الاثنين، 10 أبريل 2023

جمعية محبي الفنون الجميلة مئة عام من العطاء للثقافة والفنون في مصر

 

 

جمعية محبي الفنون الجميلة

مئة عام من العطاء للثقافة والفنون في مصر

عماد أبو غازي

 عرفت مصر في القرن التاسع عشر المؤسسات الثقافية الحديثة، فخلال ذلك القرن وضعت أسس العديد من مؤسسات العمل الثقافي، والبعض منها يمارس نشاطه، ويلعب دوره في حياتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية حتى الآن، وفي القرن العشرين أضيفت إلى تلك المؤسسات مؤسسات أخرى جديدة...

 وقد تفاوتت الدوافع والأهداف وراء إنشاء تلك المؤسسات واختلفت طبيعتها والجهات المسئولة عنها أو التي تقف وراء إنشائها، لكن هذه المؤسسات في مجموعها خلقت حالة من النشاط الثقافي في مصر، وجعلت منها نقطة استقطاب للمفكرين والمثقفين في المنطقة؛ بعض هذه المؤسسات أنشأتها الدولة في سياق إنشاء بنية الدولة الحديثة، وبعضها كان مؤسسات أهلية شكلتها تجمعات من المهتمين بالعمل الثقافي والاجتماعي، وكانوا في البداية خليطًا من أمراء أسرة محمد علي وأميراتها، وبعض المصريين الذين درسوا في الخارج، وبعض الأوروبيين المقيمين في مصر، بالإضافة إلى بعض المفكرين الشوام الذين انتقلوا للعيش في مصر.

 لقد سار العمل الثقافي منذ البداية في عدة مسارات: المسار الحكومي ومسار الصناعات الثقافية الربحية والنشاط الأهلي، ولعب النشاط الأهلي ممثلًا في الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في تطور الحياة الثقافية في مصر الحديثة، ورغم تراجع هذا الدور في بعض الفترات إلا أنه لم يتوقف أبدًا.

 ومن الجمعيات الأهلية التي لعبت دورًا مهمًا في مجال الثقافة بشكل عام والفنون التشكيلية بشكل خاص جمعية محبي الفنون الجميلة التي نحتفل بمئويتها الأولى هذا العام؛ وجمعية محبي الفنون الجميلة واحدة من ثمرات النشاط الأهلي في المجال الثقافي، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تعد بحق من أبرز ثمرات هذا النشاط في القرن العشرين، وذلك بما حققته من إنجاز، وما لعبته من دور، وما حافظت عليه من استمرار.

 جمعية محبي الفنون الجميلة وليده للتزاوج الذي جمع ما بين حركة البعث الوطني والفكري التي عاشتها مصر في مطلع القرن العشرين من جهة، والنهوض العام الذي أعقب الثورة المصرية سنة 1919 من جهة ثانية.

 تأسست جمعية محبي الفنون الجميلة يوم 22 مايو سنة 1922، وكانت بمعنى ما امتدادًا لجمعية سبقتها بسنوات قليلة ثم سلمت لها الراية، هي الجمعية المصرية للفنون الجميلة، كانت أهداف كلا الجمعيتين واحدة، وبعض المؤسسين هم نفس الأشخاص، وقد ترأس الجمعية عند بداية تأسيسها الأمير يوسف كمال الذي كان من أبرز الداعمين للثقافة والفنون والمؤسس لمدرسة الفنون الجميلة في مصر.

 لكن الرجل الذي تولى رئاسة الجمعية لفترة طويلة وارتبطت باسمه هو السياسي المصري محمد محمود خليل بك أحد رعاة الحركة الفنية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين.


 وقد توالى على رئاسة الجمعية بعد وفاة محمد محمود خليل عام 1953 رؤساء كان لكل منهم بصمته في مسيرة الجمعية، وهم أحمد صدقي وعطا عفيفي وعلي لبيب جبر وجمال عبد الرحمن وبدر الدين أبو غازي وسعيد الصدر وصلاح طاهر، ويتولى رئاستها الآن الدكتور أحمد نوار.







 وقد انضم للجمعية عند تأسيسها وفي السنوات التالية للتأسيس مجموعة من محبي الفنون الجميلة من المصريين والأجانب المقيمين في مصر، منهم: حافظ عفيفي والدكتور علي إبراهيم وشريف صبري وعلي الشمسي وجبرائيل تكلا وفؤاد أباظة ويوسف قطاوي ومن الفنانين محمد حسن ومحمد ناجي، ومن علماء الآثار الأجانب جاستون فييت وإيتين دريتون وبيير جوجيه.

 ومن أبرز من تولوا سكرتارية الجمعية فؤاد عبد الملك الذي لعب دورًا مهمًا في الانطلاقة الأولى للجمعية، وكان الرجل من بناة المؤسسات الثقافية في مصر، ومن أبرز منشأته متحف الشمع، من الأسماء البارزة التي تولت سكرتارية الجمعية محمد همام والفنان يحيى أبو حمدة.


 وعندما صدر قانون للجمعيات الأهلية في الخمسينات غيرت الجمعية اسمها في عام 1959 ليصبح "جمعية الفنون الجميلة" لكنها عادت إلى اسمها التاريخي مرة أخرى سريعًا، حيث يظهر الاسم في بعض مطبوعات عام 1962، ولكن المؤكد أن الاسم عاد بشكل رسمي في عام 1966 مع إعادة الإشهار بعد صدور قانون جديد للجمعيات سنة 1964.


 وعلى مدار مئة عام لعبت جمعية محبي الفنون الجميلة أدوارًا بارزة في الحياة الثقافية في مصر، وربما كان تنظيم المعارض الفنية من أهم أنشطة الجمعية التي لم تتوقف منذ تأسيسها، فخلال تاريخها الطويل نظمت جمعية محبي الفنون الجميلة مئات المعارض الفنية، ربما كان أهم إنجازاتها في هذا المجال صالون القاهرة خاصة في السنوات الخمسين الأولى من عمرها.

 لقد بدأ تنظيم صالون القاهرة قبل تأسيس جمعية محبي الفنون الجميلة، برعاية الأميرة سميحة حسين أبنة السلطان حسين كامل، وكانت فنانة تشكيلية، وشاركها في تنظيم الصالون ورعايته مجموعة من السيدات المصريات، وجاء تنظيم الصالون في سياق النهضة الفنية والثقافية التي صاحبت ثورة 1919، كما شاركت في البداية في تنظيمه الجمعية المصرية للفنون الجميلة ثم انتقلت مهمة تنظيمه والإشراف عليه إلى جمعية محبي الفنون بعد تأسيسها، وكان صالون 1924 أول صالون تنظمه الجمعية، أما صالون 1923 فلا يحمل كتالوجه اسم الجمعية أو شعارها، ولكن يشير إلى أنه يحظى بدعم دار الفنون والصنائع المصرية التي أسسها فؤاد عبد الملك، وهو نفسه الذي شغل منصب سكرتير عام جمعية محبي الفنون الجميلة لسنوات، وضم صالون 1923 قرابة 400 عمل فني، وتشكلت لجنة للمعرض من مجموعة السيدات برئاسة الأميرة سميحة حسين وكان الفنان راغب عياد المنسق الفني للمعرض.



 وتتوالى دورات المعرض بانتظام طوال العشرينيات والثلاثينيات، ويتوقف الصالون في ثلاث سنوات متفرقة في الأربعينيات ومطلع الخمسينيات بسبب كثافة أنشطة الجمعية على الأرجح، ثم يعود لينتظم مرة أخرى في الستينيات، إلى أن ظهر إلى جانبه المعرض العام الذي نظمته وزارة الثقافة، ورغم أن دورات الصالون تتواصل إلى الآن، إلا أن توقفه دوراته لمرات عدة منذ السبعينيات أدى إلى التفاوت بين عمر الجمعية المئوي ودورات الصالون التي لم تصل إلى الدورة الستين بعد، وفي كثير من الدورات كان الملك يفتتح الصالون بنفسه.


 إن استعراض كتالوجات صالون القاهرة عبر دوراته يقدم لنا جانبًا مهمًا من تاريخ الحركة الفنية في مصر، ففي كتالوج الصالون العاشر عام 1929 نجد قائمة بالأعمال المعروضة التي يصل عددها إلى 427 عملًا، وأغلب العارضين من الفنانين المصريين، لكن هناك عددًا من غير المصريين المقيمين في مصر منهم أتراك وإنجليز وفرنسيين وأرمن وسويسريين وإيطاليين ويونانيين وتشيك وأمريكان وألمان وروس ومجريين وفلسطينيين، وقليل من العارضين أجانب غير مقيمين، ومن اللافت للنظر عدد الفنانات العارضات، والأعمال مرتبة في الكتالوج حسب النوع الفني، وداخل النوع باسم الفنان، كذلك يضم المعرض 77 عملًا من الأعمال التي كانت الحكومة المصرية قد اقتنتها مؤخرًا في عامي، من بينها أعمال لكبار فناني العالم من أمثال بورديل ورودان وديجا، إلى جانب أعمال لفنانين وفنانات من مصر منهم مختار ومحمود سعيد ويوسف كامل وراغب عياد وأحمد صبري وجورج صباغ وحامد سعيد.


  وفي صالون 1929 يستمر دور مجموعة السيدات اللاتي أطلقن الصالون لأول مرة، وقد أصبحن يشكلن لجنة السيدات لجمعية محبي الفنون الجميلة.





 وتنشر الجمعية في الكتالوج ملخصًا لقانون الصالون الذي يحدد التزامات الفنان والتزامات الجمعية، وكان الكتالوج يباع بقرشي صاغ، ويتضمن عددًا من الإعلانات لمؤسسات مختلفة منها: دار الفنون والصنائع المصرية، ومحلات بوتشلاتي للأدوات الفنية، والبنك العثماني، والبنك العقاري المصري، ومشغل الاتحاد النسائي.

 ومن كتالوجات معارض الثلاثينات نكتشف مشاركة الجماعات الفنية، مثل جماعة الدعاية الفنية التي يشارك من أعضائها كل من حبيب جورجي وحسين بيكار ورمسيس يونان وشفيق رزق سليمان وصلاح طاهر ولبيب أيوب ونجيب أسعد ووهيب إلياس، وجماعة مرسم الإسكندرية التي شارك في الصالون عدد كبير من أعضائها، وبلغ عدد الأعمال المعروضة في الصالون الثامن عشر 597 عملًا.




 وفي المعرض التاسع عشر سنة 1939 تظهر مشاركة جماعة الدعاية الفنية وجماعة مرسم الإسكندرية بعدد أكبر من الفنانين، وفي المعرض العشرين سنة 1940 تستمر مشاركة جماعة الدعاية الفنية لكن بحضور أقل، ويختفي اسم رمسيس يونان الذي انضم لجماعة الفن والحرية، وتستمر مشاركة جماعة مرسم الإسكندرية، كما تشارك جماعة الخزافين المصريين بأعمال بعض فنانيها وفي مقدمتهم سعيد الصدر، ويخصص الصالون في هذه الدورة صالة خاصة للفنان الإيطالي المقيم بالإسكندرية أميل أمبرون يعرض  فيها 40 عملًا من أعماله، كما يخصص الصالون قسمًا لمشاريع الزخارف الخاصة بمعرض نيويورك عام 1939، ومن المشاركين في هذا القسم صدقي الجبخانجي ونحميا سعد وعبد العزيز صالح الذي أصبح فيما بعد أستاذًا للآثار المصرية بجامعة القاهرة وكان وقتها رسامًا بمصنع الصب بالمتحف المصري.

 وفي كتالوج صالون 1941 نجد للمرة الأولى أسماء أعضاء لجنة التحكيم التي ضمت: جورج ريمون ومحمد حسن ومحمد ناجي وأحمد عثمان وأحمد يوسف وستوبلر ورمسيس ويصا واصف وكريسويل، ثم فؤاد عبد الملك سكرتير اللجنة؛ وخصص الصالون في هذه الدورة صالة خاصة لمشاريع مسرحية (ملابس – أشخاص – مناظر) من ابتكار وتصميم صالح الشيتي، كما انفردت أعمال الحسين فوزي بصالة خاصة، كذلك عرض الصالون لوحات لمشاريع زخرفية لطلبة قسم الفنون الزخرفية بمدرسة الفنون الجميلة، وكان موضوعها السلم.


 وفي الخمسينات تطور الإخراج الفني لكتالوج الصالون، فنجد غلاف صالون القاهرة 35 في عام 1959 من تصميم الفنان الكبير سيف وانلي.


 ويكشف كتالوج صالون القاهرة 36 الذي نظمته الجمعية في مارس 1960 عن ملامح جديدة في الصالون، فالكتالوج يحمل الاسم الجديد للجمعية: "جمعية الفنون الجميلة"، مع إشارة في الغلاف الداخلي إلى اسمها السابق الذي احتفظت به على مدار سنوات عمرها التي كانت قد قاربت الأربعين وقتها، ويبدأ الكتالوج بكلمة تشير إلى قرار تغيير اسم الجمعية، وإلى انتخاب مجلس إدارة جديد لها وتشكيل مجموعة من لجان العمل، كما يرحب الصالون في هذه الدورة بمشاركة فنانين من "الإقليم الشمالي" للجمهورية العربية المتحدة (سوريا)، ويعلن عن اتجاه جديد في نشاط الصالون بتحديد موضوع خاص ليكون مجالًا خاصًا لمسابقة الصالون، وكان الموضوع المطروح: "من وحي النيل"، ولا شك في ارتباط الموضوع بالتقدم في العمل في مشروع السد العالي، وقسمت الجمعية في تلك الدورة المعرض بين قاعتي عرض، فخصصت صالة العرض في الجزيرة لمعروضات مسابقة من وحي النيل، بينما خصصت مبنى مقر الجمعية في جاردن سيتي للموضوعات العامة.



 ومن خلال كتالوج الصالون لعام 1960 نتعرف على أسماء جميع أعضاء الجمعية وقد بلغ عددهم 58 عضوًا وعضوة، كما نتعرف على منسقي المعرض محمد يوسف همام وريشار موصيري، وعلى لجنة الاختيار والتحكيم التي ترأسها أحمد صديق نائب رئيس الجمعية، وكان مقررها محمد يوسف همام أمين عام الجمعية، وضمت لجنة التحكيم ستة من أعضاء الجمعية، هم: أحمد عثمان وأحمد يوسف وسعيد الصدر وعبد القادر رزق وعثمان رفقي رستم وعلي إسماعيل، وأربعة من خارج الجمعية هم: أبو صالح الألفي وبدر الدين أبو غازي وسيد الغرابلي وولي الدين سامح، ويتضمن الكتالوج كذلك قوائم الفائزين بجوائز الصالون في دوراته من عام 1955 إلى عام 1959، ومن بينهم: عز الدين حمودة وسيف وانلي وزينب عبد الحميدوسيد عبد الرسول ومارجريت نخلة وتحية حليم وإنجي أفلاطون وخديجة رياض وعبد الهادي الجزار وكوكب يوسف وسعيد الصدر وصلاح طاهر ومنحة حلمي وصبري راغب وحامد عويس في التصوير، وكمال خليفة وجمال السجيني وحسن العجاتي ومنصور فرج ومحمد هجرس وأحمد عبد الوهاب ومحيي الدين طاهر وعبد الحميد حمدي وتحية هيكل وعايدة عبد الكريم في النحت؛ وكانت قيمة الجوائز تتراوح بين 100 جنيه وعشرة جنيهات، وبعض الجوائز باسم الجمعية، وبعضها الآخر جوائز ممنوحة من أفراد، وقد بدأت جوائز الأفراد من الصالون الرابع والثلاثين عام 1958.

 أما جوائز الصالون عام 1960 فكان مجموعها 450 جنيهًا، في مجالات التصوير والموزاييك والنحت والحفر، في مسابقة من وحي النيل، وفي مسابقة الموضوعات العامة منحت الجمعية ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية للفائزين، وقد حجبت لجنة التحكيم الجائزة الأولى (جائزة النحت) في المسابقتين، وشارك في الصالون الفنان حسن حشمت بستة أعمال من البورسلين، كما شارك 4 من فناني الإسكندرية هم بابا جورج وسيباستي وكارادجا ومحمود موسى بقسم خاص عرضوا به 8 أعمال في التصوير وعملين في النحت.

 أما كتالوج صالون القاهرة 37 في مارس 1961 فجاء فقير في طباعته قياسًا إلى كل الكتالوجات السابقة، فهو عبارة عن غلاف وأربع صفحات تتضمن قائمة المعروضات بالعربية والفرنسية فقط، واقتصر عدد الأعمال المشاركة على 118 عمل فقط، وعدد العارضين والعارضات على 74 فقط، كما تراجع بشكل واضح أسماء الفنانين العارضين من غير المصريين، واستمرت مشاركة فنانين من سوريا.



 واعتبارًا من عام 1966 في الدورة الثالثة والأربعين للصالون، أقيم المعرض بالقاهرة والإسكندرية بالتعاون مع متحف الفنون الجميلة الذي كان يتبع في هذا الوقت محافظة الإسكندرية.

وإذا انتقلنا إلى مرحلة السبعينيات فقد استضاف صالون القاهرة سنة 1971 النحات عبد القادر رزق كضيف شرف للصالون.


 وفي عام 1972 وفي سياق الاحتفال باليوبيل الذهبي للجمعية اتخذ صالون القاهرة شكلًا جديدًا فأقامت الجمعية ثلاثة معارض باسم صالون القاهرة؛ الأول لفن التصوير والثاني للحفر والثالث للاحتفاء بفن النحت في مصر، تحت عنوان: "ملامح من فن النحت المصري المعاصر، وقد افتتح معارض الصالون الدكتور عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء ووزير الثقافة والإعلام.





 وفي صالون القاهرة لعام 1973 والذي أقيم قسم منه بمتحف الفنون بالإسكندرية في صيف ذلك العام، اتخذ الصالون موضوع الإنسان في الفن المصري المعاصر محورًا رئيسيًا له، وكما جاء في مقدمة الكتالوج فإن الهدف كان "العودة إلى صورة الإنسان بعد أن طال بالفن المطاف في عالم الرموز والمجردات"، وشارك في المعرض 53 فنانًا وفنانة بخمسة وسبعين عملًا في التصوير والحفر والرسم والنحت.


 أما صالون القاهرة لعام 1977 فقد احتفل بدورته الخمسين، وحمل غلاف الكتالوج الذي صممه الفنان يحيى أبو حمدة صورة مركبة من أعمال أجيال من الفنانين المصرين من جيل الرواد والأجيال التالية، وقدم للصالون بدر الدين أبو غازي رئيس مجلس إدارة الجمعية بدراسة عن صالون القاهرة والحياة الفنية في مصر، ثم تضمن الكتالوج قائمة بمعارض الجمعية منذ عام 1924، وضم الصالون أعمالًا تمثل رحلة الصالون منذ بدايته حتى السبعينيات.


 وفي عام 1981 وفي إطار صالون القاهرة تنظم الجمعية صالونًا لفن الباتيك بقاعات الجمعية بجاردن سيتي، بعد أن نظمت الجمعية معرضًا لفنون الطباعة وكما يقول بدر الدين أبو غازي في تقديمه للصالون إن الهدف الدعوة إلى إفساح المجال وتهيئة الأسباب لنماء هذه الفنون في مصر، وضم المعرض أعمالًا في هذا الفن الذي ينتمي إلى الشرق لست فنانات هن أهداف عبد الحميد وزينب وهبة وسلوى شعبان وسهير عثمان وليلى لصاوي وهدى عبد الرحمن، والفنان توفيق زيادة، وتحمل مطوية صورة لوحة باتيك للفنان علي دسوقي.



 وفي دورة الصالون لعام 1984 التي عقدت بعد وفاة بدر الدين أبو غازي رئيس الجمعية بشهور قليلة تخصص الجمعية في كتالوج تلك الدورة مساحة لدراسة له عن تطور حركة الفنون في مصر، وفي الدورة الرابعة والخمسين لصالون القاهرة التي نظمتها الجمعية بالتعاون مع المركز القومي للفنون التشكيلية بقاعة النيل عام 1987، والذي شارك فيه 157 فنانًا وفنانة، قدم الفنان علي كامل الديب نائب رئيس الجمعية للصالون بكلمة في مطوية المعرض بعنوان "تعالوا نبني معًا هرم الثقافة والفنون المصرية" يشير فيها إلى عودة الصالون بعد توقف، ويؤكد قدرة الجمعية والصالون دومًا على تجاوز العقبات التي تحول دون انتظام الصالون.


 لكن دورات صالون القاهرة تتعثر، فطوال أكثر من ثلاثة وثلاثين عامًا بعد دورة 1987 التي تحمل رقم 54 لم تنعقد سوى 5 دورات فقط للصالون، في الدورتين الأخيرتين عامي 2018 (الدورة 58) و2020 (الدورة 59)، اتخذت كل دورة موضوعًا لها، فكان موضوع الأولى: الرسم الغاية والوسيلة، وموضوع الثانية الهالة والفرادة في الفن المصري المعاصر، وكنا ننتظر انعقاد صالون القاهرة في دورته الستين مع عام الاحتفال بالمئوية، لكنها لم تظهر لأسف! والجدير بالملاحظة أنه منذ الثمانينيات أصبح تنظيم المعرض مشاركة بين جمعية محبي الفنون الجميلة المركز القومي للفنون التشكيلية، الذي أصبح قطاعًا منذ نحو عشرين عامًا؛ فهل كان القطاع سببًا في تعثر الصالون؟


 ولا يقتصر دور جمعية محبي الفنون الجميلة على صالون القاهرة رغم أهميته؛ فعلى مدار ستة عقود تنظم جمعية محبي الفنون الجميلة معرض ومسابقة الطلائع لشباب الفنانين تحت سن الثلاثين، والذي يعكس حرص الجمعية على تشجيع الموهبة الفنية الشابة إلى جانب احتفائها بكبار الفنانين، وقد قدم هذا المعرض عشرات الفنانين والفنانات الذين أصبحوا علامات في المشهد الفني المصري من الستينيات وكانت بداية مسيرتهم من خلال معرض الطلائع ومسابقته.







 كذلك اهتمت الجمعية بالتصوير الفوتوغرافي منذ الثلاثينيات، فنظمت صالونًا للتصوير الشمسي منذ عام 1933، الذي عقد أكثر من عشرين دورة، بالإضافة إلى تنظيم معارض دولية للتصوير الفوتوغرافي لأكثر من مرة، فضلًا عن بعض معارض الفردية لمصورين فوتوغرافين، مثل معرض المصور راتب دوس في الخمسينيات ومعرض المصور عبد الفتاح عيد في السبعينيات، كما نظمت معارض موضوعية للتصوير الفوتوغرافي، مثل معرض الصور الفوتوغرافية للعسكريين من قوات الدول المتحالفة سنة 1944، ومعرض الصور الفوتوغرافية للقاهرة في الماضي منذ 1849 في سنة 1946.



 كما سعت الجمعية إلى تقديم فنون العالم المعاصرة والتراثية للمجتمع المصري، فسدت الفارغ في النشاط الثقافي والفني الذي تأخرت الدولة في القيام به؛ ولا يكاد يخلو عام من مثل هذه الأنشطة الدولية للجمعية منذ العشرينيات حتى الخمسينيات، فنظمت الجمعية في عام 1927 معرضًا للفن البلجيكي، وفي العام التالي استضافت معرضًا للنحت الفرنسي، وفي عام 1935 أقامت الجمعية معرض الفن الإيراني، وعادت في عام 1943 لتنظم معرضًا للمنمنمات الفارسية، وفي سنة 1936 نظمت الجمعية مرة أخرى معرضًا للفن البلجيكي وآخر للمستشرقين الفرنسيين، وفي عام 1947 نظمت الجمعية معرض الفن الدولي المعاصر، الذي ضم أجنحة لبريطانيا واليونان والصين وفرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فضلًا عن مصر، وفي عام 1950 نظمت معرضًا دوليًا للفنون التطبيقية، ومعرضًا للفن الإسباني، وكان عام 1953 حافلًا بالمعارض الدولية حيث شهد تنظيم معرض ليوناردو دافنشي ومعرض اللافتات السياحية الدولي ومعارض للفن الفوتوغرافي الهندي والأمريكي والباكستاني والبلجيكي، وفي موسم 1955/1956 احتفلت الجمعية بمرور مائة وخمسين عامًا على وفاة رامبراندت، وفي الموسم التالي نظمت الجمعية معرض الفن البيزنطي الإيطالي الذي حظي برعاية الرئيس جمال عبد الناصر.




 وفي المقابل نظمت الجمعية معارض للفن المصري في الخارج أبرزها معرض مصر فرنسا بمتحف اللوفر عام 1949، فكانت الجمعية نافذة لمصر على فنون العالم، ونافذة للعالم على الفن المصري.

 واهتمت الجمعية طوال مسيرتها بفنون الطفل، فنظمت عددًا من المعارض المحلية والدولية لرسوم الأطفال بدأتها سنة 1940، وفي فترة تولي بدر الدين أبو غازي لرئاسة الجمعية (1972-1983) أحيا معارض رسوم الأطفال، بمعرض لتلاميذ مدارس منطقة غرب القاهرة التعليمية.







 ومن المعارض التي نظمتها الجمعية أكثر من مرة المعارض المخصصة لبيع الأعمال الفنية وقد بدأت سنة 1930، وعادت الجمعية لنفس الفكرة بتنظيم معرض سوق الإنتاج الفني بهدف تشجيع اقتناء الأعمال الفنية، وكانت أسعار الأعمال تتراوح بين جنيهين وعشرة جنيهات، وأسعار أعمال الفنون التطبيقية بين 70 قرشًا وجنيه واحد.



 ومن المعارض التي تلفت النظر في نشاط الجمعية، معرض الصالات الجديدة والمقتنيات الحديثة في متحف الفن الحديث سنة 1940، وضم المعرض 194 عملًا، من بينها أعمال لرودان وديجا وديدرون وكلود مونيه ورينوار وكاربو، ومن الفنانين المصريين راغب عياد ومحمود سعيد ومحمد حسن وأحمد صبري ومختار ومحمد ناجي وعفت ناجي ومحمد عزت مصطفى وحسين يوسف أمين وحسين بيكار وأنطون حجار وجورج صباغ وحامد عبد الله وحسن حشمت وزينب عبده ومحمد يوسف همام وصدقي الجبخانجي وحبيب جورجي ومنصور فرج وغيرهم، كما خصص المتحف قسمًا لعرض أعمال السورياليين المصريين ضم أعمال ليوسف العفيفي ورمسيس يونان وكامل التلمساني وفؤاد كامل ومحمد عبد الهادي.


 وكان من ضمن أنشطة الجمعية المتكررة على مدار تاريخها تنظيم معارض للفنانين أعضاء الجمعية، كذلك تنظيم معارض فردية لبعض الفنانين مثل المعرض الشامل لمحمود سعيد الذي أقامته الجمعية عام 1951بمناسبة ثلاثين عامًا من ممارسته للفن، وعرض فيه 145 لوحة، وأقدم الأعمال المعروضة كانت لوحة المؤذن في المنصورة التي ترجع إلى عام 1921، وفي عام 1956 أقامت الجمعية معرض الرسام عبد الله، للفنان حامد عبد الله، وكان أخر معارضه قبل أن يغادر مصر إلى أوروبا، وبعدها بعشرين عامًا نظمت له الجمعية معرضًا آخر في عام 1976 افتتحه وزير الثقافة والإعلام وقتها جمال العطيفي، كما نظمت الجمعية في عام 1953 معرضًا مشتركًا لعز الدين حمودة وزينب عبد الحميد، وفي 1958 معرضًا لصلاح طاهر، وفي 1966 أقامت الجمعية معرضين فرديين لكل من يوسف عصر والحسين فوزي، وفي عام 1972 أقامت الجمعية معرضًا للفنان راغب عياد بالتعاون مع المركز الثقافي الإيطالي، ومعرضًا للفنان نحميا سعد، الذي رحل شابًا وظلت مجهولة لسنوات إلى أن قدمها للجمعية لعرضها صديقه أحمد جلال الدين رأفت، وفي 1975 أقامت الجمعية معرضًا لمحمد ناجي، كما نظمت في سنوات السبعينات التي شهدت تطورًا نوعيًا في نشاط الجمعية معارض لمارجريت نخلة ومصطفى الأرناؤوطي وسعيد الصدر وطاهر العمري.









 واهتمت الجمعية في مسيرتها الطويلة بتنظيم المعارض النوعية المتكررة، مثل معرض الفنون التطبيقية، ومعرض العرائس، ومعرض الملصقات السياحية، ومعرض الموضوع الواحد.

 كما نظمت في عام 1973 معرضًا للنحت في الهواء الطلق، وحاولت أن تحيي من خلاله جائزة مختار في النحت التي أسستها عام 1935 السيدة هدى شعراوي من خلال جمعية أصدقاء مختار، وكانت الجمعية قد قدمت جائزة باسم مختار في الصالون عام 1961.



 ومن المعارض المتميزة التي نظمتها الجمعية في السبعينات خلال تولي بدر الدين أبو غازي لرئاستها معرض المجموعات الخاصة عام 1974، وكان هدف المعرض البحث في المجموعات الخاصة عن الأعمال المجهولة لكبار الفنانين، وقد ساهم أعضاء الجمعية وأصدقائها بأعمال من مجموعاتهم الخاصة بلغ عددها 61 عملًا.






 ومن معارض تلك المرحلة معرض فن الميدالية الذي نظمته الجمعية في نوفمبر 1979 وأهدته لذكرى النحات جمال السجيني الذي يعتبر رائدًا في هذا الفن، وقد افتتح المعرض الدكتور محمود فوزي رئيس الوزراء السابق، وقد عرضت فيه الجمعية مجموعة كبيرة من الميداليات التذكارية والعملات من مصر ومن بعض المجموعات الأوروبية، وساهم أعضاء الجمعية في تقديم مجموعات من مقتنياتهم الخاصة.







 وفي يوليو 1981 أقامت الجمعية معرضًا للأعمال المقدمة للمسابقة الدولية للأمم المتحدة التي نظمتها الجمعية بالتعاون مع جمعية الأمم المتحدة في مصر.








 ونظمت الجمعية كذلك منذ بداية نشاطها معارض الكتاب وكان أولها من موسم 1924، كما نظمت معرضًا دوليًا لطوابع البريد عام 1946.

 إلى جانب المعارض الفنية والمعارض النوعية التي نظمتها الجمعية طوال مئة عام، تقوم الجمعية بالأنشطة الثقافية المتنوعة من محاضرات في الفنون والثقافة والتاريخ والحضارة، إلى تقديم العروض السينمائية ذات الصلة بالفن، كما أضافت الجمعية في فترة رئاسة الفنان صلاح طاهر لها نشاط جلسات الاستماع الموسيقي، وشهدت البرامج الثقافية في السنوات الخمسين الأخيرة من حياة الجمعية تنوعًا واضحًا في موضوعاتها، وانفتاحًا على مجالات الفنون والثقافة المختلفة، كذلك بدأت الجمعية في السنوات الأخيرة تنظم ورشًا نقدية على هامش معرض الطلائع.





 وأصدرت الجمعية مطبوعات متنوعة طوال نشاطها، فبالإضافة إلى كتالوجات المعارض، أصدرت الجمعية عدة أعداد من نشرة ثقافية في الستينيات والسبعينيات، كما أصدرت بعض الكتب في الفنون.


 ومن الجدير بالذكر هنا أنه طوال الحقبة شبه الليبرالية الممتدة من بداية العشرينيات حتى بداية الخمسينيات كانت جمعية محبي الفنون الجميلة تقوم بدور المعاون في رسم سياسة الدولة في مجال الفنون، وفي إقامة المعارض وفي تأسيس متحف الفن الحديث، سواء بما تقوم به مباشرة أو من خلال اللجان الاستشارية للفنون التي كان يصدر بتشكيلها مرسومًا ملكيًا، وكان معظم أعضائها من أعضاء جمعية محبي الفنون الجميلة؛ ففي عام 1926 صدر مرسوم ملكي بإنشاء لجنة استشارية للفنون الجميلة لها سلطة بحث "المشروعات والوسائل الخاصة بتعليم الفنون الجميلة وإنشاء المتاحف واقتناء الطرف الفنية وإقامة المعارض ونظام البعثات للخارج". وقد وضعت اللجنة لائحة للبعثات، كما وضعت تقريرًا عن سياسة لاقتناء الدولة للأعمال الفنية، وأوصت بتقرير مخصص للفنون الجميلة في ميزانية الدولة، كما دعت لأنشاء متحف الفن الحديث الذي تجمعت نواته الأولى من أعمال جيل الرواد والمبعوثين الأوائل؛ وفي سنة 1949 تعود اللجنة الاستشارية للفنون الجميلة للحياة بتشكيل جديد، ويرأسها محمد محمود خليل بك رئيس جمعية محبي الفنون الجميلة، وتشكلت اللجنة هذه المرة أيضًا بمرسوم ملكي، وكانت تتولى مجموعة من المهام مثل إنشاء الجوائز الفنية وحماية المواقع التاريخية والمناظر الطبيعية والميادين العامة وما يقام بها من منشآت وتماثيل، كما كانت تتولى مهمة إنشاء المتاحف واقتناء الأعمال الفنية، وتنظيم المعارض في مصر وتحديد مشاركات مصر في المعارض الخارجية، فضلًا عن اقتراح سياسة تعليم الفنون الجميلة، وإعانة الجمعيات الفنية ودعمها. وكانت الدولة ممثلة في علي أيوب باشا وزير المعارف ترى أن الإدارات الحكومية عاجزة عن وضع رؤية لسياسة تنمية الفنون الجميلة والنهوض بها، ومن ثم فإن اللجنة الاستشارية للفنون الجميلة يقع عليها عبء التخطيط واقتراح السياسات، وعلى الأجهزة الحكومية التنفيذ، وقد تبنت الدولة في ذلك الوقت مقترح رئيس اللجنة الاستشارية بالتوسع في إقامة متاحف للفنون الجميلة في عواصم محافظات مصر ومدنها الكبرى، بدءً بالإسكندرية وبورسعيد والسويس لكن العمل توقف بعد ذلك، واللافت للنظر أيضًا أن اللجان في معظمها جمعت ما بين العناية بالفنون التشكيلية وفنون الموسيقى والتمثيل.

 إن مسيرة جمعية محبي الفنون الجميلة في مئة عام تكشف لنا عن جوانب مهمة من تاريخ الثقافة المصرية، كما أنها تؤكد على الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في النهوض بالثقافة إذا فتحنا أمام مؤسساته النوافذ والأبواب ويسرنا سبل العمل أمامه. 

مقالي في مجلة فنون العدد 58-59 ديسمبر 22 - يناير 23 عدد خاص بمناسبة مئوية جمعية محبي الفنون الجميلة  

الثلاثاء، 4 أبريل 2023

تقديم الطبعة الجديدة من كتاب طه حسين مستقبل الثقافة في مصر 2023

  

مستقبل الثقافة في مصر سؤال متجدد

عماد أبو غازي

 



 يوافق هذا العام الذكرى الخمسين لرحيل عميد الأدب العربي، ففي شهر أكتوبر 1973 غادر طه حسين دنيانا ومصر تخوض حربها من أجل تحرير الأرض، وما زلت الذاكرة تحتفظ بمشهد الوداع المهيب الذي انطلق فيه طه حسين للمرة الأخيرة من حرم جامعة القاهرة محمولًا على أكتاف تلاميذه وتلاميذ تلاميذه في جنازة مهيبة إلى جامع صلاح الدين على الضفة الأخرى من النيل، غادرنا من جامعة القاهرة التي ارتبط بها منذ دخلها طالبًا وهي بعد جامعة أهلية، وكان أول من يحصل على درجة الدكتوراه منها، ثم أثراها بفكره، ومنحها من عقله وروحه إلى أن أصبحت الجامعة المصرية الحكومية الأولى، وخاض الرجل فيها معاركه من أجل تحرير العقل، طالبًا ثم مدرسًا فأستاذًا وعميدًا لكلية الآداب.

 وإذا كنا نحتفل هذا العام بالذكرى الخمسين لرحيل طه حسين، فهناك مناسبة أخرى مرتبطة به تمر هذا العام؛ ففي شهر ديسمبر يكون قد مر خمسة وثمانون عامًا على صدور كتابه المهم "مستقبل الثقافة في مصر"،[1] وإذا كان أبناء جيلي لم يعاصروا صدور الكتاب وما أثاره من معارك فكرية حينها، إلا أن أصداء هذه المعارك ما زالت تتردد إلى يومنا هذا، وترتفع وتيرتها مع كل طبعة جديدة من طبعات الكتاب.

 لقد استحضرنا الكتاب عند المنعطفات المهمة واللحظات الحرجة في تاريخنا، ففي عام 1992، وفي مواجهة موجة الإرهاب التي شهدتها مصر، صدرت طبعة مصورة عن الطبعة الأولى للكتاب،[2] وفي عام 1996 صدرت طبعة ثانية من الكتاب بمناسبة اقتراب الذكرى الستين لصدور طبعته الأولى،[3] وفي أعقاب ثورة 25 يناير صدرت عدة طبعات للكتاب،[4] والآن ومع اقتراب الذكرى الخمسين لرحيل العميد اختار المجلس الأعلى للثقافة إعادة إصدار "مستقبل الثقافة في مصر" ليفتتح به الاحتفاء بالذكرى.

 ومن اللافت للنظر أن كثير من القضايا التي طرحها طه حسين في كتابه ما زالت مطروحة للنقاش، وبعض المشكلات التي تعرض لها وقدم تصوراته لحلولها عالقة إلى الآن لم تجد لها حلًا، فالكتاب رغم مرور كل هذه السنوات ما زال مثيرًا للنقاش، ليس فقط باعتباره علامة من علامات تاريخ الفكر والثقافة في مصر، بل كذلك لأن القضايا التي طرحها حية إلى الآن.

 والكتاب من الأعمال الأساسية التي اهتمت بوضع تصور واضح ومتكامل لخطة للتكوين المعرفي للإنسان المصري، ويسبقه في هذا المجال كتاب رفاعة رافع الطهطاوي "المرشد الأمين للبنات والبنين"، الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1875 بعد وفاة مؤلفه بعامين.[5]

 وبعد صدور كتاب طه حسين بحوالي خمسة وخمسين عامًا أصدر تلميذه سليمان حزين الجغرافي والمفكر المصري البارز كتابه "مستقبل الثقافة في مصر العربية" الذي صدرت طبعته الأولى عام 1994،[6] في وقت تجدد فيه الحديث عن مشكلات منظومة التعليم في مصر.[7]

 وربما يكون من المفيد لفهم جانب من جوانب تطور فكر النخبة المثقفة في مصر المقارنة بين الرؤى الثلاث.[8]

 وربما يمكن كذلك أن نعتبر أن كتاب الدكتور طه حسين الذي صدر سنة 1938 "مستقبل الثقافة في مصر" من أقدم الخطط المستقبلية على المستوى القطاعي،[9] ورغم أنه لم يكن يشغل موقع المسئولية التنفيذية في ذلك الحين إلا أنه من واقع خبراته الحياتية ورؤيته كمفكر منحاز للتقدم نجح في أن يقدم هذه الخطة المستقبلية التي سعى إلى تنفيذ بعضها عندما تولى منصب وزير المعارف العمومية في حكومة الوفد الأخيرة (12 يناير 1950-27 يناير 1952).

 لقد كان طه حسين مفكرًا مهمومًا بالمستقبل، مستقبل وطنه، ومستقبل الأجيال الجديدة، ومستقبل الفكر والعلم والثقافة، وهو مثل كثير من المستقبليين ينطلق إلى المستقبل من دراسة الماضي، وكان ينظر إلى الماضي من زاويتين: الزاوية الأولى الماضي/التاريخ/التراث كحجر عثرة في طريق التقدم بسبب أسلوب تعاملنا معها، وتحويله إلى مقدس غير قابل للنقد والنقض، والزاوية الثانية الماضي/التاريخ/التراث كنقطة انطلاق نحو المستقبل نتعامل معه برؤية نقدية ونأخذ منه ونبني عليه باعتباره مكون من مكونات الهُوية.

 وقبل كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" (1938)، تعامل طه حسين مع التراث برؤية تتطلع إلى بناء عقلية نقدية لدى أجيال المستقبل من طلابه في الجامعة عندما وضع الشعر الجاهلي على محك النقد مستخدمًا الشك المنهجي في التعامل مع نصوصه، وعندما أصدر محاضراته تلك في كتاب "في الشعر الجاهلي" عام 1926، وأثار الكتاب وقتها عاصفة من الهجوم على طه حسين، وصلت به إلى المثول أمام النيابة العامة.

 وفي عام 1953 أكمل طه حسين مشروعه لدراسة التاريخ الإسلامي المبكر بصدور الجزء الثاني من "الفتنة الكبرى" عليّ وبنوه، وكان هنا أيضًا دارسًا للتاريخ متطلعًا إلى المستقبل، من خلال سعيه لإقرار النقد التاريخي منهجًا في التعامل مع أحداث عصر الخلفاء الراشدين بعيدًا عن إضفاء القداسة على التاريخ.

 وفي مستقبل الثقافة في مصر انطلق طه حسين أيضًا من الماضي ليبني تصوراته للمستقبل، مستقبل الثقافة، التي رأى فيها مدخلًا لمستقبل الوطن.


 السياق التاريخي

  لقد صدر كتاب مستقبل الثقافة في مصر في النصف الثاني من عام 1938، لكن فكرة الكتاب راودت طه حسين قبلها بعامين، أي في عام 1936، فبعد توقيع معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا العظمى، والتي حققت لمصر خطوة جديدة في طريق استقلالها الكامل، وقتها شعر قطاع واسع من المصريين أن وطنهم ينطلق نحو آفاق جديدة، الأمر الذي دفع عددًا من شباب الجامعة إلى التوجه نحو أساتذتهم لسؤالهم عن المستقبل، و"عما يرون في واجب مصر بعد إمضاء المعاهدة مع الإنجليز"، ورأى طه حسين أن إجابته على أسئلة الشباب كانت مقتضبة، وأن الأمر يحتاج إلى مزيد من الإسهاب، ومن هنا جاءت فكرة كتاب يتناول فيه رؤيته لما ينبغي أن يكون عليه حال التعليم والثقافة في مصر في عهدها الجديد، باعتبارهما المدخل لكل تقدم نرجوه.

 وجاءت مناسبة تأليف الكتاب عندما ندبته وزارة المعارف لتمثيلها في مؤتمر عُقد في باريس للجان الوطنية للتعاون الفكري[10] في صيف عام 1937، كما ندبته الجامعة لتمثيلها في مؤتمر التعليم العالي في باريس في صيف العام نفسه أيضًا، فقرر أن يؤلف هذا الكتاب بدلًا من أن يقدم تقريرين عن مشاركته في المؤتمرين للمسؤولين في الوزارة والجامعة، فقد توقع أن المسؤولين عادة لا يلقون بالًا إلى ما يقدم إليهم من تقارير، بينما الكتاب الذي سيبذل في تأليفه جهدًا أكبر ويقدم فيه رؤية مكتملة سيلقى نصيب أكبر من الاهتمام.

 استهل طه حسين كتابه بعبارة يمكن أن نعتبرها مفتاحًا للكتاب كله؛ قال: "الموضوع الذي أريد أن أدير فيه هذا الحديث هو مستقبل الثقافة في مصر التي ردت إليها الحرية بإحياء الدستور، وأُعيدت لها الكرامة بتحقيق الاستقلال"؛ إذًا فالدستور والاستقلال هما مدخل هذا الكتاب، وهما السبب المباشر في تأليفه.

 لقد صدر الكتاب ومصر قد دخلت عصرًا جديدًا، أنهت فيه مرحلة صعبة في تاريخها، وحصلت على قدر من استقلالها، واستعادت سيادتها على شأنها الداخلي، واستعاد شعبها بتضحيات أبنائه حياته الديمقراطية ودستوره الذي سلبته دكتاتورية فؤاد وصدقي.

 ولكي نستطيع أن نفهم محتوى الكتاب والرؤية التي قدمها طه حسين فيه، لابد أن نعود بضع سنوات إلى الوراء، تحديدًا إلى عام 1930، ففي ذلك العام دخلت البلاد في أزمة استمرت ست سنوات؛ فبمجرد أن انتهت مفاوضات النحاس هندرسون من أجل استقلال مصر إلى الفشل، بدأت محاولات الملك فؤاد لعرقلة عمل حكومة الوفد بالامتناع عن إصدار القوانين التي تقدمها الحكومة ويقرها البرلمان، وقبل أن ينقضي عام 1930، كان الملك قد نجح في التخلص من حكومة الوفد، وعين إسماعيل صدقي باشا رئيسًا للوزراء دون أغلبية برلمانية، ثم عطل البرلمان وألغى دستور 1923 الذي يقيد سلطاته، واستبدل به دستور 1930 الذي يركز السلطة في يد الملك وحكومته على حساب سلطة الأمة، ليبدأ أطول انقلاب دستوري في الحقبة شبه الليبرالية.

  خلال تلك السنوات جرى التعدي على الحريات ومصادرة الصحف، ونال المثقفون نصيبهم من هذا الانقلاب، فسُجن العقاد، وفُصل حافظ إبراهيم من عمله، ومنعت الحكومة إقامة تمثالي مختار لسعد زغلول في القاهرة والإسكندرية، ونقل طه حسين من الجامعة إلى ديوان وزارة المعارف، فاستقال أحمد لطفي السيد مدير الجامعة دفاعًا عن استقلالها.

 وفي نوفمبر 1935 انتفض طلاب الجامعة المصرية مطالبين بإقالة الحكومة وعودة دستور 1923، محتجين على تصريح السير صمويل هور وزير الخارجية البريطاني يوم 9 نوفمبر 1935، وقال فيه: "لا صحة إطلاقا إننا نعارض في عودة النظام الدستوري لمصر، بشكل يتفق مع احتياجاتها، فنحن انطلاقا من تقاليدنا لا نريد أن نقوم بذلك ولا يمكن أن نقوم به، فقط عندما استشارونا في الأمر، أشرنا بعدم إعادة دستور 23 ولا دستور 30، لأنه قد ظهر أن الأول غير صالح للعمل به، والثاني غير مرغوب فيه"، لقد فضح التصريح الحكومة المصرية التي لا تستطيع أن تتخذ قرارًا في شأن داخلي، وكشف موقف بريطانيا المعارض لعودة دستور 1923.

 كان رد الفعل الشعبي سريعًا وقويًا، فقد نشرت صحف 10 نوفمبر 1935 التصريح مهاجمة إياه، وفي يوم 11 نوفمبر جاءت المبادرة من جانب الطلاب، فاجتمعت اللجنة التنفيذية العليا التي تمثل اتحاد طلاب الجامعة، وأصدرت نداءً وطنيًا بمناسبة عيد الجهاد الوطني[11]، نشرته صحف 12 نوفمبر، دعت فيه إلى أن يحتفل طلبة الجامعة والأمة بهذا اليوم احتفالًا يليق بجلال هذه الذكرى، وأعلن بيان اللجنة بدء الجهاد من أجل الدستور والاستقلال، وكان الطابع الغالب على الحركة عند بدايتها، الوحدة والبعد عن التحزب.

 وفي صبيحة يوم 13 نوفمبر خرجت المظاهرات من الجامعة ومن دار العلوم والأزهر وبعض المدارس الثانوية في القاهرة وخارجها، وتواصلت لعدة أيام سقط فيها عشرات الجرحى والشهداء، كان أشهر هؤلاء الشهداء الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي شهيد كلية الآداب الذي أصيب بالرصاص في مظاهرة 14 نوفمبر واستمر يصارع الموت خمسة أيام، وكانت متابعة الصحافة لإخباره يومًا بيوم سببًا في التفاف مشاعر الأمة حول الشاب الذي كان في العشرين من عمره، وكانت الرسائل التي يبعث بها من سريره وهو بين الحياة والموت سببًا في حفز همم المصريين واشتعال الموقف ضد الحكومة وضد الاحتلال، وتواصل الحراك الشعبي حتى اضطر الملك فؤاد إلى إعلان عودة دستور 1923 يوم 12 ديسمبر 1935، والدعوة لانتخابات عامة عادت بحزب الوفد إلى الحكم.[12]

 فتحت هذه الانتفاضة التي عرفت بثورة الشباب الطريق لتشكيل حكومة جبهة وطنية بقيادة الوفد المصري دخلت في مفاوضات مع بريطانيا، انتهت إلى توقيع معاهدة 1936، التي انتقلت باستقلال مصر خطوات إلى الأمام، رغم ما وجهته بعض القوى السياسية لها من انتقادات، وفتحت هذه المعاهدة الطريق لتوقيع معاهدة مونترو سنة 1937 والتي انهت الامتيازات للأجانب في مصر، وساوت بينهم وبين المصريين أمام القانون لأول مرة منذ عقود طويلة.

 هذه هي الأجواء التي ألف فيها طه حسين كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، محاولًا رسم خارطة طريق لمستقبل مصر المستقلة الديمقراطية من خلال تكوين المواطن المصري بالتعليم والثقافة؛ فكما قال في كتابه: "وقد كانت شعوب كثيرة من الناس في أقطار كثيرة من الأرض تعيش حرة مستقلة، فلم تغن عنها الحرية شيئًا، ولم يُجد عليها الاستقلال نفعًا، ولم تعصمها الحرية والاستقلال من أن تعتدي عليها شعوب أخرى تستمتع بالحرية والاستقلال، ولكنها لا تكتفي بهما ولا تراهما غايتها القصوى، وإنما تضيف إليهما شيئًا آخر أو أشياءً أخرى، تضيف إليهما الحضارة التي تقوم على الثقافة والعلم، والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم، والثروة التي تنتجها الثقافة والعلم، ولولا أن مصر قصرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها، ولما احتاجت إلى هذا الجهاد العنيف الشريف لتسترد الحرية وتستعيد الاستقلال."

 كانت هذه هي الفكرة المسيطرة على طه حسين في كتابه: ضرورة الحفاظ على الحرية والاستقلال، وقد تولدت لديه هذه الفكرة من الأجواء التي عاشتها مصر في السنوات السابقة على تأليف الكتاب.

 بنية الكتاب

 بعد المقدمة التي روى فيها طه حسين قصة تأليفه للكتاب وما دفعه إلى إملائه، يتكون الكتاب من ستين موضوعًا متفاوتة الطول،[13] ينقلنا كل موضوع منها إلى الموضوع التالي له بسلاسة، ويدور كل موضوع منها حول فكرة محددة يناقشها طه حسين بإسهاب، وتقودنا إلى الموضوع التالي الذي يحمل فكرة جديدة مبنية غالبًا على الفكرة السابقة عليها، وربما نستطيع أن نعتبر كل موضوع من هذه الموضوعات فصلًا من فصول الكتاب.

 يفتتح طه حسين كتابه بفصل يعرض فيه بإيجاز فكرته الأساسية التي تجعل من الثقافة والعلم أساسًا للحضارة والاستقلال، ومن المجد القديم دافعًا لبناء مستقبلنا، يؤكد أن سبيلنا لبناء المستقبل "أن نأخذ أمورنا بالحزم والجد، وأن نعرض عن الألفاظ التي لا تغني، إلى الأعمال التي تغني، وأن نبدأ في إقامة حياتنا الجديدة من العمل الصادق النافع على أساس متين."

 ويمكن أن نقّسم الكتاب بعد هذا الفصل إلى قسمين رئيسيين، الأول صغير يتضمن الفصول من الثاني إلى الثاني عشر، وتدور كلها حول الهوية المصرية، بينما تدور باقي فصول الكتاب حول أوضاع التعليم والثقافة في مصر، ويشغل هذا القسم معظم صفحات الكتاب، من خلال سبعة وأربعين فصلًا، ويمكن أن ينقسم بدوره إلى موضوعات ترصد أوضاع التعليم ومشكلاته، وموضوعات تسعى لمحاولة تقديم مقترحات تفصيلية لحلها، ثم ثمانية موضوعات يناقش خلالها وضع الثقافة والمثقفين.

 وفي الفصل الأخير الذي يمكن أن نعتبره بمثابة خاتمة للكتاب، يؤكد تفاؤله بالمستقبل، لأنه يرى "شجرة الثقافة المصرية باسقة، فقد ثبتت أصولها في أرض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد، وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح"، هكذا يختم طه حسين كتابه بحلمه وأمله في المستقبل الذي اتخذه عنوانًا للكتاب.

 هُوية مصر وعالم البحر المتوسط

 بدأ طه حسين كتابه بالبحث في الهُوية، هُوية مصر وانتمائها، ربما كانت الفصول التي تدور حول الهوية هي أكثر ما أثار الجدل والنقاش حول كتاب مستقبل الثقافة في مصر، في حين صدور الكتاب، وإلى الآن، بل حول طه حسين نفسه.

 ناقش طه حسين قضية الهوية في وقت كانت مصر قد انسلخت حديثًا انسلاخًا كاملًا من الإطار العثماني، واستكملت بناء هويتها القومية المصرية بعد ثورة 1919 التي توجت نضالًا ممتدًا من أواخر القرن الثامن عشر، لكن كانت هناك بقايا لمقاومة فكرة القومية المصرية، وكانت هناك تيارات ترفض الجديد وتحاول إعادة مصر إلى زمن سابق، وإذا كان البحث عن الهُوية مفهومًا في تلك الفترة التي كانت مصر تمر فيها بمنعطفًا تاريخيًا، فالغريب أن يستمر البحث عن هويتنا بعد مرور كل هذه السنوات.

 لقد كان طه حسين يرى أن مستقبل الثقافة بمصر مرتبطًا بماضيها والبعيد وحاضرها القريب، ويدعونا لفهم حقيقة ماضينا وحاضرنا؛ ومن هنا طرح سؤاله الأساسي: أمصر من الشرق أم من الغرب؟

 والشرق والغرب اللذان يعنيهما، الشرق الثقافي والغرب الثقافي، فهو يرى أن هناك ثقافتان متعارضتان، أو نوعين من التفكير، نجد الأول في أوروبا منذ العصور القديمة، ونجد الثاني في أقصى الشرق منذ العصور القديمة أيضًا، وهو يميز دومًا بين الشرق الأقصى والشرق القريب، فما يعنيه بالشرق عادة اليابان والصين والهند وما جاورهم، فهو يتساءل ثانية: أيهما أيسر على العقل المصري؛ أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني، أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الإنجليزي؟

 وفي هذا السياق يوجه انتقاده لدعوة الرابطة الشرقية[14] التي تحاول ربط مصر ببلاد الشرق الأقصى ويتعجب منها.

 ويرى طه حسين أن مصر في تاريخها كانت مرتبطة بالشرق القريب، أي فلسطين والشام والعراق، وأن التأثير الثقافي والحضاري استمر بين مصر والشرق القريب، وأن مصر وهذا الشرق القريب كانا دومًا مرتبطان بعالم البحر الأبيض المتوسط، الذي استمدت الحضارة اليونانية أقدم حضارات الشاطئ الآخر له أصول أفكارها وثقافتها من الحضارة المصرية القديمة، ومع ازدهار الحضارة في بلاد اليونان القديمة بدأ التأثير المتبادل بينها وبين الثقافة المصرية، وبينها وبين ثقافات الشرق القريب، شرق المتوسط، وإذا كانت الحضارة الأوروبية الحديثة قد قامت على دعائم الحضارتين اليونانية والرومانية، فهي بالتالي تملك جذورًا مصرية قديمة.

 ويذهب أبعد من ذلك حينما يربط بين الإسلام والمسيحية والحضارة الأوروبية، ويؤكد أن كلا الديانتين ظهرتا في الشرق القريب وأثرتا في أوربا، فأصبحت المسيحية العقيدة الدينية الأساسية في القارة الأوروبية، وأسهمت الحضارة الإسلامية في الحفاظ على التراث القديم لليونان ونقلته عنها أوروبا في عصر نهضتها، ويرى أن العقل الإسلامي كالعقل الأوروبي، وأن الفلسفة المسيحية والفلسفة الإسلامية كلتهما تأثرت بالفلسفة اليونانية، ويخلص في النهاية إلى أن الإسلام والمسيحية يشكلان مكونين أساسيين في عالم البحر الأبيض المتوسط.

ويرد على مقولة كانت شائعة وما تزال فحواها أن حضارة الغرب مادية وحضارتنا روحية، وإن الغرب أصبح زاهدًا في ماديته بسبب ما جلبته عليه من ويلات، ويقول: "الذين يخوضون في أحاديث الشرق والغرب عندنا يجهلون الشرق والغرب جميعًا في أكثر الأحيان، لأنهم يعرفون ظواهر الأشياء ولا يتعمقون حقائقها."

 ويجادل طه حسين بالمنطق والقياس الرافضين المفترضين لفكرته القائلة بأن العقل المصري جزء من العقل الغربي، بمعنى العقل الذي تأسس في حضارات البحر الأبيض المتوسط، ويربط النهضة الحديثة التي بدأت في مصر منذ بدايات القرن التاسع عشر بالنموذج الأوروبي، ويدعونا "أن نلائم بين آرائنا وأقوالنا وأعمالنا، وألا ننكر الحضارة الأوروبية ونحن مقبلون عليها غارقون فيها".

ويرى أنه "إذا كان هناك شر يجب أن نحمي منه أجيال الشباب فهو هذا العلم الكاذب، الذي يكتفي بظواهر الأشياء ولا يتعمق حقائقها، فلننظر كيف نرد عن أجيال الشباب هذا الشر، وليس إلى ذلك سبيل، إلا أن نقيم ثقافة الشباب على أساس متين."

 وهو هنا لا يدعو إلى التبعية لأوروبا، لكنه ينادي بالاستعداد بعلوم أوروبا ونظمها لمواجهة أي خطر يداهمنا من قبلها أو من قبل غيرها.

 فهل كان طه حسين يدعو إلى الابتعاد عن العروبة، أو فصل مصر عن العالم الإسلامي؟ بالقطع الإجابة بالنفي، فهو متمسك أشد التمسك باللغة العربية، وهو يؤكد أن الدين أحد مكونات الهوية، لكنه يفصل بين الانتماء القومي المصري الذي يقوم على أساس المواطنة والمكونات الأخرى للهوية كاللغة والعقيدة الدينية.

قضايا التعليم

  ينتقل طه حسين بعد ذلك إلى القسم الأكبر والأهم من كتابه والذي يناقش فيه قضايا التعليم في مصر، وما يعانيه من مشكلات، وما يقترحه من حلول لها، ويعتبر أن التعليم يلعب الدور الأكبر في التكوين الفكري والمعرفي للإنسان.

 ويدور فكر طه حسين عن التعليم حول ثلاثة محاور رئيسية، أولها التعليم والهوية القومية، وثانيها دور التعليم في الحفاظ على الديمقراطية والاستقلال الوطني، وثالثها التعليم والعدالة الاجتماعية، ومن خلال هذه الركائز الثلاثة في فكر الرجل نستطيع أن نفهم كل أفكاره حول المستقبل المرجو للتعليم.

 وينطلق في مناقشته للتعليم من قضية الهوية، فهو يرى أن ما يتلقاه الإنسان في مراحل التعليم المختلفة يشكل وجدانه وأفكاره وثقافته، ومن هنا يلح على أهمية التركيز على المكونات التراثية للشخصية القومية، خاصة في مرحلة التعليم الأولي، ويحدد هذه المكونات في التاريخ والجغرافيا واللغة ثم الدين، ويؤكد على ضرورة تحقيق وحدة التعليم المبني على مكونات الهوية القومية، وهي في وجهة نظره الهوية القومية الوطنية، وليست القومية القائمة على الدين، أي القومية المصرية.

 ويرصد تعدد أنماط التعليم في مصر ما بين تعليم رسمي وتعليم خاص وتعليم أجنبي وتعليم ديني أزهري، ويؤكد أنه لا يرفض التعددية في أنماط التعليم، فليس من الحكمة أن يكون لدينا نمط واحد من المتعلمين، لكنه يريدها تعددية تلتزم بمكونات الهُوية القومية، بمعنى أنه من الضروري أن تلتزم المدارس بأنماطها المختلفة بتدريس تاريخ مصر وجغرافيتها، وتلتزم بتدريس اللغة العربية، ولا يستثني من ذلك المدارس الأجنبية القائمة في مصر، أم تدريس الدين، فهو يرى أن هناك رأيين في هذا الأمر الأول يرى أن التكوين الديني مسئولية الأسرة، والثاني يرى أنه مسئولية المدرسة، وينتهي إلى أنه لما كانت المدارس الرسمية تقوم بتدريس الدين، فلابد من أن تلتزم بتدريسه الأنماط الأخرى من المدارس بنفس القدر.

 ويرى أن هذا التكوين المعرفي كفيل بإعداد مواطن قادر على الدفاع عن الديمقراطية والاستقلال الوطني، لكنه في الوقت نفسه يوقن أن تحقيق هذا التكوين يحتاج إلى الاهتمام بتأهيل المعلم، والارتقاء بأوضاعه المادية، والنظر إلى محتوى المقررات الدراسة، وأساليب التدريس، والتقويم.

 ويرفض طه حسين ربط الحق في التعليم بالمستوى الاجتماعي، فهو يعتقد محقًا أن الحصول التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان، لا يمكن أن يحرم منه الفقراء، ويتبنى فكرة الوصول إلى مجانية التعليم تدريجيًا، ويرفض دعوات الحد من التوسع في التعليم العام بدعوى انعدام فرص العمل للخريجين، ويرى أن القضاء على البطالة مسئولية الدولة بالدرجة الأولى.

 أما الجامعة فما تحتاجه من وجهة نظره حتى تكون جامعة بحق أمرين: "أحدهما أن تبلغه الآن، وقد كان يجب أن تبلغه منذ أنشئت وهو الاستقلال الصحيح، والثاني تستطيع أن تبلغه شيئًا فشيئًا وتصل إليه قليلًا قليلًا، وهو الثروة وسعة اليد"، ويرى أن الدولة بسياساتها التعليمية في التعليم العام، وبتعديها على استقلال الجامعة هي السبب في جل مشكلات التعليم الجامعي.

 ويناقش في فصلين قصيرين التعليم الديني في الأزهر، والتعليم الديني للأقباط، فيدعو إلى تطويرهما ليتوافقا مع متطلبات العصر.

الثقافة والمثقفون

 يؤكد طه حسين أن الثقافة ليست محصورة في المدارس والمعاهد، وأن تنظيم شئون التعليم وحده ليس كافيًا من أجل تحقيق المستقبل الذي نرنو إليه للثقافة المصرية، وهو يرى أن العمل الثقافي مسئولية مشتركة بين الدولة والشعب.

 ويرى أن هذه المسئولية المشتركة بين الدولة والشعب ينبغي أن تتجه نحو تمكين المثقفين من أن ينتجوا ما يضيف إلى الثقافة المصرية ويجددها، وأن يتعاونوا على تحقيق الصلة بين مصر والثقافات الأجنبية، ومن هنا يدعو للاهتمام بالترجمة، كما يدعو إلى الاهتمام بالعمل الثقافي العربي المشترك.

 ويطرح فكرة مهمة لتطوير العمل الأهلي في مجال الثقافة والعلوم والفنون من خلال إنشاء مجمع مصري يضم الهيئات المختلفة القائمة بالفعل والعاملة في هذه المجالات، بهدف التنسيق بينها، وتوفير دعم الدولة لها بشكل منظم.

  يتناول طه حسين في الفصول الأخيرة قضية الرقابة على الإذاعة والسينما والصحافة، ويرى محقًا، أن القارئ سيدهش من دعوته للرقابة على هذه الوسائط وهو داعية من دعاة الحرية، فقد كان يرى في هذه الوسائط مخاطر على تثقيف الشعب لو أسيء استخدامها، كما كان يرى في السينما تلك الوافدة الجديدة خطر على فن المسرح!

 والرقابة التي يقصدها هنا تختلف عن رقابة الدولة التي تحد من الحريات، والتي كانت تتولاها في ذلك الزمن إدارة الأمن العام أو إدارة المطبوعات، أنما كان يدعو إلى "تنظيم هيئات من المثقفين تشرف من بعيد على حياة هذه الأدوات الثلاثة"، ومن هنا طالب بأن تتولى نقابة الصحفيين الإشراف على حياة الصحافة وتوجيهها إذا حادت عن الصواب، وأن تتشكل هيئة من المثقفين لمتابعة عمل الإذاعة، وأخرى للرقابة على السينما.

 وبعد...

 ونحن أمام طبعة جديدة من كتاب مستقبل الثقافة في مصر، علينا أن نتوقف عند الكلمات التي ختم بها طه حسين كتابه قائلًا:

"فإن مصر التي انتصرت على الخطوب، وثبتت للأحداث وظفرت بحقها من أعظم قوة في الأرض في هدوء وأناة وثقة بالنفس وإيمان بالحق، خليقة أن تنتصر على نفسها وتظهر على ما يعترض طريقها من العقاب، وترد إلى نفسها مجدًا قديمًا عظيمًا لم تنسه ولن تنساه".

 ونتسأل: هكذا كان الحلم وكان الأمل، فترى إين نحن منهما بعد مرور خمسة وثمانين عامًا؟



[1] انتهى طه حسين من كتابه في 31 يولية 1938، وصدر الكتاب في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر من نفس العام.

[2] في أعقاب اغتيال المفكر الليبرالي فرج فودة صدرت سلسلة المواجهة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي أعادت نشر عددًا من كتب رواد الفكر المصري والعربي التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن الأول من القرن العشرين، وشارك في اختيار عناوينها الدكتور جابر عصفور، وكان من بين ما نشر فيها "مستقبل الثقافة في مصر".

[3] صدرت هذه الطبعة التي تحمل على غلافها الطبعة الثانية عن دار المعارف، بمقدمة للدكتور أحمد فتحي سرور الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس الشعب وقتها، والمقدمة جزء من كلمة ألقاها في جامعة المنيا عندما كان وزيرًا للتربية والتعليم، وفي وقت صدورها كانت هناك مناقشات دائرة حول مشكلات التعليم العام في مصر.

[4] كانت أولها الطبعة التي صدرت عن دار الكتب والوثائق القومية في سلسلة الثورة والحرية، وكان يشرف على تحريرها الدكتور أحمد زكريا الشّلق أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس، وهي مصورة عن طبعة دار المعارف الثانية، لكنها صدرت بدون تقديم الدكتور أحمد فتحي سرور.

[5] رفاعة رافع: كتاب المرشد الأمين للبنات والبنين، ط. 1، مطبعة المدارس الملكية، القاهرة، 1292 هجرية؛ وقد صدرت عدة طبعات من الكتاب في السنوات الأخيرة، بعضها مصورة عن الطبعة الأولى.

[6] سليمان حزين: مستقبل الثقافة في مصر العربية، ط. 1، دار الشروق، القاهرة، 1994.

[7] شهدت مرحلة التسعينيات من القرن الماضي مناقشات موسعة حول مشكلات منظومة التعليم في مصر في الفترة التي تولى فيها الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزارة التربية والتعليم وحاول أن يقوم بعملية إصلاح واسعة في المنظومة التعليمية خلال فترة توليه الوزارة.

[8] طرح فكرة المقارنة بين كتابي طه حسين وسليمان حزين الدكتور حامد عيد (مستشارنا الثقافي السابق بالمغرب ومؤسس مركز تاريخ العلوم بكلية العلوم بجامعة القاهرة والأستاذ بالكلية) في أكثر من مقال ومداخلة له.

[9] هناك كتاب لوكيل نظارة المعارف يعقوب بك أرتين صدر سنة 1894 بالفرنسية، وترجمه علي بهجت إلى العربية في نفس العام، ويتناول فيه أوضاع التعليم العام في مصر، لكنه أقرب إلى تقرير عن الواقع منه خطة للمستقبل؛ يعقوب أرتين: القول التام في التعليم العام، ترجمة: علي بهجت، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1894، هذا وقد أعيد طبع الكتاب في نسخة مصورة في سلسلة ميراث الترجمة، التي تصدر عن المركز القومي للترجمة، كما أعادت نشره مؤخرًا مؤسسة هنداوي.

[10] اللجنة الدولية للتعاون الفكري (CICI)، جهاز تابع لعصبة الأمم كان مقرها الرئيسي بجنيف، واستمرت بين عامي 1922 و1946، وكانت لجنتها التنفيذية هي المعهد الدولي للتعاون الفكري (IICI)، ومقرها بباريس، وتأسست في عام 1925، واستمرت في عملها حتى عام 1946، وتعتبر اللجنة وهيئتها التنفيذية من الهيئات التي مهدت لتأسيس منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم؛ انظر:

https://web.archive.org/web/20170730044004/http://www.unesco.org:80/new/ar/education/about-us/who-we-are/history/

[11] كان عيد الجهاد الوطني يوافق يوم 13 نوفمبر من كل عام، ذكرى اليوم الذي توجه فيه سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي للقاء السير وينجت المعتمد البريطاني في مصر، لمطالبته بإنهاء الأحكام العرفية والسماح لهم بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس للمطالبة باستقلال مصر، ويعتبر ذلك اليوم نقطة الانطلاق لثورة 1919، وقد ظلت مصر تحتفل بهذا اليوم كعيد من أعيادها الوطنية حتى عام 1953.

[12] لمزيد من التفاصيل حول الأحداث التي مرت بها مصر بين عامي 1930 و1936، انظر: عبد الرحمن الرافعي: في أعقاب الثورة المصرية ثورة 1919، ج2، ط3، دار المعارف، القاهرة، 1988؛ عبد العظيم رمضان: تطور الحركة الوطنية في مصر من سنة 1918 إلى سنة 1936، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1968؛ ضياء الدين الريس: الدستور والاستقلال والثورة الوطنية، جزءان، مطبوعات الشعب، القاهرة، 1975 و1976؛ حمادة إسماعيل: انتفاضة 1935 بين وثبة القاهرة وغضبة الأقاليم، دار الشروق، القاهرة، 2005؛ عاصم محروس: الطلبة والحركة الوطنية في مصر 1922 ـ 1952، دار الكتب والوثائق القومية، 2009.

[13] لا توجد في الطبعة الأولى عناوين لموضوعات الكتاب، مجرد أرقام لموضوعات من رقم واحد إلى رقم ستين، بينما كان الفهرس يتضمن ملخصًا شديد الإيجاز لكل موضوع، وقد أضيفت العناوين في الطبعة الثانية الصادرة عن دار المعارف، وجميع العناوين مأخوذة من ملخص الموضوعات بالفهرس.

[14] ظهرت دعوة الرابطة الشرقية في عشرينيات القرن العشرين، انظر:

https://shamela.ws/book/6947/3260

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=11052021&id=7b2c38b1-34a6-40eb-9e74-0fdc05712e22

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...