهاجم على بهجت المستشار الإنجليزي هجوما لا هوادة فيه على صفحات جريدة المؤيد مما ترتب عليه موقفا متوترا في نظارة المعارف دفع على بهجت إلى التفكير في الاستقالة من عمله.
 لكن فخرى باشا ناظر المعارف آن ذاك ووكيلها يعقوب أرتين عملا على نقله إلى إدارة حفظ الآثار العربية، وصدر بذلك قرار في 14 يناير سنة 1900، وبذلك أصبح على بهجت موجودا في الحقل الأثري الرسمي والعلمي معا، فانطلق يرسي دعائم النهضة المصرية في مجال الآثار الإسلامية ويسعى من أجل أن يجعل من تطلعاته في الحقل الأثري حقائق واقعة.
 ويظهر نشاطه العلمي واضحا في لجنة حفظ الآثار العربية والتي كان عضوا بارزا بها؛ فلا يخلو محضر من محاضر اجتماعاتها من رأى له أو تعليق في أمر من أمور الآثار الإسلامية في مصر، وهو كذلك عضو بارز في المجمع العلمي المصري منذ يناير سنة 1900، يشارك في جلساته ويسهم في نشر مطبوعاته المهمة إلى أن وصل لمنصب نائب رئيس المجمع عام 1923، فضلا عن ذلك فهو أحد المؤسسين للجامعة المصرية، ومن أبرز المحاضرين فيها، والمشاركين في إدارتها حتى أصبح وكيلا لها قبل أن تتحول إلى جامعة حكومية رسمية.
 وإسهامات على بهجت في حقل الآثار الإسلامية والقبطية عديدة تضعه على رأس علماء الآثار في مصر، بل وبين قائمة العلماء المبرزين على مستوى العالم أجمع في هذا المجال. لقد أرسى على بهجت بكشوفه الأثرية وحفائره التي امتدت من شمال البلاد إلى جنوبها دور مصر كدولة منقبة عن الآثار الإسلامية لها حضارتها وبعثتها الأثرية.
 وكان من إسهامه البارز في مجال الآثار الإسلامية ذلك الدور الذي لعبه في متحف الفن الإسلامي، فقد شارك في تأسيس المتحف القائم الآن في ميدان باب الخلق بالقاهرة وشغل منصب وكيل المتحف منذ عام 1902، ثم أصبح مديرا له من عام 1915 حتى وفاته في سنة 1924. وخلال عمله بمتحف الفن الإسلامي نجح في أن يبرز دور المتحف كمنشأة لها حفائرها، وعن طريق ذلك أمد متحف الفن الإسلامي بالقطع الأثرية المتنوعة التي شكلت قوام مجموعته الكبيرة، كما عنى عناية خاصة بأن يكون للمتحف السيطرة على التلال الأثرية بالقاهرة القديمة حتى لا يتسرب ما يعثر عليه بها من آثار إلى أيدي التجار، وكانت للرجل كذلك جهوده في الحفاظ على الآثار الإسلامية القائمة والتي بدأ الزحف العمراني في المدن يهددها، فسعى إلى حمايتها حفاظا على معالم حضارتنا في العصر الإسلامي.
 ورغم الجهود المتنوعة لعلى بهجت يبقى كشفه لأطلال مدينة الفسطاط القديمة الأهم من بين أعماله في المجال الأثري، حيث أكتشف على بهجت في أطلال المدينة القديمة مبان يعود أقدمها إلى القرن الرابع الهجري وأحدثها إلى القرنين السادس والسابع، هذا بالإضافة للآثار المتنوعة التي تشكل حاليا مجموعة كبرى من مجموعات متحف الفن الإسلامي بالقاهرة. وإلى الشرق من المدينة أكتشف على بهجت بقايا السور الذي شيده صلاح الدين الأيوبي في القرن السادس الهجري.
 
 وترجع أهمية كشوف الفسطاط إلى أنها أول عاصمة لمصر في العصر الإسلامي وقد قال عنها المؤرخ تقي الدين المقريزي في خططه المعروفة بكتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار في أوائل القرن التاسع الهجري:
  "أعلم أن فسطاط مصر أختط في الإسلام بعدما فتحت أرض مصر وصارت دار إسلام، وقد كانت بيد الروم وحين اختط المسلمون الفسطاط انتقل كرسي المملكة من مدينة الإسكندرية وصار من حينئذ الفسطاط دار إمارة ينزل به أمراء مصر، فلم يزل على ذلك حتى بُنى العسكر بظاهر الفسطاط، فلما أنشأ الأمير أحمد ابن طولون القطائع بجانب العسكر سكن فيها واتخذها الأمراء من بعد منزلا حتى قدمت عساكر الإمام المعز لدين الله الفاطمي مع كاتبه جوهر القائد فبنى القاهرة وصارت دار خلافة، واستمر سكن الرعية بالفسطاط، وبلغ من وفور العمارة وكثرة الخلائق ما أربى على عامة مدن المعمور حاشا بغداد، ومازال على ذلك حتى نزل ملك الفرنج بجموعه الكثيرة على بركة الحبش يريد الاستيلاء على مملكة مصر فعجز الوزير شاور السعدي عن حفظ البلدين معا، فأمر الناس بإخلاء مدينة الفسطاط وأمر شاور فألقى العبيد النار في الفسطاط، فلم تزل به بضعا وخمسين يوما حتى احترقت أكثر مساكنه، فلما رحل ملك الفرنج عن القاهرة، تراجع الناس إلى الفسطاط ورموا بعضه، ولم يزل في نقص وخراب إلى يومنا هذا وقد صار الفسطاط يعرف في زماننا بمدينة مصر..."
 وإذا كان اكتشاف على بهجت لأطلال مدينة الفسطاط القديمة هو أهم كشوفه الأثرية، فإن أطرف هذه الكشوف هو عقد شروط زواج القائد الفرنسي عبد الله جاك مينو بزبيدة الرشيدية.
 لقد رحل على بهجت عن عالمنا بعد حياة كلها عمل وسعي من أجل مصر وآثارها حيث توفى بين كتبه في يوم 27 مارس سنة 1924. لقد كان من تلك الشخصيات الجامعة ومن هنا كان العطاء كبيرا والأثر كبيرا، أثر يعتز به علم الآثار وعطاء يشكل ذخرا لكل من تعنيه حضارة الشرق.
*****
 
هذه الأيام تجرى محاولات لردم أطلال مدينة الفسطاط التي شارك في اكتشافها علي بهجت من مئة عام.
وقع على العريضة لوقف ردم الفسطاط

الجمعة، 18 أبريل 2014


الشيخ إبراهيم بوركهارت
عماد أبو غازي
  عرفه أجدادُنا في مصر وبلاد الشرق في الفترة ما بين عامي 1809 و1817باسم الشيخ إبراهيم بن عبد الله، عاش بينهم وتجول بين ربوع سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، استقر في مصر ومنها انطلق إلى الجنوب ووصل إلى النوبة وشمال وشرق السودان وزار بلاد الحجاز ثم عاد إلى مصر وتوفي بها قبل أن يكمل عامه الثالث والثلاثين.

بوركهارت في الشرق
 إنه يوهان لودفيج بوركهارت والمعروف كذلك باسم جون لويس بوركهارت الشاب السويسري الذي ولد في مدينة لوزان في 25 نوفمبر من عام 1784، وأمضى طفولته في مدينة بازل في منزل أسرته الذي تحول الآن إلى متحف.
بوركهارت في طفولته
 
المنزل الذي ولد فيه بوركهارت
 
وقد تلقى الصبي الصغير تعليمه الأولي مع أخواته على أيدي مدرسين خصوصيين بمنزل أسرته ببازل، وفي سن السادسة عشرة سافر ليدرس القانون والفلسفة والتاريخ في مدينتي لايبزيج وجوتيجن بألمانيا حاليا، وقضى هناك خمس سنوات بين عامي 1800 و 1805، كانت عائلته تعده للعمل في المحاماة أو الدبلوماسية أو التجارة، لكن الأقدار كانت تخبئ له مسارا آخر.
 عندما عاد الشاب يوهان لودفيج بوركهارت وهو في الحادية والعشرين من عمره إلى بازل لم يجد عملا بسهولة، فسافر بعد فترة إلى لندن بحثا عن عمل هناك، لكنه لم يوفق رغم ما كان يحمله من شهادات دراسية ورسائل توصية، وبعد عامين من المعاناة حصل الشاب على أول وظيفة له في لندن.
 
 
بوركهارت في شبابه

 وهنا لعبت المصادفة دورا كبيرا في تغيير مسار حياته، وفي دفعه إلى علاقة بعالم جديد لم يفكر في اقتحامه من قبل، أفريقيا والشرق، إلتقى بوركهارت بالسير جوزيف بانكس رئيس الجمعية الأفريقية، أو "جمعية تشجيع اكتشاف المناطق الداخلية من أفريقيا" التي تأسست عام 1788 في لندن، فحتى ذلك الحين لم يكن لدى الأوروبيين معرفة دقيقة بالأجزاء الداخلية من القارة الأفريقية، وكانت معرفتهم قاصرة على المناطق الساحلية وقليل من الأجزاء الداخلية من بعض البلدان مثل مصر، وقام السير بانكس بإلحاق بوركهارت بالجمعية وكلفه بالسفر إلى وسط وغرب أفريقيا، إلى حوض النيجر عبر مصر، وعند هذه النقطة تحولت حياة بوركهارت تماما.

السير ديفيد بانكس
 
 كانت الرحلة تحتاج إلى إعداد خاص للتمكن من تحقيق أهدافها، فقامت الجمعية الأفريقية بإرسال بوركهارت إلى جامعة كمبردج لتعلم اللغة العربية، ودراسة الكمياء والفلك وعلم الفلزات والطب.
 وفي شهر فبراير من عام 1809 بدأ بوركهارت ـ ولم يكن قد بلغ الخامسة والعشرين بعد ـ الرحلة إلى الشرق، أبحر متجها إلى مالطا، ومنها إلى مدينة حلب السورية التي وصلها في شهر يوليو، وقضى هناك ثلاث سنوات لمزيد من تعلم اللغة العربية والتعرف على الثقافة المحلية في منطقة المشرق العربي، وأثناء إقامته في حلب أطلق بوركهارت لحيته على الطريقة الشرقية وأرتدى ملابس عربية وسمى نفسه الشيخ إبراهيم بن عبد الله، ثم أعلن اعتناقه الإسلام واتجه إلى دراسة القرآن.
الشيخ إبراهيم بن عبد الله في حلب بعد إشهار إسلامه
 
 وخلال إقامته بحلب قام بوركهارت بالترحال في المناطق المحيطة بها، فتجول بين عدد من المدن السورية كما توجه إلى شمال العراق، وزار المناطق الأثرية في تدمر في سوريا وبعلبك في لبنان، وفي يونيو من عام 1912 توجه إلى مصر ليبدأ في تنفيذ مهمته الأفريقية.
 وفي طريقه إلى مصر مرورا بفلسطين وشرق نهر الأردن مر بأطلال مدينة البتراء (بترا) وكتب عنها: "صرفت فترة 15 يوما في الصحراء ما بين البحر الميت والبحر الأحمر .... وفي وسط المسافة بين البحرين تقوم آثار مدينة مهيبة تقع في وادي موسى، ويُحتمل أن تكون البتراء، فيها نشاهد مدافن ذات زخرفة منحوتة في الصخر، وبقايا معابد وقصور ومدرجات وقنوات مياة وغيرها من الغرائب والروائع النادرة التي تجعل هذه المدينة أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء أخر شاهدته في حياتي".

 
 
البتراء

 وفي سبتمبر 1812 وصل الشيخ إبراهيم إلى القاهرة لينتقل منها إلى قلب أفريقيا مع قافلة فزان، ولكن تأخر موعد القافلة وحبه للاكتشاف دفعه لاستثمار الوقت في رحلة خطط لها أن تكون قصيرة في صعيد مصر، لكنها طالت أكثر مما توقع بكثير، وقادته إلى عوالم جديدة.
 
 
القاهرة
 
 لقد كانت رحلة بوركهارت إلى المنطقة مواكبة للحظة مهمة في تاريخها، لنقطة تحول محورية، كانت المنطقة بكاملها تخضع للحكم العثماني لقرابة ثلاثة قرون عندما احتل السلطان العثماني سليم الأول العراق ثم بلاد الشام ومصر والحجاز في العقد الثاني من القرن السادس عشر، ثم امتدت الدولة العثمانية في شمال أفريقيا حتى وصلت إلى حدود مراكش قبل منتصف القرن نفسه، لكن الفترة التي زار فيها بوركهارت المنطقة كانت تشهد تحولات سياسية وثقافية واجتماعية مهمة، فـ "السلام العثماني" الذي ساد لثلاثة قرون كان قد بدأ يتزعزع، والنزعات الاستقلالية عن دولة "الخلافة" تتوالى وكان من أكبرها وأهمها حركة علي بك الكبير في مصر وحركة ضاهر العُمَر في فلسطين، لكن الحركة الأخطر كانت الدعوة الوهابية التي هددت سيطرة السلطان العثماني على الأماكن الإسلامية المقدسة في الحجاز، والتي حملت أفكارا دينية متشددة ما زال العالم العربي يعاني من آثارها إلى الآن، كما عرفت تلك الفترة مرحلة جديدة من مراحل الاحتكاك العنيف بالغرب الأوروبي بدأت مع الحملة الفرنسية على مصر والشام (1798 ـ 1801) ثم الحملة البريطانية على مصر (حملة فريزر) 1807، كان الاحتكاك بالغرب في تلك المرة مختلفا عن مرحلة الحروب الصليبية التي كان الطرفان فيها ـ الشرق والغرب ـ متكافأن حضاريا، أو على الأقل متقاربان، فمع نهاية القرن الثامن عشر كان الغرب قد أنجز نهضته وحقق طفرة حضارية، بينما الشرق الخاضع للدولة العثمانية الغارق في تخلفه وجموده الذي تسببت فيه تلك الدولة يبدأ بالكاد في التحرك من ثباته.
وفي مصر كان محمد علي باشا الحاكم الذي فرضه الشعب على السلطان العثماني في ثورة كبيرة سنة 1805 يثبت أركان حكمه ويتخلص من منافسيه في الداخل، ويستحوذ على سلطات أكبر مقابل الخدمات التي يؤديها للسلطان في قمع الحركة الوهابية في الحجاز ونجد، كان محمد علي باشا يستعد لتغيير وجه الحياة في مصر، الولاية المحورية بين ولايات الدولة العثمانية في الشرق، في تلك اللحظة التاريخية الفارقة جاءت رحلة بوركهارت للمنطقة.
  نعود إلى بوركهارت أو الشيخ إبراهيم الذي غادر القاهرة في خريف سنة 1812  إلى أسنا في صعيد مصر ومنها توجه جنوبا إلى بلاد النوبة، حيث سجل ملاحظاته حول عادات أهل النوبة وشمال شرق السودان وعن عادات البدو في المناطق الصحراوية، كما شاهد آثار جنوب مصر وبلاد النوبة، ودون مشاهدته للأجزاء الظاهرة من أحد معبدي أبو سمبل المطمور تحت الرمال، وكان ذلك قبل اكتشاف بلزوني الإيطالي للمعبد بأكثر من ثلاثة أعوام، وإن كان اهتمامه الأكبر في تلك الرحلة قد انصب على دراسة المراكز التجارية وطرق التجارة.

 خارطة رحلات بوركهارت في الشرق




مشاهد من رحلة بوركهارت إلى بلاد النوبة 

 وفي صيف عام 1814 عبر بوركهارت البحر الأحمر من سواكن إلى جدة ومنها إلى مكة والمدينة حيث مكث هناك ثلاثة أشهر أدى خلالها فريضة الحج.
 
 وثيقة بأداء فريضة الحج
 



مشاهد من رحلة بوركهارت إلى الجزيرة العربية
 
ونظرا لمرضه لم يبدأ رحلة العودة إلى القاهرة إلا منتصف سنة 1815، ومن هناك قام برحلة سريعة إلى سيناء ثم عاد ليستقر بالقاهرة إلى أن مات بعد إصابته بتسمم غذائي في 15 أكتوبر سنة 1817 ودفن جسمانه بمدافن باب النصر بالقاهرة.
 
 
شاهد قبر بوركهارت بالقاهرة
 
وقد اقتنى بوركهارت خلال رحلته بالشرق عشرات المخطوطات العربية النادرة، كما خلفت رحلاته عددا من المؤلفات المهمة:
ترجمة لروبنسن كروز إلى العربية.
رحلة إلى النوبة وبلاد السودان،
رحلة في سوريا والأراضي المقدسة،
رحلة في الجزيرة العربية،
ملاحظات على البدو والوهابيين،
أمثال عربية،



بعض مقتنيات بوركهارت من المخطوطات العربية
 
أغلفة بعض مؤلفات بوركهارت
وقد ترجمت كل أعماله إلى العربية منذ خمسينيات القرن الماضي، وشكلت مصدرا مهما لدراسة تاريخ الشرق في تلك المرحلة، كما قدم لنا بوركهارت معرفة تاريخية جديدة عن مصر والعوالم المحيطة بها من خلال رؤية عين فاحصة مدققة.
 

الأربعاء، 16 أبريل 2014


بمناسبة الحديث عن لاظوغلي وتمثاله، أعيد نشر مقالين كنت قد كتبتهما عام 2008 في الإصدار الثاني لجريدة الدستور بمناسبة رسالة تلقيتها من الصديق محمد مختار...

( 1 )
فريد ونجيب...
عماد أبو غازي
  رسالة على الفيسبوك من الصديق محمد مختار يتسأل فيها عن مغزى نقل تمثال محمد فريد من مكانه القديم إلى ميدان أبو ظريفة؟  يقول في رسالته: "مع الثورة الإنشائية التي أحدثها الخديوي إسماعيل بتشييده لما يسمى الأن "القاهرة الخديوية" تم إقامة عدة ميادين ذات طابع أوروبي، مبنية على الطرز الإيطالية والفرنسية والبلجيكية، مزينة بتماثيل"، وكما يشير في رسالته فقد صنعت التماثيل الأولى بأيدي أوروبيين وجميعها كانت لأفراد من الأسرة العلوية الحاكمة مثل محمد علي وإبراهيم باشا والخديوي إسماعيل أو كبار رجال الدولة من أصول غير مصرية مثل سليمان باشا الفرنساوي ولاظ أوغلي ونوبار باشا، وكان أول تمثال ميدان لمصري تمثال الزعيم مصطفى كامل، وقد نحته هو الآخر نحات أوروبي عقب وفاة مصطفى كامل في فبراير سنة 1908، وكما كان أول تمثال لمصري فقد كان أول تمثال يشييد باكتتاب شعبي، لكنه كان اكتتابا شعبيا محدودا من أعضاء الحزب الوطني وأنصاره، وبعد ثورة 1919 دخل إلى الساحة النحاتين المصريين وفي طليعتهم مختار بتمثاله الذي التفت حوله الأمة، تمثال نهضة مصر، وتبع مختار نحاتين مصريين من الأجيال التالية لجيله منهم عبد القادر رزق ومنصور فرج وأحمد عثمان ومصطفى نجيب وجمال السجيني ثم فاروق إبراهيم وعبد العزيز صعب، وفي السنوات الأخيرة شارك نحاتين من أجيال أصغر في نحت تماثيل الميادين والحدائق من أبرزهم طارق الكومي، وأصبحت تماثيل المصريين تحتل ميادين القاهرة بعد أن كانت حكرا على المصريين من أصول أجنبية، وكانت البداية بتمثالي الزعيم سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية وقد نحتهما مختار عقب وفاة سعد، وتمثال آخر لسعد ببنها لا أذكر الآن ـ للأسف ـ من نحته ومتى نصب في موضعه، وعقب جريمة اغتيال أحمد ماهر باشا أقيم تمثال له أمام كوبري الجلاء بالقاهرة، وبعد انقلاب يوليو 1952 أقيمت عدة تماثيل احتلت عددا من الميادين والحدائق العامة، منها تماثيل طلعت حرب ومحمد فريد وأحمد شوقي وابن خلدون بالقاهرة والجيزة، وأحمد عرابي بالشرقية، والعقاد بأسوان، ثم كان التوقف عن إقامة التماثيل الميدانية لسنوات باستثناء تماثيل بعض زعماء أمريكا اللاتينية التي أقيمت في إطار اتفاقيات لتبادل تماثيل الزعماء السياسيين بين مصر وبعض تلك الدول، إلى أن بدأت المدن المصرية تشهد في السنوات الأخيرة إقامة تماثيل الميادين والحدائق مرة أخرى.
 أعود لرسالة الصديق محمد مختار التي يقول فيها: "مؤخرا عمدت الدولة إلى تجميل بعض الساحات والأماكن بتماثيل تذكارية لأبطال ورواد وزعماء مصر, كنجيب محفوظ وطه حسين وأحمد شوقي والفريق عبد المنعم رياض وعمر مكرم ومحمد فريد وهو بيت القصيد". يسترسل قائلا: "صنع تمثال محمد فريد المثال المصري منصور فرج، و تم وضع التمثال على نصبه وسط شارع 26 يوليو من جهة العتبة الخضراء حيث أزيح عنه الستار عام 1958 وفي العام الحالي أي عام 2008 تقرر نقل التمثال إلى ميدان محمد نجيب، عبد السلام عارف سابقا."
الزعيم محمد فريد
 
وهنا نفهم سبب التساؤل الاستنكاري في الرسالة فالميدان الذي يعلو محطة مترو الأنفاق التي أطلق عليها اسم الرئيس محمد نجيب ويفترض أنه يحمل اسم الرئيس نجيب أول رئيس للجمهورية في مصر، ينبغي أن يوضع فيه تمثال لمحمد نجيب وليس لمحمد فريد. ويتسأل محمد مختار "لماذا هذا التشويش؟ هل يقام التمثال لمداراة ومواراة تداول أسم اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر عن قصد كما حدث من قبل في كل كتب التاريخ ؟  أم هي الألآجة، أي الفخامة بالمفهوم العشوائي، التي استشرى وباؤها في كافة مناحي حياتنا؟" وفضلا عن ذلك فلمحمد ملاحظات فنية على وضع التمثال الجديد، يقول: "ناهيكم أن الوضع المثبت عليه التمثال ليس صحيح! فالتمثال يعطي ظهره للمارة بدلا من استقبالهم .. تماما كما حدث مع مستنسخ رمسيس الثاني  بشارع صلاح سالم، فأن العادة قد جرت على أن يستقبل المرحب مجابها ضيفه، وعلى الضيف أن يلتفت لوداع مضيفه وهذا عكس ما تم!". ويشير محمد مختار في رسالته إلى المشاكل الفنية في عدد من الأعمال الميدانية والتي تتكرر كثيرا في السنوات الأخيرة داعيا إلى "تعديل الحسابات وتصحيح المسار القائم عليه عمل مثل هذه الإنشاءات والتي تقام لتدوم عصور وقرون."

الرئيس محمد نجيب
 الحقيقة أنا متفق تماما مع محمد مختار في أن الرئيس محمد نجيب تعرض طوال سنوات لحملة ظالمة، وأذكر تماما أنه في الستينيات كان اسمه غائب تماما من كتب التاريخ، وعندما كنت تلميذا في المرحلة الابتدائية وذكرت ذات مرة لزملائي في الفصل أن أول رئيس لمصر محمد نجيب وليس عبد الناصر اعتبروني مخرف، وسألوا المدرسة التي ارتاعت لمجرد ذكر اسم نجيب في الفصل واشفقت على أهلي من هذا الطفل طويل اللسان الذي من الممكن "إنه يوديهم ويوديها في داهية"، فبعد أزمة مارس 1954 وهزيمة نجيب ومجموعته جرت محاولة منظمة لحذفه من ذاكرة الوطن، رغم أن انقلاب الضباط الأحرار لم يكن متاحا له أن ينجح لولا اسم نجيب، أو ربما لهذا السبب سعوا إلى إزالته من الوجود، وانطبق عليه المثل الشعبي المصري "أخر خدمة الغز علقة"، ولم يفرج عن اسم نجيب ويرد له بعض اعتباره، وأوكد بعض اعتباره، إلا في عصر السادات وبعد حرب أكتوبر، ثم نال أول تكريم مع مشروع مترو الأنفاق الثاني عندما وجه الرئيس مبارك بإطلاق اسمه على محطة عابدين، ورغم اتفاقي مع مختار في الظلم الذي تعرض له نجيب إلا أنني لا أظن إطلاقا أن نقل تمثال فريد إلى ميدان أبو ظريفة جزء من مؤامرة على ذكرى الرجل، ففريد هو الأخر زعيم مظلوم، لكنه مظلوم لأنه جاء بين مصطفى كامل وسعد زغلول، فضاعت ذكراه بينهما رغم دوره المهم في تاريخنا الوطني وتضحياته الكبيرة في سبيل قضية الوطن، والحال الذي آل إليه الميدان الذي وضع فيه تمثاله كان مذريا، وكان قرار نقله صائبا، خصوصا أن الميدان الذي نقل إليه يتوسط الشارع الذي يحمل اسمه، ومصر مليئة بالميادين الخالية والحدائق العامة التي يمكن أن يقام فيها تمثال يليق بأول رئيس لمصر في العصر الجمهوري، ولحديث التماثيل بقية.

 

( 2 )

التماثيل حكايات

 التماثيل حكايات، ونقل التماثيل من أماكنها كمان حكايات، إذا كان تمثال محمد فريد الذي نحته منصور فرج وأزيح عنه الستار في عام 1958 في موضعه القديم في شارع 26 يوليو بين قسمي حديقة الأزبكية قد نقل من موضعه بعد خمسين سنة من إقامته، فقد كان هذا قرارا سليما، فالموضع القديم أصبح غير ملائم والشارع أغلق في هذا القسم منه، والوسعاية التي يقف فيها التمثال صارت مرتعا لتجار الرصيف، والموضع الجديد في منتصف الشارع الذي يحمل اسم محمد فريد والذي كان يحمل قديما اسم شارع عماد الدين، والغريب أن الشارع كان يحمل اسم عماد الدين من بدايته في الناصرية حتى نهايته قرب ميدان رمسيس ثم اقتصر اسم عماد الدين على الجزء الممتد من تقاطع الشارع مع شارع 26 يوليو إلى نهايته عند شارع رمسيس وأطلق اسم محمد فريد على الجزء الآخر من الشارع رغم أنه القسم الذي يقع فيه ضريح الشيخ عماد الدين !!!
وتمثال محمد فريد ليس أول تمثال ينقل من مكانه أو يتغير وضعه، في عصر الخديوي إسماعيل نصبت التماثيل الأولى في الشوارع والميادين والحدائق المصرية، وعندما افتتح كوبري قصر النيل في 10 فبراير 1872، نصبت على مدخليه الأسود الأربعة التي صنعت في أوروبا وتكلفت 8425 جنيه بينما تكلف الكوبري 113850، وكانت الأسود منصوبة على قواعد مرتفعة، لكن عندما أعيد بناء الكوبري مرة أخرى وتوسيعه في ثلاثينيات القرن الماضي تغيرت القواعد وأصبحت بالصورة التي نراها عليها اليوم.
 
الأمر نفسه حدث مع تمثال نهضة مصر الذي أزيح عنه الستار يوم 28 مايو 1928 في موقعه القديم بميدان باب الحديد، كانت قاعدة التمثال مرتفعة.
 
 وعندما قررت الحكومة سنة 1955 نقل التمثال من ميدان باب الحديد إلى مكانه الحالي بالقرب من جامعة القاهرة أقيم على قاعدة جديدة يبلغ ارتفاعها نصف ارتفاع القاعدة الأصلية.
 

 هناك تماثيل تعرضت للنقل من موقعها بسبب التطورات السياسية منها تمثال الخديوي إسماعيل بالإسكندرية الذي كان في موضوع النصب التذكاري للشهداء بالقرب من قلعة قايتباي، فأزيح بعد انقلاب يوليو، وظل في المخازن إلى أن أعاده محافظ الإسكندرية السابق اللواء عبد السلام المحجوب إلى الشارع مرة أخرى.
تمثال الخديوي إسماعيل في موقعة الأصلي
 
 وقد تعرض تمثال نوبار باشا الذي كان قائما في حديقة الشلال للمصير نفسه، وأعيد مؤخرا إلى مدخل أوبرا الإسكندرية (مسرح سيد درويش) أما تمثال سليمان باشا في القاهرة فقد نقل من مكانه في ميدان سليمان باشا إلى المتحف الحربي وحل محله تمثال الاقتصادي المصري طلعت حرب الذي نحته الفنان فتحي محمود، وتغيير اسم الميدان والشارع ليحملا اسم طلعت حرب.
 ميدان سليمان باشا، طلعت حرب الآن
تمثال طلعت حرب
 أما تمثال ديليسبس في بور سعيد بمدخل قناة السويس الشمالي فقد دمره الشعب بسبب العدوان الثلاثي سنة 1956، وقد تم ترميمه مؤخرا وتحتفظ به هيئة قناة السويس.

 والحرب ضد التماثيل اختلفت باختلاف العصور، فتمثال مصطفى كامل الذي كان أول تمثال يكتتب الشعب لإقامته بعد وفاة الزعيم بعامين، والذي نحته ليوبولد سافان وانتهى منه سنة 1913 ظل حبيس مدرسة مصطفى كامل حتى صيف عام 1938 بعد أكثر من ثلاثين عاما على وفاة مصطفى كامل، عندما نقل إلى مكانه الحالي في عهد الملك فاروق.
 
 وعام 1938 العام الذي انتهت فيه أيضا أزمة تمثالي سعد زغلول اللذان نحتهما مختار بالقاهرة والإسكندرية، لقد منعت الحكومة إقامتهما بعد انقلاب إسماعيل صدقي على الدستور، رغم أن مختار نحت التمثالين بتكليف رسمي من الحكومة، ودخل مختار في قضايا ضد الحكومة مات سنة 1934 قبل أن تنتهي ذيولها، ولم يشهد رفع الستار عن تمثاليه.
 
 ولم تكن قضية تمثالي سعد الوحيدة بين مختار والحكومة، فقد تعرض تمثاله نهضة مصر كذلك للتضييق من الحكومات الموالية للسرايا وتأخرت حفلة إزاحة الستار عنه قرابة العام.

ولتمثال أحمد باشا ماهر الذي نحته المثال محمد حلمي يوسف قصة، لقد اكتتب فيه الشعب تخليدا لذكرى الزعيم الذي اغتالته يد الإرهاب السياسي المجرم في بهو مجلس النواب، وتحدد يوم 13 نوفمبر 1948 في الذكرى الثلاثين لعيد الجهاد الوطني، لكن عاصفة هبت بليل مزقت الملاءة التي تغطي التمثال وأزاحت الستار عنه قبل موعد الاحتفال الرسمي، ، ليصحو الناس في اليوم التالي ويجدوا التمثال مكشوفا أمامهم غير مصدقين قصة الريح.
 ومن التماثيل التي ترتبط بالصراعات السياسية تمثال إبراهيم باشا الذي نحته الفنان الفرنسي كوردييه بأمر من الخديوي إسماعيل عام 1872، التمثال أقيم في أول الأمر بميدان العتبة الخضرا، ثم نقل بعد ذلك إلى موضعه الحالي بميدان الأوبرا أمام المدخل الرئيسي لدار الأوبرا المصرية القديمة التي احترقت في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ليحل محلها جراﭺ قبيح المنظر، المهم أثار تمثال إبراهيم باشا أزمة سياسية كبيرة بين مصر وتركيا، فقد نحت كوردييه جداريتين من النحت البارز ليضعهما على جانبي قاعدة التمثال تمثل الأولى معركة نازيب والثانية معركة عكا، وفي المعركتين انتصر إبراهيم باشا على جيوش الدولة العثمانية، فغضبت السلطنة العثمانية، وكانت مصر من الناحية الرسمية ولاية تابعة لاستنبول، فحمل كوردييه جداريتيه ورحل إلى بلاده، وفي عام 1900 عرضهما في معرض باريس، ومن يومها اختفت اللوحتان ولم يبق إلا صورهما الفوتوغرافية.

 وعندما قررت الحكومة المصرية الاحتفال بالمئوية الأولى لوفاة إبراهيم باشا سنة 1948 حاولت جلب الجداريتين من فرنسا، ولم يعثر لهما على أثر فنحت منصور فرج وأحمد عثمان جداريتين جديدتين، هما القائمتان إلى الآن على القاعدة.


 أما تمثال لاظوغلي الذي صنعه جاكمار سنة 1872 فله حكاية طريفه فهو لسقا يشبه لاظوغلي، فعندما أراد جاكمار صنع التمثال لم يجد صورة لمحمد بك لاظوغلي، فيبدو أن الحاسة الأمنية لدى الرجل الذي أسس أول جهاز للأمن السياسي في مصر الحديثة جعله يتحاشى أن ترسم له صورة، وفجأة اكتشف أحد كبار الموظفين الذي كان صغيرا أيام لاظوغلي هذا السقا الشبيه بالرجل يسير في منطقة خان الخليلي فاتخذوه موديل للتمثال.

 هذا عن التماثيل القائمة، فماذا عن التماثيل الغائبة، التي لم تقم أصلا؟

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...