الجمعة، 23 أغسطس 2019

تقديم مذكرات مصطفى النحاس



مذكرات النفي
 من حوالي خمس سنوات ابتديت الشغل في تحقيق مذكرات النفي اللي كتبها مصطفى النحاس في سيشيل؛ كان نفسي تتنشر في 23 أغسطس 2015 في ذكرى 50 سنة على رحيله، بس ما قدرتش النهارده انتهيت منها في يوم الذكرى الأربعة وخمسين، وأتمنى إنها تلحق تتنشر السنة دي واحنا بنحتفل بالذكرى المئوية الأولى لثورة 1919 اللي كان مصطفى النحاس واحد من رجالها...
 ده جزء من التقديم اللي عملته للمذكرات...


تقديم مذكرات مصطفى النحاس
عماد أبو غازي
 لعب مصطفى النحاس (15 يونيو 1879 - 23 أغسطس 1965) دورًا مهمًا في السياسة المصرية على مدى نصف قرن، بداية من انتمائه لتيار الحزب الوطني في مطلع القرن العشرين، ثم انضمامه إلى الوفد المصري؛ فهو ينتمي إلى الرعيل الأول من مؤسسي الوفد المصري الذين انضموا إلى سعد زغلول، ثم أصبح من أقرب المقربين إليه، ونفي معه في المنفى الثاني إلى سيشيل؛ وصار سكرتيرًا عامًا للوفد المصري؛ وتولى رئاسة الحزب بعد وفاة سعد في أغسطس سنة 1927، وانتهى هذا الدور في الحياة السياسية المصرية بعد يوليو 1952 بشهور قليلة مع حل الأحزاب السياسية، فقد ظل النحاس معزولًا سياسيًا حتى وفاته في 23 أغسطس 1965.
 لقد قدم مصطفى النحاس الكثير لوطنه ولم يلق بعد الاحتفاء الذي يقابل ما أعطاه لمصر، كان مصطفى النحاس واحدًا من أبرز القادة التاريخيين لحركات الاستقلال الوطني ذات التوجه الديمقراطي التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، يقف اسمه بجداره إلى جانب أسماء عظيمة لعبت دورًا في تاريخ الإنسانية مثل: غاندي ونهرو في الهند وديفاليرا في أيرلندا وسعد زغلول في مصر، كان خليفة لسعد في نضاله مثلما كان نهرو خليفة لغاندي، وطوال تاريخه السياسي قدم نموذجًا للتمسك بالمبادئ، والصمود في وجه العواصف العاتية.
 فاز مصطفى النحاس بعضوية مجلس النواب في أول انتخابات برلمانية أجريت على أساس من دسنور 1923، ثم شارك في أول حكومة وفدية تشكلت بناء على نتيجة تلك الانتخابات التي اكتسحها الوفد المصري؛ وقد تشكلت هذه الحكومة في 28 يناير 1924 برئاسة سعد زغلول، وتولى مصطفى النحاس فيها وزارة المواصلات، لكن تلك الوزارة لم تكمل العام واستقالت في نوفمبر 1924 احتجاجًا على العقوبات التي فرضتها بريطانيا على مصر بعد اغتيال السردار لي ستاك؛ وقد انتخب النحاس مرة أخرى عضوًا في مجلس النواب في عام 1926 وأصبح وكيلًا للمجلس.
 وبعد وفاة سعد زغلول في 23 أغسطس 1927 بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصطفى النحاس، قثد انتخبه الوفد رئيسًا له في 23 سبتمبر وأقر الانتخاب رسميًا في اجتماع الهيئة البرلمانية الوفدية في 26 سبتمبر، وحل محله في سكرتارية الوفد مكرم عبيد، ومن يومها حمل مصطفى النحاس راية النضال الوطني والديمقراطي رئيسًا لحزب الأغلبية في ظروف حصار مستمر للحياة النيابية على يد الملك المستبد أحمد فؤاد والملك المتلاعب بالدستور فاروق وحكومات الانقلابات الدستورية التي أتيا بها؛ ومن قبلهما على يد السفارة البريطانية التي تدخلت دومًا في السياسة المصرية.
  وبعد أن أصبح رئيسًا للوفد المصري تم انتخابه رئيسًا لمجلس النواب خلفًا لسعد زغلول في نوفمبر 1927، ثم أصبح رئيسًا للوزراء لأول مرة في مارس 1928؛ وخلال الفترة من مارس 1928 إلى يناير 1952 تولى مصطفى النحاس باعتباره رئيسًا لحزب الأغلبية رئاسة الوزارة سبع مرات، كان في بعضها مؤتلفًا مع أحزاب أخرى؛ لكن مجموع ما قضاه مصطفى النحاس في الحكم متفرقًا لا يتجاوز سبع سنوات وعدة أسابيع قليلة، وأطول فترة متصلة أمضاها رئيسًا للوزارة كانت عامين وبضعة أشهر؛ فعادة ما كان حكمه ينتهي بانقلاب دستوري يدبره الملك بمباركة الإنجليز، وفي الوزارة الأخيرة التي أقالها فاروق في 27 يناير 1952، كان حريق القاهرة يوم 26 يناير والذي يكتنفه الغموض إلى الآن، المبرر لإقالة الوزارة.
لقد كان مصطفى النحاس تاريخًا من النضال من أجل مصر، دستورها واستقلالها ودولتها المدنية التي لا تعرف خلط الدين بالسياسة؛ وكان الاستفتاء الشعبي الحقيقي على مصطفى  النحاس يوم جنازته في أغسطس 1965، فرغم أنه كان بعيدًا عن السلطة والسلطان، ورغم ما تعرض له من عزل سياسي لسنوات قاربت الثلاثة عشر عامًا، ورغم أن اسمه لم يذكر منذ نهاية أزمة الديمقراطية في عام 1954، في وسائل الإعلام الرسمية - والتي لم يكن هناك غيرها في أغلب الوقت - إلا مصحوبًا باللعنات وبالأكاذيب والمبالغات حول سيرته السياسية والشخصية؛ فإن الشعب كان له رأي آخر، حقا لقد أعقب الجنازة حملة اعتقالات قضى بعض ضحاياها شهورًا في المعتقلات، لكن الوداع الأخير لمصطفى النحاس  كان كلمة الفصل في تقييم الشعب لرجل أخلص لوطنه ولقضاياه.

 واليوم في ظلال الذكرى المئوية الأولى لثورة 1919 التي كان مصطفى النحاس أحد رجالها البارزين، أقدم صفحات من مذكرات الزعيم مصطفى النحاس التي تغطي فترة نفيه إلى سيشل؛ وقد حصلت على هذه المذكرات من القطب الوفدي الكبير الأستاذ فؤاد بدراوي، وكانت ضمن الأوراق التي انتقلت إلى حيازة فؤاد باشا سراج الدين بعد وفاة السيدة زينب الوكيل، وتسليم منزل النحاس باشا في جاردن سيتي إلى المالك، وقد عثر عليها الأستاذ فؤاد بدراوي منذ أربع سنوات ودفع بها إليّ لتحقيقها؛ وكان تقدري أن تصدر في الذكرى الخمسين لرحيل مصطفى النحاس في أغسطس عام 2015؛ لكن العمل فيها امتد لأكثر مما توقعت، وقد اكتفيت وقتها بنشر مقال في جريدة الشروق يوم 23 أغسطس 2015 بعنوان: "صفحات من مذكرات الزعيم مصطفى النحاس" نشرت فيه خمسة أيام متفرقة من المذكرات، كما نشرت المسودة الأولى لتحقيقي للكراسة الأولى منها في مجلة عالم الكتاب في أكتوبر 2015.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها مذكرات لمصطفى النحاس بخطه؛ لكن من الجدير بالذكر هنا أنه منذ سنوات نشر الأستاذ أحمد عز الدين مذكرات منسوبة لمصطفى النحاس تحت عنوان "مذكرات مصطفى النحاس - ربع قرن من السياسة في مصر 1927 - 1952"، وقد نشرت في جزئين؛ مع تقديم لكل جزء بقلم أحمد عز الدين، ومقدمة للجزء الأول بقلم محمد كامل البنا الذي كان سكرتيرًا لمصطفى النحاس، والذي قام بتدوين هذه المذكرات بشكل متفرق حسبما يذكر في مقدمته، بمعنى أن تلك المذكرات لم تكن مدونة بخط مصطفى النحاس، كما لم تصغ في الأصل بصورة مذكرات مملاة.

 سياق تاريخي
  تتناول هذه المذكرات رحلة النفي؛ نفي مصطفى النحاس إلى سيشيل مع سعد زغلول وأربعة أخرين من قادة الوفد، هم فتح الله بركات وعاطف بركات وسينوت حنا ومكرم عبيد في ديسمبر 1921 لفترة قاربت عام ونصف العام؛ فقد قبضت سلطات الاحتلال على سعد زغلول صباح يوم الجمعة 23 ديسمبر 1921، واقتادوه مباشرة بالسيارة إلى المعسكر الهندي بالسويس، وبعدها بساعات تم القبض على باقي المجموعة، ونُقلوا إلى ثكنات قصر النيل، ومنها تم ترحيلهم في اليوم التالي إلى السويس بالقطار؛ ليلتقوا بسعد صباح يوم 25 ديسمبر 1921، وفي يوم 29 ديسمبر تحركت بهم السفينة الحربية فردينان إلى عدن التي وصلوها يوم 4 يناير 1922؛ وفي يوم 2 مارس غادر سعد زغلول ومكرم عبيد عدن في طريقهم إلى سيشيل ووصلوا إليها يوم 9 مارس.
تغطية الصحافة الفرنسية لوصول سعد إلى سيشيل
 وبعد وصلهم إلى سيشيل تم ترحيل باقي المجموعة من عدن ليلحقوا بهم هناك بعد عشرة أيام، وقد أقاموا جميعًا في ماهي بسيشيل، ونتيجة للضغوط المتواصلة في مصر وبريطانيا تم نقل سعد زغلول إلى جبل طارق؛ فغادر سيشيل يوم 17 أغسطس 1922 ليصل إلى جبل طارق يوم 3 سبتمبر؛ ويستمر هناك حتى مارس 1923، أما باقي المنفين فقد استمروا في سيشيل عشرة أشهر أخرى.
 هذا وترجع بدايات الأزمة التي أدت إلى نفي سعد ورفاقه إلى فترة الصدام الذي وقع بين سعد زغلول وعدلي يكن عقب عودة سعد إلى مصر في أبريل 1921؛ وقد عاد سعد بناءً على طلب من عدلي يكن رئيس الوزراء حينذاك من أجل التنسيق للمشاركة في المفاوضات، بعد أن أمضى سعد أكثر من عامين خارج البلاد بعد منفاه الأول إلى مالطة؛ وكان سعد قد نُفي لأول مرة إلى مالطة في 8 مارس سنة 1919، وفي اليوم التالي اشتعلت الثورة في مصر، وفشلت قوات الاحتلال في قمع الثورة، فصدر قرار الإفراج عنه في 7 أبريل من نقس العام، وقد توجه سعد من منفاه إلى باريس للحاق بمؤتمر الصلح، ومنها إلى لندن في يونيو 1920 بدعوة من اللورد ملنر وزير المستعمرات البريطاني بعد فشل مهمته في مصر، وبعد أن أيقن الأخير أنه لن يصل إلى نتيجة لحل المسألة المصرية دون مشاركة من الوفد، وكان سعد في الوقت نفسه قد تأكد من فشل مساعي الوفد المصري في الوصول إلى نتيجة باستمرار وجوده في باريس فاتجه إلى لندن، وخاض مفاوضات طويلة لم تسفر عن نتيجة.
سعد
ملنر
 وكان سبب الصدام بين سعد وعدلي الخلاف حول شروط مشاركة الوفد المصري مع وفد الوزارة في المفاوضات مع إنجلترا؛ فقد وضع سعد شروطًا تتضمن حصول مصر على استقلالها الكامل، وإلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحف قبل بدء المفاوضات، ثم أن تكون الأغلبية العددية للوفد في فريق التفاوض، وأن تكون الرئاسة كذلك للوفد أي لسعد، وقد رفض عدلي هذا الشرط الأخير؛ وأدى تمسك سعد بموقفه إلى انقسام كبير في صفوف الوفد فقد كان أغلب أعضاء الوفد مع تأييد حكومة عدلي يكن، بينما اعتمد سعد على تأييد الشعب له وعلى الأقلية التي أيدت موقفه من أعضاء هيئة الوفد، وأعلن الأعضاء الرافضين لسياسة سعد موقفهم فاعتبرهم سعد منشقين عن الوفد؛ ومن هذا الانشقاق في الوفد الذي التف حول عدلي يكن تشكل فيما بعد حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر سنة 1922.
  أصر كل من سعد وعدلي على موقفه، وفي يوم 19 مايو 1921 أصدر السلطان أحمد فؤاد مرسومًا بتشكيل الوفد الرسمي للمفاوضات برئاسة عدلي يكن رئيس الوزراء ضاربًا عرض الحائط برأي سعد الممثل لرأي الأمة، وسافر الوفد الرسمي برئاسة عدلي إلى لندن في أول يوليو، واستمرت المفاوضات بين عدلي وكرزون وزير خارجية بريطانيا شهورًا، وطرح خلالها الجانب البريطاني مشروعًا متراجعًا عما طرحته لجنة ملنر، كان مشروع كرزون احتلالًا صريحًا خاصة ما يتعلق بالوجود العسكري وبالتمثيل الخارجي والعلاقات الدولية، وقد استمرت المفاوضات حتى الخريف دون تحقيق تقدم، واستمر سعد في تحريض الرأي العام ضد الحكومة وضد سلطات الاحتلال وضد الوزارة البريطانية، وفي مواجهة المفاوضات دعا سعد بعثة سوان البرلمانية العمالية لزيارة مصر، كما أوفد مكرم عبيد إلى لندن للدعاية ضد إبرام اتفاق مع حكومة لا تمثل الأمة؛ ونجحت مساعي سعد وفشلت المفاوضات، رفض عدلي باشا ووفده بالإجماع المشروع الذي قدمه كرزون في 10 نوفمبر 1921؛ من هذه النقطة يبدأ مصطفى النحاس مقدمة مذكرات النفي.

 وفي مواجهة فشل المفاوضات اقتراح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني على عدلي إيقاف المفاوضات لحين القبض على سعد وإبعاده عن الساحة تمامًا بنفيه، وقد رفض عدلي الاقتراح وحذر لويد جورج من عواقبه؛ فما  كان من الحكومة البريطانية إلا أن قامت بإرسال تبليغ رسمي للسلطان في 3 ديسمبر 1921 قبل عودة عدلي بثلاثة أيام بخططها في مصر، وهي ذات الخطط التي رفضها عدلي يكن، ولم يراع هذا التبليغ رأي المستشارين الإنجليز في مصر والذي كان يؤيده إلى حدٍ كبير اللورد أللنبي والذي كان يرى ضرورة تقديم تنازلات لمصر.
عدلي
كرزون
  وهنا تقدم عدلي يكن باستقالة حكومته، لكن الاستقالة لم تعلن حتى يتم الاستقرار على حكومة جديدة تقبل تحمل المسؤولية في هذه الظروف الدقيقة، وتأخر تشكيل الحكومة لأكثر من شهرين، إلى أن تشكلت حكومة عبد الخالق ثروت على أساس وعد بإعلان بريطاني من جانب واحد باستقلال مصر.
 وفي هذه الأثناء طلب أللنبي الموافقة على نفي سعد في إحدى المستعمرات فيما وراء البحار، وكان اقتراحه النفي لسيلان لما لها من دلالة معنوية قاسية في الذاكرة الجمعية المصرية بسبب نفي أحمد عرابي ورفاقه إليها نفيًا استمر لما يقارب العشرين عامًا، ومن الواضح من المذكرات أن هذا الهاجس قد راود سعدًا ورفاقه.
أللنبي
 إذن كان السبب في نفي سعد ورفاقه للمرة الثانية فشل مفاوضات عدلي كرزون التي اعتبر الإنجليز أن نشاط الوفد سبب فشلها؛ وبينما كان السبب المباشر للنفي الدعوة التي وجهها سعد لاجتماع عام يوم 23 ديسمبر 1921؛ ومنع أللنبي للاجتماع، وتوجيه الإنذار لسعد وبعض أعضاء الوفد باعتزال العمل السياسي والتوجه إلى قراهم للعيش فيها تحت المراقبة، وقد رفض معظمهم هذا الأمر، فكان رد سلطات الاحتلال نفيهم بعيدًا عن الوطن.
 ماذا حدث في مصر بعد نفي سعد ورفاقه؟ وما أهم التطورات التي شهدتها البلاد خلال فترة نفيهم؟
 كان خبر القبض على سعد ورفاقه ونفيهم مفجرًا لمواجة جديدة من موجات الثورة المصرية؛ كما دفع القرار عددًا من المنشقين إلى العودة لصفوف الوفد، لكن عودة أغلبهم كانت مؤقته ولم تستمر سوى أسابيع قليلة، ورغم نجاح قوات الاحتلال في قمع المظاهرات وعمليات قطع السكك الحديدية التي اجتاحات البلاد، فإن المقاومة استمرت، واتحذت أسلوبين؛ الأول: أشكال الاحتجاج السلمي الأخرى التي تواصلت، مثل إصدار البيانات السياسية وبرقيات الاحتجاج، كما بدأت دعوات عدم التعاون والمقاطعة لكل ما هو بريطاني تتسع، وكان الأسلوب الثاني موجة من عمليات العنف وتفجير القنابل والاغتيالات شهدتها البلاد، طالت إلى جانب أماكن تواجد جنود الاحتلال عددًا من المدنيين الإنجليز وبعض الساسة المصريين الذين كان يُنظر إليهم باعتبارهم متعاونين مع قوات الاحتلال؛ وفي المقابل توالت عملية اعتقال أعضاء هيئة الوفد، وإحالة بعضهم إلى المحاكم العسكرية، وكلما اعتقلت السلطات البريطانية في مصر مجموعة من الوفديين، كان يتم تشكيل هيئة جديدة للوفد على الفور تواصل العمل في توجيه الحركة الجماهيرية.
 وخلال فترة النفي وقعت تطورات مهمة على صعيد ما كان يعرف بالمسألة المصرية من ناحية، وعلى صعيد التطورات في السياسة المصرية الداخلية من ناحية أخرى؛ فقد صدر تصريح 28 فبراير 1922 الذي اعترفت فيه بريطانيا باستقلال مصر من جانب واحد مع التحفظات الأربعة التي ظلت بها بعض الأمور الجوهرية معلقة لحين إجراء مفاوضات جديدة وتوقيع معاهدة بين البلدين، فكان الاستقلال بذلك استقلالًا منقوصًا، وتشكلت حكومة عبد الخالق باشا ثروت على أساس هذا الإعلان، فقد قبل ثروت العمل في ظله، بل كان هذا التصريح المخرج الذي اقترحه هو وعدلي يكن بعد أن فشلت جهود الأخير على مدى أكثر من ستة أشهر من المفاوضات في الحصول على معاهدة يمكن أن تقبلها الأمة، وتحول أحمد فؤاد من سلطان إلى ملك في 15 مارس 1922، وبدأت الخطوات لاستكمال أركان المملكة الجديدة؛ فتشكلت لجنة الثلاثين لصياغة الدستور، وهي اللجنة التي أطلق عليها الوفد اسم "لجنة الأشقياء"، فقد كان الوفد يرى أن الدستور ينبغي أن تضعه جمعية تأسيسية منتخبة، ووافقه في ذلك الحزب الوطني.
ثروت
 وعلى صعيد الأحداث الدولية ذات الصلة بمصر انعقد في شهر أكتوبر من عام 1922 مؤتمر لوزان لتسوية المسألة التركية بعد الانتصارات التي حققها الكماليون، وكان من المتوقع أن يناقش المؤتمر أوضاع البلدان التي كانت خاضعة لحكم الدولة العثمانية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى ومنها مصر بالطبع؛ ولما لم تتجه حكومة عبد الخالق ثروت للمشاركة في المؤتمر بوفد رسمي، فقد قرر الوفد المصري من ناحية والحزب الوطني من ناحية أخرى في نفس اليوم تمثيل مصر في المؤتمر تمثيلًا شعبيًا، وقد اتفقا بعد وصولهما إلى أوروبا على المشاركة بوفد واحد باسم "الوفد المصري"، ووقعا وثيقة سميت "الميثاق الوطني"؛ لكن الوفد الموحد لم يمكن من المشاركة الفعلية في المؤتمر، وإن كان قد عقد لقاءات على هامشه؛ ولم تغيير نصوص معاهدة لوزان التي انتهت إليها المفاوضات في 24 يوليو 1923 بين تركيا والحلفاء من الوضع القائم في مصر في شيء، سوى إقرار تركيا بأنه لم تعد لها حقوق على مصر والسودان.
 وعلى صعيد التطورات السياسية في مصر، وفي شهر أكتوبر من عام 1922 أيضًا كان الإعلان عن تأسيس حزب الأحرار الدستوريين برئاسة عدلي يكن، وقد انضم إليه معظم المنشقين عن الوفد المصري إلى جانب مجموعة من مؤسسي الحزب الديمقراطي المصري الذي ظهر في خريف عام 1918، وربما يكون في هذا بعض التفسير لبدأ التقارب بين الوفد المصري والفريق الذي أطلق عليه الدكتور عبد العظيم رمضان اسم "المدرسة التركية" القريبة من الملك، الأمر الذي مهد الطريق للتقارب بين الوفد والملك نفسه.
 وفي الوقت نفسه بدأت الجفوة بين الملك ورئيس الوزراء عبد الخالق باشا ثروت، بسبب الخلاف على صياغة مواد الدستور؛ وكان واضحًا أن الملك فؤاد قد قرر التخلص من رئيس وزرائه القريب من الإنجليز والمدعوم بقوة منهم؛ فدبر الملك ورجاله مؤامرة للتعدي على ثروت أثناء آداء الملك لصلاة الجمعة في الأزهر، وعندما علم ثروت بالمؤامرة قطع الطريق عليها بأن قدم استقالة حكومته.
 وكلف الملك محمد توفيق نسيم باشا بتشكيل الوزارة، لتبدأ عملية التلاعب في نصوص الدستور؛ ورغم أن نسيم كان قريبًا من الوفد، ورغم ما بدا من تقارب بين الوفد والملك، إلا أن أعمال العنف استمرت، مما أدى إلى استقالة الحكومة بعد أزمة الانذار البريطاني في فبراير 1923.
 وفشلت محاولة تشكيل حكومة برئاسة عدلي يكن بسبب عدم دعم الوفد له، فتشكلت حكومة يحيى باشا إبراهيم، وتحت ضغط الحركة الشعبية واستمرار أعمال العنف الموجهة ضد الاحتلال أصدرت الحكومة البريطانية قرارها بالإفراج عن سعد زغلول في 27 مارس 1923 وتم تنفيذه في 30 مارس؛ وقد توجه سعد إلى فرنسا للاستشفاء، ولم يعد إلى مصر إلا في 17 سبتمبر 1923؛ وفي 19 أبريل 1923 صدر مرسوم الملك بإعلان الدستور مشوهًا، ثم قانون الانتخابات في 30 أبريل، وصدرت قرارات الإفراج عن المعتقلين خلال شهر أبريل وعن المحكوم عليهم من القضاء العسكري البريطاني من قادة الوفد في 14 مايو 1923، وقرار بعودة المنفيين في سيشيل يوم 31 مايو 1923؛ وقد عادوا إلى أرض الوطن في 26 يونيو 1923 واستقبلتهم الجماهير استقبالًا حافلًا؛ وبصدور قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات وقانون الأحكام العرفية ثم قانون التضمينات في مايو ويونيو ويوليو 1923 على التوالي؛ أصدر اللورد أللنبي أمرًا بإلغاء الأحكام العرفية في 5 يوليو 1923.
 المذكرات
 ينطبق على هذه المذكرات مفهوم اليوميات فقد دونها مصطفى النحاس بشكل يومي، وإن كان يبدو بوضوح  أنه قد بدأ في تدوين الكراسة الأولى بعد بداية الأزمة التي انتهت بنفي سعد ورفاقه، لكن باقي المذكرات كما يتضح من أسلوبها، كانت يوميات يدونها الرجل في حينها، باستثناءات قليلة؛ لكن هناك تفاوت واضح فيما كان يكتبه في كل يوم وفقًا للأحداث؛ فبعض الأيام يشغل عدة صفحات وبعضها أسطر قليلة، وبعضها لا يدون فيه أحداث إطلاقًا.
 ويغطي ما وصل إلى أيدينا من المذكرات الفترة من 19 ديسمبر 1921 حتى 12 مارس 1923، أي أنها تبدأ قبل اعتقالهم بأربعة أيام، ولا تستمر حتى نهاية فترة النفي، كما أن هناك فجوات طويلة فيها لم تصل إلينا أو لم يدون فيها مصطفى النحاس مذكرات؛ ومع ذلك تقدم هذه المذكرات صورة واضحة ومفصلة عن فترة نفي سعد ورفاقه؛ فمن خلال صفحات المذكرات التي بين أيدينا نتعرف على رؤية المنفيين لكل هذه الأحداث التي مرت بها مصر، وعلى تحليلهم لبعض التطورات على الساحة السياسية في بريطانيا، وكذلك بعض الأحداث الدولية، ونتعرف على ردود أفعالهم عليها، ومدى تفاعلهم مع ما يحدث على أرض الوطن وهم بعيدين في المنافي؛ تفاعلهم مع الأحداث السياسية كتغيير الحكومات وإعداد الدستور والاغتيالات السياسية والاعتقالات، ومع أحداث عامة أخرى بعيدة عن السياسة كاكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ونكتشف مقدار التفاعل بينهم وبين الأهل والأصدقاء في الوطن وفي خارجه، ومتابعتهم لشؤونهم العائلية.

  كما نتعرف على تفاصيل حياتهم في المنفى، وأسلوبهم في اتخاذ القرارات، والمشاكل التي واجهوها، وتطور حالتهم الصحية، وتذبذب الحالة المعنوية لهم، والعلاقات فيما بينهم، ومدى تمسكهم بالاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية والمسيحية وبالمناسبات الوطنية أيضًا، وتمسكهم بالعادات والتقاليد في الأفراح والأحزان، والعلاقة بينهم وبين سلطات الجزيرة، والاختلافات بين رجال الإدارة في التعامل معهم، والقيود الرقابية، والمخاوف المتكررة لدى سلطات الجزيرة من احتمالات هروبهم، والعلاقة بينهم وبين الأهالي هناك، كما تكشف اختلاف المواقف بين المنفيين وصلابة موقف النحاس وسينوت ومكرم، مقابل ميل فتح الله وعاطف بركات للتهدئة، وموقف سعد المتذبذب بين الفريقين، مع انحيازه لرأي الأخوين بركات في عدة مواقف، الأمر الذي تؤكده مذكرات سعد كذلك.
 ونتعرف من خلال ما دونه النحاس على أسلوب التواصل بين سعد زغلول ومجموعة سيشيل بعد انتقال سعد إلى جبل طارق، وعلى اتفاقهم على شفرات سرية للتراسل فيما بيتهم، كما يتضح من الجزء الأخير في المذكرات الفارق بين أسلوب التعامل مع سعد من جانب سلطات جبل طارق والتعامل مع المنفين من جانب سلطات سيشيل.
 كما نكتشف من المذكرات سيل البرقيات والرسائل التي كانت ترد إليهم بشكل شبه يومي، ليس فقط من أفراد عائلاتهم أو من قادة الوفد المصري، بل من مختلف فئات المجتمع؛ منها: نقابات عمالية وتجمعات نسائية ونوادي ومجموعات من الطلاب، والتي كانت تحمل لهم بعض أخبار الوطن في حدود ما تسمح به الرقابة، كما تنقل لهم تلك البرقيات عبارات التضامن والمؤازرة، والطلب المتكرر بالاطمئنان على صحتهم؛ وكثير من تلك الرسائل والبرقيات كانت تتأخر لفترات طويلة بسبب إرسال الخطابات مباشرة إليهم وليس عن طريق الوكالة البريطانية في القاهرة، أو بسبب كتابة البرقيات باللغة العربية بحروف لاتينية؛ الأمر الذي كان يترتب عليه إعادتها مرة أخرى لتراقب، مما يستغرق عدة أسابيع.

 هذا ويمكن أن نستكمل الفجوات الموجودة في مذكرات النفي من خلال مصادر أخرى تقابل هذه المذكرات زمنيًا مثل الجزء الحادي عشر من مذكرات سعد زغلول المنشورة، والذي يحوي مذكرات سائقه عبد الله غزالي الذي رافقه في المنفى؛ ومن الجدير بالذكر هنا أن بعض الفقرات تكاد تكون متطابقة بين مذكرات سعد وهذه المذكرات؛ لكن مذكرات سعد زغلول عن تلك الأشهر كانت مختصرة، وهناك أيام كاملة لم يدون بها شيء، ومع ذلك تساعد في سد بعض الفجوات.
 كما تقابلها الفصول التسعة الأخيرة من مذكرات فخري عبد النور؛ كذلك تتقاطع معها المذكرات اليومية لراغب إسكندر والتي بدأ في تدوينها في أول ديسمبر سنة 1922، وتغطي مذكرات فخري عبد النور وراغب إسكندر الصورة من مصر.
 كما تغطي بعض الصفحات من مذكرات فهيمة ثابت فترة نفي سعد زغلول وصفية زغلول في جبل طارق جوانب قليلة من أحداث تلك الفترة.
 ويبدو أن هذه المذكرات – مذكرات النفي - كتبت لتنشر، وإنها مذكرات "رسمية" بمعنى ما أو "عامة" بمصطلح النحاس، إنها محاولة من الوفد المصري لتوثيق ما يتعرض له رجاله، وإن المكلف بكتابتها في البداية كان فتح الله بركات؛ لكنه حولها لمذكرات شخصية، وقد دب خلاف بينه وبين مصطفى النحاس وسينوت حنا حول طريقته في كتابة المذكرات مما أدى إلى انتقال المهمة للنحاس، كما يبدو أيضًا أن مصطفى النحاس كان يدون نصوصًا أخرى أو مذكرات أخرى خاصة به وحده.
 لكن من الواضح في مواضع كثيرة من الكراسة الثانية تحديدًا أنها لم تكتب بصيغة مذكرات عامة فالنحاس يسرد آراء شخصية ويوجه لومًا  كثيرًا لفتح الله، ويتهمه بالبخل، ربما تكون الكراسة الأولى والثالثة أقرب للمذكرات العامة والثانية مسودة لمذكراته الخاصة وكان سيختار منها العام فقط لتبيضه.
 ومن الملاحظ أيضًا الحرص الشديد منه في الكتابة، وعدم الإفصاح عن أسماء بعض الأشخاص الذين سربوا لهم معلومات أو عرضوا مساعدتهم خشية أن تقع الأوراق في أيدي السلطات فيتعرض هؤلاء الأشخاص للضرر.
 وقد وضع مصطفى النحاس عنوانًا لهذه المذكرات على صفحة الغلاف للكراسة الأولى؛ فأسماها "مذكرات النفي"، وقد بدأت الكراسة الأولى من مذكرات النفي بمقدمة بعنوان "عهد العنف والشدة والإرهاب"؛ تناول فيها أجواء ما قبل قرار النفي: الأيام القليلة السابقة على القرار، وفشل مفاوضات الوفد الرسمي المصري في لندن برئاسة عدلي يكن، وضغوط اللورد اللنبي لقبول مشروع كرزون؛ ثم استقالة الحكومة العدلية.
 وينتقل من هذه المقدمة إلى تفاصيل ما وقع من أحداث، وتبدأ الأحداث التفصيلية بوصول مكرم عبيد من لندن يوم 19 ديسمبر 1921، واستقباله استقبالًا جماهيريًا حافلًا، ودعوة سعد لاجتماع عام يعقد في نادي سيرو مساء الجمعة 23 ديسمبر، ومنعه من عقد الاجتماع، ثم قرار المعتمد البريطاني منع أعضاء الوفد من الاشتغال بالسياسة وإلزامهم العيش في قراهم أو مواطنهم الأصلية، ورفض غالبية قادة الوفد وعلى رأسهم سعد للقرار؛ حتى يصل إلى يوم 23 ديسمبر، يوم القبض على سعد وترحيله إلى السويس؛ ثم يبدأ تسجيل الأحداث في شكل اليوميات بحوادث يوم السبت 24 ديسمبر صباحًا والنحاس ورفاقه رهن الاعتقال في معسكر قصر النيل، وتقف الكراسة الأولى مع نهاية حوادث يوم 25 ديسمبر 1921، يوم اللقاء بين سعد وباقي المنفيين في المعسكر الهندي بالسويس؛ أي أن الكراسة الأولى تغطي الفترة من 19 إلى 25 ديسمبر 1921؛ فهو يوثق فيها ما حدث بالضبط حتى وصولهم السويس، ومن الواضح أنها كُتبت في مرحلة لاحقة بعد الأحداث أثناء وجودهم في المنفى في سيشيل.
 أما الكراسة الثانية فتبدأ بأحداث يوم 30 يونيو سنة 1922 أي أن هناك فجوة تمتد من يوم 26 ديسمبر 1921 إلى يوم 29 يونيو 1922؛ وهي الفترة التي شهدت ترحيلهم من السويس إلى سيشيل مرورًا بعدن؛ وبما أن الكراسة الثانية مرقمة وتبدأ بالصفحة رقم 1؛ فمعنى ذلك أن هذه الكراسة لم تفقد منها صفحات؛ لكنه من المؤكد كذلك أنه كانت هناك كراسة واحدة على الأقل بين الكراسة الأولى والكراسة الثانية، تغطي تلك الفترة، وإنها مفقودة فبداية الكراسة الثانية وأسلوب الكتابة فيها يؤكد أن هناك كراسة على الأقل مفقودة؛ كما يتضح من سياق الحديث أن مصطفى النحاس  كان يدون مذكرات عن تلك الفترة؛ وتتوقف الكراسة الثانية من مذكرات النفي عند أحداث يوم السبت 30 سبتمبر 1922.
 وتبدأ الكراسة الثالثة بحوادث يوم الجمعة الأول من شهر ديسمبر سنة 1922، أي أن الفجوة بين الكراسة الثانية والكراسة الثالثة تبلغ شهرين، ويبدو أنه لم يدون الأحداث خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، فهو يشير في أكثر من موضع إلى وقائع في تلك الفترة بصيغة يبدو منها أنه لم يكتب مذكراته خلالها؛ وتحمل الصفحة الأولى من الكراسة الثالثة عنوانًا رئيسيًا "تابع مذكرات النفي"، ثم اسم مصطفى النحاس، وفي سطر ثالث "ديسمبر 1922"، وتبدأ اليوميات في الصفحة الثانية، وتنتهي هذه الكراسة بحوادث يوم الاثنين 12 مارس 1923، أي أنها لا تقتصر على شهر ديسمبر 1922 فقط كما يبدو من العنوان؛ وتتوقف المذكرات التي بين أيدينا عند هذا التاريخ دون إشارة إلى الانتهاء من المذكرات، ولا نستطيع أن نجزم إذا ما كان مصطفى النحاس قد توقف عند هذا اليوم أم أنه استمر في التدوين وأن باقي المذكرات مفقودة، سواء كانت صفحات من تلك الكراسة أو كراسات أخرى.
كلمة أخيرة
إن مصطفى النحاس يستحق أن نحتفي به كقائد سياسي وطني؛ نحتفي به تخليدًا للقيم التي عاش وكافح من أجلها، واعتذارًا لهذا الرجل الذي تم تشويه تاريخه وحجب اسمه لسنوات؛ وربما يكون في نشر هذه المذكرات وفاءً لبعض ديننا تجاهه.

الأربعاء، 24 يوليو 2019

مشاهد من وقائع الديوان



مشاهد من وقائع الديوان
عماد أبو غازي
 في السادس من يوليو سنة 1801 عقد ديوان القاهرة أخر جلساته قبيل رحيل الحملة الفرنسية عن مصر بعدة أسابيع... فما هي حكاية هذا الديوان؛ وكيف بدأ؟ وكيف انتهى؟ وماذا فعل؟
 تبدأ الحكاية عندما احتلت الحملة الفرنسية بقيادة بونابرت مصر في شهر يوليو أيضًا من عام 1798؛ ففي الأول من يوليو وصل الفرنسيون إلى الإسكندرية، وفي 21 منه انتصروا في موقعة إمبابة؛ وبدا أن الأمر سيستتب لهم؛ فوضعت الحملة نظامًا جديدًا لحكم البلاد بديلًا عن الحكم العثماني المملوكي الذي كان قائمًا.

 وبدأ بونابرت قائد الحملة ومعاونيه فورًا في وضع قواعد هذا النظام لتسهيل مهمتهم في إدارة مصر، ولما كان الرجل يتصور أن المصريين سيرحبون بحملته بسبب ضيقهم الشديد بالحكم العثماني وبعسف أمراء المماليك الجراكسة الذي عانوا منه لقرون عدة؛ فقد حرص على أن يُشرك في "المؤسسات" الجديدة التي قام عليها نظامه مجموعة من ممثلي النخبة المصرية؛ فشكل مجلسًا تولى ما يمكن أن نسميه في النظم الحديثة السلطة التنفيذية، وفي نفس السياق شكل بونابرت مجلسًا ثانيًا به درجة من درجات التمثيل لطوائف المصريين، وسماه الديوان. 
 وقد اعتبر بعض من درسوا تاريخ هذه الحقبة أن الديوان كان بمثابة البرلمان الأول في تاريخ مصر، وارتبط بهذا "البرلمان" وثيقة تعرف بفرمان الشروط، اعتبرها الدكتور لويس عوض الدستور الأول لمصر، وقد استند في ذلك إلى أمرين: 
 الأول: تسميتها "فرمان الشروط"؛ الأمر الذي فسره بأنه مستمد من كلمة شارت أو كارتا في اللغات الأوروبية بمعني الميثاق أو الدستور أو العهد، وأكد لديه هذا الفهم التعريب الذي استخدمه الطهطاوي لكلمة دستور بعدها بسنوات؛ حيث استخدم مصطلح الشَرطة للدلالة علي الدستور الفرنسي؛ والحقيقة أن كلمة شرط وشروط في العربية مستخدمة منذ زمن مبكر للدلالة علي باب من أبواب الفقه الإسلامي عرف بعلم الشروط يبحث في قواعد صياغة وثائق المعاملات، والمعنى المباشر في العربية لكلمة شرط لا يبعد كثيرًا عن هذا، وقد استخدم الجبرتي كلمة مشروطية في الإشارة إلى الشروط التي وضعها قادة ثورة 1805 لمحمد علي مقابل توليه باشوية مصر. 
 والثاني: محتوي الوثيقة وما نصت عليه؛ فقد قضى فرمان الشروط الذي أصدره بونابرت بتعيين اثنين من رجال الحملة وعلمائها هما مونج وبرتوليه قوميسرين في الديوان العام، وتكليفهما بحضور الجلسات وعرض خطط الحكومة مشروعاتها علي الأعضاء، وحدد بعض آليات عمل الديوان، والأمور المطلوب من أعضاء الديوان القيام بها، الأمر الذي جعل لويس عوض يصنف هذا النص باعتباره دستورًا للبلاد.
فماذا قالت هذه الوثيقة؟
 "إن الغرض من عقد الديوان العام تعويد الأعيان المصريين نظم المجالس الشورية والحكم، فقولوا لهم إني دعوتهم لاستشارتهم وتلقي آرائهم فيما يعود على الشعب بالسعادة والرفاهية، وما يفكرون في عمله إذا كان لهم حق الفتح الذي حزناه في ميدان القتال.
 اطلبوا من الديوان أن يبدي رأيه في المسائل الآتية:
 أولًا: ما أصلح نظام لتأليف مجالس الديوان في المديريات، وما المرتب الذي يجب تحديده للأعضاء.
 ثانيًا: ما النظام الذي يجب وضعه للقضاء المدني والجنائي.
 ثالثًا: ما التشريع الذي يكفل ضبط المواريث ومحو أنواع الشكاوى والإجحاف الموجودة في النظام الحالي.
 رابعًا: ما الإصلاحات والاقترحات التي يراها الديوان لإثبات ملكية العقارات وفرض الضرائب.
 ويجب أن تُفهموا الأعضاء بأننا لا نقصد إلا توفير السعادة والرفاهية للبلاد التي تشكو من سوء نظام الضرائب الحالي كما تشكو من طريقة تحصيلها، وعليكم أن تضعوا للديوان نظامه الداخلي كما يأتي:
 أن ينتخب الأعضاء رئيسًا له، ونائب رئيس، وسكرتيرين مترجمين أثنين، وثلاثة مراقبين، وأن يكون ذلك بطريق الاقتراع وبكل مظاهر الانتخاب.
 وعليكم أن تتابعوا المناقشات وتدونوا أسماء الأعضاء الذين يمتازون عن زملائهم في الديوان سواء بنفوذهم أو بكفايتهم".
 والسؤال هنا، هل يمكن أن نعتبر هذه الوثيقة دستورًا؟
 أتصور أن هذه الوثيقة لا تتعدى أن تكون قرارًا من بونابرت بمجموعة من الإجراءات التنظيمية لعمل الديوان، وتوجيهات لمعاونية للكيفية التي ينبغي أن يديروا بها الديوان، بالإضافة إلى مجموعة من الأسئلة الموجهة للأعضاء يطلب منهم الإجابة عليها، وهي لا ترقى بحال من الأحوال لأن تكون شكلًا من أشكال التعاقد بين الحاكم والمحكومين، كما أنها لا تضع أي التزام على الحاكم أو قيدًا عليه، فضلًا عن أن واقع ممارسة الديوان تؤكد أنه كان في أفضل الأحوال هيئة تتولى رفع مظالم الناس لقادة الحملة وتقديم الرجاء لهم لحلها، بمعنى أنه لم يكن برلمانًا بالمفهوم المعروف للبرلمانات في هذا الوقت المبكر؛ ربما تكون الخبرة الوحيدة التي قدمتها تجربة الديوان للمصريين تتمثل في التعرف على نظام الانتخاب في شغل المناصب العامة؛ لكن الأمر المؤكد أن مواجهة المصريين للحملة الفرنسية ومقاومتهم لها من ناحية، واحتكاك قطاع من النخبة بقيادة الحملة من ناحية أخرى، أسهما في تطور وعي المصريين بحقوقهم ومطالبتهم بها...
الشيخ الشرقاوي
 لقد انعقد الديوان الأول في 25 يوليو سنة 1798،  لكنه توقف أكثر من مرة خلال سنوات الحملة الثلاث، فلم تكن توقعات بونابرت بترحيب المصريين بالحملة وتعاونهم معها سليمة، لقد قاوم المصريون منذ اللحظة الأولى الحملة الفرنسية بشتى أشكال المقاومة الإيجابية والسلبية، وكاد بونابرت يفقد حياته في الإسكندرية عندما أطلق رجل وأمرأة النار عليه من شباك منزلهما في سياق أعمال المقاومة بالمدينة، والتي انتهت بإعدام حاكمها محمد كُرّيم، وظهرت المقاومة في المدن الكبرى مثلما ظهرت في القرى الصغيرة في ريف الدلتا، ورغم أن القوة العسكرية للحملة الفرنسية كانت أكبر من طاقات المقاومة لشعب حرم من حقه في الدفاع عن وطنه ومن حقه في حمل السلاح لقرون طويلة منذ نهاية عصر البطالمة، ورغم أن الحملة نجحت في السيطرة على الدلتا كلها وعلى القاهرة عاصمة البلاد، مع استمرار الحروب بين الفرنسيين والمماليك بقيادة مراد بك ومماليكة في صعيد مصر؛ الأمر الذي تصور معه بونابرت أنه أحكم قبضته على البلاد وأن أمرها بات في يده، وإن المصريين قد خضعوا له وقبلوا بحكمه خاصة في القاهرة حيث وطد سلطته ووضع يده على كل شيء، إلا أن شعب مصر لم يكن راضيًا عن الاحتلال الفرنسي أو مستسلما له، ولم تغير مشاركة بونابرت في الاحتفالات الدينية والشعبية للمصريين في القاهرة من الأمر شيئا؛ فاستمرت المقاومة تشتعل في أرجاء مصر، تخمد في منطقة لتبدأ في أخرى، وظلت الثورات تتفجر بين حين وحين، الأمر الذي انعكس على استمرارية عمل الديوان.
ثورة القاهرة الأولى
 وفي القاهرة ظلت الثورة كامنة في نفوس الناس، ولم يطل الصمت؛ فسرعان ما انفجر بركان الغضب أسرع مما كان يتوقع بونابرت ورجاله؛ ففي 21 أكتوبر سنة 1798 أي بعد أقل من أربعة أشهر على بداية الحملة هب أهالي القاهرة في ثورة قوية ضد الاحتلال الفرنسي، عُرفت فيما بعد بثورة القاهرة الأولى؛ وكان من نتائج ثورة القاهرة الأولي، أن توقفت أعمال الديوان، لكنه عاد بعد ذلك للعمل مرة أخرى؛ ثم توقفت أعماله مرة ثانية بسبب مقتل كليبر القائد الثاني للحملة في يونيو 1800 في أعقاب ثورة القاهرة الثانية.
 وفي 2 أكتوبر سنة 1800 قرر مينو ثالث قادة الحملة الفرنسية على مصر إعادة تشكيل الديوان مرة ثالثة، فبعد شهور من توليه قيادة الحملة في مصر، ومع اتجاهه إلي استمرار الاحتلال الفرنسي للبلاد، قرر إعادة إنشاء الديوان ليلعب دورًا أساسيًا في مشروعه السياسي، وكان هذا الديوان يضم تسعة أعضاء وأربعة عشر عضوًا شرفيًا، وقد تولي الشيخ عبد الله الشرقاوي رئاسة هذا الديوان، وقام الشيخ محمد المهدي بعمل السكرتير أو كاتم السر كما تسميه الوثائق الرسمية العربية للديوان، وكان من بين أعضاء هذا الديوان المؤرخ المصري الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، والحاج علي الرشيدي صهر مينو، كما كان للديوان وكيلًا فرنسيًا وهيكلًا إداريًا يضم كُتابًا ومترجمين، وكان الديوان يجتمع بشكل دوري منتظم، بمعدل ثلاث مرات كل عشرة أيام؛ وشغل الشيخ إسماعيل الخشاب الشاعر والمؤرخ وزميل دراسة الجبرتي وصديقه منصب كاتب الديوان؛ وعقب قرار مينو بإعادة تشكيل الديوان بشهر واحد بدأ الديوان أعماله، فعقدت جلسته الأولى في الثالث من نوفمبر، واستمرت جلساته بانتظام حتى السادس من يوليو سنة 1801، قبيل رحيل الحملة عن مصر بعدة أسابيع.

مينو
 لقد وصلت إلينا تفاصيل ثرية عن عمل الديوان ونشاطه من مصدرين أساسيين، بخلاف ما ورد في كتابات عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ العصر وعضو الديوان، وما ورد في كتابات بعض رجال الحملة:
 المصدر الأول منهما، مجموعات وثائق الحملة الفرنسية المحفوظة في المكتبة المركزية لجامعة القاهرة،والتي تضم بعضًا من الوثائق التي كان يرفعها الديوان إلى قيادة الحملة الفرنسية، وجلها تتعلق بشكاوى من مظالم ومشكلات يتعرض لها الأهالي تقدموا بها للديوان، وتلك الوثائق مدونة باللغة العربية وعليها ترجمة فرنسية؛ وقد نشر بعضها لأول مرة الدكتور مصطفى أبو شعيشع أستاذ الوثائق بجامعة القاهرة منذ أكثر من ثلاثين عامًا؛ ومن بين ما نشره إلتماسًا رفعه الديوان موقع من رئيسه الشيخ عبد الله الشرقاوي وأمين سره الشيخ محمد المهدي إلى الجنرال دوجا قائم مقام قائد الحملة يطلبون فيه العفو عن اثنين من التجار كانا معتقلين بالقلعة لمخالفتهم تعليمات قيادة الحملة بعدم السفر من الصعيد إلى القاهرة دون تصريح؛ تقول الوثيقة:
 "من محفل الديوان الخصوصي بمصر خطابًا إلى حضرة صاري عسكر دجا وكيل
 وفقه الله تعالى للخير
 أما بعد الدعا لكم بخير فإنها حضرت مركب من ناحية منفلوط فيها جماعة تجار وخلافهم، من جملتهم اثنين تجار لهم شركا في خان الخليلي، وهما محمد قرا جوز وأحمد لاظ، كانوا توجهوا الحجاز من طريق السويس في البحر من مدة ستة أشهر، وأقاموا بناحية منفلوط المدة المذكورة فبعد إقامتهم بمنفلوط خضروا إلى مصر ببضايعهم وتجارتهم وجوارهم، ومن جهلهم وعدم معرفتهم بأوامركم، حضروا إلى مصر بغير فرمان من حاكم الصعيد؛ فبسبب ذلك حبسوهم في القلعة مع اثني عشر نفس غشيم أتراك كانوا بصحبتهم في المركب، اجتمعوا مع بعضهم في مركب واحدة خوفًا من البدوان قطاع الطريق، ولم يكون في يدهم سلاح يدافعوا به عن أنفسهم البدوان.
 هذه قصتهم شهدوا بها أعيان التجار بمصر من شركاهم وخلافهم، واعترفوا عندنا بالديوان بأنهم ليسوا من أهل الشبه، وإنهم ناس تجار، ودمتم بخير، والمقصود تفرجوا عنهم رعاية لجناب الله.
 في 24 الحجة سنة 1213              الفقير                                   الفقير
                                        محمد المهدي                             عبد الله الشرقاوي
                                        كاتم سر الديوان                             رئيس الديوان"

والمصدر الثاني الذي يقدم لنا تفاصيل عن نظام عمل الديوان تلك الكراسات التي دونها الشيخ إسماعيل الخشاب كاتب الديوان، والتي قدم فيها لنا من خلال وظيفته ككاتب للديوان ملخصًا لجلسات ووقائع اجتماعات الديوان؛ وقد نشر هذه الكراسات البروفسيور أندريه ريمون المؤرخ الفرنسي الكبير والدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، منذ عدة سنوات، وتحمل هذه الكراسات عنوان " التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان"، وقد صدر النص المحقق عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، في كتاب يضم نصين منفصلين، لكنهما نصان مترابطان كل منهما يكمل الآخر، وهما عبارة عن مخطوطتين، الأولي كانت معروفة منذ فترة طويلة، وتتكون من 44 ورقة، وهي من مقتنيات المكتبة الوطنية الفرنسية، وتحتوى وقائع ديوان مينو في شهره الأخير، وهي وقائع الجلسات التي تغطي الفترة من 6 يونيو إلي 6 يوليو سنة 1801، وتحمل الأرقام من 21 إلي 31 من دواوين الوكيل الثاني ـ جيرار ـ الذي تولي هذا المنصب في 10 إبريل سنة 1801، أي أن المخطوطة تغطي وقائع الجلسات الإحدى عشرة الأخيرة للديوان؛ أما المخطوطة الثانية، فقد اكتشفت في عام 1998 ضمن بعض الأوراق القديمة في مخزن بأحد المنازل القديمة في بار لو دوك، في منطقة ميز بفرنسا، وقد استقرت هي الأخرى ـ الآن ـ بالمكتبة الوطنية بباريس، وهي عبارة عن 265 صفحة تضم الجلسات العشرين الأولي للديوان، والتي تغطي الفترة من 3 نوفمبر إلي 30 ديسمبر سنة 1800؛ ومن هنا، فإن المخطوطتين جزءان من عمل واحد: وقائع جلسات الديوان في مرحلته الأخيرة، والنصان منسوبان إلي إسماعيل الخشاب.

 يبدأ هذا النص الفريد بعد الافتتاح التقليدي بالإشارة إلى تشكيل الديوان وتحديد أعضائه، ثم يذكر الخشاب وقائع جلسات الديوان بداية من الجلسة الأولى التي تم فيها اختيار الشيخ الشرقاوي رئيسًا للديوان والشيخ محمد المهدي كاتمًا للسر، وهي الجلسة التي تم فيها كذلك الاتفاق على دورية انعقاد الجلسات ونظام العمل فيه، ويؤرخ الخشاب جلسات الديوان بالتقويم الهجري والتقويم الجمهوري الفرنسي معًا، ويسمي كل جلسة من الجلسات ديوانًا، ويسرد في كل ديوان ملخصًا لما جرى من مناقشات حول الموضوعات المطروحة على الأعضاء، وما صدر عنه من توصيات وقرارات.
 وجلسات الديوان تقدم تفاصيل دقيقة لجوانب متنوعة من حياة المصريين، خاصة القاهريين منهم في الأشهر الأخيرة للحملة الفرنسية في مصر، وهي جوانب تغفلها المصادر التاريخية التقليدية عادة، وتدور كثير من القضايا التي يناقشها الديوان حول شكاوى الناس الذين يلجئون إلى الديوان كوسيط بينهم وبين سلطة الاحتلال لرفع الظلم الواقع عليهم، وكان الديوان يبادر برفع الشكاوى إلى قائد الحملة (صارى عسكر) أو وكيله، مثلما كشفت عنه وثائق جامعة القاهرة.
 وهذه بعض مشاهد مما  كان يدور في جلسات الديوان:
المشهد الأول: جلسة إجراءات
 يذكر الخشاب في عرضه لوقائع الجلسة الأولى من جلسات الديوان كيف تم اختيار رئيس الديوان وكاتم سره بالانتخاب الذي يسميه القرعة، فيقول: "وبدأ بذلك في اليوم المبارك الموافق لاثني عشر شهر برومير الثاني من أشهر السنة التاسعة من المشيخة الفرنساوية، الموافق لخامس عشر شهر جماد الثاني سنة خمس عشر ومائتين وألف، وانعقد الاجماع في ذلك المجلس المنيف وحفل الديوان الشريف على أن يكون العلامة الشيخ عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان، والعلامة الشيخ محمد المهدي كاتم سر الديوان، وأن يكون الشيخ الفاضل عبد العال جاويشًا للديوان المرقوم، كل ذلك بالقرعة على جاري العادة في ذلك، بحضرة الوكيل واحتماع كلمة مدبرين الديوان بالقرعة على ذلك، ولما تم الحال على هذا المنوال، إلتمس حضرة الكمساري وكيل الديوان من رؤساء الديوان وأهله أن يكتبوا بذلك عرضًا إلى حضرة ساري العسكر يعلموه بذلك، ووقع التوافق في ذلك المجلس على أن يكون الديوان في كل ثلاثة أيام مبدأها يوم تاريخه، وأن يكون الحضور قبل الظهر بثلاث ساعات، وأن تكون مدة الجلوس بحسب الداعي، وطلب منهم أن يكتبوا كذلك إلى حضرة الجنلار ـ يقصد الجنرال ـ الكبير والهمام الذي ليس في همته وشجاعته نظير، ساري العسكر بونابارته، ذو الهمة العالية، ومدبر جمهور العساكر الفرنساوية، يهنوه فيه بالنصر على سائر القرانات، ويهدون إليه فيه صالح الدعوات، فأجابوه إلى ذلك".

المشهد الثاني: رسالة أهل الديوان إلى ساري عسكر بونابارته
  تأجل تحرير رسالة الديوان إلى بونابرت حتى الجلسة الرابعة التي انعقدت يوم الأربعاء 24 جماد آخر سنة 1215، الموافق 21 برومير سنة 9 وفقًا لتقويم الثورة الفرنسية، ففي تلك الجلسة وضع الشيخ محمد المهدي لنفسه كرسيًا بوسط الديوان وجلس عليه ليقرأ على الأعضاء نص الخطاب الذي صاغه بناء على تكليفهم ليرسلوه باسمهم وباسم شعب مصر إلى "حضرة عزيز المقام المشهور بين الخاص والعام عظيم العظماء والكبراء ... الجناب المهاب الأعظم، والمخصوص بالرأي التام بين الأمم، أمير الجيوش الفرنساوية على الإطلاق، والمنظور إليه في جميع الأقطار الآفاق، حضرة الجنلار بونابارته"، وبعد الديباجة الطويلة التي تحوي ألفاظ التفخيم والتعظيم والدعاء لبونابرت بالنصر وبلوغ الآمال، يبدأ نص الرسالة الذي يتشوق فيه مشايخ الديوان لرؤية طلعة بونابرت البهية في مصر مرة أخرى فتقول الرسالة: "وبعد مزيد الأشواق برؤياكم وتمني التلاقي بمحاسنكم ومزاياكم، فإن جنابكم أيها الأمير الجزيل شرفًا، الجميل لطفه وظرفه، أوعدتمونا مرارًا عديدة وفرحتونا بأقوالكم السديدة وألفاظكم السعيدة، بأن عينيك دائمًا ملاحظان لهذه البلاد، ونحن نتحقق وفاء وعدكم، إن الله لا يخلف الميعاد، خصوصا وأن الله سبحانه وتعالى أراد تمام كلما تقولونه على الإجمال".
الشيخ المهدي
 وينتقل مشايخنا الأجلاء لمخاطبة بونابرت باسم الشعب المصري كله: "كل سكان القطر المصري من أمراء وأعيان ومن سائر أحبابنا الذين يعز علينا نجاحهم ونحبهم من الإخوان، وأهل أنواع التجارة، وأرباب الصنائع في جميع مدائنهم والبنادر، أصحاب الفضائل والعلوم، وأرباب المحامد والمفاخر، والمشتغلين بالفلاحة والزراعة، وسائر النساء التي صان الله عرضهن على يديكم الشهيرة بالفروسية والشجاعة، وكامل الفقراء والمساكين، وجميع الشباب والشيوخ من الأغنياء والمقترين هم باتفاق واحد بنا إليكم متوسلين، وعلينا في مخاطبتكم معولين وبنا مستعينين، لكونهم يفهمون خطابنا ونفهم خطابهم، وجعلتونا حين كنتم عندنا واسطة بينكم وبينهم ونحن وإياهم جميعًا مبتهلون، وإلى الله راغبون طالبين من فضل رب العالمين أن تكونوا دائمًا على أعدائكم منتصرين ظافرين ولفعل الخيرات متعطفين محبًا وعضدًا للفقراء والمساكين، موقرًا مكرمًا ومعضدًا لديننا الأمجد الأجل، من حيث أنك قدمت فأعطيت لسانًا أكمل للوقار والاعتبار لحريمنا، إذ أنه أمر مهم من بعد الدين لا يوجد عندنا أعز منه..... قد عاملتنا وقت افتتاحك مصر وانتصارك معاملة أناس كأنهم اختاروك عليهم مع قوتك واقتدارك .... فنشكرك ونحمد الله حيث أنك تصدرت لمنع كامل الأضرار والأوصاب التي كان يمكن حدوثها علينا، وعاقبت فاعليها في أوقات الاضطراب، والفرنسيس طبعهم لا يميل، ولم يسرعوا وراء المظالم ".
 ويؤكد رجال الديوان مرة أخرى على رغبتهم في عودة بونابرت إلى مصر: "وأنتم سترجعون للقطر المصري، إنشاء الله أمنين، وأنت ظهرت عندنا لمحة نظير برق لامع من قبل الله الحق، وغبت عنا بغتة كأسرع ما يكون البرق، إذ أخبرتنا بأن موضوعًا آخر يدعوك إليه، وأنت تتوجه إلى حيث ما تكون رشيدًا مفيدًا منصورًا مؤيدًا بعون الله، معتمدًا عليه، وقد بلغنا الفرنساوية أحبابنا الذين سرورنا يسرهم وسرورهم يسرنا، فرّحونا بأنكم توجهتم وقصدتم الحصول على نصرة عظيمة جدًا ... وها قد غلبتم فحمدنا الله على نصرتكم ونجاح مقصدكم ... والآن نخبركم من خالص الطوية تصديقًا لمقالنا بأن الطائفتين المصرية والفرنساوية لا يعدان الآن سوى رعية واحدة، مع وفور المحبة وصدق النية، ولا زال هذا الاتحاد يشتد يومًا فيومًا في سائر الأوقات وذلك باعتناء محبنا وعزيزنا عبد الله مينو الجزيل إكرامه بين المخلوقات... فنحمد الله على أنه اشتاقكم لأن تحكموه وتقرروه وتختاروه على أن يسوسنا ويلاحظنا ويحفظنا ويرعانا ويقوم بحقوقنا وحقوق فقرائنا، ويجعلنا عباد الله إخوانا."
 هكذا تحدث مشايخ الأمة وممثلوها... لكن الأمة نفسها كان لها رأي آخر!
المشهد الثالث: وحانت ساعة الرحيل
 لم تمض إلا  شهور قليلة وكان قد تم توقيع الاتفاق بين الإنجليز والأتراك والفرنسيين على رحيل الحملة من مصر، وعقد الديوان جلسته الأخيرة وهي "الديوان الحادي والثلاثون"، وقد انعقدت تلك الجلسة يوم الاثنين أربعة وعشرون صفر سنة ألف ومائتين وستة عشر الموافق لسابع عشر مسيدور من السنة التاسعة من المشيخة الفرنسية، وبدأت الجلسة في الثانية، وقد دعي لحضور الجلسة جمع غفير من مشايخ أروقة الأزهر الشريف وحسين أفندي الروزنامجي المشرف على الإدارة المالية وعدد من معاونية، وبعض رجال الأوجاقات، وطائفة من التجار المصريين، وغيرهم من أهل البلد، فقد كان مقررًا أن تشهد الجلسة حدثًا جلالًا؛ الإعلان عن خروج الجيوش الفرنسية من مصر وعودة العثمانيين مرة أخرى، وفي هذه الجلسة حضر من الجانب الفرنسي ستيف المسؤل المالي للحملة والذي كان المصريون يسمونه خازندار عام، كما حضر وكيل الديوان والتراجمة كالعادة.
 جاء وكيل الديوان الفرنسي حاملًا معه رسالة من مينو قائد الحملة إلى أعضاء الديوان، فسلمها للشيخ الشرقاوي رئيس الديوان، وطلب منه أن يفتحها ليقرأها الترجمان على الحاضرين، وللأسف يذكر الخشاب مختصرًا للرسالة، جاء فيه: "نخبركم أنا علمنا بكثرة الانبساط أنكم تهدؤا بكثرة الحكمة والإنصاف في الوضع، والتنظيم لأهالي البلد بالهدي والطاعة الموجبة لحكومة الفرنساوي، وأخبرنا المقدام الجسور بونابارته عن كل ما فعلتم حكمًا نافعًا، بوصاية لأجلكم سارة واستراحة لتلك الفعال الجيدة، وعرفني عن قرب يرسل لكم جواب إلى جميع مكاتيبكم."
 ثم يوصي مينو رجال الديوان على ولده وزوجته زبيدة الرشيدية، ويحمل الديوان تعازيه للست نفيسة في وفاة زوجها مراد بيك، وينهي الرسالة بأمره للمشايخ بملازمة وظائفهم.
 وخلال تلك الجلسة يتحدث جيرار وكيل الديوان الفرنسي طويلًا عن حب بونابرت للمصريين، ويؤكد ثانية على أن رده على رسالة الديوان سيصل خلال أيام، ثم يلتفت إلى الشيخ الشرقاوي، ويسأله: "تشهد بما أقول أن حضرة سر العسكر بونابارته عزم على أن يتوجه معك إلى البيمارستان لينظر في مصالح الضعفاء؟ فرد الشيخ الشرقاوي قائلًا: وكان أخبرنا أنه يريد يبني مسجد. فقال: لم يعقه عن هذا إلا توجهه إلى الشام."
 وألقى القس رفاييل كبير التراجمة كلمة تحية لأعضاء الديوان أشاد فيها بجهودهم وتعاونهم مع الفرنسيين، ويختم كلمته بقوله: "نحن نشترك معكم إن كان في السعودات أو في النحوسات، ونسأله نجاح الرعايا وخصوصًا رعية مصر ذات العذوبة والحلاوة، التي يستحق أن تكون مساسة بحكام ذوي حكمة، من حيث أننا عشنا معهم بالسوية مدة مديدة كأننا عائلة واحدة."
 أما ستيف فقد ختم الجلسة بكلمة طويلة تحدث فيها عن ما قامت به الحملة في مصر، وختمها بقوله: "فلم نحتاج نعرفكم الذي تعرفوه، ويكفينا أننا نحقق لكم من عند حضرة القنصل الأول، ومن سر عسكر مينو المحبة والشفقة الصادقة، وهذه المحبة والعشم لم تنقطع بسبب سفر جانب من الجيش، وهلبت أن يصادف يوم إننا نرجع إلى عندكم لأجل تمام الخير الذي يصدر من حكم الفرنساوي، والذي لم أمكننا نتمه، فلم تتوهوا يا مشايخ وعلماء لأن فراقنا لم يقع إلا عن مدة، وذلك محقق عندي، ولابد أن دولتينا يربطوا ثانيًا في مدة قريبة المحبة القديمة التي كانت بينهم، وهلبت أن دولة العثمنلي لما تصير على الجرف الخالي الذي عملة الإنجليز، يروا أن الفرنساوية في طلبة الديار المصرية لم له إلا يربط بزيادة في المحبة صحبتهم لأجل كسر نفس الإنجليز، الذي مراده نهب جميع البحور ومتاجر الدنيا".
 وانصرف المشايخ والحاضرون وكان هذا آخر دواوين الجمهور الفرنساوي وفق ما ذكره الشيخ إسماعيل الخشاب.
مقالي المنشور بمجلة ديوان عدد يوليو 2019

الاثنين، 13 مايو 2019

من أوراق بدر الدين أبو غازي (9) ملاحظات على ميثاق العمل الثقافي


من أوراق بدر الدين أبو غازي (9)

ملاحظات على ميثاق العمل الثقافي


بدر الدين أبو غازي (14 مايو 1920-11 سبتمبر 1983)
 في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضي طرح منصور حسن مشروعًا جديدًا لإدارة العمل الثقافي في مصر، وكان الرجل قد تولى عدة مناصب وزارية منها حقيبة الثقافة والإعلام وكان أحد الخمسة الكبار المؤسسين للحزب الوطني الديمقراطي مع الرئيس أنور السادات، كان جوهر مشروعه إلغاء وزارة الثقافة مثل باقي الوزارت الخدمية التي ألغيت في ذلك الوقت وتحولت إلى وزارات دولة، وتغيير مسمى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ليصبح مجلسًا أعلى للثقافة، يحل محل الوزارة ويقوم بدورها، تحت شعار إدارة المثقفين للشأن الثقافي.


منصور حسن مع بدر الدين أبو غازي وحسين بيكار في جمعية محبي الفنون الجميلة

 وصدر القرار الجمهوري بإنشاء المجلس الجديد في مايو 1980، وتشكلت هيئة المكتب من ستة أعضاء كان من بينهم الدكتور سليمان حزين الجغرافي الكبير وأحد وزراء الثقافة في الستينيات؛ كما كان من بين أعضاء هيئة المكتب الأولى بدر الدين أبو غازي.

أول هيئة مكتب للمجلس الأعلى للثقافة

 وفي ذات السياق، تقرر أن يضع المجلس ميثاقًا للعمل الثقافي، يلتزم به المثقفون في نشاطهم، وفكرة مواثيق الشرف فكرة في رأيي فيه كثير من الغرابة في ظل وجود منظومة قانونية، فهي تضع آليات غير واضحة للمحاسبة خارج إطار القانون، كما أنها تتقاطع مع النظم الإدارية للدولة وتتصادم معها أحيانًا؛ عمومًا المجال هنا ليس مجال مناقشة الفكرة.

الدكتور سليمان حزين

 لقد تم تكليف سليمان حزين بأن يكون مقررًا لمشروع ميثاق العمل الثقافي؛ وبالفعل أعد المشروع؛ وحالت ظروف دون حضور بدر الدين أبو غازي لاجتماع إقرار المشروع فأرسل هذه الملاحظات في رسالة إلى الدكتور سليمان حزين يوضح فيها اعتراضاته على مشروع الميثاق؛ وقد عثرت على مسودة هذه الرسالة في أوراقه...



يقول بدر الدين أبو غازي في رسالته:

 الأستاذ الدكتور سليمان حزين
مقرر مشروع ميثاق العمل الثقافي
 تحية طيبة وبعد
فقد اطلعت على مشروع ميثاق العمل الثقافي الذي توفرتم بجهدكم الكبير على إعداده.
ولئن فاتني المشاركة في لجنة مشروع الميثاق فلا يفوتني أن أبعث إليكم ببعض ملاحظات أرجو أن تلقى عنايتكم.
 وتتلخص هذه الملاحظات فيما يلي:
(1) إن المشروع ردد كثيرًا فكرة الحساب حتى كادت تلقي ظلالًا على فكرة الحرية التي أكدها؛ ومن أجل ذلك أرى التخفف من هذا الترديد الذي يتعارض مع فكرة حرية المثقفين، وتوفير مناخ الحرية للمفكرين وأهل الأدب والفن التي جعلها التنظيم الجديد شعارًا له.
وأهم ما أراه جديرًا بالحذف الفقرة الأخيرة من البند 9 ص 6 التي تجمع بين حساب القانون ورقابته خاصة وأن هذا المعنى تردد مرة أخرى في الفقرة التالية، فضلًا عن تكراره في بنود تالية في المشروع.
(2)  يؤكد البند 20 معنى استوقفني، هو إعفاء الدولة وأجهزتها الحكومية من القيام على صناعة الثقافة، وإبعاد مسئولية العمل والإنتاج الثقافي عن طبيعة الدولة وقصر دورها على الرعاية.
ولم يعد ذلك واردًا حتى في أكثر الدول أخذًا بالحرية الاقتصادية ودعمًا للنشاط  الخاص؛ فالدولة مطالبة بعدم التدخل بالتقييد والمنع لإبداع الفكري والأدبي والفني، ولكنها مسئولة بدرجة أو بأخرى عن العمل الثقافي متمثلًا فيما تقدمه من عروض مسرحية وأفلام، وما تقيمه من متاحف ومعارض، وما تنشره من كتب، وما تنهض به من صيانة للآثار ومحافظة على التراث، وما يتعلق بها من مسئوليات الحفاظ على البيئة الطبيعية والحضارية.
 كذلك فأن دعمها لجهود المثقفين ومسئوليتها عن توصيل الخدمات الثقافية، كل هذا هو من صميم العمل الثقافي الذي لا يجوز أن تتخلى عنه بالصورة التي توحي بها عبارات البند 20 من المشروع، والتي تؤكد أن هذا هو اتجاهنا ولا سبيل إلى النكوص عن ذلك بعد الآن.
 ولم يعد في المستطاع في مجتمعاتنا العصرية وفي ظل الإعلانات العالمية التي تؤكد حق الثقافة؛ أن تكون الدولة دولة رعاية، وأن تترك مسئولية العمل الثقافي كاملة لأفراد المثقفين وجماعاتهم وهيئاتهم غير الحكومية.
 بل إن قرار إنشاء وتنظيم المجلس الأعلى للثقافة يؤكد عكس ذلك.
(3)  افتقدت في المشروع بندًا يؤكد مسئولية الدولة عن الحفاظ على التراث الحضاري الذي ابدعته مصر عبر تاريخها، ورغم إشارات رائعة عن قيم هذا التراث؛ فإن مطلب صيانته والحفاظ عليه من عوادي الزمن ومن التغيرات الطبيعية ومن حركة التعمير الحديث يقتضي أن نضمن الميثاق هذا العهد من الحكومة والمواطنين لبذل كل الجهود من أجل الإبقاء على هذا التراث للأجيال.
ويتصل بذلك أيضًا ضرورة التأكيد على المحافظة على البيئة الطبيعية والحضارية، وعلى قوام المدينة والقرية المصرية وهيئتها المعمارية والتخطيطية التي أخذت تنمو نموًا عشوائيًا بعيدًا عن القيم الفنية والجمالية ومفرغًا من أي مضمون ثقافي.
 هذا وذاك من الأصول والدعامات التي ينبغي ألا يغفل مشروع الميثاق عنها.
 وما زال في الإمكان تداركهما بإضافة.
 وختامًا أبعث إليكم بصادق الشكر والتحية.




الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...