الجمعة، 12 فبراير 2021

متحف مختار

 

متحف مختار

عماد أبو غازي

 في الطرف الغربي من حديقة الحرية بالجزيرة يقع مبنى متحف مختار الذي افتتحه وزير البحث العلمي صلاح هدايت نيابة عن الرئيس جمال عبد الناصر ومعه الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد القومي، في صباح يوم 24 يوليو 1962، ويعتبر متحف مختار أول متحف تقيمه الدولة في مصر مخصص لأعمال فنان مصري واحد، كما يعد رابع المتاحف الفنية في مصر، فقد سبقه متحف الفن الحديث بالقاهرة ومتحف الشمع بحلوان ومتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية، وقد افتتح معه أيضًا في الأسبوع نفسه متحف محمد محمود خليل بالجيزة.

 ويضم متحف مختار معظم أعمال نحات مصر الأول محمود مختار (10 مايو 1891 - 27 مارس 1934)، بالإضافة إلى بعض أوراقه وصوره ومتعلقاته الشخصية، ويضم المتحف كذلك مقبرة مختار، وقد نقلت إليها رفاته من مقابر أسرته قبيل افتتاح المتحف بأيام.




وقد ولد مختار في 10 مايو 1891 بقرية طنبارة من قرى محافظة الغربية، وهي قرية صغيرة قريبة من مدينة المحلة الكبرى، كان أبوه الشيخ إبراهيم العيسوي عمدة للقرية، أما أمه نبوية البدراوي فكانت ابنه للبدراوي أحمد عمدة قرية نشا السابق الذي نفاه الخديوي إسماعيل إلى السودان وصادر أملاكه بسبب مواقفه المعارضة لسياسته، وتتبع قرية نشا الآن محافظة الدقهلية.

 كانت نبوية البدراوي الزوجة الثانية للشيخ إبراهيم العيسوي، تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى، وكانت في سن أبنائه من تلك الزوجة المتوفاة، وقد أنجبت له مختارًا وبنتين تصغرانه سنا، لكن نبوية البدراوي لم تستمر كثيرًا مع زوجها الشيخ الكبير، وانفصلت عنه عندما أحست بأنه يميز أبناءه من زوجته الأولى عن أبنائه منها، وعادت أم مختار إلى قريتها نشا، وهناك نشأ مختار، وأمضى طفولته، وصنع تماثيله الأولى من الطين على ضفاف الترعة.

والدة مختار نبوية البدراوي

 ومع مطلع القرن العشرين انتقلت السيدة نبوية البدراوي إلى القاهرة لتعيش فيها بعد عودتها من رحلة للحج، وسرعان ما لحق بها ابنها مختار، عندما رآه الشيخ محمد أبو غازي أحد رجال قريته نشا يبكي على الطريق مفتقدًا أمه وشقيقتاه، فقرر أن يصحبه معه إلى القاهرة غير مبال بغضب أخواله، فتغير مصير مختار وهو في الحادية عشرة من عمره، ليصبح بعد سنوات قليلة نحات مصر الأول في عصره وليترك لنا في حياته الفنية القصيرة التي أمضاها بين القاهرة وباريس قرابة مئة عمل معظمها بمتحفه بحديقة الحرية بالجزيرة، بالإضافة إلى التماثيل الميدانية الثلاثة؛ نهضة مصر وتمثالا سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية.

 في القاهرة شق مختار طريقًا جديدًا لحياته عندما افتتح الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة بقصره بدرب الجماميز، وعين فيها عددًا من الأساتذة الأوروبيين، وكان مختار أول طالب يلتحق بالمدرسة الجديدة يوم افتتاحها في 12مايو 1908، بعد يومين من إكماله عامه السابع عشر.

مختار في مدرسة الفنون الجميلة

 في سنوات الدراسة تبين أساتذته نبوغه وتميزه في فن النحت، فخصصوا له مشغلًا منفردًا بالكلية، ونحت مختار مجموعة من الأعمال خلال سنوات دراسته بمدرسة الفنون بالقاهرة مستلهمًا أغلبها من التراث العربي أو من البيئة المحيطة به، لكن لم يتبق منها إلا القليل، وقد شارك مختار ببعضها في أول معرض لطلبة مدرسة الفنون الجميلة.

 وعندما تخرج مختار من المدرسة في سنة 1911 أرسله الأمير إلى مدرسة الفنون الجميلة بباريس في بعثة لاستكمال دراسته لفن النحت بناء على توصية أساتذته، وهناك أعاد اكتشاف هويته المصرية، وقد أمضى مختار سنوات الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) في باريس في ظروف قاسية، لكنه تمكن قرب نهاية الحرب من الالتحاق بمتحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس، وهناك نحت مجموعة من الأعمال فقدت جميعها للأسف ووصلتنا صور فوتوغرافية للقليل منها، مثل تمثاله لأم كلثوم وتمثال راقصة البالية آنا بافلوفا.

مختار في باريس



متحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس

 وتعتبر ثورة 1919 الميلاد الجديد لمختار، فعندما قامت الثورة قرر أن يخلدها بتمثال يعبر عن الصحوة المصرية، فجاء تمثال نهضة مصر الذي عرض نموذجه المصغر بصالون باريس للفنون ونال عنه شهادة تقدير، والتف المصريون حول فكرة التمثال واكتتبوا من أجل إقامته، وأصبح التمثال رمزًا لمصر الناهضة، صنع به مختار لنفسه مكانة في وجدان المصريين.

 وتوفي مختار في 27 مارس 1934 قبل أن يكمل عامه الثالث والأربعين، وهنا تبدأ حكاية متحف مختار التي تمتد من يوم وفات مختار حتى افتتاح المتحف في احتفالات مرور عشر سنوات على 23 يوليو 1952.

 فما هي هذه الحكاية؟

 عندما رحل مختار كان لرحيله وقع صادم على أصدقائه ومحبيه، وقد سارعت السيدة هدى شعراوي إلى الدعوة لتأسيس جمعية لأصدقاء مختار تعمل على إحياء ذكراه، انضم لها عدد من أصدقائه، ووضعت الجمعية هدفًا من بين أهدافها جمع أعمال مختار في متحف أسوة بما كان يجرى مع كبار الفنانين الأوروبيين، وبادرت أسرة مختار بإهداء ما لديها من أعماله للدولة مقابل إقامة متحف ومقبرة لمختار، على أن تتولى جمعية أصدقاء مختار مهمة التنسيق مع الدولة، وبدأت الجمعية التي ترأستها السيدة هدى شعراوي في العمل على جلب أعمال مختار الموجودة في فرنسا، وصب نسخ من بعض الأعمال الموجودة في حوزة الأفراد ضمن مجموعاتهم الخاصة.


 وقد أدى قيام الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) إلى تعثر جهود استعادة أعمال مختار من الخارج؛ لكن ما أن انتهت الحرب حتى استأنفت الجمعية جهودها في جمع تراث مختار، وفي السعي لدى وزارة المعارف العمومية للوفاء بوعدها بإقامة المتحف، إلا أن وفاة هدى شعراوي في 12 ديسمبر 1947 أدت إلى تعثر الجهود وتوقف عمل جمعية أصدقاء مختار.

 وفي عام 1951 تجددت الجهود من أجل إقامة المتحف، عندما أعاد محمد بك شعراوي ابن هدى شعراوي إحياء جمعية أصدقاء مختار، وتواكب هذا مع تولي الدكتور طه حسين صديق مختار وعضو الجمعية وزارة المعارف العمومية في حكومة الوفد الأخيرة وتولي الفنان الرائد راغب عياد زميل دراسة مختار وصديقه إدارة متحف الفن الحديث، فتقرر حينئذ إقامة متحف مؤقت لأعمال مختار ملحقًا بمتحف الفن الحديث، وتحدد لافتتاحه يوم 27 مارس 1952 الذي يوافق الذكرى الثامنة عشر لرحيل مختار، لكن القدر لم يمهل طه حسين لافتتاح المتحف الذي وقف وراءه بقوة، فقد أقال الملك فاروق وزارة الوفد في أعقاب حريق القاهرة، وافتتح المتحف وزير المعارف وقتها محمد باشا رفعت، وبدى أن الأمر توقف عند هذا الحد.


المتحف القديم


  إلا أن الأمل في تحقيق حلم إقامة متحف خاص ومقبرة لمختار تجدد مرة أخرى عندما تولى الدكتور ثروت عكاشة وزارة الثقافة والإرشاد القومي في أكتوبر 1958.


ثروت عكاشة

 وحمل الشعلة من أجل تنفيذ المشروع الذي تحمس له الدكتور ثروت عكاشة ثلاثة رجال، هم الناقد بدر الدين أبو غازي ابن شقيقة مختار الذي قدم الفنان للجمهور من خلال كتابه "مختار حياته وفنه" ومقالاته المتعددة عنه، ومعه اثنان من تلاميذ مختار هما الفنان علي كامل الديب والفنان عبد القادر رزق، وانضم لهم المعماري رمسيس ويصا واصف الذي حول الفكرة الحلم إلى واقع على الأرض، عندما وضع تصميم المتحف وأشرف على تنفيذه، ويعد المعماري رمسيس ويصا واصف أحد أهم المعماريين المصريين في القرن العشرين وصاحب تجربة مميزة في مجال العمارة المستلهمة من البيئة والمرتبطة بها.


بدر الدين أبو غازي


علي كامل الديب


عبد القادر رزق


رمسيس ويصا واصف

 نجحت وزارة الثقافة والإرشاد القومي في إقناع محافظة القاهرة بتخصيص مساحة من الركن الغربي لحديقة الحرية لإقامة المتحف، في موضع منخفض عن مستوى الطريق، وجاء المبنى يحمل طرازًا معماريًا حديثًا لكنه مستلهم من عمارة المعابد المصرية القديمة، وعلى وجه التحديد واجهته التي تستدعي إلى الذهن واجهة معبد الدير البحري بالبر الغربي للأقصر، ويرتبط المبنى بالطريق من خلال جسر مقنطر.

 وقد أعيد تنظيم المتحف وتغيير مسار العرض فيه أكثر من مرة طوال السنوات الثمانية والخمسين منذ افتتاحه، ويتكون المتحف من دورين، الدور الأول وله شرفة كبيرة تسمح بعرض بعض الأعمال، وبها الآن تمثال كاتمة الأسرار ورأس تمثال سعد زغلول، ومدخل المتحف من هذا الدور حيث يلتقي الزائر بالنسخة الكبيرة من تمثال على شاطئ النيل؛ واحدة من مجموعة الفلاحات حاملات الجرار، وهي المجموعة المميزة لمختار والتي جسد فيها العلاقة بين الفلاحة والماء، ثم تواجه الزائر واحدة من أعمال مختار التي استلهم فيها الموروث التراثي المصري القديم، تمثال إيزيس الذي نحته مختار في الرخام الأبيض الناصع، وتضم القاعة مجموعة من أعمال مختار المنحوتة في الرخام.

 ويمزج الترتيب الحالي للعرض المتحفي بين أساسين: الخامة والموضوع، ويتكون المتحف من سبع قاعات للعرض بالإضافة إلى المقبرة وقاعة التذكارات، تشغل الأعمال البرونزية إحدى القاعات، بينما تشغل الأعمال الحجرية قاعة أخرى، ومشروع تمثالي سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية قاعة ثالثة، والبورتريهات الشخصية قاعة رابعة، ومن بينها تماثيله لعدلي يكن والدكتور علي إبراهيم ومحمود خيرت، ومجموعة الفلاحات قاعة خامسة.




 أما عمل مختار الفريد رياح الخماسين فقد احتل مركز قاعة صغيرة تحيط به بعض الأعمال الصغيرة، وإلى جانب إبراز العرض لتماثيل كاتمة الأسرار ورأس سعد وإيزيس ورياح الخماسين، يبرز العرض كذلك تمثال عروس النيل الذي نحته مختار في الحجر والتمثال البرونزي لقية في وادي الملوك الذي نحته مختار بمناسبة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.





 ويضم المتحف أربعة من أقدم أعمال مختار التي نحتها في فترة دراستها بمدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز بين عامي 1908 و1911، تماثيل التسول وابن البلد ورأس مارسيلة والتمثال النصفي لزميله الفنان محمد حسن، وهي كل ما تبقى من أعمال تلك المرحلة المبكرة.






 كما يحوي المتحف بعض الأعمال غير المكتملة مثل: مشروع تمثال الاستقلال وتمثال فارس وحصان ورجل يسير.



 أما قاعة التذكارات فتضم مجموعة من أوراق مختار الشخصية وصوره الفتوغرافية والأدوات التي كان يستخدمها في عمله، وبعض ملابسه، وقطعة من أثاث منزله، ونماذج لرسومه الكاريكاتيرية في جريدتي السياسة الأسبوعية والكشكول، واثنان من التماثيل الساخرة التي نحتها، ومن أهم ما تضمه قاعة التذكارات شهادة التقدير التي حصل عليها مختار من صالون باريس سنة 1920 للنموذج الأول من تمثال نهضة مصر، وصورة زنكوغرافية لخطاب متحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس إلى مؤتمر الصلح بفرساي الذي عقد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى للسماح لمختار بحضور جلسات المؤتمر لعمل تماثيل لقادة الدول الحاضرين في المؤتمر.

 كذلك تحوي القاعة طوابع البريد والعملات التذكارية التي صدرت في مناسبات مختلفة تخليدًا لذكرى مختار أو التي تحمل أعماله، ونسخة من الجبس لوجه مختار ويده اليمنى قام بصبهما زميله النحات أنطون حجار لحظة وفاته.







 أما المقبرة فبها تمثال نصفي لمختار نحته أيضًا أنطون حجار، ونحت بارز لوجه مختار من أعمال الفنان عبد القادر رزق، كما أهدى زميل دراسة مختار وصديقه الفنان الرائد يوسف كامل لوحة زيتية لمجموعة من الزهور إلى المتحف لتوضع في المقبرة، فقد جرت العادة في كل عام أن يحيي المتحف ذكرى ميلاد مختار وذكرى رحيله بحضور أفراد من أسرته وبعض أصدقائه وتلاميذه، ويضع الجميع بقات الزهور على المقبرة، وفي مرة من المرات قرر الفنان يوسف كامل أن يحمل معه لوحة الزهور بدلًا من الباقة، لتظل هذه اللوحة خالدة على جدار المقبرة.

مقالي المنشور بمجلة الثقافة الجديدة.

 

الثلاثاء، 12 يناير 2021

مصري في مؤتمر فرساي

 

مصري في مؤتمر فرساي

عماد أبو غازي

 من المعروف لنا جميعًا أن السبب الأساسي لتشكيل الوفد المصري كان المشاركة في مؤتمر الصلح في باريس أو ما عرف بمؤتمر فرساي في أعقاب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، ذلك المؤتمر الذي كان مقدرًا له أن يعيد رسم خريطة العالم بأيدي المنتصرين.

 والمعروف كذلك أن ثورة 1919 اشتعلت بسبب إصرار سعد زغلول ورفاقه على المشاركة في المؤتمر، ورفض سلطات الاحتلال البريطاني الاستجابة لمطلبهم، ثم القبض عليهم ونفيهم إلى مالطة يوم 8 مارس، فاشتعلت الثورة في اليوم التالي.

 ونعرف أيضًا أن الثورة نجحت في اجبار سلطات الاحتلال على الإفراج عن سعد وزملائه والسماح لهم بالسفر، وأنهم سافروا بالفعل إلى باريس، ولم يتمكنوا من حضور المؤتمر الذي أقر باحتلال بريطانيا لمصر.

 كما نعرف أن محمد فريد رئيس الحزب الوطني المصري الذي كان يعيش في منفاه الاختياري في أوروبا قد حاول هو الآخر التواصل مع المؤتمر وتحقيق حلم المصريين في المشاركة فيه لإنهاء احتلال وطنهم، لكنه فشل هو الآخر.

 أما الأمر الذي لا يعرفه أكثرنا أن مصر دخلت مؤتمر فرساي من باب الفن؛ وأن المصري الوحيد الذي حضر مؤتمر فرساي كان المثال المصري محمود مختار.


مختار

فما هي الحكاية؟

 سافر مختار إلى فرنسا بعد أن أنهى دراسته في مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة سنة 1911 في بعثة على نفقة الأمير يوسف كمال، لاستكمال دراسته لفن النحت بمدرسة الفنون الجميلة في باريس، ونجح بعد ثلاث سنوات من الدراسة في أن يعرض عملًا من أعماله في صالون باريس، وكان هذا العمل تمثال عايدة المستوحى من الأوبرا الشهيرة التي ألفها فيردي، وجاء في زيارة قصيرة إلى القاهرة في صيف 1914، عاد بعدها إلى باريس ليستكمل حلمه بالاحتكاك بعالم الفن الرحب؛ لكن طريقه لم يكن سهلًا ميسرًا، ففي 28 يوليو 1914 اشتعلت الشرارة الأولى للحرب العظمى كما سُميت وقتها، والتي أصبحنا نسميها بعد ذلك الحرب العالمية الأولى، تميزًا لها عن الحرب العالمية الثانية (1939-1945).


مختار في مرسمه في باريس

 وتقطعت السبل بمختار وانقطع عنه المال وعجز عن العودة للوطن، وعاش سنوات ثلاث قاسية عمل فيها في بعض الأحيان عاملًا في مصانع الذخيرة أو حمالًا حتى يتمكن من العيش، لكنه في نفس الوقت لم ينقطع عن ممارسة فنه.

 وفي السنة الأخيرة من الحرب أشرقت دنياه من جديد عندما رشحه أحد أساتذته للعمل في متحف جريفان للتماثيل الشمعية بباريس، وهو واحد من أهم متاحف الشمع في العالم، وسرعان ما أصبح مختار مديرًا فنيًا للمتحف.

 في 11 نوفمبر سنة 1918 توقفت المدافع في جبهات القتال في أوروبا، وحقق الحلفاء (بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة) نصرًا حاسمًا على دول المحور (ألمانيا والنمسا والمجر والدولة العثمانية)، وتقرر أن يُعقد مؤتمر دولي للصلح في فرنسا، عُرف بمؤتمر فرساي يضع فيه المنتصرون شروطهم ويقسموا الغنائم فيما بينهم، وتقرر أن يبدأ المؤتمر يوم 18 يناير سنة 1919، وفي 13 نوفمبر طالب سعد زغلول ورفقيه على شعراوي عبد العزيز فهمي السماح لهم بالسفر، ومن هنا بدأت رحلة الوفد المصري في السعي لنيل استقلال مصر.


13 نوفمبر 1918 جدارية على تمثال سعد بالإسكندرية

 على الجانب الآخر قررت إدارة متحف جريفان أن تسجل الحدث فنيًا، فطبيعة متاحف التماثيل الشمعية تقوم على عمل تماثيل للشخصيات السياسية والعسكرية والفنية، ومحاكاة الواقع ومتابعة أحداثه من خلال أعمال فنانيها التي تجسد هذه الأحداث في تماثيل من الشمع الملون، وقد رشح المتحف مديره الفني المثال المصري الشاب محمود مختار ليقوم بهذه المهمة، مهمة نحت تماثيل القادة المنتصرين.

 وكان مختار قد نحت للمتحف مجموعة من الأعمال المعبرة عن أحداث الحرب العالمية، منها "حلم غليوم" إمبراطور ألمانيا المهزوم الذي أشعل الحرب، وتمثال "تدمير كاتدرائية ريمس" وهي كاتدرائية أثرية في مدينة ريمس الواقعة إلى الشمال الشرقي من باريس والتي دمرها الألمان في بداية الحرب في سبتمبر سنة 1914 أثناء اجتياحهم الحدود الفرنسية، وكذلك تمثال "نضال الدبابات في الحرب"، وكانت الدبابة سلاح جديد ظهر لأول مرة في الحرب العالمية الأولى، واستخدم في جبهات القتال في محاولة لتقليل الخسائر البشرية عند اقتحام خطوط العدو، ثم تمثال "عودة الجنود الفرنسيين إلى باريس بعد النصر".

 كما صنع تماثيل لبعض القادة العسكريين الذين شاركوا في معارك الحرب على جبهات القتال، مثل: كتشنر وجوفر وبرشنج وفرنش.

 كان المطلوب من مختار أن يحضر في جلسات مؤتمر الصلح كمراقب ليصنع مجموعة من التماثيل الشخصية لقادة الحرب المنتصرين وللقادة السياسيين لدول الحلفاء، وبالفعل تقدمت إدارة المتحف بطلب للسلطات الفرنسية للحصول على تصريح يُسمح بمقتضاه للنحات محمود مختار بدخول ساحات المؤتمر، وعمل الرسوم التحضيرية لتماثيل القادة المنتصرين، وما زال متحف مختار بحديقة الحرية بالقاهرة يحتفظ في قاعة التذكارات بخطاب المتحف عليه صورة شخصية لمختار.

 كان هناك أربع شخصيات محورية في المؤتمر: الرئيس الأمريكي وودرو ولسن صاحب المبادئ الأربعة عشر الشهير، والذي دخلت بلاده الحرب في سنتها الأخيرة فرجحت كفة الحلفاء، ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد لويد جورج، ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو، ورئيس وزراء إيطاليا فيتوريو إمانويلي أورلاندو، ونعرف أن مختار نحت تماثيل شمعية للثلاثة الأول على الأقل وضعت في متحف جريفان.


المنتصرون

 وهكذا كان مختار المصري الوحيد الذي سُمح له بحضور بعض جلسات مؤتمر الصلح، ليس ليحمل مطالب الشعب المصري في الاستقلال، لكن لينحت تماثيل قادة الدول الذين اجتمعوا لإعادة رسم خارطة العالم، في الوقت الذي لم يستمع فيه المؤتمر لمطالب ممثلي الشعب المصري الموكلين عنه للدفاع عن قضيته، أعني أعضاء الوفد المصري برئاسة سعد زغلول.

 هذا عن قصة مختار المصري الذي حضر مؤتمر الصلح من خلال عمله في متحف جريفان، لكن هل انتهت علاقة مختار بمتحف جريفان للشمع بهذه المهمة؟

 لقد ترك مختار أعمالًا أخرى في المتحف، نعرف منها عملين وصلت لنا صورهما الفوتوغرافية، والعملان يجسدان شخصيتين فنيتين نسائيتين ربطتهما بمختار علاقات صداقة وطيدة، وقرر أن يخلدهما بتمثالين من الشمع ينبضان بالحياة يصنعهما لهما في متحف جريفان.

  الصديقة الأولى هي راقصة البالية الروسية الشهيرة آنا بافلوفا (1881-1931) التي تعرف عليها في باريس، ثم زارت مصر، وأثناء زيارتها التقت مختار وترددت عليه أثناء عمله في تمثال نهضة مصر، وقضت ساعات معه في موقع العمل، والتمثال الذي نحته لها يجسدها وهي تؤدي إحدى رقصاتها.




آنا بافلوفا

  أما الصديقة الثانية فهي الفنانة الشابة الصاعدة وقتها أم كلثوم، والتي ربطته به صداقة طويلة، وعندما طلبت منه إدارة متحف جريفان أن ينحت تمثالًا لشخصية مصرية يوضع في المتحف، اختار بلا تردد أن يكون التمثال لأم كلثوم، ولم يكن تمثال أم كلثوم الشمعي في متحف جريفان التمثال الوحيد الذي نحته مختار لأم كلثوم، فقد نحت لها تمثالًا نصفيًا، لكن مصيره مجهول.





أم كلثوم

 يبقى سؤال أخير؛ أين هذه التماثيل الآن؟

 في عام 1991 أثناء الاحتفال بالمئوية الأولى لميلاد مختار أرسلت جمعية أصدقاء متحف مختار التي كانت الشريك الأساسي مع وزارة الثقافة المصرية في تنظيم تلك الاحتفالية التي استمرت على مدى عام كامل رسالة إلى إدارة متحف جريفان في باريس تطلب بيانات عن فترة عمل مختار في المتحف، وصور لأعماله، وتتساءل عن مصير هذه الأعمال، هل هي محفوظة في مخازن المتحف؟ باعتبار أن طبيعة العرض في متاحف الشمع تعتمد أسلوب العرض المتغير عادة.


تمثال أم كلثوم وتمثال آنا بافلوفا في قاعة العرض

 وجاء الرد صادمًا؛ لقد تم تدمير المتحف بالكامل في الحرب العالمية الثانية، وضاع معظم أرشيفه ولم يعد للأعمال القديمة أثر، وبدلًا من أن نحصل من المتحف على معلومات عن مآل أعمال مختار، والأوراق الخاصة به في متحف جريفان وجدنا أنفسنا في موقف مختلف تمامًا، فأرسلنا إلى المتحف صورة من الوثيقة الموجودة لدينا، وصور لتمثال أم كلثوم منفردًا، وصورة لقاعة العرض في المتحف يظهر فيها تمثال آنا بافلوفا وتمثال أم كلثوم.

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

في حب إسكندرية

في حب إسكندرية

 وأنا بارتب في أوراقي القديمة لقيت ورقة فيها أفكار كلمة كنت قلتها في احتفال في مكتبة الإسكندرية شاركت فيه لما كنت أمين للمجلس الأعلى للثقافة، والاحتفال كان منظمه زوجين من الأجانب اللي عاشوا عمرهم في اسكندرية وكان عنوان الاحتفال "في حب إسكندرية"، ومعاها لقيت قصاصة ورق فيها كلام عن زيارتي الأول لإسكندرية كنت كتبته في أغسطس 2008 وأنا قاعد في تريانون لما انتبهت يومها إن عدى خمسين سنة على أول زيارة لي لإسكندرية، وكلمتي المرتجلة في الاحتفال كانت من النقط اللي في الورقتين دول، عملت هنا صياغة للكلمة اللي عدى عليها 10 سنين معتمد على اللي باقي من الذاكرة.












في حب الإسكندرية

عماد أبو غازي

 للزيارة الأولى مذاق خاص، تترك بصمات في الذاكرة لا تنمحي، خصوصًا إذا وقعت هذه الزيارة في مرحلة مبكرة من العمر.

 زرت الإسكندرية للمرة الأولى منذ اثنتين وخمسين عامًا، على وجه التحديد في أغسطس عام 1958، كانت المرة الأولى التي أرى فيها "البحر المالح" كما كانت جدتي لأبي ذات الأصول الريفية تطلق عليه.

 البحر الذي يربط جنوب المتوسط بشماله، ويفصل بينهما أيضًا؛ والمدينة التي تعد نافذة لمصر على العالم ونافذة للعالم على مصر.

 وقتها لم يكن وعي الطفل المحدود ومدركاته القاصرة تسمحان لي بفهم هذه المعاني؛ لكنها معاني أخذت تنمو في الوجدان وفي العقل شيئًا فشيئًا مع تكرار الزيارات واتساع المدارك، والاتجاه لدراسة التاريخ.


 ما أتذكره من الزيارة الأولى هذا البحر الذي لا حد لنهايته، التاكسي برتقالي اللون، والترام "أبو دورين"، حدائق أنطونيادس بجمالها الأخاذ، النزهة وحديقة الحيوان، حديقة الشلال يتوسطها تمثال لنوبار باشا، القصور الملكية التي كانت قد تحولت إلى مزارات مفتوحة للشعب، المتحف اليوناني الروماني بمنحوتاته التي كانت في عيني تختلف في غالبيتها العظمى عما اعتدت أن أراه في المتحف المصري بالقاهرة، تمثال الخديوي إسماعيل في موضعه الأصلي، وتمثال محمد علي باشا بميدان المنشية، طابية الإسكندرية ومطعم بترو وفيه ركن توفيق الحكيم، ثم محطة الرمل بمقاهيها ومحالها وسلمها المتحرك، يتوسط ميدانها تمثال الزعيم سعد زغلول بما يحمله من دلالات ومعان خاصة بالنسبة لي.







 كانت هذه هي الإسكندرية التي حفرتها في الذاكرة الزيارة الأولى.



 تدريجيًا بدأت أتعرف على جوانب أخرى للمدينة، وفهمت ما تحمله هذه المدينة من قيم ومعان في جنباتها.

 الإسكندرية هذه المدينة الساحرة التي تحمل تاريخًا وتراثًا تمتد جذوره في الماضي لأكثر من ألفي وثلاثمئة عام؛ منذ شيد الإسكندر الأكبر هذه المدينة المتوسطية التي ارتبطت باسمه أصبح قدرها أن تكون مدينة للتفاعل والحوار بين شمال المتوسط وجنوبه، بين حضارات الشرق القديم "العجوزة" والحضارة الأوروبية التي كانت في صعودها آنذاك، وكذلك أن تكون واجهة للصدام والصراع الدامي.

 ورغم أن المدينة كانت في البداية مدينة مغلقة على الإغريق، وظلت كذلك لفترة من الزمن في عصر البطالمة خلفاء الإسكندر الأكبر مثلها في ذلك مثل كل العواصم التي شيدها الغزاة الفاتحون؛ فكذلك كانت الفسطاط عند إنشائها، ثم كانت القاهرة أيضًا حصنًا للخليفة الفاطمي وأسرته ورجال دولته؛ لكن هذه المدن سرعان ما تفتح أبوابها أمام أبناء الشعب وتصبح مجالًا للاختلاط والتفاعل، هذا التفاعل هو الذي يمنحها مكانتها الثقافية دائمًا.

 لقد أصبحت الإسكندرية على مدى قرون عاصمة للثقافة والفكر في العالم القديم، سواء في الحقبة البطلمية أو الرومانية أو بعد انتشار المسيحية بين المصريين، وكانت قبلة لحملة العلم في العالم القديم ومقصدًا للباحثين عن المعرفة، وأصبحت مكتبة الإسكندرية مركزًا للعلم والثقافة في عالم يموج بحركة الأفكار، وارتبطت بها أسماء مهمة في تاريخ العلم والثقافة والمعرفة الإنسانية؛ وكانت للإسكندرية مدرستها الهلينستية ومدرستها المسيحية، فظهرت في الإسكندرية أسماء مثل إقليدس وهيباتيا وبطليموس الجغرافي ومانيتون السمنودي، ومار مرقس وإثناسيوس الرسولي وغيرهم كثيرين .

 وبعد دخول العرب مصر أصبحت مركزًا من مراكز التصوف المصري، وكانت ملجأً لعدد من أعلام الفكر مثل الشاطبي والمرسي أبو العباس وغيرهما ممن جاءوا إليها لاجئين من الأندلس وشمال أفريقيا فأثروا حياتها الفكرية والثقافية، ورغم تراجع دور الإسكندرية في العصور الوسطى إلا أنها ظلت مركزًا من مراكز التجارة العالمية ومقرًا لقنصليات المدن الأوروبية التي تعاملت تجاريًا مع مصر المملوكية؛ وفي الوقت ذاته كانت عرضه لغارات القراصنة وغزوات الغزاة، فشيد فيها سلاطين المماليك وأمرائهم القلاع لحمايتها، وما زالت قلعة قايتباي تقف شامخة على طرف الميناء الشرقي، وفي مقابلها أطلال قلعة الأمير يشبك من مهدي الدوادار التي اكتشف موضعها وبقايا أساساتها أستاذي الدكتور عبد اللطيف إبراهيم من خلال وثيقة وقف الأمير يشبك قبل أكثر من نصف قرن.





 وفي العصر الحديث عادت الإسكندرية مركزًا ثقافيًا وحضاريًا، ففيها بدأت كثير من الصحف التي صدرت في مصر، وفيها نشأت الجمعيات الثقافية والسياسية في القرن التاسع عشر، وتأسست الفرق المسرحية وبدأت العروض السينمائية؛ ظهر فيها النديم وبيرم التونسي وسيد درويش ومحمود سعيد والأخوين وانلي، وعاش فيها كافافيس؛ وتغنى بها الشعراء.





 وفي عالم اليوم تكتسب الثقافة والمعرفة أهمية كبيرة؛ فالثقافة جسر لتحقيق التواصل بين شعوب الأرض، ومهمتنا أن نجعل من الإسكندرية مدينة للحوار والتفاعل الثقافي؛ كما أن المعرفة أصبحت الثروة الرئيسية ومصدر القوة وعلينا أن نكتسبها.

 وعلى أبواب الألفية الثالثة كان إحياء مكتبة الإسكندرية لتضيف إلى خارطة الثقافة في المدينة منارة إشعاع ولتصبح مركزًا للمعرفة في عصر مجتمع المعرفة، ولتبني جسورًا للتواصل عبر المتوسط ولتكون نافذة لمصر على العالم ونافذة للعالم على مصر مثلما كانت المدينة في ماضيها.

 

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...