الثلاثاء، 15 مايو 2018

من أوراق بدر الدين أبو غازي (7) فريد مرة تانية


من أوراق بدر الدين أبو غازي (7)
فريد مرة تانية
 لما قربت ذكرى محمد فريد سنة 1937 قرر بدر إنه يكتب مقال تاني عن فريد ويبعته للأهرام برضه، المرة دي كان عنده أكتر من تحدي، أولا إنه يحافظ على المستوى اللي كتب بيه المقال الأول، وثانيا إنه يقدم فيه جديد خصوصا إنه بيتكلم عن نفس الشخص وفي نفس المناسبة وأخيرا إن المقال يتنشر زي المقال الأولاني ما اتنشر.


 اللي حصل إن الأهرام نشر المقال في أول صفحة وفي نفس مكان السنة اللي قبلها، والمقال كان فيه زاوية جديدة في تناول شخصية محمد فريد، والمرة دي المقال نزل بتوقيع بدر الدين أبو غازي، التوقيع اللي استمر يكتب طول حياته.
 ده المقال اللي نشره الأهرام يوم 16 نوفمبر سنة 1937:


صفحة من تاريخ الجهاد
ذكرى محمد فريد بك
 في مثل هذا اليوم، منذ ثمانية عشر عامًا، طوى الموت علمًا من أعلام الجهاد وبطلًا كان مضرب الأمثال في التضحية وإنكار الذات في سبيل وطنه. ذلك هو المرحوم محمد فريد بك الرئيس السابق للحزب الوطني.
  حمل فريد راية الجهاد بعد وفاة زعيمه وصديقه مصطفى كامل، فأقسم أن يقف حياته وماله على خدمة الوطن، حتى يتحرر شعب النيل وتعود الحرية إلى أرض الفراعنة. ثم أخذ يعمل من أجل عقيدته الخالدة؛ فسرعان ما نظم الحزب الوطني ونشر مدارس الشعب للقضاء على الأمية وبعث الروح القومية في نفوس أبناء مصر.
 ولما تنكرت له الحكومة في عهد الاحتلال وزجت به في أعماق السجن، لم يبال فريد هذا لأنه كان يعتقد أن النفوس لا يطهرها إلا الألم، ولا يسمو بها إلا العذاب، غير أنه أراد أن يثبت للعالم أن صوت مصر لن يسكت أبدًا، وإنه إذا لم يرتفع على أرض مصر فسيرتفع في أوروبا موطن الحرية، وسيتردد صداه في كل مكان.
 من أجل هذا غادر فريد بلاده إلى أوروبا، وأخذ يتحدث إلى ضمير العالم الأجنبي عن شعور مصر، وما يضطرب في نفوس أبنائها من عاطفة وما يطمحون إليه من مثل عليا.
 وما أن انعقد مؤتمر السلام حتى تردد صوت فريد فيه مطالبًا أنصار السلام بالسعي لخلاص مصر حتى تستطيع أن تبني نفسها من جديد أمة مستقلة ذات سيادة يتمتع أبناؤها بالحرية والمساواة، فما كان من ممثلي الأمم الأوروبية في المؤتمر إلا أن احتجوا رسميًا على بقاء الاحتلال في مصر.
 إزاء ذلك النصر ضاعف فريد جهوده في سبيل إنقاذ وطنه المنكود، فما كان ينقضي يوم إلا يرسل صيحاته الداوية التي كان يتردد صداها في مصر، فيثير النفوس الخاملة ويلهب الهمم الفاترة.
  وبينما هو ماض في طريقه يدفعه اليقين والإيمان ويعينه حبه لمصر وإخلاصه لها على الحياة، إذا نذير الحرب يدوي في أوروبا فيحيلها إلى ساحة من الدماء والأشلاء وتخيم عليها سحابة مظلمة تحجب عنها النور وتحول بينها وبين أسباب الحياة الهادئة المنتجة، فينسى الناس من أمر مصر كل شيء وتنسى مصر من أمرها الشيء الكثير.
 وأخيرًا انقشعت هذه السحابة وانتهت الحرب بما انتهت إليه ففاء المصريون إلى أنفسهم، ونظر الشعب في حيرة وتردد إلى ما أصابه من بلاء وما حل به من عذاب.
 وكانت أنباء تلك الحياة البائسة التي يحياها الشعب تصل إلى فريد في منفاه فلا تزيد ألمه إلا شدة ولا تملأ نفسه إلا إيمانا بالمبدأ الأسمى الذي يعمل من أجله ويضحي في سبيله، فأخذ يعد المذكرات الضافية عن أعمال الاستعمار ويبعث بها إلى رؤساء الحكومات، ثم لا يكتفي بذلك بل يصدر مجلة شهرية لا تتحدث إلا عن مصر ولا تدعو إلا للاستقلال التام عقيدة مصر ومبدأها الخالد.
 ولما اندلعت ألسنة الثورة على ضفاف النيل وتحولت مصر إلى أتون يستعر ناره، شاء القدر ألا يشهد فريد هذه الثورة التي كان هو وأصحابه في طليعة رسلها في نفوس المصريين، فإذا هو مريض في هذه البلاد القصية التي طالما تردد في جوانبها صوته القوي الثائر، وإذا هو نزيل غرفة صغيرة من هذه الغرف التي أعدت للعمال في أحياء برلين الفقيرة يعاني آلام المرض والفاقة بعد أن أنفق كل ما ملك من مال وجهد من أجل مصر، وإذا الموت يسدل الستار على هذه الحياة الحافلة بصنوف الجهاد والتضحية فتهدأ أنفاس البطل العظيم.
 والآن يثوى فريد في ركن قصي من الصحراء الساكنة لا يزوره إلا نفر قليل من هؤلاء الذين قدروا رسالة زعيم مصر الثاني. الآن تمر ذكرى فريد دون أن يزرف الشعب دمعه وفاء على الرجل الذي أفنى حياته في خدمته وعانى من صنوف العذاب ما عانى.
 أفلم يحن إذن ذلك اليوم الذي يقوم فيه المصريون بواجبهم نحو فريد وصحبه الأبطال فيشيدون لهم التماثيل ويروون قبورهم بدموع الوفاء والذكرى!!
بدر الدين أبو غازي


الاثنين، 14 مايو 2018

من أوراق بدر الدين أبو غازي (6) المقالات الأولى


من أوراق بدر الدين أبو غازي (6)

المقالات الأولى

 الكتابة كانت شيء أساسي في حياة بدر الدين أبو غازي من طفولته، كل ما أدور في أوراقه ألاقي كتابات في أجندات وعلى ورق من كراريس أو جوه الكراريس، قبل كده نشرت حاجات من اللي كتبها سنة 1934 وهو عنده 14 سنة، النهار ده هانشر أول مقالات كتبها واتنشرت في الجرايد، كان عمره 16 سنة وكام شهر، وكانت المناسبة الذكرى السبعتاشر لوفاة محمد فريد، كتب المقالة وبعتها للأهرام بالبوسته، وكانت المفاجأة إن الأهرام نشر المقال في الصفحة الأولى بتوقيع بدر الدين محمود.
 ده شجع بدر إنه السنة اللي بعدها يبعت مقال تاني في نفس المناسبة لنفس الجرنال، وبرضه الأهرام نشر المقالة في الصفحة الأولى بتوقيع بدر الدين أبو غازي.
 دول كانوا أول مقالتين يتنشروا لبدر الدين أبو غازي وهو تلميذ في ثانوي عنده 16 سنة و17 سنة، وفين؟ في الصفحة الأولى للأهرام، في المكان اللي بقى بعد كده مكان مقالة رئيس التحرير!




ده المقال الأول:




محمد فريد بك

بمناسبة مرور سبعة عشر عامًا على وفاته

 سبعة عشر عامًا انقضت على وفاة الزعيم الثاني للنهضة الوطنية، فطويت بوفاته صفحة من صفحات التاريخ الخالدة، واحتجبت آية من آيات الوطنية الصادقة، وراح رجل من رجالات مصر الخالدين.
 ولد فريد في بيت من أعرق بيوتات المجد في مصر، كان والده المغفور له أحمد فريد باشا ناظر الدائرة السنية، وما أن بلغ السابعة من عمره حتى أدخله مدرسة خليل أغا الابتدائية، ثم يلتحق بمدرسة الفرير الفرنسية، ثم بالمدرسة التجهيزية الثانوية، وبعد ذلك التحق بمدرسة الألسن ومنها إلى مدرسة الحقوق المصرية، وهنا انتهى السفر الأول من حياة ذلك البطل المجيد.
 ولقد طالع فريد إبان تلك المرحلة الأولى من حياته تاريخ مصر، وقرأ في الصفحات الخالدة مجدها القديم، واستعرض حياتها الماضية والحاضرة، فأتيح له أن يسمع من بين ثنايا سطور تاريخها الحديث أنةً موجعةً وقفت لها دقات قلبه، فما لبث أن استرعى صوت استغاثتها سمعه فاندمج منذ أتم تعليمه في قافلة المجاهدين.
 وقد تقلد مناصب الحكومة مدة قليلة، حتى كان عام 1896 العام الذي تعرف فيه بصديقه مصطفى كامل، وأخذا يعملان جنبًا إلى جنب، فلاحظت حكومة الاحتلال ذلك فأرادت أن تنقله من القاهرة إلى مغاغة، لكنه ابى، تاركًا مناصب الحكومة لينضم إلى العاملين في سبيل الوطن، فلما والده المغفور له فريد باشا أن ابنه انصرف إلى السياسة مذ تعرف بمصطفى أراد أن يستعين بابن عمه رياض باشا على إبعاده عن صاحبه مصطفى، فما كان من فريد إلا أن قال عبارته الخالدة:
"‘ن الوطني الذي يحب بلاده لا يتعرف إلا إلى من هم على شاكلته، وقد وجدت في صديقي وأخي مصطفى قلبًا كقلبي، ونزعة كنزعتي، وفصاحة خلابة، ووطنية صادقة، فوالله الذي وهبنا نعمة الشعور واليقين لا أبتعد عنه إلا بالموت".
 وظل فريد يعمل في الحزب الوطني حتى كان عام 1908، الذي صعدت فيه روح مصطفى كامل إلى ربها، وهنا نظرت مصر حائرة كالسفينة التي تتقاذفها الأمواج، وإذا بفريد الرجل الذي يدير دفتها ليوصلها إلى بر السلامة، وإذ بنا نراه سجينًا في سجن الاستئناف بين جدران حجرة مظلمة، ثم إذا بنا نرى فريدًا في السجن لأنه كان ينشد الحرية وينادي بالاستقلال، غير أن القوة لم تستطع أن تحول الزعيم الخالد عن عقيدته بل زادته حماسةً وإقدامًا.
 وفي 25 مارس سنة 1912 فارق فريد بلاده لا غاضبًا عليها بل متغربًا في سبيلها كي يتمكن من أن يسمع العالم صوتها. وهناك في عالم الحرية وقف يطالب بحقوق هذه الأمة ذات المجد الخالد، وينشر ظلامتها ويدافع عن قضيتها، فبرهن على أن مصر جديرة بالاستقلال، ورفع اسم بلاده في مؤتمرات أوروبا، فقد مثلها في مؤتمر السلام وفي مؤتمر الأجناس، وحصل من أعضاء المؤتمر الأول على قرار يحتجون فيه على بقاء الاحتلال البريطاني في مصر.
 وبينما الحرب الكبرى دائرة الرحى والمنايا تتخطف الأرواح، وقد اشتد الاضطراب وأخذ الجزع من النفوس كل مأخذ، كان فريد ينادي باسم مصر وينشد لوادي النيل الحرية والاستقلال وسط طلقات المدافع وسحب الدخان الكثيف وشظايا القنابل، ولما انتهت الحرب بما انتهت إليه لم ييأس فريد ولم يتسرب القنوط إلى نفسه العالية، بل ضاعف جهوده وأخذ يستحث العالم على إنقاذ مصر البائسة مصر المقيدة بقيود الاستعمار، وأرسل إلى رؤساء الدول الأوروبية مذكرات ضافية عن حوادث الاستعمار، وفي مقدمة هؤلاء الدكتور ولسن، ثم أصدر مجلة شهرية لا تتحدث إلا عن مصر، ولا تنشر الدعاية إلا لمصر، حتى أنه كتب في الاستعمار البريطاني والقضية المصرية باللغة الفرنسية، منذ وضعت الحرب أوزارها إلى شهر أغسطس عام 1919، ما يقرب من ألفي صفحة.
 وهكذا سكنت تلك القوة التي أخرجت شعبًا من الظلمات إلى النور، وقادته إلى طريق الحرية، وأفهمته معنى الحياة. وهكذا مات فريد وقلبه يخفق بحب مصر.
 هناك وسط مدينة الأموات الهادئة يرى المار قبرًا لا يزوره إلا النفر القليل من الناس، هو قبر محمد فريد الزعيم الثاني لنهضة مصر والرجل الذي جاهد في سبيل حرية هذا الشعب.
 آلا فسلام على روح فريد التي ترفرف في سماء وادي النيل بعد أن بذرت بذور الحرية والاستقلال.
بدر الدين محمود"


الخميس، 5 أبريل 2018

1968 عصر جديد


1968... عصرٌ جديدٌ
عماد أبو غازي
  في تاريخ الإنسانية سنوات فاصلة، سنوات يمكن أن نعتبرها علامات على تحولات كبرى في حياة البشر؛ وعام 1968 واحدًا من هذه السنوات؛ لقد كان عام 1968 عامًا للطلاب الثائرين، عامًا لثورات الشباب على مستوى العالم كله، عامًا للاحتجاجات العمالية، ولتبلور حراك يساري جديد هز ثوابت عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ ففي ذلك العام شهدت بلدان العالم شرقًا وغربًا انتفاضات طلابية وحركات احتجاج شبابية واضرابات عمالية كانت إيذانًا بميلاد عصر جديد، بنهاية عالم وميلاد عالم؛ لقد كان العالم يتغير منذ منتصف الخمسينيات، قوة العمل، ومصادر القوة الاجتماعية والسياسية، وموازين القوى، وعندما انتصف عقد الستينيات كانت الأوضاع منبئة بالانفجار.


 في عام 1968؛ من اليابان إلى الولايات المتحدة مرورًا بألمانيا وفرنسا وإيطاليا وتشيكوسلوفاكيا، خرجت حركات الاحتجاج في العالم، تضم جماهير من الطلاب والعمال والفنانين والأدباء والمثقفين، تضم خليطًا من دعاة السلام ومناهضي العنصرية والأناركيين والشيوعيين الجدد والاشتراكيين وجماعات الهيبز والثوار المسلحين.


 خرج إلى الشوارع في عواصم العالم ومدنه الكبرى طلاب ثائرين على الأوضاع في بلادهم، مطالبين بالتغيير وبالإصلاحات داخل الجامعات، رافعين شعارات الديمقراطية الحقيقية والإصلاح الاجتماعي، وحركات عمالية تطالب بالعدالة الاجتماعية، وحركات من الشباب تناهض الحرب وتنادي بالسلام العالمي، وتعارض التفرقة العنصرية، واحتجاجات فيما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي ضد الاستبداد السياسي والدولة البوليسية التسلطية وفساد الأحزاب الحاكمة.


 بالطبع لم تخرج هذه الحركات الاحتجاجية فجأة، كذلك لم تنته بنهاية عام 1968؛ لقد كانت هناك بوادر لأشكال جديدة من الاحتجاج منذ مطلع الستينيات في الولايات المتحدة ومنذ منتصفها في ألمانيا واليابان وإيطاليا، كما بدأت الحركات الثقافية الجديدة في الظهور في إنجلترا منذ النصف الأول من الستينيات، أما في دول ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي فقد كان الحراك مبكرًا في الخمسينيات في ألمانيا الشرقية ثم المجر؛ لكن عام 1968 يظل مع ذلك عامًا فارقًا في اتساع نطاق الحراك الجماهيري وامتداده على نطاق عالمي واسع وتبلور أهدافه بشكل واضح في شعارات تنادي بمعارضة الاستعمار ومناهضة السلطوية، وتدعو إلى عالم بلا عنف وبلا تمييز، وتطالب بالحق في حرية الاختيار والتحرر الأخلاقي وحق تقرير المصير وتحقيق الذات على المستوى الفردي، لقد أصبح عام 1968 مرادفًا لعام 1848 في أوروبا القرن التاسع عشر.
 كانت تلك الحركات الاحتجاجية التي غلب عليها الطابع اليساري تنبئ بميلاد يسار جديد مختلف ومستقل وبعيد عن الأحزاب اليسارية التقليدية، وخلقت الحركة الطلابية الجديدة جسورًا من التواصل مع مجموعات من المثقفين المستقلين أثروا فيها وتأثروا بها.

  وإذا ذكر عام 1968 يحضر إلى الذهن على الفور حدثان كبيران: ثورة الشباب الفرنسي وربيع براغ.
 أما ثورة الشباب في فرنسا خاصة أيام 10 إلى 13 مايو التي أعادت إلى الأذهان ذكرى كميونة باريس؛ فقد بدأت الإرهاصات الأولى لأحداثها بحوار عارض بين الطالب الأناركي دانييل كوهين بنديت نصف الفرنسي نصف الألماني ووزير التعليم في احتفالية بجامعة نانتير في شهر يناير 68، أخذت بعده الأحداث في التسارع لتصل في ليلة 10/11 مايو إلى معدل للعنف لم تشهده فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا شك في أن تعامل الدولة الفرنسية غير الذكي مع الأحداث ساعد على تصاعدها، لقد رفعت الحركة الطلابية شعارات غير تقليدية معبرة عن طابع قادتها من اليسار الجديد؛ وفي مقدمة هذه الشعارات: "الخيال يحتاج إلى قوة" - "لا للممنوعات" - "أصبح الحلم واقعًا"؛ وكان لما يمكن أن نسميه بثورة الترانزستور، فضلًا كبيرًا في انتشار أخبار الثورة في أنحاء فرنسا، حيث نقلت محطتا أوروبا واحد وراديو لوكسمبورج أحداث الثورة على الهواء مباشرة فكان كل من يملك راديو ترانزستور قادرًا على المتابعة لحظة بلحظة.
كومينة باريس
 الملمح البارز الثاني في عام 1968 يقع إلى الشرق من جدار برلين؛ في تشيكوسلوفاكيا حيث عاش هذا البلد الذي دخل تحت الستار الحديدي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي خريف عام 1967 بدأ حراك طلابي واجهته الشرطة بالقمع، كان هذا الحراك مواكبًا لحراك ثقافي، ولسعي للتغيير على قمة القيادة السياسية للحزب الحاكم، وفي يناير 1968 وصل ألكسندر دوبتشيك إلى قيادة الحزب ليبدأ مرحلة من الانفتاح السياسي والتغيير الديمقراطي نحو اشتراكية ذات وجه إنساني، كان هذا ربيع براغ الذي داسته الدبابات السوفيتية بعد ثمانية أشهر.
 ألكسندر دوبيتشيك

 وإذا كان عام 1968 قد شهد صعودًا ليسار جديد متحرر من الهيمنة الفكرية السوفيتية، حاملًا لنزعة إنسانية وميلًا للإعلاء من قيم الحرية الشخصية، فقد خرجت من رحم هذه الاحتجاجات أو استفادت منها حركات يسارية أخرى تبنت العنف المسلح مثل بادر – ماينهوف الألمانية والألوية الحمراء الإيطالية والجيش الأحمر الياباني، وفي الوقت نفسه شهد العام صعود العمل الفدائي في المنطقة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وانخراط أعداد كبيرة من الشباب الفلسطيني والعربي في حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة التي اتجهت كثير من فصائلها يسارًا، كذلك شهد هذا العام بدايات لتغير موقف الشباب اليساري الجديد في أوروبا تجاه القضية الفلسطينية ونمو التعاطف معها.
 ولم تكن مصر بعيدة عن هذا، كان لطلابها اسهامهم في مظاهرات 1968، وكانت المفاجأة التي جاءت بعد سنوات صمت طويلة للحركة الطلابية المصرية؛ فمع وصول الضباط الأحرار للحكم في يوليو 1952 تعرضت الجامعة مثل غيرها من مؤسسات الدولة لما سمي بالتطهير ففقدت مجموعة من خيرة أساتذتها، وأهم من ذلك فقدت استقلالها، كما جرم النظام الجديد التظاهر وصادر حق الطلاب في تنظيماتهم الطلابية المستقلة، واكتملت سيطرة النظام على الجامعات بعد انتصار عبد الناصر وجناحه في أزمة مارس 1954 على الرئيس محمد نجيب وأنصاره الذين كانوا يدعون إلى عودة الحياة الديمقراطية، وحاصر النظام النشاط السياسي للطلاب إلا ما تم منه داخل الأطر السياسية لتنظيمات النظام مثل الاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب الاشتراكي، كانت المظاهرات الطلابية الوحيدة المسموح بها تلك التي تخرج تأييدًا للنظام، أو للقضايا العربية والدولية التي يتبنها، وتعرض مئات من الطلاب المنتمين إلى التنظيمات والأحزاب التي تم حلها خاصة الوفديين والشيوعيين والإخوان للاعتقال والسجن.
 ثم كانت هزيمة يونيو 1967 لطمة أفاقت قوى المجتمع الحية بعدها، لقد ارتبطت الحركة الطلابية منذ ميلادها في بدايات القرن العشرين بالنضال من أجل الاستقلال الوطني، فكانت القضية الوطنية دوما عصب النضال الطلابي والمحرك الأساسي له لعقود طويلة، من هنا فقد كان من الطبيعي أن تعود الروح للحركة الطلابية بعد الهزيمة واحتلال الأرض، وجاءت البداية عام 1968، فكانت مظاهرات طلاب وعمال مصر في القاهرة والجيزة والإسكندرية في 21 فبراير 1968؛ الذي يوافق احتفال طلاب العالم بيوم نضال الطلاب ضد الاستعمار، والذي كان طلاب مصر سببًا من أسباب الاحتفال به عندما قادت اللجنة الوطنية العليا للعمال والطلبة سنة 1946 مظاهرات يوم الجلاء وتصدت لها قوات الاحتلال البريطاني بالرصاص الحي.
 لقد بدأت الأحداث بمظاهرات عمال حلوان احتجاجًا على الأحكام التي صدرت ضد قادة الطيران الذين اتهموا بالمسئولية عن النكسة واعتبرها العمال أحكامًا هينة، وأدى التصدي العنيف للمظاهرات من جانب قوات الشرطة إلى انتقال الاحتجاج إلى الجامعة، وإذا كانت المظاهرات العمالية وشعاراتها قد تمحورت حول أحكام الطيران وضرورة محاسبة المسئولين عن النكسة، فإن الحركة الطلابية رفعت شعارات تتعلق بالديمقراطية وحق تكوين اتحاد عام لطلاب الجمهورية، وإلغاء الحرس الجامعي، وإلغاء نظام الريادة، ذلك النظام الذي كان يفرض وصاية كاملة من أعضاء هيئة التدريس على الأنشطة الطلابية.


 بقدر ما كانت هزيمة يونيو صدمة لمصر كلها كانت مظاهرات الطلاب والعمال في فبراير 1968 صدمة للنظام الذي كان يتصور أنه نجح في تدجين الشعب وتحويله إلى قطيع يسير خلف القائد ويسبح بحمده، وقد حاول عبد الناصر احتواء الروح الجديدة التي عادت فأصدر بيان 30 مارس في محاولة لتجديد النظام وتحسين صورته، وأعيد انتخاب الاتحاد الاشتراكي العربي من القاعدة إلى القمة، وتم حل مجلس الأمة وأجريت انتخابات جديدة، وشُكلت وزارة جديدة برئاسة عبد الناصر مرة أخرى، عرفت بوزارة الجامعة لأنها ضمت عددًا من أساتذة الجامعة في تشكيلها، وبدأ النظام على صعيد الثقافة يهتم تدريجيًا بتقديم التراث الفني للمرحلة الليبرالية، وأصبح البحث في تاريخ "العصر البائد" بموضوعية مسموح به أحيانًا، وتصور النظام أن الأمور استقرت، لكن إجابة الطلاب كانت سريعة فقد شهدت بداية العام الدراسي التالي 1968 / 1969 مظاهرات طلابية أقوى من سابقتها.
  وإذا كانت مظاهرات طلاب مصر في فبراير 1968 انطلقت في أعقاب قمع المظاهرات العمالية في حلوان احتجاجًا على أحكام الطيران، وجاءت منذ بدايتها واضحة في هدفها السياسي، فإن مظاهرات نوفمبر 1968 بدأت بداية مختلفة؛ فكان سبب المظاهرات صدور تعديلات على قوانين التعليم العام، وقف وراءها الوزير الإصلاحي الدكتور محمد حلمي مراد، وكانت تهدف إلى الارتقاء بمستوى التعليم، وإنهاء حالة الفوضى والتسيب وتملق الطلاب التي أضعفت مستوى التعليم، كان التعديل يحدد عدد المرات التي يسمح فيها لطلاب الثانوية العامة بدخول الامتحان، وأنهى مهزلة انتقال الطلاب إلى الصف الأعلى بمادتين دون أن يكون مطلوب منهم أداء الامتحان فيها مرة أخرى، ووضع حد أدنى من الدرجات للالتحاق بالمرحلة الإعدادية، وأعاد امتحانات النقل إليها.
  وإذا كانت مظاهرات طلاب باريس في مايو 68 قد وضعت ضمن مطالبها الارتقاء بمستوى التعليم العام والجامعي وإدخال مواد دراسية حديثة في المناهج، إلا أن بعض طلاب مصر كان لهم رأي آخر، كانت البداية يوم 20 نوفمبر 1968 من مدرسة ثانوية خاصة في مدينة المنصورة تضم طلابًا ممن استنفذوا مرات الرسوب في المدارس الحكومية فانتقلوا إلى نوع من المدارس الخاصة انتشر في ذلك الزمن الذي كانت فيه مدارس الحكومة ـ خصوصًا في المرحلة الثانوية ـ هي الأفضل، بمجرد نشر أخبار قانون التعليم الجديد خرج طلاب تلك المدرسة إلى الشوارع متظاهرين، وانضم إليهم طلاب مدارس ثانوية أخرى، وفي اليوم التالي انضم إليهم طلاب المعهد الديني الأزهري بالمنصورة وكان عددهم يقارب الألفين، وقد انضموا للمظاهرات رغم أن القانون لا يخصهم ولا ينطبق عليهم، وتوجهت المظاهرة إلى مديرية الأمن، ليتغير مسار الأحداث، فعندما وصلت المظاهرة إلى المديرية أطلقت الشرطة الرصاص على المتظاهرين، وكانت الحصيلة مصرع ثلاثة طلاب وفلاح وجرح 32 متظاهرًا و23 من رجال الشرطة منهم تسعة ضباط.
 في اليوم الثالث للأحداث انتقلت الأخبار إلى جامعة الإسكندرية التي كانت تضم عددًا كبيرًا من أبناء محافظة الدقهلية، فتفجرت الأحداث صباح السبت 23 نوفمبر 1968، بدأت بمؤتمر طلابي بهندسة الإسكندرية سرعان ما تحول إلى مظاهرات في الشوارع، واستمرت المظاهرات واعتصم الطلاب في الجامعة حتى يوم 28 نوفمبر، شهدت المظاهرات التي خرجت إلى الشوارع أحداث عنف غير مسبوقة شملت تدمير لسيارات النقل العام وللمحال التجارية، وواجهت الشرطة المتظاهرين بعنف شديد، كانت حصيلته مروعة، فقد لقي ستة عشر شخصًا مصرعهم، منهم ثلاثة طلاب جامعيين وتلميذ عمره 12 عامًا سقط تحت الأقدام في المظاهرات، واثنى عشر من الأهالي، وأصيب 167 من الأهالي، مقابل 247 من رجال الشرطة منهم 19 ضابطًا، وألقي القبض على 462 شخصًا أفرج عن 78 منهم لأن سنهم أقل من 16 سنة وعن 19 آخرين لعدم كفاية الأدلة، وحبس 365 على ذمة التحقيق، أحيل 46 منهم إلى المحاكمة التي لم تتم أبدًا، كان من بينهم 40 طالبًا وثلاثة من أعضاء هيئة التدريس وثلاثة من الخريجين من بينهم اثنان من رؤساء الاتحادات الطلابية السابقين، وقد افرج عن بعض المحتجزين في نهاية العام الدراسي، واستمر بعضهم محتجزًا إلى العام التالي، وتم تجنيد بعض قادة الإضرابات قبل إكمال دراستهم الجامعية، وأحيل 20 طالبًا واثنان من المعيدين إلى مجالس تأديب.
 أما جامعة القاهرة فقد كانت مشاركتها محدودة في حركة نوفمبر 1968 بخلاف ما حدث في فبراير من نفس العام.
 ولكي ندرك ضراوة المواجهة فلنقارن بين أعداد ضحايا مظاهرات نوفمبر 1968 وشهداء مظاهرات "العهد البائد"، في ثورة الشباب في نوفمبر 1935 سقط  خمسة شهداء، وفي مظاهرات  9 و10 فبراير سقط  8 شهداء و84 مصابًا في القاهرة والإسكندرية والزقازيق والمنصورة، واستقال محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء احساسًا بالمسئولية السياسية عما حدث، ويوم 21 فبراير 1946 الذي يحتفل به طلاب العالم كيوم لكفاح الطلاب ضد الاستعمار تخليدًا لشهداء مصر سقط فيه 23 شهيدًا و121 جريحًا برصاص قوات الاحتلال البريطاني، وفي 4 مارس 1946 سقط في الإسكندرية 28 شهيدًا و 342 جريحًا مقابل جنديين بريطانيين وجرح أربعة، إنها أعداد للتذكرة فقط!!!
 لقد كانت مظاهرات الإسكندرية في نوفمبر 1968 رد فعل احتجاجي على عنف الشرطة في التعامل مع المتظاهرين في المنصورة، وتطورت إلى رفع مطالب ديمقراطية عامة، وقد شكلت تطورًا في شكل المواجهة بين الطلاب ونظام عبد الناصر، وقد أدى القمع البوليسي الشرس لمظاهرات المنصورة والإسكندرية في نوفمبر 1968 إلى عكس المستهدف منه، فبدلًا من أن تخفت حركة المعارضة في المجتمع تصاعدت واتسعت، لكن في المدى المباشر فقد الطلاب بعض المكاسب التي حققوها بعد مظاهرات فبراير، فعادت الريادة الطلابية مرة أخرى بقرار جمهوري بعد إلغائها لعدة شهور، وعادت التدخلات الأمنية إلى الجامعة مرة أخرى.
  كانت العجلة قد دارت لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل تاريخ الحركة الطلابية المصرية، لقد عاد الوعي للطلاب وانطلقت حركتهم ونمت بسرعة، وابتعدت أكثر فأكثر عن النظام، وأخذت تطرح برنامجًا سياسيًا لإصلاح الوطن؛ فتواصل النضال الطلابي الذي تصدى لقيادته جيل جديد من اليسار المصري على مدى عشر سنوات انتهت بالضربة البوليسية التي أعقبت انتفاضة الخبز في 18 و19 يناير 1977.
 كما شهدت السنوات العشر نفسها تصاعدًا في نضال الطبقة العاملة، وعرفت ظهور قيادات نقابية يسارية جديدة بعيدة عن سلطة الاتحاد العام وعن سطوة أجهزة الأمن.
 ولم تقتصر الصحوة على الطلاب والعمال بل امتدت إلى المثقفين فبدأ جيل من الكتاب والنقاد والمبدعين الشبان يطرح نفسه مستقلًا عن السلطة، فتشكلت مجموعات ثقافية وفنية جديدة، مثل جمعية سينما الغد وجماعة كتاب الغد، وظهرت الأغنية السياسية المعارضة على يد الثنائي إمام ونجم، وظهرت تجربة مجلة "جاليري 68" كشكل جديد لاستقلال حركة المثقفين، وظهر من خلالها جيل جديد من المبدعين استمر تأثيره لسنوات.
مقالي في عدد أبريل 2018 من مجلة ديوان

الأربعاء، 28 مارس 2018

القناة في عيون المصريين


 مقالي في كتالوج معرض 150 سنة على افتتاح قناة السويس في معهد العالم العربي في باريس

القناة في عيون المصريين
عماد أبو غازي

  في 30 نوفمبر 1854 أصدر سعيد باشا والي مصر فرمان امتياز مشروع حفر قناة السويس لمسيو فرديناند دلسيبس، منذ ذلك الوقت أصبحت القناة ضمن اهتمامات المصريين؛ وترجع علاقة مصر بمشروعات ربط البحرين الأحمر والمتوسط والكتابة عنها إلى عصور حضارتهم القديمة، وقد كانت هذه المشروعات تقوم على أرض الواقع بربط النيل بالبحر الأحمر، وإن كانت مشروعات ربط البحرين مباشرة قد ترددت في العصور الوسطى أكثر من مرة دون أن تنفذ على أرض الواقع؛ لكن ما حدث في منتصف القرن التاسع عشر واستمر لأكثر من مئة عام، ما بين فرمان الامتياز في 30 نوفمبر 1854 وقرار التأميم في 26 يوليو 1956 كان أمرًا مختلفًا؛ فقد كان المصريون أمام مشروع عملاق يتم على أرضهم ويقومون بحفره ولا يمتلكونه، مشروع وضع بلدهم في بؤرة الصراعات العالمية مجددًا؛ فبعد أن كانت أمور البلاد قد استقرت في أعقاب معاهدة 1840، عادت مصر مرة أخرى مسرحًا للتنافس الاستعماري وصراع المصالح بين الدول الكبرى، وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من الساسة والمؤرخين المصريين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى القول بأن مشروع القناة كان نقمة على البلاد، وأنه كان المسئول الأول عن أزمة الديون التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر.
 ويغلب على رؤية الكتاب المصريين نظرة التوجس من المشروع، أو على الأقل مما ترتب عليه من نتائج سياسية خاصة في أعقاب الاحتلال البريطاني لمصر، فيميل أغلب من أرخوا لموافقة سعيد باشا على مشروع دلسيبس إلى أن الموافقة كانت متعجلة ولم تسبقها دراسة كافية وأن الصداقة القديمة بين سعيد ودلسيبس كانت وراء هذه الموافقة، وأن رجال الدولة أيدوا المشروع عندما شعروا برغبة سعيد باشا في الموافقة، كما يرون أن فرمان منح الامتياز كان مجحفًا بحقوق مصر، بينما يذهب الدكتور لويس عوض إلى أن قرار سعيد باشا كان ناتجًا عن رغبته في تغيير اتجاه السياسة المصرية إلى التحالف مع فرنسا بدلًا من إنجلترا، وأن الامتياز كان متوازنًا ويحقق مكاسب واضحة لمصر، لكن ضعف مصر السياسي وضعف الدولة العثمانية أديا إلى تأويل نصوص العقد في غير صالح مصر، وإلى ضياع حقوق مصر مع استحكام أزمة الديون.
 ومن الكتابات المبكرة التي تعرضت لقناة السويس من وجهة نظر مصرية ما كتبه علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية، حيث أشار إلى قناة السويس في أكثر من موضع، ففي الجزء الأول، تحت عنوان تولية سعيد باشا، قال: "ومن مهمات الأعمال التي حدثت في عهده اتصال البحرين الأحمر والأبيض بالترعة المالحة المارة في برزخ السويس، وأمرها من أهم المسائل السياسية الشاغلة لأفكار جميع الدول".
 كما تحدث عن القناة في مواضع أخرى عند حديثه عن عصر إسماعيل وعن مدينة الإسماعيلية وبور سعيد والسويس، لكن حديثه المسهب عن "ترعة البرزخ" أو "الترعة المالحة" كما كان يسمي القناة، فشغل قرابة أربعين صفحة في الجزء الثامن عشر المخصص لمقياس النيل، وكان الخليج المصري مدخله للحديث عن القناة؛ حيث يستعرض الروايات التاريخية عن الخليج والمراحل التي حقق فيها الربط بين النيل والبحر الأحمر مرورًا بمنطقة البحيرات، كما يعرض الروايات التي تتحدث عن خليج آخر كان ينطلق من الفرما حتى منطقة البحيرات فتحقق بذلك ربط البحرين في أزمنة سابقة.
 وينتقل للحديث عن القناة فيؤكد أنه: "لا يخفى أن ترعة البرزخ هي أهم وسائل الوقت؛ لكونها صارت الطريق العام لجميع تجارة العالم، ومعلوم أن التجارة هي أساس السعادة عند الأمم، فدرجة أهميتها عند كل أمة تكون بالنسبة لدرجة تجارة تلك الأمة"؛ الأمر الذي يؤكده راشد البراوي أستاذ الاقتصاد بالتفصيل في كتابه: "مجموعة الوثائق السياسية – المركز الدولي لمصر والسودان وقناة السويس" الصادر عام 1952، والذي حلل فيه عقد امتياز حفر القناة ونصوص معاهدة القسطنطينية لسنة 1888.
 ويرى مبارك أن فتح "ترعة البرزخ" فتح على مصر أبوابًا لم يكن في قدرتها إقفالها، ما لم تحفها العناية الربانية بإقفالها، وتحفظها من غوائلها." ويلوم على سعيد باشا تسرعه في الموافقة على المشروع وتساهله مع دلسيبس، ويقول: "ونشأ عن هذا التساهل ما نحن فيه، وما تصير إليه بلادنا وتراه أولادنا في مستقبل الأيام".
 ثم يستعرض تطور المشروع منذ عرضه دلسيبس على سعيد باشا حتى احتفالات افتتح القناة، ويتحدث عن الخلافات التي وقعت بين الحكومة المصرية والشركة في مراحل مختلفة من العمل، وتفاصيل العمل وتكلفته المالية، ويحدد الأضرار والخسائر التي لحقت بمصر بسببه، ويوجه الانتقاد إلى المبالغة في الانفاق على حفل الاحتفال الذي بلغ سدس الإيراد السنوي لمصر.
 طوال سنوات الاحتلال التي جاوزت السبعين سنة، وخلال كل المفاوضات التي دارت بين الحكومات المصرية المتعاقبة والحكومة البريطانية كانت قناة السويس وحماية الملاحة الدولية فيها من القضايا الشائكة المعقدة التي تؤدي دوما بالمفاوضات إلى طريق مسدود؛ إلى جانب قضية السودان، الأمر الذي عبر عنه رسم كاريكاتيري يعود لعام 1930 نشرته مجلة فرعون، يمثل جون بول يساوم امرأة مصرية على طرحتها وجلبابها اللذين يمثلان السودان والقناة مقابل أن يمنحها استقلالها وشرفها.
 ويبدو أنه كان هناك إدراكًا مبكرًا لدى الحركة الوطنية لتأثير القناة على قضية الجلاء؛ ففي وثيقة سرية في أوراق الإمام محمد عبده ترجع إلى عام 1883 تتضمن مشروع برنامج للحزب الوطني للتفاوض به من أجل جلاء قوات الاحتلال، يسعى البرنامج إلى التخلص من عبء القناة؛ حيث ينص على:
 "لما كان اتصال قنال السويس بالقطر المصري باعثًا مداومًا على حدوث قلاقل سياسية بمصر، إرتأى زعماء الحزب الأهلي أن تبادر الدول إلى الاتفاق مع الباب العالي على فصل ترعة السويس من ممالك الدولة العلية وجعلها دومًا تحت سلطة أية دولة كانت أو تحت سلطة الدول إجمالًا، لأن مصر لا تحتاج إلى الترعة البتة، بل وجودها في حيز حكمها ثقلًا عليها وخطر على دوام الأمن فيها، وبناء على ذلك يشير الحزب الأهلي إلى إما حق الاستيلاء على الترعة المذكورة لذي ثمن يجب الالتفات إليه  متى جرت المفاوضة بينهم وبين الدول في وضع ترتيب جديد لمالية مصر."
 وترصد الدراسات الأكاديمية حول تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية من أجل استقلال مصر وأهمها دراسة محمد شفيق غربال عن "تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية"، ودراسة محمد مصطفى صفوت مصطفى عن "إنجلترا وقناة السويس" الصادرتين عام 1952، الظهور المتكرر لمسألة قناة السويس على طاولة المفاوضات، ووقف هذا الموضوع ضمن موضوعات أخرى في طريق النجاح في الوصول إلى اتفاق.
 كما كتب المؤرخ المصري محمد صبري السوربوني أكثر من مرة عن قضية حياد القناة وعلاقته بحياد مصر منذ عشرينيات القرن الماضي؛ وفي عام 1950 عاد للكتابة في هذا الموضوع مرة أخرى في جريدة المصري واستعرض تاريخ القناة وأكد على أهمية تدويل القضية المصرية والحفاظ على حياد مصر في الصراعات الدولية وعلى حياد قناة السويس.
  أما عبد الرحمن الرافعي القانوني والمؤرخ الذي ينتمي إلى الحزب الوطني فقد تعرض لقناة السويس في أكثر من موضع من كتبه التي تناول فيها تاريخ مصر القومي منذ السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر حتى عام 1958؛ ففي تقييمه لشخصية محمد علي في كتابه الذي صدرت طبعته الأولى عام 1930، يقول في سياق الإشادة بحكمة محمد علي وحذره في مشروع بناء الدولة الحديثة، "ويكفيك برهانًا على بعد نظره في السياسة، إنه لما عرض عليه مشروع حفر قناة السويس أعرض عنه رغم إلحاح بعض الماليين والسياسيين الإفرنج، إذ رأى أنه سيؤدي إلى تدخل الدول في شؤون مصر واتجاه الأطماع إليها وجعلها هدفًا للدسائس الاستعمارية مما يفضي إلى ضياع استقلالها، ومما يؤثر عنه أنه قال في هذا الصدد: "إذا أنا فتحت قناة السويس فسأنشئ بوسفورًا ثانيًا، والبسفور سيؤدي إلى ضياع السلطنة العثمانية، وبفتح قناة السويس تُستهدف مصر للأطماع أكثر مما هي الآن، ويحيق الخطر بالعمل الذي قمت به وبخلفائي من بعدي"؛ ويستطرد الرافعي قائلًا: ولقد حققت الأيام صدق نظره، وما كان أجدر خلفاءه أن يعملوا برأيه فلا يغامروا بمستقبل البلاد وينشئوا بسفورًا ثانيًا أفضى إلى ضياع استقلالها، ولكن هكذا شاء جَدُّ مصر العاثر أن يتنكبوا سبيله ويفتحوا تلك القناة التي كانت شؤمًا على البلاد؛ إن كفاءة محمد علي كرجل سياسي بعيد النظر ظهرت في تأسيس الدولة المصرية المستقلة وفي إبعاد اليد الأجنبية عن التدخل في شؤونها، ومن هنا جاءته فكرة المعارضة في فتح قناة السويس.
 وفي كتابه عصر إسماعيل الصادر عام 1932 يعود لينتقد مشروع القناة بشدة، فيقول: "يعد مؤرخو أوروبا والفرنسيون منهم خاصة، مشروع قناة السويس مفخرة سعيد باشا، ويقولون أنه بهذا العمل قد أدى أعظم خدمة للإنسانية والحضارة، وهم فيما يقولون إنما ينظرون إلى هذا العمل من وجهة النظر الأوروبية، فلا شك أن قناة السويس قد أفادت التجارة الأوروبية فوائد كبرى، بتقريبها طريق المواصلات بين أوروبا والشرق، وأفادت أيضًا الاستعمار الأوروبي، لأنها مكنت الدول الاستعمارية من إرسال الحملات والتجاريد الحربية عن طريق القناة إلى آسيا وأفريقية لإخضاع ممالك الشرق وشعوبه... أما من وجهة النظر المصرية، فالقناة كانت شؤمًا على البلاد واستقلالها، لأنها أطمعت فيها دول الاستعمار، وجعلتها تسعى سعيًا حثيثًا للاستيلاء على مصر... وإذا كان المؤرخون الإفرنج يعدون مشروع القناة أكبر مفخرة لسعيد باشا، فإننا نعده بالعكس أكبر غلطة له في تاريخه، لأنه بعمله هذا قد فتح باب التدخل الاستعماري في مصر على مصراعيه، وجعلها هدفًا للمطامع الأوروبية." كما يلوم الخديوي إسماعيل لاستمراره في المشروع.
 ويناقش الرافعي في كتابه عن محمد فريد الرئيس الثاني للحزب الوطني مشروع مد امتياز شركة قناة السويس ويفرد له صفحات من الكتاب يعرض فيها للمشروع الذي تبنته حكومة بطرس باشا غالي، ومقاومة الحزب الوطني بزعامة فريد للمشروع، وتطورات الصراع السياسي حول المشروع والتي انتهت برفضه في الجمعية العمومية، ثم جريمة اغتيال بطرس باشا غالي على يد أحد أنصار الحزب الوطني.
 وقد كان مشروع مد امتياز القناة من المشروعات التي قابلتها الحركة الوطنية بمعارضة شديدة ونجحت في وقفها، وقد امتلأت صحف الحركة الوطنية بالمقالات الرافضة للمشروع، كما شارك الشعراء والأدباء في المعركة، ومن أشهر القصائد التي ارتبطت بهذه القضية قصيدة حافظ إبراهيم التي أيد فيها مطالب الحركة الوطنية بإلغاء المشروع.
 وقد ظلت أصداء قضية مد امتياز القناة تتجدد بين حين وآخر، فعاد للكتابة فيها عباس محمود العقاد أكثر من مرة، ففي كتابه عن سعد زغلول الصادر عام 1936 أكد على رفض سعد للمشروع رغم أنه كان عضوًا في الحكومة، كما أكد على أنه كان صاحب اقتراح عرض المشروع على الجمعية العمومية، وهو الذي رتب وحشد لرفضه، كما عاد لطرح القضية في يومياته مرة أخرى عام 1956.  
 أما الكتب المدرسية في الأربعينيات ومثالها كتاب تاريخ مصر السياسي للصف الرابع الثانوي، فتعرض لفكرة المشروع في عهد محمد علي ورفض الباشا لها، وتوجه انتقادات صريحة لأسلوب سعيد باشا في قبول عرض دلسيبس، وكيف تورطت مصر في الديون بسبب مشروع القناة، كما يعرض لخديعة دلسيبس لعرابي أثناء المعارك مع قوات الاحتلال، عندما أقنعه بأن القناة ممر ملاحي دولي محايد، وأن الأساطيل البريطانية لن تدخل مصر من خلالها، فأثناه عن قرار إغلاق القناة؛ وينتهي الكتاب إلى أن فتح القناة كان خسارة كبيرة على مصر من الناحيتين السياسية والمالية.
 أما الكتب المرجعية الجامعية ومنها كتاب أحمد الحتة الذي كان يُدرّس في مطلع الخمسينيات وعنوانه تاريخ مصر الاقتصادي، فعند حديثه عن قناة السويس عرض لتاريخ مشروعات ربط النيل بالبحر الأحمر منذ أقدم العصور، لينتقل إلى مشروعات ربط البحرين في العصر الحديث، ثم يناقش الموضوع بالتفصيل بمزاياه وعيوبه.
 هذه بعض نماذج تكشف عن رؤية المصريين لمشروع القناة التي كانت في مجملها سلبية.


المصادر
·         أحمد أحمد الحتة: تاريخ مصر الاقتصادي في القرن التاسع عشر، مطبعة المصري، القاهرة، 1950.
·         إلياس الأيوبي: تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل باشا، المجلد الأول، القاهرة، 1923.
·         إيمان عامر: قناة السويس في الوجدان المصري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2009.
·         راشد البراوي: مجموعة الوثائق السياسية، الجزء الأول – المركز الدولي لمصر والسودان وقناة السويس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1952.
·         عباس محمود العقاد: سعد زغلول سيرة وتحية، مطبعة حجازي، القاهرة، 1936؛ ويوميات، دار المعارف، القاهرة، 2005.
·         عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1930؛ وعصر إسماعيل، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1932؛ ومحمد فريد رمز الإخلاص والتضحية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1941.
·         علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، مطبعة بولاق، 1305ه.
·         محمد رفعت: تاريخ مصر السياسي في الأزمنة الحديثة، وزارة المعارف العمومية، القاهرة، 1943.
·         محمد شفيق غربال: تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1952.
·         محمد صبري: أدب وتاريخ واجتماع، مطبعة مصر، القاهرة، 1950.
·         محمد مصطفى صفوت: إنجلترا وقناة السويس 1854 – 1951، الجمعية الملكية المصرية للدراسات التاريخية، القاهرة، 1952.
·         مصطفى الحفناوي: قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة، القاهرة، 1952.


الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

في وداع حسين نصار
عماد أبو غازي


 اليوم غاب واحد من جيل الأساتذة العظام، غاب عنا اليوم علم من أعلام دراسات اللغة العربية وآدابها؛ الأستاذ الدكتور حسين نصار؛ بعد أن ترك لنا تراثًا علميًا تفخر به الثقافة المصرية.
 عرفت الرجل للمرة الأولى عندما التحقت طالبًا بكلية الآداب في عام 1972، كانت مادة اللغة العربية لطلاب السنة الأولى ـ التي كانت الدراسة فيها عامة دون تخصص ـ يقوم بتدريسها أربعة من كبار الأساتذة في قسم اللغة العربية: الدكتورة سهير القلماوي والدكتور عبد الحميد يونس والدكتور يوسف خليف والدكتور حسين نصار، كل منهم يُدرّس لنا موضوعًا من موضوعات الأدب العربي، وقد اختار حسين نصار موضوعًا عن الشاعر العربي والطبيعة، كان الرجل صاحب أداء هادئ ورصين، تعرفنا من خلال محاضرته على جوانب جديدة في الشعر العربي القديم، كنا ننتظر محاضراته يوم الاثنين من كل أسبوع متشوقين للاستماع إليه، وعلى تناول مختلف للشعر عما اعتدناه في مراحل التعليم العام؛ من خلال محاضراته ومحاضرات الأساتذة الكبار الثلاثة الأخرين تكونت لدينا صورة جديدة عن دراسات اللغة العربية وآدابها، دفعت البعض منا إلى الالتحاق بقسم اللغة العربية وآدابها.
 عندما التحقت بقسم التاريخ لم أكن أتصور أن علاقتي به ستتجدد ثانية، لكني اكتشفت أثناء دراستي في السنة التمهيدية للماجستير بشعبة التاريخ الإسلامي أن للدكتور حسين نصار كتابًا صغيرًا عن الثورات الشعبية في مصر الإسلامية، كان الكتاب على صغر حجمه كبير القيمة فيما يحتويه من معرفة تاريخية، أتت من عالم كبير لم يقتصر علمه على تخصصه الدقيق في اللغة والأدب بل امتد إلى مجال الدراسات التاريخية، يبرز الكتاب الذي ألقى فيه حسين نصار أضواء على أشكال الاحتجاج فيما يعرف في تاريخ مصر بعصر الولاة امتلاك حسين نصار للمنهج التاريخي وقدرته على استخدامه بصورة تفوق بعض أقرانه من دارسي التاريخ، رصد الرجل صور الاحتجاج السلبي، والاحتجاج من خلال نصوص أدبية شعرية، ليصل إلى رصد الثورات التي توالت في مصر بين عامي 106 و217 للهجرة، والتي كان أخرها الثورات الكبرى التي شملت أرجاء مصر كلها، ومنها ثورة البشموريين، التي دفعت الخليفة المأمون إلى المجيء لمصر بنفسه للقضاء على الثورة، ونجح في النهاية في الانتصار على الثوار بعد مذبحة راح فيها آلاف من المصريين؛ كان الكتاب وقتها قد صدر في سلسلة المكتبة الثقافية، وقد أعيد نشرها بعد ذلك عدة مرات؛ لقد فتح هذا الكتاب عيني على مساحة في التاريخ المصري لم يتح لي التعرف عليها خلال دراستي بقسم التاريخ، ودفعني لاختيار موضوع بحثي في السنة التمهيدية للماجستير عن ثورات المصريين في عصر الولاة، ورغم أن البحث أجيز حينها إلا أن رغبتي في دراسة الموضوع بشكل موسع في رسالة الماجستير أدى إلى رفض التسجيل لي نهائيًا في شعبة التاريخ الإسلامي.
 بعدها بسنوات، وفي عام 1980 عندما التحقت للدراسة بدبلوم الوثائق، درست على يدي أستاذي الدكتور حسين نصار مقرر علم اللغة العام، وكنت أدرس مع طلاب ماجستير اللغة العربية، وكان عددنا قليل، آحاد من الطلاب، فكانت فرصة لتعامل عن قرب مع الدكتور حسين نصار، والتعرف عليه مباشرة والاستزادة من علمه، كان الموضوع الذي ندرسه موضوعًا تطبيقيًا في علم اللغة، الأضداد في اللغة العربية، اكتشفت خلال دراستي جوانب جديدة في اللغة العربية، وعرفت فيه جانبًا جديدًا من جوانب أستاذي، فبعد أن عرفته أستاذًا يدرس الأدب، وبعد أن قرأت له في مجال التاريخ، ها أنا أعرفه عالمًا لغويًا.
 كان حسين نصار وقتها عميدًا لكلية الآداب، وأتذكر وقوفه إلى جانبي عندما اعتقلت في العام الدراسي الثاني لي في دبلوم الوثائق، عام 1981/1982، كان من الممكن أن أحرم من استكمال الدراسة، لكن تفهمه كعميد للكلية كان سببًا في استمراري ثم تعيني بعد ذلك معيدًا بقسم المكتبات والوثائق، لقد كنت الطالب الوحيد في السنة الثانية بالدبلوم؛ فسمح لي بتعويض ما فاتني مع أساتذتي الذين تفهموا جميعا الظرف الاستثنائي، وسمح لي بدخول الامتحانات.
 في هذه الفترة أيضًا، مطلع الثمانينيات، طرح بإلحاح موضوع إلغاء مجانية التعليم الجامعي، وكانت الدولة تسعى إلى ذلك بقوة، كما امتلأت الصحف وقتها بمقالات لصحفيين وكتاب وأساتذة جامعات تنادي بإلغاء المجانية؛ وكان حسين نصار واحدًا من أبرز وأشجع من تصدوا لهذه الحملة، فكتب مقالًا أسهب فيه في الدفاع عن مجانية التعليم الجامعي وفند حجج دعاة إلغاء المجانية، وفضح لا أخلاقية الدعوة من ناحية ومخلفتها للمصلحة العامة من ناحية ثانية، وطرح الحلول العملية لتطوير التعليم الجامعي دون المساس بالمجانية.
 مع مرور السنوات تعرفت عليه أكثر وأكثر خلال عملي بكلية الآداب، ثم بالمجلس الأعلى للثقافة، حيث كان حسين نصار مشاركًا دائمًا في أنشطة المجلس وعضوًا بلجانه، كذلك من خلال مركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية الذي أشرف عليه لسنوات، وكان هذا المجال العلمي الرابع الذي عرفت فيه حسين نصار، اسمًا من الأسماء اللامعة في تحقيق التراث.
 أخر الذكريات في الصيف الماضي عندما شد الرحال إلى الخارج لزيارة أبنائه اتصل بعميد كلية الآداب ليستأذنه في السفر حتى لا يترك الكلية دون إخطار مسبق؛ لكنه اليوم غاب عنا دون أن يستأذن في الغياب.

الأربعاء، 18 أكتوبر 2017

مقال قديم

مقال قديم
المقال ده نشرته في الدستور في أبريل 2008، مش عارف ليه بانشره تاني؟
مخربشات
قانون جديد يستحق الخرق!
عماد أبو غازي
 في 31 مارس الماضي كللت جهود لجنة التعليم بمجلس الشعب بإصدار قانون جديد استغرق إعداده شهورًا، القانون يحمل رقم 112 لسنة 2008، إنه قانون ينبغي أن يعرفه كل مصري فكلنا نقع تحت طائلته، وكلنا عرضه للعقاب بمقتضاه، إنه قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 14 لسنة 1982 بإصدار قانون إعادة تنظيم مجمع اللغة العربية، لكن ما علاقة تنظيم مؤسسة علمية عريقة كمجمع اللغة العربية بعقاب المواطنين؟
 التعديل القانوني ببساطة يضيف إلى وسائل مجمع اللغة العربية لتحقيق أغراضه، إلزام دور التعليم والجهات المشرفة على الخدمات الثقافية والوزارات والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية وغيرها من الجهات الخاضعة لإشراف الجهات المشار إليها بتنفيذ ما يصدره المجمع من قرارات لخدمة سلامة اللغة العربية، وتيسير تعميمها وانتشارها، وتطوير وسائل تعليمها وتعلمها، وضبط نطقها الصحيح، وتوحيد ما فيها من مصطلحات، وإحلالها محل التسميات الأجنبية الشائعة في المجتمع.
 أي أن القانون ينطبق على كل العاملين في الدولة بأجهزتها المختلفة، فبعد أن بدأ التعديل بالتخصيص متحدثا عن "التعليم والثقافة" عاد ليعمم الإلزام على الوزارات والهيئات، وكي لا يفلت أحد من طائلة هذا القانون أكد المشرع على خضوع وحدات الإدارة المحلية له.
 ويستطرد التعديل مؤكدًا على أن هذا الالتزام يرقى إلى مستوى الواجبات العامة، حيث ينص بشكل واضح وقاطع على ما يلي: "ويعتبر هذا الالتزام أحد الواجبات العامة الملقاة على العاملين كل في حدود اختصاصاتهم"! مكتوبة كده في القانون، والأقرب للحس والذوق أن نقول كل في حدود اختصاصه، ما علينا!
 لكن ماذا يحدث لو تجاسر واحد من الغلابة العاملين على عدم الالتزام بما يصدره مجمع اللغة العربية الموقر؟ ماذا يقول التعديل في ذلك؟
 يقول المشرع في القانون: "يترتب على مخالفة هذا الالتزام انعقاد المسئولية التأديبية للمخالف". وهذا النص في الحقيقة يكشف عن رحمة مجلس الشعب بنا فلله الحمد لم يعتبر المجلس عدم الالتزام جناية أو جنحة بل اكتفى باعتباره مخالفة، ولم يشرع المجلس عقوبة الإعدام أو السجن المشدد أو الحبس على من لا يلتزم بما أقره المجمع، بل اكتفى بالنص على تأديبنا، والعقوبات التأديبية مقدور عليها تبدأ من التنبيه وتمتد إلى الخصم من المرتب، وقد تصل إلى الرفت أو العزل من الوظيفة إذا إحيل الموضوع إلى النيابة الإدارية ومنها إلى المحكمة التأديبية، وطبعًا هذا لن يحدث إلا للموظف معتاد الإجرام الذي يصر على نصب المجرور أو رفع المنصوب، الذي يخلط بين الفاعل والمفعول، أو الذي يرتكب جريمة تعريف المضاف بألف لام التعريف وهي جريمة شائعة بين المصريين، كذلك قد يجد أيًا منا نفسه ماثلًا أمام جهات التحقيق إذا أصر على جريمة استخدام "التسميات الأجنبية الشائعة في المجتمع"، فلو دخلت إلى "لا مؤخذة" كافيتريا وطلبت ساندويتش جبنة فأنت آثم مؤثم لأنك دخلت كافتيريا ولم تدخل المطعم، وطلبت ساندوتش ولم تطلب "شاطر ومشطور وبينهما طازج"! ولو شاهدت التلفزيون أو السينما أنت مخالف لأنك لم تشاهد المرناة أو الخيالة!
 لكن كيف لنا نحن الموظفين والمدرسين والعاملين في الوحدات المحلية أن نعرف ما يصدره المجمع من قرارات لخدمة سلامة اللغة العربية حتى نلتزم بها؟
 لم يفت المشرع ذلك، فقد نص التعديل الجديد للقانون على أن "يصدر قرار من الوزير المختص ـ وهو وزير التعليم العالي الذي يتبعه المجمع ـ ينشر بالوقائع المصرية" ويتضمن هذا القرار ما يصدره المجمع من قرارات، وطبعًا هدف النشر في الوقائع المصرية أن يعرف الكافة تلك القرارات! إذًا علينا جميعا أن نشتري الوقائع المصرية أو نشترك فيها حتى لا نعرض أنفسنا للعقاب التأديبي إذا فاتنا قرار صدر عن المجمع، فالجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة، والمجمع يصدر في كل عام قرارات جديدة بمصطلحات جديدة وصيغ لغوية جديدة، وإذا لم نعرف بها ولم نستخدمها نكون من الآثمين ـ حاشا لله ـ فلا تنسوا الاشتراك في الوقائع المصرية، فالأمر جد وليس هزل، والاشتراك ميسر جدًا، من خلال المكتبة التابعة لهيئة المطابع الأميرية، التي تبيع القوانين والتشريعات، ومقرها بميدان الأوبرا بوسط البلد.
 لكن كيف سيطبق القانون ومن سيعرف أنك لست "ضليع في اللغة العربية" على قول سليمان نجيب، أو إنك ارتكبت خطأ في اللغة العربية، أو وقعت في مخالفة عدم الالتزام بقرارات المجمع المبجل؟ دي كمان لها حل عند المشرع، لقد نص القانون على إنشاء مكتب بمجمع اللغة العربية لتلقي الشكاوى بشأن المخالفات التي ترد على هذا الالتزام وتحقيقها، نحن أمام محكمة تفتيش جديدة، وأصبح في مقدور أي حد متغاظ من أي حد يقدم ضده بلاغ لهذا المكتب ويوديه في داهية.
 وزيادة في الدقة والالتزام بالالتزام سيصدر المجمع تقريرًا سنويًا عن حالة اللغة العربية وما تتعرض له قراراته من مخالفات.
أيها الناس انتبهوا لقد صدر هذا القانون ونشر بالجريدة الرسمية في 31 مارس 2008 وبصم بخاتم الدولة، وأصبح ساريًا من اليوم التالي لتاريخ نشره يعني من أول إبريل!!!!
الدستور أبريل 2008


الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...