السبت، 10 أبريل 2021

الدكتورة ضياء أبو غازي

 

الدكتورة ضياء أبو غازي

 (24 يناير 1924 – 10 أبريل 2001)

 اليوم تمر الذكرى العشرين لرحيل عمتي الدكتورة ضياء أبو غازي، كان لها فضل كبير على تكويني واتجاهي لدراسة التاريخ وللبحث العلمي، عرفت من خلالها المتحف المصري الذي كانت تعمل به وحكاية كل قطعة من قطعة الرئيسية قبل أن ألتحق بالمدرسة، عشقت التاريخ والآثار بفضلها،  كانت تصحبني طفلًا إلى دار الكتب في باب الخلق لأعتاد التعامل مع المكتبات العامة، علمتني كيف أكتب بحثًا وأنا تلميذ في الصف الأول بالمرحلة الثانوية عندما كان مدرس التاريخ يشجعنا على كتابة الأبحاث كنشاط إضافي، أشركتني معها وأنا طالب في الجامعة في إعداد دراسة بيوجرافية ببليوجرافية عن عالم الآثار الإسلامية علي بهجت، ووضعت اسمي إلى جانبها على البحث، وساعدتني على نشر أول بحث منفرد لي في مجلة علمية محكمة عقب تخرجي مباشرة، وقبل أن أسجل للماجستير أو أعين بالجامعة، وهذه سيرة مختصرة لها، أتمنى أن أتمكن في يوم ما من جمع أعمالها وإعداد ببليوجرافيا لها مع سيرة مفصلة، مثلما فعلت للكثيرين.



 ولدت ضياء أبو غازي في القاهرة في 24 يناير 1924، كان والدها محمود أبو غازي مدرسًا للتاريخ، وتوفي وهي في الثانية من عمرها، وربتها والدتها وخالها المثال محمود مختار، وهي الرابعة في الترتيب بين أخوتها الخمسة، التحقت بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول بعد أن انهت دراستها الثانوية بالمدرسة السنية للبنات.




 





وتخرجت في قسم التاريخ في الكلية عام 1946، والتحقت بعد ذلك بمعهد الآثار التابع لكلية الآداب حيث حصلت على دبلوم الآثار المصرية القديمة الذي كان يؤهل الحاصلين عليه للتسجيل لدرجة الدكتوراه؛ وقد حصلت بالفعل على درجة الدكتوراه في عام 1966 عن رسالة عن عبادة رع في الدولة القديمة، بإشراف الدكتور عبد الحميد زايد.







 التحقت بالعمل بمصلحة الآثار في عام 1950، وبدأت عملها أمينة مساعدة لمكتبة المتحف المصري التي كان يتولى أمانتها الدكتور عبد المحسن الخشاب المتخصص في المسكوكات اليونانية القديمة، ثم أصبحت أمينة للمكتبة، وقد بدأت في عام 1958 مع الدكتور عبد المحسن الخشاب في إعداد كتالوج لمكتبة المتحف المصري، وواصلت العمل فيه منفردة بعد وفاة الدكتور الخشاب، واكتمل العمل بملاحقه قبيل وفاتها.



 وفي منتصف الستينات أصبحت أمينة بالمتحف إلى جانب عملها بالمكتبة، وتولت أمانة قسم الدولة القديمة بالمتحف، وتدرجت في الوظائف بالمتحف إلى أن أصبحت أول امرأة تتولى منصب مديرة عام المتحف المصري عام 1978، وتدرجت بعد ذلك في المناصب العليا بالهيئة المصرية للآثار فأصبحت مديرة للمتاحف، ثم نائبة لرئيس الهيئة قبل إحالتها للمعاش في يناير 1984، وخلال سنوات عملها الأخيرة اهتمت بإنشاء المتاحف الإقليمية في مختلف المدن المصرية، كما أسست متحف المركبات الملكية ببولاق في نسخته الأولى، هذا إلى جانب اهتمامها الأساسي طوال رحلتها في العمل الوظيفي بتزويد مكتبة المتحف المصري بأحداث الإصدارات بمختلف اللغات، فتضاعف رصيد المكتبة عدة مرات، كما تواصل اهتمامها بالنشر العلمي في المتحف المصري والذي كان جزءًا من نشاط المكتبة، ثم في تشجيع النشر العلمي في باقي متاحف الهيئة ودعمه بعد توليها رئاسة قطاع المتاحف، كذلك أولت اهتمامًا كبيرًا بإحياء ذكرى الراحلين من علماء المصريات بوجه خاص وعلماء الآثار بوجه عام في محاولة منها لإبراز الإسهام المصري في هذا المجال، فتوالى إصدار الكتب التذكارية العلمية عن أحمد كمال وسليم حسن وسامي جبره وزكي إسكندر وغيرهم، كما قامت بإعداد دراسة ببليوجرافية عن عالم الآثار الإسلامية علي بهجت في الذكرى الخمسين لرحيله، كذلك اهتمت بالاحتفاء بإسهامات علماء المصريات الذين قدموا خدمات جليلة للعلم وفي مقدمتهم مسيو لوير.

وخلال مسيرتها العلمية نشرات عشرات الأبحاث والدراسات في مصر والخارج في الدوريات العلمية المتخصصة، وبالإضافة لذلك أسهمت ببحث عن الآثار والمتاحف في مصر في مشروع المسح الاجتماعي الذي صدر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 1984.

شاركت في نشاط عدد من الجمعيات العلمية والثقافية، وكانت عضوة لمجلس الإدارة في الجمعية المصرية للدراسات التاريخية وفي جمعية أصدقاء متحف مختار.



وفي الثمانينيات والتسعينيات عينت أستاذة غير متفرغة بجامعة الزقازيق، وشاركت في الإشراف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه.

 ورحلت عن عالمنا في 10 أبريل سنة 2001...

الأحد، 28 مارس 2021

مصر وإيطاليا جذور ضاربة في أعماق التاريخ

 

مصر وإيطاليا

بين 16 و20 أكتوبر 2011 نظمت السفارة الإيطالية في القاهرة بالتعاون مع القنصلية الإيطالية في إسكندرية والمعهد الثقافي الإيطالي في القاهرة احتفالية ثقافية بمناسبة مرور 150 سنة على الوحدة الإيطالية وتأسيس إيطاليا الحديثة، الاحتفالية كانت بعنوان "عيد ميلاد سعيد يا إيطاليا، وضمن الاحتفالية كان فيه ندوة حول تأثير النهضة الإيطالية على نشأة الوعي القومي في مصر، شارك فيها مجموعة من المداخلات ل 11 من الإيطاليين والمصريين، دي كانت كلمتي في الندوة:

 



مصر وإيطاليا جذور ضاربة في أعماق التاريخ

عماد أبو غازي

 

 مصر وإيطاليا علاقة تمتد لأكثر من ألفي عام... علاقة من التفاعل بين ثقافتين وحضارتين وشعبين... تأثيرًا وتأثرًا، وككل علاقة طويلة ممتدة بهذا العمق في التاريخ فإن هناك لحظات إيجابية وأخرى سلبية في هذه العلاقة...

 وربما كانت القرون الستة الأخيرة هي الأكثر إيجابية في تلك الرحلة التاريخية الطويلة الممتدة... وأتوقف في هذه القرون الستة عند نقاط بارزة في العلاقات بين مصر وإيطاليا.

 النقطة الأولى: ففي القرن الخامس عشر الميلادي وفي لحظة محورية من لحظات التاريخ الإنساني التي شهدت تحولات جوهرية في مسيرة الإنسانية، لحظة فارقة في تاريخ العالم كله، وصلت العلاقات بين مصر والمدن الإيطالية وفي مقدمتها البندقية وجنوه إلى أوجها، في وقت كانت النهضة الإيطالية تؤتي ثمارها وتفتح الباب أمام تحولات هيكلية في المجتمعات الأوروبية، وكانت علاقة سلطنة المماليك في مصر والشام بمدن إيطاليا النهضة تزداد عمقًا، وتستند إلى المصالح المشتركة؛ فمصر التي تتحكم في جزء من طرق تجارة الشرق هدد وجودها المستقل الدولة العثمانية الناشئة الصاعدة... مصر المملوكية تمد يدها إلى البندقية لتدخل معها في علاقة تحالف تجاري وسياسي قوي... وتأتي من البندقية مشروعات حفر قناة تربط البحرين الأحمر والمتوسط تجدد مشروعًا مصريًا ضاربًا في أعماق التاريخ، وتضع الخطوط الأولى لإنجاز هذا المشروع في تاريخنا الحديث.


المحطة الثانية: عصر محمد علي باشا مؤسس الدولة الحديثة، والذي اعتمد في جزء مهم من مشروعه على الخبرات الإيطالية، كما وجه بعثته الأولى إلى إيطاليا، وقد سار على نهجه حفيده إسماعيل باشا ومن بعده ابنه فؤاد، ورغم أن معظم البعثات قد توجهت إلى فرنسا بعد البعثة الأولى فقد ظل التأثير الإيطالي باديًا في الثقافة المصرية؛ فجاءت في هذا العصر التأثيرات الإيطالية في الفنون المختلفة... الموسيقى والمسرح والأوبرا والفنون الجميلة، بالإضافة إلى التأثيرات في مجال الإدارة الحكومية، وزاد من المؤثرات الإيطالية في الثقافة المصرية الجاليات الإيطالية الكبيرة التي عاشت في مصر وتفاعلت مع أهلها.

 وفي القرنين التاسع عشر والعشرين ظهرت النهضة الإيطالية في كتابات المؤرخين والمفكرين المصريين.

 المحطة الثالثة... عندما قامت الثورة العرابية وبدأت المؤامرات الأوروبية ضدها، تلك المؤامرات التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر في سبتمبر 1882، ساند أحرار إيطاليا وثوارها – إيطاليا الجديدة الموحدة – ساندوا الثورة المصرية وتضامنوا معها.



 ولم تكن مصر هي البلد الوحيد في الشرق الذي تأثر بإيطاليا في مشروعه النهضوي، فقد استندت تجربة النهضة الأولى في لبنان والتي قام بها الأمير فخر الدين المعني الثاني، على دعم إيطاليا وتجربتها النهضوية.

الجمعة، 12 فبراير 2021

متحف مختار

 

متحف مختار

عماد أبو غازي

 في الطرف الغربي من حديقة الحرية بالجزيرة يقع مبنى متحف مختار الذي افتتحه وزير البحث العلمي صلاح هدايت نيابة عن الرئيس جمال عبد الناصر ومعه الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد القومي، في صباح يوم 24 يوليو 1962، ويعتبر متحف مختار أول متحف تقيمه الدولة في مصر مخصص لأعمال فنان مصري واحد، كما يعد رابع المتاحف الفنية في مصر، فقد سبقه متحف الفن الحديث بالقاهرة ومتحف الشمع بحلوان ومتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية، وقد افتتح معه أيضًا في الأسبوع نفسه متحف محمد محمود خليل بالجيزة.

 ويضم متحف مختار معظم أعمال نحات مصر الأول محمود مختار (10 مايو 1891 - 27 مارس 1934)، بالإضافة إلى بعض أوراقه وصوره ومتعلقاته الشخصية، ويضم المتحف كذلك مقبرة مختار، وقد نقلت إليها رفاته من مقابر أسرته قبيل افتتاح المتحف بأيام.




وقد ولد مختار في 10 مايو 1891 بقرية طنبارة من قرى محافظة الغربية، وهي قرية صغيرة قريبة من مدينة المحلة الكبرى، كان أبوه الشيخ إبراهيم العيسوي عمدة للقرية، أما أمه نبوية البدراوي فكانت ابنه للبدراوي أحمد عمدة قرية نشا السابق الذي نفاه الخديوي إسماعيل إلى السودان وصادر أملاكه بسبب مواقفه المعارضة لسياسته، وتتبع قرية نشا الآن محافظة الدقهلية.

 كانت نبوية البدراوي الزوجة الثانية للشيخ إبراهيم العيسوي، تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى، وكانت في سن أبنائه من تلك الزوجة المتوفاة، وقد أنجبت له مختارًا وبنتين تصغرانه سنا، لكن نبوية البدراوي لم تستمر كثيرًا مع زوجها الشيخ الكبير، وانفصلت عنه عندما أحست بأنه يميز أبناءه من زوجته الأولى عن أبنائه منها، وعادت أم مختار إلى قريتها نشا، وهناك نشأ مختار، وأمضى طفولته، وصنع تماثيله الأولى من الطين على ضفاف الترعة.

والدة مختار نبوية البدراوي

 ومع مطلع القرن العشرين انتقلت السيدة نبوية البدراوي إلى القاهرة لتعيش فيها بعد عودتها من رحلة للحج، وسرعان ما لحق بها ابنها مختار، عندما رآه الشيخ محمد أبو غازي أحد رجال قريته نشا يبكي على الطريق مفتقدًا أمه وشقيقتاه، فقرر أن يصحبه معه إلى القاهرة غير مبال بغضب أخواله، فتغير مصير مختار وهو في الحادية عشرة من عمره، ليصبح بعد سنوات قليلة نحات مصر الأول في عصره وليترك لنا في حياته الفنية القصيرة التي أمضاها بين القاهرة وباريس قرابة مئة عمل معظمها بمتحفه بحديقة الحرية بالجزيرة، بالإضافة إلى التماثيل الميدانية الثلاثة؛ نهضة مصر وتمثالا سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية.

 في القاهرة شق مختار طريقًا جديدًا لحياته عندما افتتح الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة بقصره بدرب الجماميز، وعين فيها عددًا من الأساتذة الأوروبيين، وكان مختار أول طالب يلتحق بالمدرسة الجديدة يوم افتتاحها في 12مايو 1908، بعد يومين من إكماله عامه السابع عشر.

مختار في مدرسة الفنون الجميلة

 في سنوات الدراسة تبين أساتذته نبوغه وتميزه في فن النحت، فخصصوا له مشغلًا منفردًا بالكلية، ونحت مختار مجموعة من الأعمال خلال سنوات دراسته بمدرسة الفنون بالقاهرة مستلهمًا أغلبها من التراث العربي أو من البيئة المحيطة به، لكن لم يتبق منها إلا القليل، وقد شارك مختار ببعضها في أول معرض لطلبة مدرسة الفنون الجميلة.

 وعندما تخرج مختار من المدرسة في سنة 1911 أرسله الأمير إلى مدرسة الفنون الجميلة بباريس في بعثة لاستكمال دراسته لفن النحت بناء على توصية أساتذته، وهناك أعاد اكتشاف هويته المصرية، وقد أمضى مختار سنوات الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) في باريس في ظروف قاسية، لكنه تمكن قرب نهاية الحرب من الالتحاق بمتحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس، وهناك نحت مجموعة من الأعمال فقدت جميعها للأسف ووصلتنا صور فوتوغرافية للقليل منها، مثل تمثاله لأم كلثوم وتمثال راقصة البالية آنا بافلوفا.

مختار في باريس



متحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس

 وتعتبر ثورة 1919 الميلاد الجديد لمختار، فعندما قامت الثورة قرر أن يخلدها بتمثال يعبر عن الصحوة المصرية، فجاء تمثال نهضة مصر الذي عرض نموذجه المصغر بصالون باريس للفنون ونال عنه شهادة تقدير، والتف المصريون حول فكرة التمثال واكتتبوا من أجل إقامته، وأصبح التمثال رمزًا لمصر الناهضة، صنع به مختار لنفسه مكانة في وجدان المصريين.

 وتوفي مختار في 27 مارس 1934 قبل أن يكمل عامه الثالث والأربعين، وهنا تبدأ حكاية متحف مختار التي تمتد من يوم وفات مختار حتى افتتاح المتحف في احتفالات مرور عشر سنوات على 23 يوليو 1952.

 فما هي هذه الحكاية؟

 عندما رحل مختار كان لرحيله وقع صادم على أصدقائه ومحبيه، وقد سارعت السيدة هدى شعراوي إلى الدعوة لتأسيس جمعية لأصدقاء مختار تعمل على إحياء ذكراه، انضم لها عدد من أصدقائه، ووضعت الجمعية هدفًا من بين أهدافها جمع أعمال مختار في متحف أسوة بما كان يجرى مع كبار الفنانين الأوروبيين، وبادرت أسرة مختار بإهداء ما لديها من أعماله للدولة مقابل إقامة متحف ومقبرة لمختار، على أن تتولى جمعية أصدقاء مختار مهمة التنسيق مع الدولة، وبدأت الجمعية التي ترأستها السيدة هدى شعراوي في العمل على جلب أعمال مختار الموجودة في فرنسا، وصب نسخ من بعض الأعمال الموجودة في حوزة الأفراد ضمن مجموعاتهم الخاصة.


 وقد أدى قيام الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) إلى تعثر جهود استعادة أعمال مختار من الخارج؛ لكن ما أن انتهت الحرب حتى استأنفت الجمعية جهودها في جمع تراث مختار، وفي السعي لدى وزارة المعارف العمومية للوفاء بوعدها بإقامة المتحف، إلا أن وفاة هدى شعراوي في 12 ديسمبر 1947 أدت إلى تعثر الجهود وتوقف عمل جمعية أصدقاء مختار.

 وفي عام 1951 تجددت الجهود من أجل إقامة المتحف، عندما أعاد محمد بك شعراوي ابن هدى شعراوي إحياء جمعية أصدقاء مختار، وتواكب هذا مع تولي الدكتور طه حسين صديق مختار وعضو الجمعية وزارة المعارف العمومية في حكومة الوفد الأخيرة وتولي الفنان الرائد راغب عياد زميل دراسة مختار وصديقه إدارة متحف الفن الحديث، فتقرر حينئذ إقامة متحف مؤقت لأعمال مختار ملحقًا بمتحف الفن الحديث، وتحدد لافتتاحه يوم 27 مارس 1952 الذي يوافق الذكرى الثامنة عشر لرحيل مختار، لكن القدر لم يمهل طه حسين لافتتاح المتحف الذي وقف وراءه بقوة، فقد أقال الملك فاروق وزارة الوفد في أعقاب حريق القاهرة، وافتتح المتحف وزير المعارف وقتها محمد باشا رفعت، وبدى أن الأمر توقف عند هذا الحد.


المتحف القديم


  إلا أن الأمل في تحقيق حلم إقامة متحف خاص ومقبرة لمختار تجدد مرة أخرى عندما تولى الدكتور ثروت عكاشة وزارة الثقافة والإرشاد القومي في أكتوبر 1958.


ثروت عكاشة

 وحمل الشعلة من أجل تنفيذ المشروع الذي تحمس له الدكتور ثروت عكاشة ثلاثة رجال، هم الناقد بدر الدين أبو غازي ابن شقيقة مختار الذي قدم الفنان للجمهور من خلال كتابه "مختار حياته وفنه" ومقالاته المتعددة عنه، ومعه اثنان من تلاميذ مختار هما الفنان علي كامل الديب والفنان عبد القادر رزق، وانضم لهم المعماري رمسيس ويصا واصف الذي حول الفكرة الحلم إلى واقع على الأرض، عندما وضع تصميم المتحف وأشرف على تنفيذه، ويعد المعماري رمسيس ويصا واصف أحد أهم المعماريين المصريين في القرن العشرين وصاحب تجربة مميزة في مجال العمارة المستلهمة من البيئة والمرتبطة بها.


بدر الدين أبو غازي


علي كامل الديب


عبد القادر رزق


رمسيس ويصا واصف

 نجحت وزارة الثقافة والإرشاد القومي في إقناع محافظة القاهرة بتخصيص مساحة من الركن الغربي لحديقة الحرية لإقامة المتحف، في موضع منخفض عن مستوى الطريق، وجاء المبنى يحمل طرازًا معماريًا حديثًا لكنه مستلهم من عمارة المعابد المصرية القديمة، وعلى وجه التحديد واجهته التي تستدعي إلى الذهن واجهة معبد الدير البحري بالبر الغربي للأقصر، ويرتبط المبنى بالطريق من خلال جسر مقنطر.

 وقد أعيد تنظيم المتحف وتغيير مسار العرض فيه أكثر من مرة طوال السنوات الثمانية والخمسين منذ افتتاحه، ويتكون المتحف من دورين، الدور الأول وله شرفة كبيرة تسمح بعرض بعض الأعمال، وبها الآن تمثال كاتمة الأسرار ورأس تمثال سعد زغلول، ومدخل المتحف من هذا الدور حيث يلتقي الزائر بالنسخة الكبيرة من تمثال على شاطئ النيل؛ واحدة من مجموعة الفلاحات حاملات الجرار، وهي المجموعة المميزة لمختار والتي جسد فيها العلاقة بين الفلاحة والماء، ثم تواجه الزائر واحدة من أعمال مختار التي استلهم فيها الموروث التراثي المصري القديم، تمثال إيزيس الذي نحته مختار في الرخام الأبيض الناصع، وتضم القاعة مجموعة من أعمال مختار المنحوتة في الرخام.

 ويمزج الترتيب الحالي للعرض المتحفي بين أساسين: الخامة والموضوع، ويتكون المتحف من سبع قاعات للعرض بالإضافة إلى المقبرة وقاعة التذكارات، تشغل الأعمال البرونزية إحدى القاعات، بينما تشغل الأعمال الحجرية قاعة أخرى، ومشروع تمثالي سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية قاعة ثالثة، والبورتريهات الشخصية قاعة رابعة، ومن بينها تماثيله لعدلي يكن والدكتور علي إبراهيم ومحمود خيرت، ومجموعة الفلاحات قاعة خامسة.




 أما عمل مختار الفريد رياح الخماسين فقد احتل مركز قاعة صغيرة تحيط به بعض الأعمال الصغيرة، وإلى جانب إبراز العرض لتماثيل كاتمة الأسرار ورأس سعد وإيزيس ورياح الخماسين، يبرز العرض كذلك تمثال عروس النيل الذي نحته مختار في الحجر والتمثال البرونزي لقية في وادي الملوك الذي نحته مختار بمناسبة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.





 ويضم المتحف أربعة من أقدم أعمال مختار التي نحتها في فترة دراستها بمدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز بين عامي 1908 و1911، تماثيل التسول وابن البلد ورأس مارسيلة والتمثال النصفي لزميله الفنان محمد حسن، وهي كل ما تبقى من أعمال تلك المرحلة المبكرة.






 كما يحوي المتحف بعض الأعمال غير المكتملة مثل: مشروع تمثال الاستقلال وتمثال فارس وحصان ورجل يسير.



 أما قاعة التذكارات فتضم مجموعة من أوراق مختار الشخصية وصوره الفتوغرافية والأدوات التي كان يستخدمها في عمله، وبعض ملابسه، وقطعة من أثاث منزله، ونماذج لرسومه الكاريكاتيرية في جريدتي السياسة الأسبوعية والكشكول، واثنان من التماثيل الساخرة التي نحتها، ومن أهم ما تضمه قاعة التذكارات شهادة التقدير التي حصل عليها مختار من صالون باريس سنة 1920 للنموذج الأول من تمثال نهضة مصر، وصورة زنكوغرافية لخطاب متحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس إلى مؤتمر الصلح بفرساي الذي عقد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى للسماح لمختار بحضور جلسات المؤتمر لعمل تماثيل لقادة الدول الحاضرين في المؤتمر.

 كذلك تحوي القاعة طوابع البريد والعملات التذكارية التي صدرت في مناسبات مختلفة تخليدًا لذكرى مختار أو التي تحمل أعماله، ونسخة من الجبس لوجه مختار ويده اليمنى قام بصبهما زميله النحات أنطون حجار لحظة وفاته.







 أما المقبرة فبها تمثال نصفي لمختار نحته أيضًا أنطون حجار، ونحت بارز لوجه مختار من أعمال الفنان عبد القادر رزق، كما أهدى زميل دراسة مختار وصديقه الفنان الرائد يوسف كامل لوحة زيتية لمجموعة من الزهور إلى المتحف لتوضع في المقبرة، فقد جرت العادة في كل عام أن يحيي المتحف ذكرى ميلاد مختار وذكرى رحيله بحضور أفراد من أسرته وبعض أصدقائه وتلاميذه، ويضع الجميع بقات الزهور على المقبرة، وفي مرة من المرات قرر الفنان يوسف كامل أن يحمل معه لوحة الزهور بدلًا من الباقة، لتظل هذه اللوحة خالدة على جدار المقبرة.

مقالي المنشور بمجلة الثقافة الجديدة.

 

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...