الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

صور وحكايات من أرشيف عائلي


مقالي في مجلة الفيلم العدد الأخير...

صور وحكايات من أرشيف عائلي
عماد أبو غازي

منذ اختراع آلة التصوير الفوتوغرافي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر أصبحت الصورة جزء من حياة الناس؛ تسجل وجهوهم ونشاطاتهم اليومية، مثلما تسجل الأحداث الكبرى، ولم يختلف الحال في مصر كثيرًا، فبعد أن كانت الوجوه المصرية والأماكن الأثرية وشوارع المدن، وأبناء البلد وبناتها بملابسهم التقليدية موضوعًا لعدسات المصورين الأجانب لسنوات، فيما يمكن أن نصفه بأنه "صورة استشراقية"، بدأ المصريون والمصريات مرحلة الولع بالصورة الفوتوغرافية، خاصة مع انتشار استوديوهات المصورين الأجانب في القاهرة والإسكندرية وكثير من المدن المصرية، فأصبح التصوير جزء من حياة الناس، يسجلون به مناسبتهم الاجتماعية، أفراحهم وأتراحهم.
 لم يختلف حال عائلتي عن حال كثير من المصرين في الاهتمام بالصورة الفوتوغرافية، ومن هنا فقد ورثت أرشيف من الصور الفوتوغرافية التي تمتد إلى ثلاثة أجيال من العائلة تسبقني، لقد كانت بداية انتقال العائلة من قرية نشا بالدقهلية الآن إلى القاهرة مع مطلع القرن العشرين،  وترجع أقدم الصور الفوتوغرافية التي عثرت عليها إلى عام 1910، وهي ثلاث صور: صورتان للمثال مختار في مرسمه بمدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز، وهو بعد طالب بالمدرسة، ويظهر في خلفية واحدة من الصورتين تمثال خولة بنت الأزور، من التماثيل المفقودة التي نحتها في مرحلة الدراسة، والصورة الثالثة لشقيقتي مختار مع فتاة صغيرة من بنات الأسرة.

مختار في مرسمة بمدرسة الفنون سنة 1910 وفي الخلفية تمثال خولة بنت الأزور
مختار 28 يوليو 1910
حفيظة وبديعة إبراهيم العيسوي شقيقتا مختار في منزل الأسرة بشارع القلعة خلف مسجد قيسون
 تتولى بعد ذلك صور مختار في مراحل مختلفة من حياته بين باريس والقاهرة وقرية والدته نشا، بعض مجرد صور شخصية والبعض الآخر صوره مع الأصدقاء والصديقات، والبعض الثالث صوره أثناء العمل، أو صور أعماله، أو المعارض التي شارك فيها، إلى جانب بعض الصور لشخصيات نحت لها تماثيل؛ مثل: سعد زغلول وعبد الخالق ثروت وأم كلثوم.
 وأقدم هنا نماذج لهذه الصور التي أنتقل إليّ المئات منها، والتي توثق حياة مختار وإبداعه بين عامي 1910 و1934.
مختار في مرسمه في باريس بين 1911 و1914
مختار في مهرجان الفنون الأربعة باريس 1912
مختار بين فلاحات قرية نشا 
زيارة سعد زغلول لموقع العمل في تمثال النهضة شتاء 1927
العمل في تمثال نهضة مصر 1926
صورة موقعة لعبد الخالق باشا ثروت ضمن أوراق مختار
صورة لسعد زغلول ضمن أوراق مختار
  وتمتد الصور التي ترتبط بمختار إلى ما بعد رحيله، في مناسبات عدة ترتبط بذكراه، مثل احتفالات جمعية أصدقاء مختار التي أسستها السيدة هدى شعراوي بمختار في مارس من كل عام في ذكرى رحيله، والتي كانت تعلن فيها نتيجة مسابقة مختار في النحت الني أشرفت عليها الجمعية لسنوات حتى توقفت في مطلع الخمسينيات مع ما توقف من أنشطة أهلية بعد وصول الضباط الأحرار إلى الحكم؛ ثم الصور المرتبطة بمتحف مختار وأنشطته سواء المتحف المؤقت الذي كان ملحقًا بمتحف الفن الحديث، وتم افتتاحه في مارس 1952، أو المتحف الدائم الذي افتتحه الدكتور ثروت عكاشة سنة 1962؛ وهي الصور التي انتقلت إليّ من والدي بدر الدين أبو غازي ومن الفنان علي كامل الديب سكرتير عام جمعية أصدقاء مختار.
شقيقتا مختار في احتفال جمعية أصدقاء مختار 1935
محمد صلاح الدين باشا وزير الخارجية مع علي الفنان كامل الديب في احتفال جمعية أصدقاء مختار مارس 1951
في متحف مختار شقيقتا مختار مع بدر الدين أبو غازي والفنان جمال السجيني والفنان عبد الحميد حمدي 1975
شقيقتا مختار عند مقبرته بالمتحف
 أرشيف العائلة يحفل بآلاف الصور الفتوغرافية لإفراد العائلة بأجيالها المتتابعة منها تلك الصور التقليدية في استوديوهات التصوير منذ العقد الثاني من القرن العشرين حتى نهايتها، والتي تشمل استوديوهات بابازوغلو وآرمان وألبان وبيللا وأنيس رزق الله؛ ومنها هذه الصور:
نبوية البدراوي مع ابنتيها حفيظة وبديعة 1911 تقريبًا استديو بابا زغلو
نبوية البدراوي وابنتيها حفيظة وبديعة العيسوي 1914 تقريبًا استديو بابا زغلو
صورة الزفاف لحفيظة العيسوي ومحمود أبو غازي استوديو بابا زغلو
مع جدتي حفيظة العيسوي يناير 1956 استوديو آرمان
صورة عائلية في استوديو أنيس رزق الله 1958
استوديو ألبان يناير 1958      
                   
مريم أبو غازي 1993 تصوير أشرف استوديو بيللا
 ومن اللافت للنظر أن تقاليد التصوير وتسجيل المناسبات المختلفة تمتد من جيل إلى جيل طوال أكثر من قرن من الزمان، كما تواصل العائلة تصوير مراحل حيلة الأبناء والبنات سواء لدى استوديوهات التصوير، أو بواسطة المصورين المتجولين الذين كانوا ينتشرون في شوارع المدينة وحدائقها العامة وعلى الشواطئ في المدن الساحلية، ربما حتى السبعينيات من القرن الماضي، فقد اعتاد الناس على التقاط الصور التذكارية لدى هؤلاء المصورين، والحصول عليها مطبوعة بعد عدة ساعات أو في اليوم التالي على الأكثر، وكان لبعض هؤلاء المصورين أكشاك خشبية في الحدائق وفي بعض الميادين يمكن استلام الصور منها، أما على الشواطئ فكان المصور يتجول على الشاطئ يلتقط الصور، ثم يذهب لتحميضها وطبعها ويعود ثانية في نفس اليوم لتوزيعها على أصحابها.
نجمة أبو غازي 1919 صورة في الاستوديو
بدر الدين أبو غازي سنة 1923 صورة في الاستوديو
بدر ونجمة وضياء أبو غازي 1926
بدر الدين أبو غازي ورعاية حلمي 1950
بدر الدين أبو غازي وأحمد بهاء الدين مع بعض الأصدقاء 1951
أمام حديقة الحيوان أثناء إعادة تركيب تمثال النهضة 1955
أنا في حديقة الحيوان 1955
مع أخي وجدتي في جبلاية حديقة الحيوان 1955
صورتي في الملاهي 1959 
رأس البر 1964
  كذلك كان الاهتمام بالتصوير في المنزل، وقبل أن تمتلك الأسرة آلات التصوير، كان من الشائع استعارة آلة تصوير من أحد الأصدقاء ليوم أو عدة أيام، وأخذ الصور التذكارية والتوثيقية لمراحل حياة الأبناء، ثم إعادة الكاميرا مرة أخرى لأصحابها، أو التصوير في مناسبات اجتماعية لدى الأصدقاء والأقارب وتبادل الصور فيما بعد.
محمود أبو غازي مع بدر ونجمة وضياء أبو غازي
بدر ونجمة وضياء وشمس أبو غازي أوائل الأربيعنيات
بدر الدين أبو غازي وشقيقاته أوائل الأربعينات
مناسبة عائلية أوائل الأربعينيات
 من الصور المتكررة عبر الأجيال الصور المرتبطة بمراحل الدراسة المختلفة، سواء الصور الجماعية أو الصور الفردية، الصور الرسمية أو تلك التي يلتقطها الطلاب فيما بينهم فيما بين ساعات الدراسة، وهذه الصور بالعشرات تخص جميع أفراد العائلة وفي مراحل دراسية مختلفة ومن أجيال مختلفة، وهذه بعض نماذج لها:
روضة أطفال قصر الدوبارة 1928
مدرسة الشيخ صالح الابتدائية 1931
أمي رعاية حلمي في مرسم معهد الفنون الجميلة للفتيات 1941
مختار أبو غازي في الحضانة 1958
ضياء أبو غازي في روضة الأطفال 1929
ضياء أبو غازي تتسلم شهادة تقدير للنشاط الكشفي 1931
عماد أبو غازي في مدرسة حدائق المعادي القومية 1966
مدرسة حدائق المعادي القومية 1967
المعادي الثانوية 1972
المدرسون بمدرسة خليل أغا الابتدائية في رحلة سنة 1924
رحلة طلاب معهد الآثار إلى الأقصر وأسوان 1949
رحلة مدرسية لمدرسة الترعة البولاقية 1957
كلية الآداب قسم تاريخ 1976 رحلة لحديقة الأورمان
 هناك أيضًا الصور التي التقطت في مناسبات عامة مختلفة سواء مناسبات سياسية أو ثقافية أو أكاديمية، ويرجع معظمها إلى الفترة من الخمسينيات حتى الآن وهي متنوعة بتنوع المواقع التي عمل فيها أفراد من الأسرة أو المناصب التي شغلوها، وهذه بعض أمثلة لها:
محاضرة في متحف الفن الحديث 1958
بدر الدين أبو غازي ورعاية حلمي مع الفنان محمود سعيد
بدر الدين أبو غازي في وزارة المالية مع الوزير حسن صلاح الدين 1961
بدر الدين أبو غازي في مجلس الأمة 1970
في مسرح الطليعة عرض الغول لبيتر فايس 1971
افتتاح معرض الفنانة سميرة خيري
افتتاح معرض الكتاب يناير 1971
نزار قباني ولويس عوض وسهير القلماوي حفل عشاء على هامش افتتاح معرض الكتاب يناير 1971
العرض الأول لفيلم الاختيار
افتتاح مؤتمر مجمع اللغة العربية مارس 1971
هيئة مكتب المجلس الأعلى للثقافة أكتوبر 1980
بدر الدين أبو غازي يتسلم جائزة الدولة التقديرية أكتوبر 1980
مؤسسة آل البيت 1982
ندوة المجلس الأعلى للثقافة عن يوسف إدريس 2000
مع الروائي إدوارد الخراط في المجلس الأعلى للثقافة
في ختام أنشطة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية 2005
افتتاح مؤتمر ابن خلدون 2006
مع الدكتور عصام شرف في مجلس الوزراء
يوم المسرح المصري 5 سبتمبر 2011
منذ عام 1958 تقتني الأسرة أول آلة تصوير زايس، ومن ذلك الحين يصبح في مقدورنا تسجيل كل الأحداث من خلال الكاميرا، وبعد سنوات قليلة يصبح لكل منا آلة تصويره الخاصة، ويتواصل التقاط مئات الصور كل عام، إلى أن ندخل في العصر الرقمي وتصبح عدسة التصوير جزء من الهاتف المحمول، أو من الحاسب اللوحي، فيصبح في الإمكان التقاط مئات الصور في اليوم الواحد.
في رأس البر 1964
المعادي 1965
المنيل 1966
في المنزل بالمعادي 1972
مع مريم ابنتي 1990
 ومن الطرائف أن موضوعات الصور الشخصية تتكرر مرات ومرات وتتشابه فيما بينها، ربما بقصد وربما بغير قصد، وهذه بعض منها.
الوزارة بعد أداء اليمين نوفمبر 1970
الوزارة بعد أداء اليمين مارس 2011
في حديقة الحيوان 1955
في حديقة الحيوان 1991
1955
1991
 تتطور الأداة وتبقى الصورة شاهد على تحولات المجتمع عبر الزمن.

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

حكاية يوم 13 نوفمبر


حكاية يوم 13 نوفمبر
عماد أبو غازي

 عندما نقف عند تمثال سعد زغلول القائم في محطة الرمل بالإسكندرية، سنشاهد جداريتين من النحت البارز على جانبي قاعدة التمثال، تجسدان بعض الأحداث الفارقة التي شهدتها ثورة 1919.


 لقد كلفت الحكومة الائتلافية محمود مختار عقب وفاة سعد زغلول في أغسطس سنة 1927 بعمل تمثالي ميدان لسعد، واحد في القاهرة والثاني في الإسكندرية في سياق خطة إحياء ذكرى سعد، وفكر مختار في أن يجعل من التمثالين ملحمة نحتية تؤرخ للثورة وأحداثها وقيمها ومبادئها، لا مجرد تمثالين شخصيين لسعد؛ فاستخدم قاعدتي التمثالين لتحقيق هدفه.
 وفي تمثال الإسكندرية سجل مختار في واحدة من الجداريتين ما حدث يوم 13 نوفمبر سنة 1918؛ إنه يوم يحمل ذكرى مناسبة وطنية من أهم المناسبات في تاريخنا الحديث، إنها ذكرى ذلك اليوم الذي عرفه المصريون لسنوات باسم عيد الجهاد الوطني، وهي المناسبة التي ظلت مصر كلها تحتفل بها منذ عام 1919 حتى قيام حركة الجيش في عام 1952، ولهذا اليوم قصة ودلالات في تاريخ مصر تستحق أن تعرفها الأجيال وتعيها، لقد كان يوم 13 نوفمبر 1918 الذي تقترب الذكرى المئوية الأولى له حدثًا من الأحداث الفارقة في التاريخ المصري، لقد كان ذلك اليوم بمثابة نقطة الانطلاق للثورة المصرية؛ ثورة 1919، الثورة الكبرى في تاريخنا في القرن العشرين؛ لقد كان اليوم يومًا تغير فيه وجه التاريخ في مصر، كان يومًا له ما بعده؛ فما الذي حدث في هذا اليوم؟
 ترجع القصة إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى التي استمرت من سنة 1914 إلى سنة 1918، فرغم أن الحرب كانت بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى في ذلك الوقت، إلا أن مصر اكتوت بنارها وكانت ساحة من ساحاتها العسكرية، فعلى أرض سيناء وجبهة قناة السويس اندلعت المعارك بين القوات البريطانية التي كانت تحتل مصر منذ عام 1882 والقوات التركية التي كانت تعتبر مصر جزءًا من الدولة العثمانية منذ أربعمائة سنة سابقة على هذا التاريخ، كذلك عانى المصريون من وطأة الأحكام العرفية التي فرضتها قوات الاحتلال على مصر عقب عزل الخديوي عباس حلمي وتعيين حسين كامل سلطانًا على البلاد تحت الحماية البريطانية، كما عانوا كذلك من تسخيرهم وتسخير موارد البلاد وثرواتها لخدمة المجهود الحربي البريطاني، وهي الحالة التي عبرت عنها ببلاغة كلمات أغنية "يا عزيز عيني" التي لحنها وغناها سيد درويش، وقد تحمل المصريون هذه المعاناة تحت ضغط الجبروت العسكري لجيوش الاحتلال وكلهم أمل في أن تزول الغمة ويزول الاحتلال بنهاية الحرب.
 وفي صيف 1918 بدا واضحًا أن كفة الحلفاء (إنجلترا وفرنسا وإيطاليا ومعهم الولايات المتحدة) هي الراجحة، وأن النصر من نصيبهم، وبالفعل في يوم 11 نوفمبر سنة 1918 سكتت المدافع على جميع الجبهات، وانتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء، انتصارًا كاملًا على دول المحور بقيادة ألمانيا، توقفت الحرب بعد أربع سنوات وبضعة أشهر عرف فيها العالم ويلات لم يعرفها في تاريخه من قبل.
 كان المصريون ينتظرون نهاية الحرب حتى تنتهي معانتهم من حرب لم يكونوا طرفًا فيها، سقط في المعارك شهداء من المصريين، وصادرت سلطة الاحتلال دوابهم ومحاصيلهم لصالح المجهود الحربي، وتحملت الخزانة المصرية ثلاثة ملايين ونصف مليون جنيه دعمًا لبريطانيا العظمى في حربها، لكنهم أيضًا كانوا ينتظرون على أمل أن ينتهي الاحتلال البريطاني لمصر مع نهايتها مثلما انتهى الحكم العثماني مع بدايتها.
 كانت آمال المصريين تستند إلى ما قدموه من دعم لبريطانيا أثناء الحرب، كما كانت تستند إلى الوعد البريطانية، فقد جاء في رسالة الحكومة البريطانية إلى السلطان حسين كامل عند تنصيبه مكان الخديوي عباس حلمي الثاني: "قد أصبح من الضروري الآن وضع شكل للحكومة التي ستحكم البلاد بعد تحريرها"، كما تضمنت وعدًا بالنظر في نظام الامتيازات الأجنبية بعد انتهاء الحرب، ومع اقتراب نهاية الحرب بدأ التفكير جديًا في نظام جديد لإدارة البلاد، وقد وضع بالفعل السير وليم برونيت المستشار المالي البريطاني مشروعًا لقانون نظامي لمصر لكن النخبة السياسية المصرية رفضته تمامًا لأنه وضع مصر في مرتبة المستعمرات وحرمها من مجلس تشريعي منتخب، وكان أول من تصدى للمشروع حسين باشا رشدي رئيس الحكومة.
 وفي عام 1917 أعلن الرئيس الأمريكي ويلسون مبادئه الأربعة عشر التي تضمنت حق تقرير المصير للشعوب، وقد أحيت هذه المبادئ الآمال في نفوس المصريين، فقد تصوروا أن الدول المنتصرة سوف تلتزم بهذه المبادئ وتعمل بها بعد نهاية الحرب.
 ورغم إعلان الأحكام العرفية وفرض الرقابة على الصحف وتعطيل الجمعية التشريعية أثناء سنوات الحرب الأربعة، إلا أن الروح الوطنية كانت تنمو ببطء في تربة هيئتها سنوات النضال الوطني والديمقراطي منذ مطلع القرن، فقد كانت السنوات الأولى من القرن العشرين سنوات للبعث الوطني ولتمهيد التربة من أجل المطالبة بالاستقلال والدستور بفضل التيارين الفاعلين في الحركة الوطنية المصرية، تيار الحزب الوطني وتيار حزب الأمة.
 ومع نهاية الحرب حدث ما لم يكن في الحسبان وما لم تكن تتوقعه سلطات الاحتلال التي تصورت واهمة أن الهدوء الذي خيم على البلاد أثناء الحرب كان خنوعًا من المصريين وقبولًا للاحتلال، فقبل أن تنتهي الحرب اتفق سعد باشا زغلول الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية وزعيم المعارضة بها وزميليه عبد العزيز فهمي بك وعلي شعراوي باشا على أن يطلبوا من دار الحماية تحديد موعد لهم ليقابلوا السير ريجنلد وينجت المندوب السامي البريطاني.
 وقبل أن تعلن الهدنة بساعات تقدم سعد ورفيقيه يوم الاثنين 11 نوفمبر بطلبهم إلى دار الحماية بوساطة من حسين باشا رشدي رئيس الوزراء، فاستجابت دار الحماية لطلبهم وحددت لهم موعدًا يوم الأربعاء 13 نوفمبر 1918 الساعة الحادية عشر صباحًا.
 وبالفعل ذهبوا إلى دار المعتمد البريطاني وهو الحاكم الفعلي للبلاد، وقابلوه ودار بينهم حوار طويل استمر لمدة ساعة؛ طالبوا فيه بإنهاء حالة الأحكام العرفية (الطوارئ بلغة اليوم) والسماح لوفد يمثل المصريين بالسفر إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح الذي كان سيحدد خارطة العالم الجديد بعد الحرب.
 وكان رد المعتمد البريطاني السير وينجت الرفض القاطع على أساس أنهم لا يحملون أي صفة تتيح لهم تمثيل مصر أو الحديث باسم المصريين.
وقد أورد المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه عن ثورة 1919 نصًا للحوار الذي دار بين الزعماء الثلاثة والمندوب السامي البريطاني، حيث طالب سعد زغلول بإلغاء الأحكام العرفية وإنهاء مراقبة الصحف والمطبوعات، تلك الرقابة التي ضاق بها المصريون...
 وقال سعد: "المصريون لهم الحق في القلق على مستقبلهم"، وعندما رد عليه ونجت مطالبًا إياه والمصريين بعدم التعجل والنظر للعواقب البعيدة، علق سعد على مقولة ونجت بأنها عبارة مبهمة غير مفهومة.
 وقد وجه ونجت أثناء الحديث انتقادات لمحمد فريد ورجال الحزب الوطني، أوضح علي شعراوي باشا دوافع الحزب الوطني في اتخاذ المواقف المتشددة...
 وقال: "نريد صداقة الحر للحر لا العبد للحر"...
 عندها قال ونجت في استنكار: "إذًا فأنتم تريدون الاستقلال"...
 فرد سعد: "ونحن أهل له"...
 حاول ونجت أن يقلل من شأن الشعب المصري ومن قدرته على حكم نفسه بنفسه، مرة بالتأكيد على ضرورة التدرج في الاستقلال، ومرة بحجة عدم أهلية المصريين، ومرة ثالثة بدعوى أمية المصريين، ومرة رابعة بالإشارة إلى موقع مصر الذي يجعلها مطمعًا للطامعين.
 ففند الزعماء الثلاثة دعواه الواحدة بعد الأخرى، وأكد عبد العزيز بك فهمي على مطالب الأمة قائلًا: "نحن نطلب الاستقلال التام"... وأكد على أن للحزب الوطني وحزب الأمة هدفًا واحدًا وطريقين مختلفين للوصول إليه.
 بعد أن انتهى اللقاء توجه الزعماء الثلاثة إلى وزارة الداخلية لمقابلة حسين رشدي باشا في مكتبه بالوزارة وأبلغوه بما دار في اللقاء.
 وكان رشدي باشا قد أعد في نفس اليوم خطابًا للسلطان أحمد فؤاد يستأذنه فيه السماح له ولعدلي يكن باشا بالتوجه إلى لندن للسعي نحو تحقيق استقلال مصر.
 وفي نفس اليوم أيضًا التقى رشدي بالسير ونجت، فتسأل الأخير كيف يتحدث ثلاثة رجال باسم الأمة؟
 فعندما علم سعد من رشدي باشا بما دار في لقائه مع ونجت اجتمع مع رفيقيه للتشاور في أسلوب يثبت جدارتهم بتمثيل الأمة، فاتفقوا على تأليف هيئة تسمى الوفد المصري في إشارة إلى أنها وفد مصر للمطالبة باستقلالها، وأن تحصل هذه الهيئة على توكيلات من الأمة للحديث باسمها.
  لقد تصور وينجت أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لكن ما حدث بعد ذلك كان ما لم يتوقعه وينجت، ولا حكومة بريطانيا العظمى التي يمثلها، ولا سلطان البلاد الجديد السلطان أحمد فؤاد الذي عينه الإنجليز قبلها بشهور بعد وفاة رجلهم السلطان حسين كامل.
  كان رد فعل الشعب المصري ردًا إيجابيًا على دعوة سعد وأعضاء الوفد، كشف موقف المصريين عن روح الثورة التي ظلت كامنة لسنوات في نفوسهم، لقد بدأت حملة لجمع التوقيعات على توكيل من أفراد الشعب المصري فردًا فردًا لسعد زغلول ورفاقه ليكونوا وكلاء عن الأمة المصرية في حضور مؤتمر الصلح، وليشكلوا وفدًا يمثل مصر وشعبها هناك ويسعى من أجل الحصول على الاستقلال لمصر وعلى اعتراف المجتمع الدولي بهذا الاستقلال، خلال أسابيع قليلة اتسعت حملة جمع التوقيعات وشملت جميع طوائف الأمة وطبقاتها، وظهرت وحدة المصريين حول هدف واحد، وأصبح اسم "الوفد المصري" تعبيرًا عن طموح المصريين نحو استقلال بلادهم، وفشلت كل محاولات السراي والإنجليز ورجالهم في نظارة الداخلية في وقف حركة التوكيلات، وعندها كان القرار الذي فجر الثورة المصرية الكبرى ثورة 1919، قرار القبض على سعد زغلول وزملائه من رجال الوفد المصري ونفيهم إلى مالطة، في 8 مارس 1919، وفي اليوم التالي مباشرة انفجر بركان الغضب المكبوت ليطيح بنظام قديم وقيم قديمة ويرسي أسس عصر جديد من السعي نحو الاستقلال التام والديمقراطية، لتبدأ حلقة جديدة من حلقات نضال المصريين من أجل الحرية.
 لقد كانت البداية من ذلك الحدث الذي وقع يوم الأربعاء 13 نوفمبر 1918 لذلك أعتبر المصريون هذا اليوم عيدًا للجهاد الوطني ظلوا يحتفلون به كل عام، وفي احتفالهم إرساء لقيم ومبادئ مهمة تشكل دلالات هذا اليوم، أولها أن الأمة هي مصدر السلطات وهي التي تفوض قادتها في تمثيلها وتحاسبهم على ما يفعلون، وثانيها أن مصر كيان مستقل قائم بذاته؛ فلا هي مستعمرة بريطانية ولا هي ولاية عثمانية، وثالثها أن المصريين أمة واحدة لا فرق بينهم على أساس دين أو عقيدة أو جنس، تربط بينهم الرابطة الوطنية قبل الرابطة الدينية، ورابعها أن استقلال مصر السياسي لا يتحقق بمعزل عن حرية المواطنين واحترام حقوقهم؛ والجدارية القائمة على قاعدة تمثال سعد في الإسكندرية تسجل هذا الحدث.
 لقد كان يوم 13 نوفمبر 1918 يوم ميلاد الوفد المصري أكبر وأهم أحزاب الموجة الحزبية الثالثة في تاريخ مصر، والذي سيحتفل بمئوية تأسيسه في نوفمبر من هذا العام، كما كان اليوم نقطة الانطلاق نحو ثورة 1919، التي سنحتفل بمئويتها الأولى في العام القادم.
مجلة ديوان عدد خريف 2018

الخميس، 4 أكتوبر 2018

محددات الحوار حول نموذج ثقافي عربي وأهدافه


 نص مداخلتي في ندوة: "نحو نموذج ثقافي عربي جديد في عالم متحول" التي نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي، يوم الأحد 30 سبتمبر 2018

محددات الحوار حول نموذج ثقافي عربي وأهدافه

 عماد أبو غازي
 طرحت مؤسسة الفكر العربي كتاب أفق السنوي الأخير؛ وجاء موضوعه "نحو نموذج ثقافي عربي جديد في عالم متحول"، وقد تضمن الكتاب مجموعة من الرؤى والإسهامات المتنوعة التي تناولت الموضوع من جوانب عدة، قدم بعضها دراسات مركزة حول مفهوم النموذج وانتقاله من العلوم الطبيعية إلى حقل الدراسات الأدبية، ومنه إلى الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، بينما حاول بعضها الآخر أن يقدم تحليلات مختلفة لواقعنا العربي الراهن، واشتبك بعضها الثالث مع الطرح نفسه، مقدمًا تساؤلات مهمة.
 لقد كان لدي بعض الريبة في البداية عندما طُلب مني تقديم هذه المداخلة، الريبة من موضوع النموذج، ومن فكرة النمذجة عمومًا؛ وبعد أن قرأت هذا العمل الممتع والثري في آن واحد - الممتع بما فيه من أفكار مثيرة للذهن، والثري بتنوع الرؤى التي يطرحها - كادت الريبة أن تتحول إلى يقين؛ فقررت الانسحاب، لكنني تراجعت وجئت إليكم بهمومي وأسئلتي.
 فهل نحن في حاجة فعلًا إلى وضع نماذج للثقافة والفكر؟ ومن نحن كي نضع هذا النموذج المقترح؟ أو نمهد الطريق له إذا أخذنا في الاعتبار لفظ "نحو" في عنوان الكتاب على أنه يعني أن المهمة مجرد إنارة الطريق؟
لو تحدثنا كباحثين فمهمتنا اكتشاف النموذج/النماذج السائدة البائسة في مجتمعاتنا العربية؛ هذا إذا جاز لنا أصلًا أن نعتبرها نماذج، ودراستها، وفهم مساراتها التاريخية، واستشراف آفاقها المستقبلية، إذا كان لها آفاق.
 أما لو زعمنا أننا نخبة مفكرة ومثقفة؛ فلا أظن أننا نمتلك القدرة التي تمكننا من صياغة النموذج - هذا إذا قبلنا أصلًا – أننا في حاجة لنموذج ثقافي، وأن النماذج الثقافية يمكن أن تصاغ، كما لو كنا في مجال تشييد بناء مادي، فأظن أن الثقافة لا "تهندس".
 غاية أمانينا أن نؤثر في بضعة مئات أو بضعة آلاف من متابعينا على وسائل التواصل الاجتماعي، أو بضع عشرات ممن يقرأون ما نكتب في الصحف، أو ممن نحتك بهم في قاعات الدرس أو الندوات العامة.
 غاية قدرتنا أن نلقي ببذرة قد تثمر بعد عقود، وقد لا تثمر وتموت في تربتنا العفنة مخنوقة بالاستبداد السياسي والتعصب الديني والصراع الطائفي المقيت حول إشكاليات وصراعات بعيدة، مضى عليها أكثر من 1400 عام.
 ولعل لنا في أسلافنا ممن حملوا على أكتافهم مهام بناء الدولة الحديثة عبرة؛ إذا كان من نسميهم بالنخب العربية قد فشلوا على مدار أكثر من قرنين في إنجاز متطلبات الحداثة أو حتى التحديث، فما الذي يدعونا إلى الاعتقاد بأن نخب اليوم قادرة؟ أو ليس الكثيرين منا قد حاولوا على مدى نصف قرن أن يفعلوا ذلك، فانتهينا إلى ما نحن فيه الآن؛ فكانت مسارات حياتنا انتقال من فشل إلى فشل!
 ألم تكن ثورات الربيع العربي نداءً واضحًا لأجيال من الفاشلين بأن يرحلوا ويفتحوا المجال أمام مستقبل مغاير، تقوده أجيال جديدة مختلفة عنا، تمتلك أدوات غير أدواتنا؟ لكننا نجحنا في الالتفاف على حلم المستقبل ووأده في مهده.
 لقد فشلت الأجيال الأولى من أسلافنا التنويريين في تحقيق مهمات التنوير، وفشل الجيل التالي في المحافظة على القدر الضئيل الذي تحقق في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، وأتت "دول الاستقلال الوطني" بالاستبداد السياسي، وفشلت في الحفاظ على ما ادعت أنها حققته من عدالة اجتماعية أو استقلال وطني ناجز، وانتهينا إلى حروب أهلية طاحنة، بدأت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وما تكاد حرب منها تنتهي حتى تبدأ حرب جديدة.
 فهل تكون الحروب الطاحنة الدائرة على الساحة العربية، أعني الحروب العربية/العربية؛ منبئة بميلاد عصر جديد مثلما كانت حرب الثلاثين في أوروبا؟
 لكن هل القرون التي مرت تسمح بإعادة التجربة كما حدثت من قبل؟ أم أننا أمام حروب تفتح الباب لانقراضنا ماديًا بعد أن انقرضنا معنويًا وخرجنا من دائرة الزمن؟
 وإذا أخذنا بنظرية توفلر حول الموجات الحضارية الثلاث، أو الثورات الثلاث الكبرى في مسيرة البشرية؛ فكيف سنرى حال منطقتنا التي نسميها اليوم بالعربية؟ وكيف كان حالنا في كل موجة من الموجات الحضارية الكبرى؟ لقد كنا في المقدمة في حضارة الموجة الأولى، فهل كان حتما ولزاما على مجتمعاتنا الشرقية أن تتحول إلى حضارة الموجة الثانية؟ أو بمعنى آخر هل كان علينا أن نخوض تجربة التحديث، وأن نتحول إلى مجتمعات صناعية؟
لقد كان الرأي السائد منذ القرن قبل الماضي أن إعادة صياغة العالم على شاكلة الغرب الأوروبي الطريق الوحيد إلى التقدم، إلا أن بعض مدارس نقد الاستشراق حاولت أن تجيب على هذا السؤال إجابة مغايرة، أن تجيب عليه بالنفي، وأن تبرز فكرة الطريق الخاص لتطور كل مجتمع بغض النظر عن النموذج الأوروبي أو الغربي للتطور، وظهرت مقولات ترفض فكرة التقدم المستمر للبشرية، أو على الأقل فكرة الارتباط الحتمي بين التقدم والتحديث على النمط الغربي.
لكن استقراء أحداث التاريخ الإنساني – للأسف – ليس في صالح هذا الاتجاه، فبقدر ما في الاتجاه الأول من سعى لفرض قوالب خارجية وافدة من الغرب الأوروبي على أرجاء العالم المختلفة، بقدر ما في الاتجاه الثاني من تأييد للتخلف في مجتمعاتنا.
فلكل عصر "كلمة سره" والمجتمعات التي تملك كلمة سر عصر من العصور هي التي يكون لها السبق والريادة، وهي التي تسود في ذلك العصر، لقد كان لمجتمعاتنا في شرق وجنوب المتوسط السبق والريادة في حضارة الموجة الأولى – حضارة الثورة الزراعية – فمعظم إنجازات هذه الثورة قد تحققت في مصر وبلاد الرافدين وآسيا الصغرى للمرة الأولى (الزراعة – استئناس الحيوان – ابتكار الكتابة والأبجدية- الدولة) ومن هنا انتقلت تلك المنجزات إلى أنحاء العالم المعروف حينذاك، ومن هنا أيضا كان لمجتمعاتنا السيادة على ذلك العالم لبضع آلاف من السنين، وكان نموذجنا الحضاري يشكل المثل الأعلى في تلك الحقبة.
واستمر الحال على ذلك حتى بعد أن انتقلت منجزاتنا الحضارية إلى "الآخر" في الشمال والغرب، ما تغير فقط هو التنافس والصراع الذي وصل إلى الصدام العنيف في أحيان كثيرة، لكنه صدام بين أنداد، وقد ترجح الكفة هنا مرة وترجح هناك مرة أخرى، لكن الأطراف متقاربة في القوة والقدرة.
وعندما بدأت حضارة الموجة الثانية- حضارة الثورة الصناعية – تغيرت كلمة سر العصر، وفاتنا – للأسف – الإمساك بمقدرات تلك المرحلة الجديدة.
وعندما أفقنا على تلك الحقيقة وقفنا نتساءل؛ في البداية كان السؤال: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟
ثم تبدل السؤال وأصبح: وهل كان من الضروري أن نسير وفقًا لنمط التطور الأوروبي؟
القضية في تقديري ليست نمطًا أوروبيًا أم نمطًا شرقيًا، ولكنها قضية إنجاز حضاري متمثل في الثورة الصناعية وفى مجموعة من القيم والمبادئ والأفكار التي واكبت عصرها، وشكلت في مجملها مقدرات القوة في تلك الحقبة؛ وقد أنجز الغرب هذه الثورة ولم ننجزها نحن.
لقد حدث هذا الإنجاز في الغرب انطلاقًا من تطور ذاتي، وكانت الإمكانية الوحيدة لتحقق هذا الإنجاز في الشرق أن نمر به – نحن كذلك – انطلاقًا من تطورنا الذاتي؛ لكن هذا لم يحدث، كما لم يتحقق لنا كذلك النجاح في إنجاز هذا التطور اقتباسًا من الغرب بإرادتنا، أو بالإقحام والفرض علينا.
 لماذا إذن كان نصيبنا الفشل؟
 منذ عشرين عامًا كنت أتساءل قائلًا: إننا اليوم نقف في لحظة مفترق طرق جديد يخطو فيها العالم نحو عصر جديد، وإذا كان لنا السبق والريادة في حضارة الموجة الأولى - حضارة الثورة الزراعية، وإذا كان قطار حضارة الموجة الثانية - حضارة الثورة الصناعية قد فاتنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه علينا بإلحاح، والهاجس الذي يفترض أن يؤرقنا، هل سنحلق بحضارة الموجة الثالثة - حضارة ثورة المعلومات؟ وهل لنا مكان على خارطتها الآخذة في التشكل بسرعة أم لا؟
 وأظن أنني ما زلت لم أبارح مكاني من وقتها! وأظن أن السنوات العشرين أكدت أن علينا أن نفسح المجال أمام جيل جديد، بعقل جديد.
 لكني سأحاول مع ذلك أن أقدم المطلوب مني عن محددات الحوار حول نموذج ثقافي عربي وأهدافه؛ أظن أن أول المحددات أن نمتلك القدرة على التواصل مع الناس والتفاعل معهم؛ ثم علينا أن نجيب على بعض الأسئلة ونصل إلى إدراك بعض الأمور:
·        أن نحدد أولًا من نحن؟
·        أن ندرك واقعنا وما نحن فيه كي نستطيع تجاوزه.
·        أن نتفق حول الحاجة لنموذج ثقافي عربي جديد؟ هل نتحدث عن نموذج أم عن نماذج؟ وألا تشكل النمذجة الثقافية قيدًا على حركة العقول؟
·        أن نتفق قبل ذلك على المقصود بالنموذج؛ فالنموذج في بنية الثورات العلمية لم يتكون بشكل قصدي مسبق بل قاد إليه تطور العلم.
·        أليست فكرة النموذج عند كوهن تقوم على نموذج يتولد بناء على كشف علمي جديد يحدث ثورة معرفية تؤدي إلى ظهور نموذج جديد، ولا تقوم على خلق نموذج بشكل فوقي قبلي!
·        هل النموذج يصنع أم ينشأ نتاج تطور طبيعي في المجتمع؟
·        هل هناك نماذج ثقافية قومية؟ ألم يكون النموذج الثقافي الوسطوي عالميًا؟
·        هل هناك نموذج عابر للطبقات؟ وهل هناك نموذج عابر للزمان؟
·        هل ما نسعى إليه مجرد خلق تيار من الوعي في مجتمعاتنا، قد يسفر عن نموذج أو لا يسفر بقدر التفاف الناس حوله؟
·        ثم علينا أن نحدد عناصر النموذج الثقافي العربي القديم الذي نحتاج أن نستبدل به نموذج جديد، إذا اتفقنا على هذه الحاجة.
·        أخرًا؛ هل ما نحتاج إليه نموذج ثقافي عربي جديد أم الإسهام في بناء المعرفة الإنسانية؟
 أظن أننا نحتاج لأن يكون لنا وجود أولًا، أن يكون لنا إسهام أولًا في بناء عالم اليوم، ثم نبدأ في التفكير في أن يكون لنا نموذج أو نماذج.
 الأمر الآخر الذي أثار قلقي، ربط عملنا هذه بفكرة القمة الثقافية، تلك الفكرة التي طرحت قبل ثورات الربيع العربي ولم تر النور، ويعاد طرحها اليوم، فهل حقًا نحتاج إلى قمة ثقافية عربية، أم إلى تحرير الثقافي في منطقتنا العربية من سطوة السياسي، وإلى تحرير العمل الثقافي من قيود السياسة.
 كلمة أخيرة واعتذار:
 ربما يكون الإيجابي في وجودنا هنا؛ أمران: الأول هذا العمل الذي بين أيدينا الذي يثير الذهن، ويدفع إلى التساؤل والتفكير؛ والثاني أن نلتقي بأحبة وأصدقاء.
 ثم أعتذر عن هذه الروح الكلبية؛ لكنها السبيل الوحيد في ظني للتعايش مع واقعنا الراهن في المنطقة العربية.

الأربعاء، 6 يونيو 2018

سنة 1919

سنة 1919
 دي مسرحية لقيتها امبارح وأنا بافرز الكتب والأوراق اللي كانت موجودة في بيت جدتي واللي بقالي 12 سنة بأفرز فيهم، المسرحية كانت في صندوق فيه كراسات المدرسة بتاعة عماتي التلاته، علشان كده بارجح ان المسرحية واحدة منهم اللي اشترتها، الصندوق لقيت فيه كمان غير الكراسات كتيب غريب جدا عنوانه قضية الدهر هاكتب عنه لوحده لأنه حكاية تانية.
المسرحية لمؤلف اسمه فلبس أو ده الاسم اللي استخدمه، موضوع المسرحية ثورة 1919 وعنوانها في الغلاف الداخلي "اليقظة أو سنة 1919"، المسرحية زي ما هو باين من مقدمة فلبس بتركز على موضوع وحدة المصريين في الثورة باختلاف أديانهم، وكمان بتتكلم عن العلاقة الإيجابية بين المصريين والأجانب المقيمين، وواضح من الصفحات الأخيرة بعد نهاية المسرحية اللي فيها إعلانات إن المؤلف له أعمال تانية، وواضح كمان إن المسرحية منشورة بعد يوم 7 يناير 1938لأن الإعلانات فيها اقتباس من خبر منشور في أهرام 7 يناير 1938 عن عمل تاني للمؤلف. يا ترى ممكن حد من الأصدقاء دارسي الأدب أو المسرح يفيدنا بحاجة في موضوع المسرحية أو مين المؤلف ده؟
عرفت بعد نشر التدوينة إن المسرحية أعيد نشرها سنة 2012 في المجلس الأعلى للثقافة بمقدمة لأحمد بهاء الدين شعبان في السلسلة اللي بيشرف عليها الصديق شعبان يوسف.















الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...