الخميس، 13 يناير 2022

الاقتصاد البرتقالي

 



الاقتصاد البرتقالي وآفاق التنمية

عماد أبو غازي

 انتشرت في مجال الاقتصاد المصطلحات التي تضفي ألوانًا معينة كسمات دالة على الاقتصادات المختلفة، وتجاوزت ألوان أنواع الاقتصادات اليوم عشرة ألوان؛ وفي هذا السياق ظهر مصطلح "الاقتصاد البرتقالي" كمصطلح من المصطلحات المستخدمة للتعبير من خلال الألوان عن نوع من أنواع الاقتصاد وتوجهه ومحتواه.


 يشير مصطلح الاقتصاد البرتقالي إلى الأنشطة الاقتصادية التي تجمع بين الموهبة والإبداع والتكنولوجيا والثقافة، ويتم فيها تحويل الأفكار إلى سلع وخدمات ثقافية، وتجني عوائدها من خلال حقوق الملكية الفكرية والحقوق المجاورة؛ حيث يشمل الاقتصاد الإبداعي أو البرتقالي الثروة الهائلة التي تتكون من اجتماع المواهب وحقوق الملكية الفكرية والتراث الثقافي، وبهذا المعنى فإن المصطلح يعتبر تطورًا لمفهوم الصناعات الثقافية أو الصناعات الإبداعية.

  فالاقتصاد البرتقالي أو الإبداعي يجمع قطاعات مختلفة من الاقتصاد معًا، ووفقًا لليونسكو، يتمثل هدفها الرئيسي في تسويق الأنشطة والخدمات والمنتجات، أو النشر، أو الترويج، أو الاستنساخ، أو الإنتاج الذي يحتوي على محتوى تراثي أو فني أو ثقافي، وترتبط منتجاتها أو خدماتها بالملكية الفكرية مثل ألعاب الفيديو والراديو وبرامج التلفزيون والإعلان والموسيقى والأزياء والألعاب والبحث والتطوير والنشر والتصميم والأفلام والحرف اليدوية والفنون المرئية وفنون الأداء والتصميمات المعمارية.

  متى ظهر المصطلح؟

 يرجع ظهور مصطلح الاقتصاد البرتقالي على الساحة لأول مرة إلى سنوات قليلة مضت؛ وذلك عندما أصدر الكولومبيان فيلبي بويتراجو - ريستريبو (Felipe Buitrago - Restrepo) وإيفان دوكي - ماركيز Iván Duque Márquez)) في عام 2013 كتابًا أو دليل عمل يحمل عنوان "الاقتصاد البرتقالي فرصة لا نهائية" (The Orange Economy – An Infinite Opportunity).

 ويجمع المؤلفان بين خبرات في العمل السياسي والقانوني والاقتصادي والثقافي؛ فأولهما: بويتراجو -ريستريبو متخصص في الاقتصاد والسياسات العامة، بدأ حياته المهنية في وزارة الثقافة الكولومبية، حيث عمل بين عامي 2003 و2006 كمنسق لبرنامج الاقتصاد والثقافة، وساهم في بناء نظام المعلومات الاقتصادية في المجال الثقافي كأداة لاتخاذ القرارات العامة والخاصة، كما شارك في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وعمل مديرًا لبرنامج تطوير الاقتصادات الإبداعية في المجلس الثقافي البريطاني في عام 2009، ثم في عامي 2010 و2011 مديرًا للمرصد الأيبيري الأمريكي لحقوق التأليف والنشر، وتولى مؤخرًا منصب وزير الثقافة لشهور قليلة؛ وثانيهما: دوكي - ماركيز محامي وسياسي ومشرّع كولومبي، ينتمي إلى يمين الوسط، انتخب رئيسًا للجمهورية في عام 2018، وكان قد تخصص منذ البداية في القانون الاقتصادي الدولي وإدارة السياسات العامة، وعمل في وزارة المالية، كما عمل في بعض المؤسسات الثقافية والاقتصادية في كولومبيا، حتى انتخب نائبًا في البرلمان عن حزب "الوسط الديموقراطي"  (Centro Democrático)عام 2014، وساهم خلال عضويته في البرلمان في صياغة عدد من القوانين منها: "القانون البرتقالي" الذي صدر سنة 2017 بهدف تحقيق ضمانات الترويج للصناعات الإبداعية والثقافية وتنميتها وحمايتها في كولومبيا.

 وجاء كتابهما كعمل إبداعي في حد ذاته، فنحن أمام نص غير تقليدي، نص تفاعلي تتخلله صفحات بيضاء لنكتب تعليقاتنا فيها، كما أنه مليء بأكواد QR تقودنا إلى مواقع وفيديوهات على الإنترنت.

 لماذا اللون البرتقالي؟

  لكن ما سبب اختيار المؤلفان اللون البرتقالي للتعبير عن الاقتصاد الإبداعي؟

 ذلك لأنهما رأيا أن اللون البرتقالي يرتبط عادة بالثقافة والإبداع والهوية، ويقدم المؤلفان تفسيرهما لهذه العلاقة من خلال استعراض دلالته في مختلف الحضارات والثقافات.

 فيقول المؤلفان: إنه منذ أقدم العصور كان اللون البرتقالي دالًا على الإبداع بشكل أو بآخر؛ ففي العصور القديمة، استخدم الفنانون المصريون القدماء بكثرة صبغة برتقالية مصنعة من كبريت الزرنيخ في الكتابات الهيروغليفية والزخارف في المقابر.

 وفي التقاليد الغربية يرمز اللون البرتقالي إلى الترفيه والانطلاق، وربما ترجع جذور هذه الرمزية إلى الحضارتين اليونانية والرومانية حيث كانت ملابس ديونيسيوس (باخوس) إله المسرح والخمر وملهم طقوس الابتهاج والمرح برتقالية اللون.

 والبرتقالي كذلك لون ثمار نبات القرع الذي يشكل أحد الرموز الأساسية في طقوس احتفال الهيولين، الذي ترجع أصوله إلى المكسيك، ومنها انتقل إلى أمريكا الشمالية، ثم كثير من بلدان العالم.

 وفي الثقافات الأسيوية يشير اللون البرتقالي أيضًا إلى دلالات ترتبط بالفكر والثقافة والإبداع: ففي الكونفوشيوسية يعتبر لون التحول؛ وفي البوذية يعد لونًا مميزًا للرهبان ووفقًا لمعتقدهم فقد اختار بوذا اللون بنفسه للدلالة على الحكمة، وفي الهندوسية يعد البرتقالي لونًا للرجال المباركين؛ كما تمثل الشاكرا البرتقالية (Orange Chakra) الموجودة في أسفل البطن مركز القوة الإبداعية لدى الإنسان في فلسفة اليوجا.

 وبالنسبة للسكان الاصليين لأمريكا اللاتينية يمثل البرتقالي لون التعليم والقيادة، كما يمثل اللون المميز للخزف في حضارات امريكا الوسطى، وفي البيرو يعتبر لون المجتمع والثقافة.

 والبرتقالي أيضًا اللون الأكثر ارتباطًا بالنار، وهناك عدد من الاستعارات اللغوية حول العلاقة بين النار والفكر والإبداع والعاطفة.

 وأخيرًا فإن "البرتقالي أسعد الألوان" وفقًا للفنان الأمريكي الشهير فرانك سيناترا.

 لكل ما سبق، ونظرًا لأن الاقتصاد الثقافي والإبداعي كان يفتقر إلى هوية لونية أو علامة مميزة وقت تأليفهما كتابهما، فقد قررا إضفاء اللون البرتقالي على الاقتصاد الإبداعي وتسميته بالاقتصاد البرتقالي.

 وإذا كان مصطلح الاقتصاد البرتقالي قد ظهر أولًا في كولومبيا، فإن استخدامه شاع بسرعة في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وتعددت الدراسات التي تحمله في عنوانها، وقبل مرور أقل من عشر سنوات على ظهور المصطلح أصبح شائعًا ومتداولًا على نطاق عالمي.

 من الصناعات الإبداعية إلى الاقتصاد البرتقالي

 يشمل الاقتصاد البرتقالي طيفًا واسعًا من الصناعات والحرف والإسهامات التي تتسع يومًا بعد يوم، والتي يدخل الكثير منها تحت مظلة ما يعرف بالصناعات الثقافية؛ فإذا كانت صناعة الكتاب والنشر التي ظهرت مع اختراع يوحنا جوتنبرج (Johannes Gutenberg) للطباعة في القرن الخامس عشر كانت اللبنة الأولى في بناء ما عرف بعد ذلك بالصناعات الثقافية، فإن الاختراعات التي أضافتها موجات الثورة الصناعية في القرنين التاسع عشر والعشرين قد حولت أشكالًا إبداعية كانت تتميز بطابع الفردية، أو بالصلة المباشرة بين المبدع والمتلقي، إلى صناعات تنطبق عليها معايير الصناعة الحديثة وتندمج في آليات السوق الرأسمالي، وتخضع لقوانينه.

 وفي ستينات القرن الماضي ظهر مصطلح الصناعات الإبداعية باعتباره تخصصًا مستقلًا في الدراسات الاقتصادية، وكان يشمل صناعات الكتاب والنشر والسينما والموسيقى والغناء بشكل أساسي، كما دخلت في إطاره عروض المسرح والفنون الاستعراضية والفنون التشكيلية، من خلال آليات تمويل إنتاجها وتسويقها.

 ثم غاب المصطلح أو قل الاهتمام به إلى عاد للظهور بقوة مع بداية الألفية الجديدة، في سياق صعود حضارة الموجة الثالثة، حضارة ثورة المعلومات والاتصالات، فظهر بمسمى الصناعات الثقافية واتسع نطاقه ليشمل صناعة الإعلانات والهندسة المعمارية والفن والحرف اليدوية التراثية والتقليدية والتصميم وصناعة الأزياء والبرمجيات وألعاب الفيديو والراديو والتلفزيون، إلى جانب السنيما والموسيقى والمسرح؛ فمع هذه الثورة تطورت الصناعات الإبداعية واتسع نطاقها؛ فانضمت إلى القائمة مجالات وقطاعات جديدة كالألعاب ومنتجات الترفيه وخدمات السياحة الثقافية، والإعلام، والفنون البصرية، والمصطلح في ظهوره الجديد شمل مجموعة من الأنشطة بعضها قديم قدم الحضارة الإنسانية مثل الموسيقى والغناء، وبعضها حديث جدًا مثل ألعاب الفيديو، وأصبح التركيز على الأنشطة التي تهتم بتوليد المعرفة والمعلومات واستغلالها.

 ومثلما أضافت تقنيات عصر الثورة الصناعية إلى الإبداع وحولته من الإنتاج المحدود إلى الإنتاج الكبير، فإن تقنيات المعلومات والاتصالات حققت التحامًا مع الصناعات الإبداعية ووفرت لها دفعة كبيرة إلى الأمام، وجاء هذا الالتحام على مستوى تقنيات الإنتاج وعلى مستوى تطوير المحتوى في الوقت نفسه؛ وقد أصبح المحتوى الإبداعي يمثل حصة كبيرة متزايدة باستمرار من التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت،

 ومع هذه التطورات في المفهوم حدث تغيير في المصطلح، فتحول إلى الاقتصاد الإبداعي بدلًا من الصناعات الإبداعية أو الثقافية، لماذا؟ لعل ذلك يرتبط بالأشكال الجديدة للإنتاج الثقافي والإبداعي التي تستوعب أشكال عصر الثورة الصناعية وتتجاوزها في الوقت نفسه، فقد منحت الثورة الرقمية قدرات واسعة للمبدعين وللمنتجات الثقافية لا تتقيد بأساليب عصر الصناعة، فأصبح مصطلح الاقتصاد الإبداعي أكثر تعبيرًا عن الحال.

 منذ أكثر من عشرين عامًا كانت الأسئلة الملحة: إن مفهـوم الصناعات الإبداعية أو الثقافية ظهر عندما كانت قيم الثورة الصناعية هي السائدة باعتبار الصناعة القيمة العليا، لكن مع ثورة المعلومات والاتصالات وقيمها الجديدة وما يصاحبها من تطورات ما وضع الصناعات الإبداعية والثقافية؟

 هل استمرت أساليب الإنتاج الثقـافي نفسها، أم أنها تغيرت وتطورت؟

 وهل مـازال لمصطلح الصناعات الثقافية استخدامه؟ وهل مازالت له دلالاته نفسها؟ هل يمكن أن نطلق مصطلح "صناعات" على المنتج الثقافي والإبداعي ونحن ننتقل من عصر الصناعة التقليدية إلى العصر الرقمي بأدواته وآليات عمله الجديدة المتطورة؟

 وأظن أن الإجابة جاءت مع تغير المصطلح إلى الاقتصاد الإبداعي، ثم مع إضفاء سمة لونية عليه ليصبح الاقتصاد البرتقالي.

الاقتصاد البرتقالي فرص لا نهائية

 وصف بويتراجو – ريستريبو ودوكي - ماركيز في كتابهما الاقتصاد البرتقالي بأنه يحمل فرصًا بلا نهاية؛ وهما محقان تمامًا في هذا الوصف، فالاقتصاد الإبداعي يحوي مجموعة من الأنشطة الإنتاجية والترفيهية والخدمية تشكل قيمة مضافة كبيرة لأي اقتصاد قومي، كما تقدم فرص عمل متزايدة أمام الشباب، كما ينمي الاقتصاد الإبداعي القدرة على الابتكار وينعكس هذا على مجال الدعاية والإعلان للمنتجات لمختلف الاقتصادات الأخرى، وفي الوقت نفسه تقدم إضافة فكرية وثقافية مهمة في المجتمع، كما أن الإبداع البشري يشكل المورد المتجدد الذي لا ينضب منذ الثورة الذهنية والذي يتطور بالتراكم المعرفي لدى البشر، ويملك الاقتصاد البرتقالي القدرة على تجاوز الأزمات الاقتصادية والكساد وتقلبات السوق والخروج منها والتعافي بأقل أضرار،

 والعلاقة بين الاقتصاد البرتقالي والاقتصاد الرقمي الذي يشكل المستقبل علاقة تبادلية حيث يقوي كل منهما الآخر، فقد أعطت التجارة الإليكترونية دفعة كبيرة للاقتصاد البرتقالي، وفي المقابل يعد الاقتصاد البرتقالي أحد العناصر الرئيسية للنمو في الاقتصاد الرقمي، ويتضح ذلك بجلاء من التحول نحو الاقتصاد ما بعد الصناعي، حيث توسعت الخدمات الشخصية والترفيهية والسمعبصرية كحصة من نفقات الأسرة المتوسطة وكحصة من الاقتصاد على مستوى العالم.

 ولو استعرضنا بعض النماذج لتطور الاقتصاد الإبداعي في العقود الثلاثة الأخيرة سنكتشف الحجم الذي يشكله في الاقتصاد العالمي وفي اقتصادات الدول المختلفة.

 فوفقًا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، شهدت التجارة في السلع والخدمات الإبداعية ذروة فترة ازدهارها بين عامي2002 و2011 حيث زادت الصادرات بنسبة 134٪. وأصبحت خامس سلعة يتم تداولها في جميع أنحاء العالم، وقد وصلت صادرات المنتجات والخدمات الإبداعية إلى 646 مليار دولار.

 وسنجد أن نسبة اسهام الاقتصاد الإبداعي في اقتصاديات الدول تتراوح بين 2% و7% ويبلغ متوسط اسهامه في الاقتصاد العالمي 6,1%، وبناء على تقديرات الأمم المتحدة تبلغ عائداته السنوية 2,25 تريليون دولار، ويوفر 30 مليون وظيفة في جميع أنحاء العالم، وتشكل النساء ما يقرب من نصف العاملين، كما يشكل الشباب بين 15 و29 النسبة الأكبر من العاملين، ويقدم التلفزيون والفنون المرئية أكبر إيرادات في القطاع، بينما تستوعب الفنون المرئية والموسيقى أكبر عدد من الوظائف.

  وفي بريطانيا جرى قياس القطاع لأول مرة عام 1998، وتضمن القياس ثلاثة عشر مجالًا تعتمد على الموهبة والقدرة على تكوين الثروة من خلال حقوق الملكية الفكرية: الإعلان، والتصميمات المعمارية، وسوق الفنون والتحف، والحرف اليدوية، والتصميم، وتصميم الأزياء، والأفلام، والبرامج الترفيهية التفاعلية، والموسيقى، والفنون المسرحية، والنشر، والبرمجيات، والتلفزيون والراديو؛ واتضح من القياس أن هذا القطاع يولد فرص عمل تبلغ ضعف متوسط فرص العمل في الاقتصاد البريطاني ككل.

 وفي الولايات المتحدة نتج عن التوظيف في الفنون والثقافة أكثر من 400 مليار دولار في الأجور لأكثر من 5.1 مليون أمريكي في عام 2017، أما في الصين فقد أسهمت القطاعات الإبداعية بما يزيد على 460 مليار دولار في الاقتصاد الوطني، أي ما يوازي نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، ووفقًا لتقديرات 2018 فإن الاقتصاد الإبداعي في بلدان الاتحاد الأوروبي كان مسؤولا عن توفير 12 مليون وظيفة ما يجعله ثالث أكبر قطاع لأصحاب العمل، ويولد نحو 550 مليار دولار أي ما يعادل 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.

 هناك أيضًا تجربة دول الكاريبي التي تعاني من وجود قاعدة صناعية ضيقة ومتدنية، وتعاني من عبء الديون وتدهور القدرة التنافسية لصادراتها، فأدركت الحكومات والوكالات الإقليمية هناك أن الصناعات الإبداعية يمكن أن تكون محركًا للنمو الاقتصادي وآلية لتنويع الاقتصادات وتحسين القدرة التنافسية العالمية، ومن هنا بدأ العمل على تذليل العقبات التي تواجه الاقتصاد البرتقالي هناك والمتمثلة في الافتقار إلى مرافق الإنتاج وسوء تنظيم السوق وعدم كفاية القواعد واللوائح والفهم المحدود للأسواق العالمية ومشكلة اللغة والافتقار للقدرة على المساومة.

 وعلى صعيد آخر تهدف إمارة دبي إلى زيادة مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الناتج المحلي الإجمالي للدولة من 2,6% إلى 5% بحلول عام 2025، كما أنشئت مناطق إبداعية جديدة للمحتوى الثقافي والتصميم وفنون، وتسعى استراتيجية الاقتصاد الإبداعي هناك إلى مضاعفة عدد الشركات الإبداعية والثقافية العاملة في القطاع من 8300 الآن إلى 15 ألف شركة على مدى السنوات الأربع المقبلة، مع زيادة الوظائف الإبداعية من 70 ألف إلى 140 ألف وظيفة.

 ومن الجدير بالاهتمام دراسة تأثيرات الجائحة التي يمر بها العالم في العامين الأخيرين على الاقتصاد البرتقالي، فرغم تضرر قطاعات كبيرة من هذا الاقتصاد من الجائحة، مثل السينما، والسياحة، والأنشطة الترفيهية الحية، نرى في المقابل ازدهار في مجالات الترفيه الرقمي ومنصات عرض الأفلام والبرامج والتجارة الإلكترونية لسلع الاقتصاد الإبداعي.

 لماذا تستمر العوائق أمام الاقتصاد البرتقالي؟

 رغم كل ما سبق، ورغم ما يتمتع به الاقتصاد البرتقالي من قدرة على تطوير قطاعات مختلفة من الاقتصاد ما زالت هناك عوائق قائمة أمامه في عدد من دول العالم، ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب وفقًا لكتاب "الاقتصاد البرتقالي فرصة لا نهائية":

 أولًا: يعد تعريف الاقتصاد البرتقالي أمرًا معقدًا، فالثقافة والإبداع والاقتصاد مفاهيم واسعة تتطلب ترسيم الحدود وتحديد العلاقات؛ فرغم الزمن الطويل الذي انقضى على نشأة الصناعات الثقافية، ما زالت العلاقة بين الاقتصاد والثقافة ليست بديهية لدى كثير من الناس، وما زالت فرصهما المشتركة غير معروفة على نطاق واسع، وما زال النهج الاقتصادي الكمي للأنشطة الثقافية والإبداعية حديث إلى حد ما يحتاج إلى تطوير أدواته، وما زال سؤال هل الثقافة والإبداع خدمة بلا مقابل أم سلعة لها ثمن؟ يلقى إجابات متفاوتة.

 ثانيًا: إن الجمع والنشر المنتظم للبيانات والمعلومات ذات الصلة بالاقتصاد الإبداعي غير متسق، ونادرًا ما يتم توصيله بطريقة فعالة.

 ثالثًا: العملية الإبداعية، التي ينتج عنها السلع والخدمات، هي عمل غامض يتبع منطقًا معقدًا ومتقلبًا، يبدو أحيانًا بعيدًا عن الفهم التقليدي للقائمين على شئون الاقتصاد.

 رابعًا: يفتقر تصميم السياسات العامة لدعم الاقتصاد الإبداعي إلى الأطر العملية، لا سيما للاستفادة من الفرص التي يقدمها لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

 خامسًا: الأشخاص المعنيون لا يمثلون كتلة حرجة حتى الآن.

لماذا الاقتصاد البرتقالي مهم لمصر؟

  نمتلك في مصر امكانيات كبيرة غير مستغلة في مجال الاقتصاد البرتقالي (الإبداعي):

 لدينا ثروة بشرية من المبدعين في مجالات الفنون والآداب المختلفة يملكون الموهبة إلى جانب الدراسة في الكليات والمعاهد الفنية، ولدينا أيضًا تراث إبداعي حديث متواصل على مدى قرنين.

 لدينا خبرة ممتدة في الصناعات الثقافية مثل صناعات الكتاب والنشر والسينما والموسيقى والغناء والدراما الإذاعية والتليفزيونية، يرجع عمر أقدمها إلى قرنين وأحدثها قارب ثلاثة أرباع القرن، لكنها تحتاج إلى توفير بيئة تشريعية ملائمة ودعم مباشر وغير مباشر لتنطلق قدرتها التنافسية في المجالين المحلي والإقليمي، ولتتيح فرص للتوظف لأعداد أكبر من الشباب.

 نمتلك حرف تقليدية وتراثية يمكن أن ننميها وتشكل قيمة مضافة لاقتصادنا القومي من ناحية، وفرص عمل أمام قطاع واسع من الشباب والكبار ولا تحتاج الا الى تنمية المهارات.

 لدينا تراث طويل من تجارب الاستفادة من الطاقات الابداعية التلقائية، مثل: تجربة حبيب جورجي ثم رمسيس ويصا واصف وصوفي حبيب في الحرانية، وتجربة ايفلين في الفيوم، وتجارب جراجوس وحجازة، وإحياء حرفة التلي في الصعيد (تجربة مركز الفنان سعد زغلول وتجربة المجلس القومي للمرأة)، ومراكز الحرف التراثية التابعة لوزارة الثقافة.

 نحظى بعدد من مواقع التراث الأثري والثقافي والطبيعي الجاذبة للسياحة، نحتاج إلى الحفاظ عليها وتحقيق أقصى استفادة منها.

 لدينا جيل من الشباب القادر على تطوير محتوى رقمي مصري، وتصميم الألعاب التعليمية والترفيهية الإلكترونية والتقليدية، أو التي تجمع بين الأسلوبين، وتطوير البرمجيات، يحتاجون إلى الدعم والمساندة..

 لدينا ثروة من حقوق الملكية الفكرية لمنتجنا الفني والثقافي تشكل إضافة مهمة لاقتصادنا القومي لو أحسنا حمايتها.

  وقبل ذلك كله وبعده نمتلك رؤية جعلت من دعم الصناعات الثقافية كمصدر قوة للاقتصاد القومي وقوة لتحقيق التنمية وأساسًا لقوة مصر الناعمة إقليميًا ودوليًا، الهدف الأول من أهداف محور الثقافة في استراتيجية التنمية المستدامة مصر 2030.

 آن الأوان أن نتجه بحزم للاستفادة من كل هذه الإمكانيات الكامنة ليسهم الاقتصاد البرتقالي في تحقيق التنمية المستدامة، وخلق فرص عمل جديدة، وإضافة قوة جديدة للاقتصاد الوطني، والاستفادة من المنتجات الثقافية والإبداعية باعتبارها ميزة تنافسية أساسية نمتلكها ولا نستخدمها بالقدر المناسب، وفي سبيل تحقيق ذلك نحتاج إلى حزمة من الحوافز ومجموعة من الإصلاحات التشريعية، وقاعدة من البيانات الدقيقة، حتى نحقق أقصى استفادة من إمكانياتنا في مجال الاقتصاد البرتقالي.

"لا يوجد شيء أقوى من فكرة حان أوانها"

 بلزاك

مقالي في عدد نوفمبر من آفاق اقتصادية

الأربعاء، 5 يناير 2022

جابر عصفور الذي عرفته

 

جابر عصفور الذي عرفته


عماد أبو غازي

مقالي في العدد الخاص من منارات الذي صدر تحية لجابر عصفور



 عرفت الدكتور جابر عصفور لأول مرة في العام الدراسي 1972/1973 عندما التحقت طالًبًا بكلية الآداب جامعة القاهرة، كان وقتها شابًا قارب عامه الثلاثين، كان ضمن مجموعة من الشباب الواعد في كلية الآداب، عرفته عن بعد فلم أكن طالبًا في المجموعات التي كان يدرس لها؛ التقيته بعدها في منزل الدكتور عبد المحسن طه بدر بعد أن تخرجت من الكلية وكان ذلك إبان أزمة سبتمبر 1981، والتي أطاح فيها الرئيس السادات ضمن إجراءاته الاستثنائية بعدد من أساتذة الجامعات المصرية، كان نصيب كلية الآداب بجامعة القاهرة النصيب الأكبر، وكان أغلب المبعدين من الكلية من أساتذة قسم اللغة العربية، وكان هو وعبد المحسن طه بدر من بينهم، كانت المرة الأولى التي أجلس معه عن قرب، وأظنه لم يلحظ وجودي يومها.



  اللقاء الأول الحقيقي الذي تعارفنا فيه كان في عام 1988 بعد عودته من الكويت، عندما قررت كلية الآداب، وكنت وقتها قد أصبحت مدرسًا مساعدًا بها أن تحتفل بمناسبتين كبيرتين؛ الأولى مئوية طه حسين، والثانية حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب، وتقرر أن يأخذ الاحتفال شكل مؤتمرين علميين كبيرين، وكنت مع مجموعة من زملائي وزميلاتي من شباب وشابات الكلية وقتها ضمن فريق العمل الذي يعد للمؤتمرين؛ وكان جابر عصفور مسئولًا عن المؤتمر الأول، وانتقلت إليه مسئولية المؤتمر الثاني بعد مرض الدكتور عبد المحسن طه بدر ورحيله،  كانت هذه هي المرة الأولى التي نتعارف فيها عن قرب، عملت في الفريق الذي يقوده على مدى عامين تقريبًا، اكتسبت خلالهما خبرات جديدة في الإدارة وفي تنظيم العمل، وكانت بداية لعلاقة وطيدة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.





 المرة الثانية التي عملت معه فيها عن قرب كانت خلال الشهور الثمانية التي تولى فيها رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، لكن العمل الحقيقي المتواصل والممتد كان خلال عملي معه في المجلس الأعلى للثقافة منذ أبريل 1999 حتى تركه منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في 25 مارس 2007؛ كانت فترة مليئة بالعمل والإنجاز.













وقصة جابر عصفور مع المجلس قصة تستحق التسجيل؛ خمسة عشر سنة قضاها في منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، منذ اختاره الفنان فاروق حسني لهذا المنصب، قدم خلالها الكثير، أشاع الحياة في كيان كان يبدو للجميع ميتًا، نقل نشاط المجلس من النطاق المحلي إلى الساحة العربية منطلقًا من قناعته الفكرية العروبية، حتى أصبح كثيرون من المثقفين العرب يطلقون على المجلس بيت الثقافة العربية، بل يمكن أن يرصد المتابعين مكانًا للمجلس الأعلى للثقافة على ساحة الثقافة العالمية، من خلال مشاركات لمثقفين بارزين من مشارق الأرض ومغاربها في أنشطته، ومن خلال التعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية العالمية، كما عادت مصر من خلال المجلس تحت قيادة جابر عصفور تفتح أبوابها لاستضافة أبرز مفكري العالم ومثقفيه من أمثال مارتن برنال وجاك دريدا وروبرت يانج.

 ونجحت سياسة الدكتور جابر عصفور في المجلس الأعلى للثقافة في جعله جسرًا بين الثقافة العربية والثقافة العالمية من ناحية، ومكانا لالتقاء المثقفين والباحثين والمبدعين من مختلف الأقطار العربية ببعضهم البعض، وساحة مفتوحة لحوارهم، ومجالًا لتواصلهم مع مثقفي العالم وفنّانيه من ناحية أخرى.








 وتنطلق رؤية جابر عصفور للثقافة العربية من وعيه الحادّ والعميق بكون العالم المعاصر قد أصبح بفعل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الهائلة "قرية كونية صغيرة" تتفاعل فيها الثقافات واللغات والأديان، بما لا ينفي خصوصية كل ثقافة على حدتها، وبما يؤسّس في الوقت نفسه لحوار ثقافات العالم وليس صراع الحضارات.

على مستوى أخر أصبح المجلس لأول مرة برلمانًا للمثقفين كما كان الغرض منه عند إنشائه، فقد بات يضم بين أعضاء لجانه أكثر من خمسمائة من المبدعين والباحثين والمثقفين من كل الاتجاهات الفكرية والثقافية والبحثية والسياسية أيضًا.

 لكل هذا فعندما دعت لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة إلى إصدار كتاب تذكاري تكريما للدكتور جابر عصفور بمناسبة تركه منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في مارس سنة 2007، وعندما حمل مقرر اللجنة الدكتور شعبان خليفة الفكرة إلى الأمين آنذاك الناقد السينمائي علي أبو شادي تبنى المشروع وتحمس له على الفور، وتم توجيه الدعوة لعدد محدود من أصدقاء جابر عصفور وزملائه وتلامذته للمشاركة في هذا الكتاب التذكاري، إما بأبحاث ومقالات تتناول جوانب من تجربة جابر عصفور، أو بتقديم أبحاث مهداه لجابر عصفور في مجالات تخصصهم التي تتقاطع مع اهتمامات الرجل.

 لكن لأن محبي جابر عصفور كُثر، طال الأمر واتسع، وطلب كثيرون المشاركة، وتعدى المشاركون من وجهت لهم الدعوة للكتابة، وتجاوزوا العمل حدود لجنة الكتاب والنشر وأمانة المجلس الأعلى للثقافة، لنصبح في النهاية أمام عمل علمي كبير يليق بجابر عصفور وبإسهامه في الثقافة المصرية والثقافة العربية، عمل يتكون من مجلدين كبيرين أسهم فيهما محبو جابر عصفور وزملاؤه وأصدقاؤه وتلاميذه، ليس من مصر فقط، بل من بلدان عدة من عالمنا العربي، ومن العالم.

 رغم أهمية كل ما قام به جابر عصفور في المجلس الأعلى للثقافة إلا أن إنجازه الأهم سيبقى "المشروع القومي للترجمة"، ذلك المشروع الذي بدأه بداية صغيرة لكنها بداية لحلم كبير، كانت البداية في عام 1995 بآحاد قليلة من الكتب تصدر في كل عام، لكن بعد عشر سنوات أصبح الحلم واقعًا وبلغ ما صدر عن المشروع أكثر من ألف عنوان، محطمًا الرقم القياسي لأي مشروع آخر للترجمة في تاريخ الثقافة العربية منذ عصر المأمون إلى يومنا هذا، والحلم الذي تحقق لم يكن مجرد رقم جديد يضاف إلى ما ترجم إلى العربية، بل كان إنجازًا في المحتوى أيضًا، لقد ترجم المشروع القومي للترجمة عن أكثر من ثلاثين لغة مختلفة من اللغات الحية وتلك التي بطل استخدامها، ومن بين تلك اللغات لغات يترجم عنها مباشرة إلى العربية للمرة الأولى، كما كسر المشروع المركزية الثقافية الأوربية في الترجمة، فنقل عن لغات آسيوية وأفريقية إلى جانب اللغات الأوروبية التقليدية.

 ثم كان اكتمال الحلم بإنشاء المركز القومي للترجمة الذي تولى جابر عصفور إدارته بعد أن ترك أمانة المجلس الأعلى للثقافة، واستمر فيه حتى عام 2011، مضيفًا بؤرة جديدة تشع ثقافة وتنير ضوءً صغيرًا في ظلام واقعنا العربي، وتنتقل بالثقافة العربية من خصوصيتها الجغرافية الضيّقة إلى فضاء العالمية الرحب. فـالمشروع القومي للترجمة كان منذ بدايته مشروعًا عربيّ التوجّه من حيث مشاركة أو استقطاب مترجمين من عدد من الدول العربية في ترجمة أعماله، ومن حيث نشر أعماله على النطاق العربي، ثم جاء "المركز القومي للترجمة" ليضيف في ظل إدارة جابر عصفور له إلى المشروع أبعادًا عالمية ملموسة، من خلال التعاون مع مؤسسات دولية متعددة.




  وبعد أن ترك جابر عصفور أمانة المجلس العامة لم تنقطع صلته بالمجلس فقد أصبح عضوًا من أعضائه المختارين من بين كبار المبدعين والباحثين والمفكرين في مصر، ليواصل العطاء في المجلس الأعلى للثقافة من موقع آخر، فمنذ انضمامه إلى عضوية المجلس، ومشاركته في عضوية لجانه المختلفة، برزت مساهمات جابر عصفور المثقف والناقد والمفكر واضحة ضمن زملائه وأقرانه من مثقفي مصر ومفكريها حتى أيامه الأخيرة.

  ولا يكتمل الحديث عن دور جابر عصفور في العمل الثقافي المؤسسي دون التوقف عند جابر عصفور وزير الثقافة؛ لقد تولى جابر عصفور المنصب مرتين، المرة الأولى في أثناء ثورة 25 يناير 2011، في حكومة الدكتور أحمد شفيق الأولى، وكان يتصور يومها أن النظام استوعب الدرس، وإنه يسعى لتحقيق تآلف وطني، ولكنه لم يستمر في منصبه إلا تسعة أيام عندما أدرك أنه لا توجد نية حقيقية للتغيير، ومع ذلك كان حريصًا في هذه الأيام التسعة على أن يناقش مع زملائه في وزارة الثقافة خططًا طموحة للعمل تنطلق مما هو قائم وتبني عليه.

 وفي المرة الثانية عندما تولى وزارة الثقافة في عام 2014 واستمر في منصبه قرابة ثمانية أشهر، قدم خلالها استراتيجية لمنظومة الثقافة في مصر، نتجت عن جلسات حوار عدة، وقراءة في رؤى متنوعة، وحرص فيها على تأكيد أهمية التعاون بين وزارة الثقافة وغيرها من الوزارات والهيئات من خلال برتوكولات للتعاون، كما تبنى مشروعات مماثلة مع المجتمع المدني، فقد كانت قناعته دائمًا أن الثقافة ليست مسئولية وزارة الثقافة وحدها، كان حريصًا خلال تلك الأشهر القليلة أن يضع تصورًا متكاملًا لبناء جديد لمؤسسات العمل الثقافي في مصر.






  واذا كانت بصمات جابر عصفور في العمل الثقافي المؤسسي واضحة جلية لكل عين، فإن إسهاماته الأكاديمية هي الأخرى تقف شامخة، فمنذ تخرج جابر عصفور في ستينيات القرن الماضي من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وتتلمذ على الدكتورة سهير القلماوي، وهو يشق لنفسه طريقًا في وسط الأسماء البارزة في الدراسات الأكاديمية في مجال النقد الأدبي، حتى أصبح واحدًا من أبرز الأكاديميين العرب في هذا المجال، تشهد له بذلك مؤلفاته المتعددة، التي يعد كل منها علامة في هذا المجال، والتي تناولت موضوعات متنوعة ما بين قضايا الأدب العربي القديم والحديث والمعاصر، والتعريف بالاتجاهات النقدية العالمية، ويشهد له بذلك تلامذته في الجامعات المصرية والعربية وفي بعض الجامعات الأوروبية والأمريكية التي درّس الأدب العربي فيها، ويشهد له بذلك إسهامه في مجلة فصول التي شارك في تأسيسها ثم تولى رئاسة تحريرها لسنوات وضع فيها أسس مجلة نقدية أكاديمية رصينة.

 هذا ولم يقتصر دور جابر عصفور في مجال الأدب والنقد على الدور الأكاديمي رغم أهميته، فهناك الدور الذي لعبه جابر عصفور عبر أكثر من أربعين عامًا من خلال كتاباته في المجلات الثقافية والصحف السيَّارة، والذي جعله يقف في مصاف نقادنا الكبار الذين مزجوا دورهم الأكاديمي بدورهم في الحياة الثقافية العامة، فمنذ نشر وهو بعد شاب صغير أولى مقالاته في مجلة "المجلة" القاهرية التي كان يرأس تحريرها الأديب الكبير يحيي حقي، تواصلت مشاركاته في الكتابة لجمهور القراء العام في عديد من الصحف والمجلات المصرية والعربية ربما من أهمها الأهرام والحياة والعربي؛ ومن خلال كتاباته تصدى لمناقشة القضايا الثقافية العامة والاشتباك معها، فضلًا عن تعريفه القارئ المصري والعربي بالاتجاهات النقدية والأدبية وتقديمه لعشرات من الأعمال الإبداعية للجمهور العام.

 وفي السنوات الأخيرة شغلته قضايا الاستنارة ومعوقات النهضة في مجتمعاتنا العربية، وتصدى في كتاباته المتعددة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، وتناول القضايا التي من شأنها النهوض بالمرأة المصرية والعربية، وأخيرًا حماية مقومات الدولة المدنية.

 وفي النهاية، لا يستطيع أحد أن ينكر دور جابر عصفور في إعلاء قيم الاستنارة والتقدم التي آن لها أن تتضافر لمواجهة قيم الجمود والتخلف؛ لقد كان الشغل الشاغل والحلم الأكبر للكاتب والناقد والمفكِّر المصري جابر عصفور تقديم الوجه الإيجابي لثقافة عربية معاصرة تنتقل بأبنائها، من المحيط إلى الخليج، "من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية"، كما كان يردد دائما.

 واليوم أودع الدكتور جابر عصفور الأستاذ والمعلم والناقد والمفكر ومشيد الصروح الثقافية، لكن قبل ذلك وبعده أودع جابر عصفور الصديق والإنسان... فتحية لجابر عصفور ولمشروعه الثقافي، لقد رحل الجسد لكن الميراث الكبير الذي تركه سيحفظ ذكراه حية دوما...

الخميس، 28 أكتوبر 2021

قاسم عبده قاسم... مسيرة حياة

 

قاسم عبده قاسم... مسيرة حياة

 عماد أبو غازي

  يتوالى رحيل الأحبة، بغياب قاسم عبده قاسم فقدت صديقًا آخر من أصدقاء العمر، صديق وأستاذ، عرفته قبل حوالي خمسين عامًا، واستمرت العلاقة إلى أسابيع قليلة مضت قبل رحيله.


  امتدت رحلة حياته ما بين السادس والعشرين من مايو عام 1942 والسادس والعشرين من سبتمبر الماضي؛ رحلة حافلة بالعطاء المتنوع والمتعدد في مجالاته، منذ ستينيات القرن الماضي حتى غيابه عنا؛ فبين العمل الأكاديمي، بحثًا وتدريسًا وتأسيسًا، والعمل العام في المجالين السياسي والثقافي، كانت مسيرة قاسم عبده قاسم التي ترك فيها بصمات واضحة وعلامات مؤثرة.

 التحق قاسم الشاب بكلية الآداب بجامعة القاهرة في العام الدراسي 1963/1964، واختار دراسة التاريخ، وشارك في الأنشطة الاجتماعية والترفيهية للطلاب، واكتسب شعبية واسعة بين زملائه ومحبة من أساتذته، فوفق شهادة المهندس أشرف عاشور ابن أستاذه، الذي شارك في معسكر طلابي بالإسكندرية كان والده مشرفًا عليه وكان قاسم بين الطلاب المشاركين فيه، يصفه بأنه "كان ينفرد بشخصية تلفت الانتباه، كان محبوبًا من زملائه ويقودهم في كثير من الأنشطة، وبدا عليه الذكاء وروح المبادرة وحاسة المرح وخفة الظل، كان من الواضح أنه يتمتع بالقدرة على اكتساب حب واحترام كل من كانوا حوله من طلبة ومشرفين وإداريين من الجنسين".

 لقد تخرج قاسم عبده قاسم في عام 1967، وعمل بمطار القاهرة، وفي نفس الوقت واصل دراسته العليا بقسم التاريخ في شعبة تاريخ العصور الوسطى، تحت إشراف أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة القاهرة الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، وأثناء دراسته العليا تفجرت الحركة الطلابية في فبراير 1968، وبدأت مشاركته في النشاط السياسي بشكل واضح منذ ذلك الحين، ففي ذلك الوقت كان طلاب الدراسات العليا يشاركون في الأنشطة الطلابية، وكان لهم ممثليهم في الاتحادات الطلابية، واستمر حضور قاسم عبده قاسم طالب الدراسات العليا بكلية الآداب ومشاركته في النقاشات والأنشطة الطلابية طوال سنوات صعود الحركة الطلابية في النصف الأول من السبعينيات.

  في هذا السياق تعرفت على قاسم لأول مرة، كنت قد التحقت بكلية الآداب في العام الدراسي 1972/1973، أتذكر أننا التقينا للمرة الأولى في مكتب الدكتور محمد أنيس رئيس قسم التاريخ، في اجتماعات الجمعية التاريخية لطلاب القسم، كنت طالبًا في قسم التاريخ، وكان هو يعد رسالته للدكتوراه، ومن يومها لم تنقطع الصلة، جمعتنا نشاطات عامة في العمل السياسي، وأنشطة في الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وتعلمت من كتبه ودراساته المتميزة في تاريخ المماليك، ومن كتاباته في مجال التراث الشعبي، وأعماله المهمة في الربط بين التاريخ والأدب والفلكلور، ومن ترجماته المتعددة، وفي سنة 1995 كان واحد من أعضاء لجنة مناقشتي في رسالتي للدكتوراه.



 يعد قاسم عبده قاسم أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة الزقازيق أحد أبرز أعلام المدرسة التاريخية المصرية المعاصرة؛ ففي تخصص تاريخ العصور الوسطى عامة، والدراسات المملوكية ودراسات تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى خاصة، نستطيع أن نرصد ثلاثة أجيال من الأكاديميين الذين أسهموا إسهامًا بارزًا في هذا الحقل؛ يفصل بين كل جيل منهم والجيل الذي يليه عقدان، وفي كل جيل كان هناك رائد ترك بصمته في التخصص، وكان قاسم عبده قاسم الرائد في الجيل الثالث، جيل السبعينيات.

 يعتبر محمد مصطفى زيادة الرائد الأول للدراسات المملوكية ومؤسس مدرستها في الجامعات المصرية وفي بعض الجامعات العربية، في مطلع الثلاثينيات، فقد عُين بعد عودته من البعثة مدرسًا لتاريخ العصور الوسطى في الجامعة المصرية، فأسس بذلك تخصصًا جديدًا في الجامعات المصرية والعربية، يجمع بين دراسة تاريخ الشرق والغرب في تلك المرحلة، كان موضوع رسالته "العلاقات الخارجية لمصر في القرن الخامس عشر الميلادي" ومن هنا جاء اهتمامه بالدراسات المملوكية.

 وقد أكمل تلميذه سعيد عبد الفتاح عاشور المسيرة في الدراسات المملوكية، وأصبح من أبرز المتخصصين المصريين والعرب في تاريخ المماليك منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته عام 2009، ويعد المؤسس الثاني لمدرسة تاريخ العصور الوسطى عامة ومدرسة الدراسات المملوكية خاصة، وقد حصل على درجة الدكتوراه عام 1955 في موضوع: "الحياة الاجتماعية في مصر في عصر سلاطين المماليك" وكانت رسالته تأسيسًا لاتجاه جديد في الدراسات المملوكية، يهتم بدراسة التاريخ الاجتماعي، وقد وجه سعيد عاشور فيما بعد عددًا من تلاميذه للدراسة في هذا الاتجاه، وكان قاسم أبرزهم.

 ويعد قاسم عبده قاسم الرائد الثالث في مجال الدراسات المملوكية، والأبرز بين المتخصصين في جيله، ومؤسس مدرسة أكاديمية جديدة في جامعة الزقازيق منذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت خلال سنوات قليلة المدرسة الأهم في الدراسات المملوكية في مصر، وقد اتجه إلى مواصلة الدراسة في التاريخ الاجتماعي لعصر المماليك مثل أستاذه، ونشر قاسم عبده قاسم أكثر من ثمانين بحثًا وخمسة وعشرين كتابًا مؤلفًا منذ عام 1976، بالإضافة إلى ما قام به من ترجمات للدراسات الغربية الحديثة.

 لقد بدأ قاسم عبده قاسم دراسته في فترة برز فيها الاهتمام بدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، فاتجه في رسالته للماجستير إلى دراسة النيل في عصر المماليك، وتأثيراته الاجتماعية والاقتصادية في حياة المصريين وانعكاساتها السياسية، وقد صدرت هذه الدراسة في سنة 1978 في كتاب بعنوان: "النيل والمجتمع في عصر سلاطين المماليك"، ثم تواكبت دراسته للدكتوراه مع الاتجاه نحو الدراسات التي تركز على طبقة أو طائفة أو فئة اجتماعية في مصر في العصور الوسطى، فاختار موضوعًا للدكتوراه عن أهل الذمة في مصر العصور الوسطى، وقد صدرت عام 1977 في كتاب بنفس العنوان بعد عامين من حصوله على درجة الدكتوراه، وقد أعيد طبع الكتابين أكثر من مرة، كما أصدر فيما بعد في عام 1987 دراسة مستقلة عن اليهود في مصر منذ الفتح العربي حتى الغزو العثماني، وقدم بحثًا مستقلًا عن أوضاع المسيحين في مصر في عصر سلاطين المماليك، أضاف فيهما لما قدمه في رسالته للدكتوراه.

 وقد اتخذت دراسات قاسم عدة اتجاهات؛ أولها دراسات التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لعصر المماليك، وقدم فيها بالإضافة للدراسات السابقة، كتابه دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي – عصر سلاطين المماليك الذي صدرت طبعته الأولى عام 1979، وأبحاثه عن أسواق القاهرة في عصر سلاطين المماليك (1976)، والمجاعات والأوبئة في مصر زمن سلاطين المماليك (1983)، والحرف والصناعات المرتبطة بالحياة اليومية في مصر – عصر سلاطين المماليك (1988)، وبعض ملامح الحياة الاجتماعية في الشام في عصر الحروب الصليبية (1994).

 أما الاتجاه الثاني في دراسته والذي يعد رائدًا فيه في مجال دراسات تاريخ المماليك، فكان دراسة التراث الشعبي كمدخل لدراسة التاريخ؛ ويشكل هذا الاتجاه في أعمال قاسم عبده قاسم إضافة جديدة في حقل الدراسات التاريخية عن عصر المماليك من خلال ربطه بين التاريخ والتراث الشعبي واعتماده مصدرًا للدراسات التاريخية، ومن أهم دراسته في هذا المجال: كتابه وبين التاريخ والفلكلور 1993، وأبحاثه المتعددة وأهمها: السيرة الشعبية مصدرًا لدراسة التاريخ الاجتماعي، والحروب الصليبية في ألف ليلة وليلة، والشخصيات التاريخية في سيرة الظاهر بيبرس، والأعمال الثلاثة صدرت في عام 1986، ثم دراسته عن النيل في الأساطير العربية (1987) والأدب الشعبي وسيلة لدراسة التاريخ الثقافي (1988)، والموروث الشعبي والدراسات التاريخية – خطط المقريزي دراسة تطبيقية (1994)، والرؤية الشعبية للأحداث التاريخية (1996)، وشجر الدر بين السيرة الشعبية والتاريخ (1999).

 كذلك أحيا اتجاه ربط دراسة التاريخ بدراسة الأدب والشعر، ذلك الاتجاه الذي بدأه المؤرخ الرائد محمد صبري السوربوني في العشرينيات من القرن الماضي، وانزوا عند الباحثين من الأجيال التالية؛ ومن أهم ما قدمه في هذا المجال: كتابه بين الأدب والتاريخ الصادر في عام 1986، وأبحاثه: الشعر والتاريخ – قراءة في شعر حافظ وشوقي في مجلة فصول (1982)، وفي نفس السياق قدم قراءة في شعر الحركة الصليبية في المجلة التاريخية المصرية (1984)، والرواية التاريخية عند محمد فريد أبو حديد قراءة في رواية ابنة المملوك (1997)، والرواية والتاريخ تفاضل أم تكامل؟ (2005)، والرواية والتاريخ – زمن الازدهار (2009)؛ وقد انعكس اهتمام قاسم عبده قاسم بالأدب على أسلوبه في الكتابة فابتعد عن الجفاف الأكاديمي واللغة التقريرية، وتميزت كتاباته بأسلوبها الشيق الجذاب.

 وفي سياق اهتمامه بالعلاقة بين الآداب والفنون المختلفة ودراسة التاريخ قدم بحثًا في ندوة السينما والتاريخ التي نظمتها لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة سنة 2009 بعنوان: هل هناك أفلام تاريخية عربية؟

 وقد فتح قاسم عبده قاسم بهذه الدراسات المجال أمام الباحثين في حقل دراسات تاريخ مصر في العصور الوسطى لاستخدام الأعمال الأدبية ونصوص التراث الشعبي والأعمال الفنية كمصادر للدراسة التاريخية، بعد أن كان هذا الاتجاه غير مرحب به في أقسام التاريخ إلا فيما ندر، وكان الباحث الذي يرغب في نهج هذا الاتجاه يقابل باستهجان من الأساتذة التقليدين المسيطرين على أقسام التاريخ لسنوات، وقد سار بعض من أبرز طلابه على هذا النهج، وفي مقدمتهم عمرو عبد العزيز منير الذي وجه جزء من جهوده البحثية لدراسات المورثات الشعبية واستخدامها مصدرًا للدراسة التاريخية.

  أما الاتجاه الثالث فدراساته حول التاريخ السياسي لعصر المماليك، وأهمها كتبه المرجعية: الأيوبيون المماليك بالاشتراك مع علي السيد، وعصر سلاطين المماليك – التاريخ السياسي والاجتماعي 1998، في تاريخ الأيوبيين والمماليك 2001، كذلك دراسته عن الملك المظفر سيف الدين قطز، وأبحاثه عن القدس في عصر سلاطين المماليك (1990)، ومفهوم السلطة في عصر سلاطين المماليك (2002)، كما اهتم بدراسة علاقات مصر المملوكية بالعالم في بحثين؛ الأول عن مصر وعالم البحر الأحمر في عصر الجراكسة (1978)، والثاني حول علاقات مصر والحبشة في عصر سلاطين المماليك (1987).

  كذلك كانت الحروب الصليبية من الموضوعات التي اهتم بها قاسم عبده قاسم تأليفًا وبحثًا وترجمة، وقدم فيها رؤية جديدة، وتشكل دراسته حولها اتجاهًا رابعًا في أعماله، وكان أول أبحاثه في هذا المجال دراسته عن صورة المقاتل الصليبي في المصادر التاريخية العربية الذي نشره في المجلة التاريخية المصرية عام 1978، ثم درس الاضطهادات الصليبية ليهود أوروبا (1981)، وفي عام 1987 نشر دراسة مهمة في مجلة المستقبل حول الحروب الصليبية في الأدبيات العربية واللاتينية واليهودية، وفي نفس العام قدم  دراسته عن التجربة الصليبية من المنظور المعاصر للصراع العربي الإسرائيلي، وقد نشرها في الكويت، وفي عام 1989 كتب عن الأصول التوراتية للحركة الصليبية والحركة الصهيونية، وفي العام التالي قدم بحثًا في مؤتمر العلاقات العربية الإسبانية بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد طه حسين بعنوان: "مؤرخو الحروب الصليبية بداية الاستشراق"، وقدم في سنة 1994 دراسة عن مشكلة المصطلح في تاريخ الحروب الصليبية، وفي عام 2001 قدم بحثًا الصراع حول مصر في أثناء الحروب الصليبية في ندوة بالمجلس الأعلى للثقافة، لكن تبقى دراساته الأهم في هذا المجال هي كتابيه الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية (1983) وماهية الحروب الصليبية، الذي صدر في سلسلة عالم المعرفة في الكويت عام 1990، وكما ذكر الدكتور سليمان العسكري الأمين العام السابق للمجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت، فإن هذا الكتاب الأخير يقدم رؤية جديدة في المدرسة التاريخية العربية المعاصرة للحروب الصليبية.

 ومن المجالات التي اهتم بها قاسم عبده قاسم كذلك دراسات التاريخ الفكري والثقافي فكتب عن فكرة التاريخ عند شمس الدين السخاوي (1980)، وعن الثقافة والعلوم في عصر سلاطين المماليك (1996)، كما قدم قاسم عبده قاسم دراستين عن ابن خلدون في إطار الاحتفالية المشتركة بين المجلس الأعلى للثقافة المصري ومكتبة الإسكندرية، الأولى في القاهرة بعنوان: "ابن خلدون وكيف قرأه المؤرخون العرب، والثانية بعنوان: أزمة المفكر في ظل نظام استبدادي: ابن خلدون نموذجًا.

  وتميزت دراساته بالاعتماد على الوثائق كمصدر مهم للتأريخ؛ ففي رسالته عن أهل الذمة في مصر في العصور الوسطى، درس أوضاع أهل الذمة في مصر في العصور الوسطى مستعينا بالوثائق الأرشيفية، كما قام بنشر وثيقة من وثائق دير سانت كاترين ودراستها 1977، وقدم بحثًا حول وثائق مكتبة دير سانت كاترين كمصدر للتاريخ الاجتماعي في مجلة الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف نشرت سنة 1999.

 ولقاسم عدد من الدراسات حول قضايا المنهج في الكتابة التاريخية، منها: إعادة قراءة التاريخ لا كتابته، هل يمكن تزوير التاريخ، الرؤية الح ضارية للتاريخ، تطور منهج البحث في الدراسات التاريخية، فكرة التاريخ عند المسلمين، قراءة التاريخ.

 ولم ينحصر اهتمام قاسم عبده قاسم في مجال تخصصه الدقيق في تاريخ العصور الوسطى، فلم يكن الرجل مثل غيره من الأكاديميين التقليديين في مجال الدراسات التاريخية الذين لا يتعدون في دراساتهم وأبحاثهم حدود التخصص الدقيق، لقد تعامل مع دراسة التاريخ باعتبارها منهجًا قابل للتطبيق على العصور التاريخية المختلفة، فقدم عدة دراسات أخرى في موضوعات بعيدة عن تاريخ العصور الوسطى، تخصصه الدقيق، منها على سبيل المثال: تطور الفكر السكاني عند العرب، يهود مصر في التاريخ الحديث، رمضان في كتابات المؤرخين المصريين، القاهرة وتطورها التاريخي، هجرة اليهود من المغرب إلى مصر، الحج من الهند إلى الأراضي المقدسة، الذهب والعاصفة رحلة إلياس الموصلي إلى أمريكا، العلاقة بين المشرق والمغرب في ضوء القراءة الشعبية لتاريخ – الدولة الفاطمية نموذجًا، العرب وأوروبا التطور التاريخي لصورة الآخر، اليهود في الحضارة العربية الإسلامية.

 كما كتب في عدد من القضايا التي تتجاوز حدود الدراسات التاريخية بحكم اهتماماته الثقافية والسياسية المتعددة، ومن هذه الكتابات: البعد الثقافي في الصراع العربي الإسرائيلي، والمشروع الثقافي العربي هل هو حلم قابل للتحقيق، وأزمة الإنسان والكتاب في الوطن العربي، ومشكلات الترجمة في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، وجمهورية الخوف صورة للعراق تحت حكم صدام من الداخل، كما كانت له مشاركات في ندوات عدة تناول فيها قضايا فكرية وسياسية عامة، منها ندوات: رؤية قومية للتاريخ العربي، الدين والمجتمع العربي، المفهوم السياسي للدولة، حول أزمة الخليج واحتلال العراق للكويت.

وقد قدم قاسم عبده قاسم طوال هذه السنوات عدد من الترجمات المهمة لدراسات غربية من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية عن الحروب الصليبية وتاريخ العصور الوسطى ومناهج البحث في التاريخ، ليسهم في تطوير قدرات الباحثين واطلاعهم على كل جديد، وليثري المكتبة العربية بهذه الترجمات.

  منذ قرابة ربع قرن كان قاسم عبده قاسم يتحدث في ندوة في الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وكان يقول إننا لا نملك مدارس تاريخية في مصر، ربما نملك زهور متفتحة ومتفرقة هنا وهناك لكن جامعاتنا لم تنجح في تأسيس مدارس للدراسات التاريخية، إلا أن المفارقة هنا أن الرجل عند رحيله كان قد نجح بالفعل في تأسيس مدرسة تاريخية لدراسة تاريخ العصور الوسطى تلتف حوله وتتكون بشكل أساسي من تلاميذه ومن المتأثرين بإسهامه العلمي، ولم تقف هذه المدرسة عند حدود كلية الآداب بجامعة الزقازيق التي التحق بها قاسم عبده قاسم منذ حصوله على الدكتوراه في عام 1975، بل امتدت إلى مختلف الجامعات المصرية وإلى بعض الجامعات العربية خاصة جامعة الكويت التي أسهم خلال عمله بها لعدة سنوات في تطوير دراسة تاريخ العصور الوسطى بقسم التاريخ بها.

  إلى جانب تأسيس المدرسة البحثية في دراسات تاريخ العصور الوسطى، كان قاسم يمتلك حلمًا راوده منذ بدايات مشواره، حلم تأسيس مركز للدراسات والبحوث التاريخية والاجتماعية، يحقق من خلاله طموحه وطموح الزملاء والتلاميذ الذي لا تتسع أسوار جامعاتنا بأزماتها ومعوقاتها لتحقيقه، وكانت الخطوة الأولى التي تحققت بالفعل تأسيس دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، وقد أصدرت الدار خلال ما يزيد على ربع قرن مئات من الدراسات والترجمات المتخصصة في التاريخ والأدب والاجتماع والفلكلور، فأثرت المكتبة العربية بما قدمته، وكانت الخطوة التالية التي حلم بها قاسم، أن تصدر الدار مجلة محكمة متخصصة في الدراسات الاجتماعية والإنسانية، ثم اكتمال الحلم بتحول الدار إلى مركز للبحوث والدراسات، لكن ليس كل ما نحلم به نتمكن من تحقيقه، لقد أنجز الرجل الخطوة الأولى نحو تحقيق الهدف، وربما على تلاميذه ومحبيه استكمال الطري لتتحول دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية إلى مركز قاسم عبده قاسم للبحوث والدراسات.

 ورغم كثافة انتاجه العلمي لم يبتعد قاسم عبده قاسم عن العمل العام أبدًا، فقد شارك أنشطة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية منذ السبعينيات، ثم في عضوية مجلس إدارتها بين عامي 1981 و1987 ثم بين عامي 1994 و2001، وأسهم بقوة في إدارتها وتطويرها، وبحكم اهتماماته المتنوعة انضم لعضوية جمعية التراث الشعبي بمصر، والمجلس القومي للثقافة العربية بالمغرب، واللجنة العربية لعلم الاجتماع بتونس.

كذلك كانت له مساهماته المتعددة في أنشطة المجلس الأعلى للثقافة، من خلال عضويته في لجنة التاريخ بالمجلس لدورات متتالية، كما انضم لعضوية اللجان الاستشارية لمكتبة الإسكندرية منذ افتتاحها في عام 2002؛ وفي المؤسستين أسهم في ندواتهما ومؤتمراتهما، وفي أعمال الترجمة التي اضلعت بها المؤسستان.

 أما مساهماته في العمل السياسي بعد مرحلة الحركة الطلابية فقد بدأت عندما أسس المهندس إبراهيم شكري حزب العمل الاشتراكي في أواخر السبعينيات، حيث انضم قاسم إلى عضوية الحزب، وتولى مناصب قياديه فيه وأصبح عضوًا في هيئته العليا، وشارك بقوة في أنشطته لقرابة عشر سنوات، وذلك قبل أن يسيطر على الحزب التيار الإسلامي، وعندها ترك الحزب، وإن لم يترك المشاركة في العمل العام.

 كذلك عندما تأسست لجنة الدفاع عن الثقافة القومية في أعقاب توقيع اتفاقية السلام، وحملت على كاهلها عبء مقاومة التطبيع الثقافي مع إسرائيل، وكانت اللجنة تعمل إطار حزب التجمع الوطني التقدمي والوحدوي وتضم أعضاء من أحزاب وتوجهات سياسية مختلفة، شارك قاسم عبده قاسم في أنشطة اللجنة، ومن ضمن مساهمته بحث نشر في العدد السابع من كتاب المواجهة الذي كان يصدر عن اللجنة، وكان عنوانه "حطين الذكرى الثمانمائة والزمن الرديء".

  لم يكن قاسم عبده قاسم أكاديميًا تقليديًا مجتهدًا، لم يكن باحثًا نمطيًا في مجال الدراسات التاريخية، بل كان مثقفًا صاحب مشروع فكري يتصدى لمشكلات الوطن في لحظة الأزمة التاريخية، وكانت أبحاثه ودراساته تشكل جزءًا من هذا المشروع؛ ولعل كلمات تلميذه المقرب إلى قلبه الدكتور عمرو عبد العزيز منير في تقديمه للكتاب الذي صدر احتفاءً بسبعينية قاسم عبده قاسم ترسم في كلمات قليلة صورة الرجل وتلخص مشروعه؛ قال عمرو في وصف أستاذه: "وبدا شيخنا الدكتور قاسم طوال رحلته العلمية المشرقة عالمًا يبحث عن جوهر وظيفة المؤرخ في أمته، يتحيز لها وينحاز لقضاياها، ويعلن عن انتمائه إلى هذه الأمة مفتخرًا بذلك، ولكن ليس هذا النوع من الفخر الذي يقعده متغنيًا بمجدها الغابر، أو بماضيها الذهبي، أو البكاء على أطلالها، وإنما بالبحث عن الحي في الأمة في عالم أفكارها وحياتها وفاعليتها، البحث عن ضرورات الأحياء ومسارته فيها، ملتزمًا بأصول ذاكراتها الحضارية الحافزة الدافعة الرافعة، رغبة منه لإحياء كل ما يعينها على البقاء والحياة والشهود."

 لقد غاب قاسم عبده قاسم حقًا، لكنه ترك لنا ميراثًا علميًا وإنسانيًا يبقيه حيًا، وترك مدرسة من تلاميذه عليها مسئولية مواصلة طريقه، وترك نموذجًا ملهمًا للأكاديمي وللمثقف المتفاعل مع قضايا الوطن، وترك مشروعات تنادينا لاستكمالها.

مقالي المنشور في أخبار الأدب عدد 15 أكتوبر 2021

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...