الأربعاء، 28 مارس 2018

القناة في عيون المصريين


 مقالي في كتالوج معرض 150 سنة على افتتاح قناة السويس في معهد العالم العربي في باريس

القناة في عيون المصريين
عماد أبو غازي

  في 30 نوفمبر 1854 أصدر سعيد باشا والي مصر فرمان امتياز مشروع حفر قناة السويس لمسيو فرديناند دلسيبس، منذ ذلك الوقت أصبحت القناة ضمن اهتمامات المصريين؛ وترجع علاقة مصر بمشروعات ربط البحرين الأحمر والمتوسط والكتابة عنها إلى عصور حضارتهم القديمة، وقد كانت هذه المشروعات تقوم على أرض الواقع بربط النيل بالبحر الأحمر، وإن كانت مشروعات ربط البحرين مباشرة قد ترددت في العصور الوسطى أكثر من مرة دون أن تنفذ على أرض الواقع؛ لكن ما حدث في منتصف القرن التاسع عشر واستمر لأكثر من مئة عام، ما بين فرمان الامتياز في 30 نوفمبر 1854 وقرار التأميم في 26 يوليو 1956 كان أمرًا مختلفًا؛ فقد كان المصريون أمام مشروع عملاق يتم على أرضهم ويقومون بحفره ولا يمتلكونه، مشروع وضع بلدهم في بؤرة الصراعات العالمية مجددًا؛ فبعد أن كانت أمور البلاد قد استقرت في أعقاب معاهدة 1840، عادت مصر مرة أخرى مسرحًا للتنافس الاستعماري وصراع المصالح بين الدول الكبرى، وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من الساسة والمؤرخين المصريين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى القول بأن مشروع القناة كان نقمة على البلاد، وأنه كان المسئول الأول عن أزمة الديون التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر.
 ويغلب على رؤية الكتاب المصريين نظرة التوجس من المشروع، أو على الأقل مما ترتب عليه من نتائج سياسية خاصة في أعقاب الاحتلال البريطاني لمصر، فيميل أغلب من أرخوا لموافقة سعيد باشا على مشروع دلسيبس إلى أن الموافقة كانت متعجلة ولم تسبقها دراسة كافية وأن الصداقة القديمة بين سعيد ودلسيبس كانت وراء هذه الموافقة، وأن رجال الدولة أيدوا المشروع عندما شعروا برغبة سعيد باشا في الموافقة، كما يرون أن فرمان منح الامتياز كان مجحفًا بحقوق مصر، بينما يذهب الدكتور لويس عوض إلى أن قرار سعيد باشا كان ناتجًا عن رغبته في تغيير اتجاه السياسة المصرية إلى التحالف مع فرنسا بدلًا من إنجلترا، وأن الامتياز كان متوازنًا ويحقق مكاسب واضحة لمصر، لكن ضعف مصر السياسي وضعف الدولة العثمانية أديا إلى تأويل نصوص العقد في غير صالح مصر، وإلى ضياع حقوق مصر مع استحكام أزمة الديون.
 ومن الكتابات المبكرة التي تعرضت لقناة السويس من وجهة نظر مصرية ما كتبه علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية، حيث أشار إلى قناة السويس في أكثر من موضع، ففي الجزء الأول، تحت عنوان تولية سعيد باشا، قال: "ومن مهمات الأعمال التي حدثت في عهده اتصال البحرين الأحمر والأبيض بالترعة المالحة المارة في برزخ السويس، وأمرها من أهم المسائل السياسية الشاغلة لأفكار جميع الدول".
 كما تحدث عن القناة في مواضع أخرى عند حديثه عن عصر إسماعيل وعن مدينة الإسماعيلية وبور سعيد والسويس، لكن حديثه المسهب عن "ترعة البرزخ" أو "الترعة المالحة" كما كان يسمي القناة، فشغل قرابة أربعين صفحة في الجزء الثامن عشر المخصص لمقياس النيل، وكان الخليج المصري مدخله للحديث عن القناة؛ حيث يستعرض الروايات التاريخية عن الخليج والمراحل التي حقق فيها الربط بين النيل والبحر الأحمر مرورًا بمنطقة البحيرات، كما يعرض الروايات التي تتحدث عن خليج آخر كان ينطلق من الفرما حتى منطقة البحيرات فتحقق بذلك ربط البحرين في أزمنة سابقة.
 وينتقل للحديث عن القناة فيؤكد أنه: "لا يخفى أن ترعة البرزخ هي أهم وسائل الوقت؛ لكونها صارت الطريق العام لجميع تجارة العالم، ومعلوم أن التجارة هي أساس السعادة عند الأمم، فدرجة أهميتها عند كل أمة تكون بالنسبة لدرجة تجارة تلك الأمة"؛ الأمر الذي يؤكده راشد البراوي أستاذ الاقتصاد بالتفصيل في كتابه: "مجموعة الوثائق السياسية – المركز الدولي لمصر والسودان وقناة السويس" الصادر عام 1952، والذي حلل فيه عقد امتياز حفر القناة ونصوص معاهدة القسطنطينية لسنة 1888.
 ويرى مبارك أن فتح "ترعة البرزخ" فتح على مصر أبوابًا لم يكن في قدرتها إقفالها، ما لم تحفها العناية الربانية بإقفالها، وتحفظها من غوائلها." ويلوم على سعيد باشا تسرعه في الموافقة على المشروع وتساهله مع دلسيبس، ويقول: "ونشأ عن هذا التساهل ما نحن فيه، وما تصير إليه بلادنا وتراه أولادنا في مستقبل الأيام".
 ثم يستعرض تطور المشروع منذ عرضه دلسيبس على سعيد باشا حتى احتفالات افتتح القناة، ويتحدث عن الخلافات التي وقعت بين الحكومة المصرية والشركة في مراحل مختلفة من العمل، وتفاصيل العمل وتكلفته المالية، ويحدد الأضرار والخسائر التي لحقت بمصر بسببه، ويوجه الانتقاد إلى المبالغة في الانفاق على حفل الاحتفال الذي بلغ سدس الإيراد السنوي لمصر.
 طوال سنوات الاحتلال التي جاوزت السبعين سنة، وخلال كل المفاوضات التي دارت بين الحكومات المصرية المتعاقبة والحكومة البريطانية كانت قناة السويس وحماية الملاحة الدولية فيها من القضايا الشائكة المعقدة التي تؤدي دوما بالمفاوضات إلى طريق مسدود؛ إلى جانب قضية السودان، الأمر الذي عبر عنه رسم كاريكاتيري يعود لعام 1930 نشرته مجلة فرعون، يمثل جون بول يساوم امرأة مصرية على طرحتها وجلبابها اللذين يمثلان السودان والقناة مقابل أن يمنحها استقلالها وشرفها.
 ويبدو أنه كان هناك إدراكًا مبكرًا لدى الحركة الوطنية لتأثير القناة على قضية الجلاء؛ ففي وثيقة سرية في أوراق الإمام محمد عبده ترجع إلى عام 1883 تتضمن مشروع برنامج للحزب الوطني للتفاوض به من أجل جلاء قوات الاحتلال، يسعى البرنامج إلى التخلص من عبء القناة؛ حيث ينص على:
 "لما كان اتصال قنال السويس بالقطر المصري باعثًا مداومًا على حدوث قلاقل سياسية بمصر، إرتأى زعماء الحزب الأهلي أن تبادر الدول إلى الاتفاق مع الباب العالي على فصل ترعة السويس من ممالك الدولة العلية وجعلها دومًا تحت سلطة أية دولة كانت أو تحت سلطة الدول إجمالًا، لأن مصر لا تحتاج إلى الترعة البتة، بل وجودها في حيز حكمها ثقلًا عليها وخطر على دوام الأمن فيها، وبناء على ذلك يشير الحزب الأهلي إلى إما حق الاستيلاء على الترعة المذكورة لذي ثمن يجب الالتفات إليه  متى جرت المفاوضة بينهم وبين الدول في وضع ترتيب جديد لمالية مصر."
 وترصد الدراسات الأكاديمية حول تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية من أجل استقلال مصر وأهمها دراسة محمد شفيق غربال عن "تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية"، ودراسة محمد مصطفى صفوت مصطفى عن "إنجلترا وقناة السويس" الصادرتين عام 1952، الظهور المتكرر لمسألة قناة السويس على طاولة المفاوضات، ووقف هذا الموضوع ضمن موضوعات أخرى في طريق النجاح في الوصول إلى اتفاق.
 كما كتب المؤرخ المصري محمد صبري السوربوني أكثر من مرة عن قضية حياد القناة وعلاقته بحياد مصر منذ عشرينيات القرن الماضي؛ وفي عام 1950 عاد للكتابة في هذا الموضوع مرة أخرى في جريدة المصري واستعرض تاريخ القناة وأكد على أهمية تدويل القضية المصرية والحفاظ على حياد مصر في الصراعات الدولية وعلى حياد قناة السويس.
  أما عبد الرحمن الرافعي القانوني والمؤرخ الذي ينتمي إلى الحزب الوطني فقد تعرض لقناة السويس في أكثر من موضع من كتبه التي تناول فيها تاريخ مصر القومي منذ السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر حتى عام 1958؛ ففي تقييمه لشخصية محمد علي في كتابه الذي صدرت طبعته الأولى عام 1930، يقول في سياق الإشادة بحكمة محمد علي وحذره في مشروع بناء الدولة الحديثة، "ويكفيك برهانًا على بعد نظره في السياسة، إنه لما عرض عليه مشروع حفر قناة السويس أعرض عنه رغم إلحاح بعض الماليين والسياسيين الإفرنج، إذ رأى أنه سيؤدي إلى تدخل الدول في شؤون مصر واتجاه الأطماع إليها وجعلها هدفًا للدسائس الاستعمارية مما يفضي إلى ضياع استقلالها، ومما يؤثر عنه أنه قال في هذا الصدد: "إذا أنا فتحت قناة السويس فسأنشئ بوسفورًا ثانيًا، والبسفور سيؤدي إلى ضياع السلطنة العثمانية، وبفتح قناة السويس تُستهدف مصر للأطماع أكثر مما هي الآن، ويحيق الخطر بالعمل الذي قمت به وبخلفائي من بعدي"؛ ويستطرد الرافعي قائلًا: ولقد حققت الأيام صدق نظره، وما كان أجدر خلفاءه أن يعملوا برأيه فلا يغامروا بمستقبل البلاد وينشئوا بسفورًا ثانيًا أفضى إلى ضياع استقلالها، ولكن هكذا شاء جَدُّ مصر العاثر أن يتنكبوا سبيله ويفتحوا تلك القناة التي كانت شؤمًا على البلاد؛ إن كفاءة محمد علي كرجل سياسي بعيد النظر ظهرت في تأسيس الدولة المصرية المستقلة وفي إبعاد اليد الأجنبية عن التدخل في شؤونها، ومن هنا جاءته فكرة المعارضة في فتح قناة السويس.
 وفي كتابه عصر إسماعيل الصادر عام 1932 يعود لينتقد مشروع القناة بشدة، فيقول: "يعد مؤرخو أوروبا والفرنسيون منهم خاصة، مشروع قناة السويس مفخرة سعيد باشا، ويقولون أنه بهذا العمل قد أدى أعظم خدمة للإنسانية والحضارة، وهم فيما يقولون إنما ينظرون إلى هذا العمل من وجهة النظر الأوروبية، فلا شك أن قناة السويس قد أفادت التجارة الأوروبية فوائد كبرى، بتقريبها طريق المواصلات بين أوروبا والشرق، وأفادت أيضًا الاستعمار الأوروبي، لأنها مكنت الدول الاستعمارية من إرسال الحملات والتجاريد الحربية عن طريق القناة إلى آسيا وأفريقية لإخضاع ممالك الشرق وشعوبه... أما من وجهة النظر المصرية، فالقناة كانت شؤمًا على البلاد واستقلالها، لأنها أطمعت فيها دول الاستعمار، وجعلتها تسعى سعيًا حثيثًا للاستيلاء على مصر... وإذا كان المؤرخون الإفرنج يعدون مشروع القناة أكبر مفخرة لسعيد باشا، فإننا نعده بالعكس أكبر غلطة له في تاريخه، لأنه بعمله هذا قد فتح باب التدخل الاستعماري في مصر على مصراعيه، وجعلها هدفًا للمطامع الأوروبية." كما يلوم الخديوي إسماعيل لاستمراره في المشروع.
 ويناقش الرافعي في كتابه عن محمد فريد الرئيس الثاني للحزب الوطني مشروع مد امتياز شركة قناة السويس ويفرد له صفحات من الكتاب يعرض فيها للمشروع الذي تبنته حكومة بطرس باشا غالي، ومقاومة الحزب الوطني بزعامة فريد للمشروع، وتطورات الصراع السياسي حول المشروع والتي انتهت برفضه في الجمعية العمومية، ثم جريمة اغتيال بطرس باشا غالي على يد أحد أنصار الحزب الوطني.
 وقد كان مشروع مد امتياز القناة من المشروعات التي قابلتها الحركة الوطنية بمعارضة شديدة ونجحت في وقفها، وقد امتلأت صحف الحركة الوطنية بالمقالات الرافضة للمشروع، كما شارك الشعراء والأدباء في المعركة، ومن أشهر القصائد التي ارتبطت بهذه القضية قصيدة حافظ إبراهيم التي أيد فيها مطالب الحركة الوطنية بإلغاء المشروع.
 وقد ظلت أصداء قضية مد امتياز القناة تتجدد بين حين وآخر، فعاد للكتابة فيها عباس محمود العقاد أكثر من مرة، ففي كتابه عن سعد زغلول الصادر عام 1936 أكد على رفض سعد للمشروع رغم أنه كان عضوًا في الحكومة، كما أكد على أنه كان صاحب اقتراح عرض المشروع على الجمعية العمومية، وهو الذي رتب وحشد لرفضه، كما عاد لطرح القضية في يومياته مرة أخرى عام 1956.  
 أما الكتب المدرسية في الأربعينيات ومثالها كتاب تاريخ مصر السياسي للصف الرابع الثانوي، فتعرض لفكرة المشروع في عهد محمد علي ورفض الباشا لها، وتوجه انتقادات صريحة لأسلوب سعيد باشا في قبول عرض دلسيبس، وكيف تورطت مصر في الديون بسبب مشروع القناة، كما يعرض لخديعة دلسيبس لعرابي أثناء المعارك مع قوات الاحتلال، عندما أقنعه بأن القناة ممر ملاحي دولي محايد، وأن الأساطيل البريطانية لن تدخل مصر من خلالها، فأثناه عن قرار إغلاق القناة؛ وينتهي الكتاب إلى أن فتح القناة كان خسارة كبيرة على مصر من الناحيتين السياسية والمالية.
 أما الكتب المرجعية الجامعية ومنها كتاب أحمد الحتة الذي كان يُدرّس في مطلع الخمسينيات وعنوانه تاريخ مصر الاقتصادي، فعند حديثه عن قناة السويس عرض لتاريخ مشروعات ربط النيل بالبحر الأحمر منذ أقدم العصور، لينتقل إلى مشروعات ربط البحرين في العصر الحديث، ثم يناقش الموضوع بالتفصيل بمزاياه وعيوبه.
 هذه بعض نماذج تكشف عن رؤية المصريين لمشروع القناة التي كانت في مجملها سلبية.


المصادر
·         أحمد أحمد الحتة: تاريخ مصر الاقتصادي في القرن التاسع عشر، مطبعة المصري، القاهرة، 1950.
·         إلياس الأيوبي: تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل باشا، المجلد الأول، القاهرة، 1923.
·         إيمان عامر: قناة السويس في الوجدان المصري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2009.
·         راشد البراوي: مجموعة الوثائق السياسية، الجزء الأول – المركز الدولي لمصر والسودان وقناة السويس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1952.
·         عباس محمود العقاد: سعد زغلول سيرة وتحية، مطبعة حجازي، القاهرة، 1936؛ ويوميات، دار المعارف، القاهرة، 2005.
·         عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1930؛ وعصر إسماعيل، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1932؛ ومحمد فريد رمز الإخلاص والتضحية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1941.
·         علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، مطبعة بولاق، 1305ه.
·         محمد رفعت: تاريخ مصر السياسي في الأزمنة الحديثة، وزارة المعارف العمومية، القاهرة، 1943.
·         محمد شفيق غربال: تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1952.
·         محمد صبري: أدب وتاريخ واجتماع، مطبعة مصر، القاهرة، 1950.
·         محمد مصطفى صفوت: إنجلترا وقناة السويس 1854 – 1951، الجمعية الملكية المصرية للدراسات التاريخية، القاهرة، 1952.
·         مصطفى الحفناوي: قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة، القاهرة، 1952.


الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

في وداع حسين نصار
عماد أبو غازي


 اليوم غاب واحد من جيل الأساتذة العظام، غاب عنا اليوم علم من أعلام دراسات اللغة العربية وآدابها؛ الأستاذ الدكتور حسين نصار؛ بعد أن ترك لنا تراثًا علميًا تفخر به الثقافة المصرية.
 عرفت الرجل للمرة الأولى عندما التحقت طالبًا بكلية الآداب في عام 1972، كانت مادة اللغة العربية لطلاب السنة الأولى ـ التي كانت الدراسة فيها عامة دون تخصص ـ يقوم بتدريسها أربعة من كبار الأساتذة في قسم اللغة العربية: الدكتورة سهير القلماوي والدكتور عبد الحميد يونس والدكتور يوسف خليف والدكتور حسين نصار، كل منهم يُدرّس لنا موضوعًا من موضوعات الأدب العربي، وقد اختار حسين نصار موضوعًا عن الشاعر العربي والطبيعة، كان الرجل صاحب أداء هادئ ورصين، تعرفنا من خلال محاضرته على جوانب جديدة في الشعر العربي القديم، كنا ننتظر محاضراته يوم الاثنين من كل أسبوع متشوقين للاستماع إليه، وعلى تناول مختلف للشعر عما اعتدناه في مراحل التعليم العام؛ من خلال محاضراته ومحاضرات الأساتذة الكبار الثلاثة الأخرين تكونت لدينا صورة جديدة عن دراسات اللغة العربية وآدابها، دفعت البعض منا إلى الالتحاق بقسم اللغة العربية وآدابها.
 عندما التحقت بقسم التاريخ لم أكن أتصور أن علاقتي به ستتجدد ثانية، لكني اكتشفت أثناء دراستي في السنة التمهيدية للماجستير بشعبة التاريخ الإسلامي أن للدكتور حسين نصار كتابًا صغيرًا عن الثورات الشعبية في مصر الإسلامية، كان الكتاب على صغر حجمه كبير القيمة فيما يحتويه من معرفة تاريخية، أتت من عالم كبير لم يقتصر علمه على تخصصه الدقيق في اللغة والأدب بل امتد إلى مجال الدراسات التاريخية، يبرز الكتاب الذي ألقى فيه حسين نصار أضواء على أشكال الاحتجاج فيما يعرف في تاريخ مصر بعصر الولاة امتلاك حسين نصار للمنهج التاريخي وقدرته على استخدامه بصورة تفوق بعض أقرانه من دارسي التاريخ، رصد الرجل صور الاحتجاج السلبي، والاحتجاج من خلال نصوص أدبية شعرية، ليصل إلى رصد الثورات التي توالت في مصر بين عامي 106 و217 للهجرة، والتي كان أخرها الثورات الكبرى التي شملت أرجاء مصر كلها، ومنها ثورة البشموريين، التي دفعت الخليفة المأمون إلى المجيء لمصر بنفسه للقضاء على الثورة، ونجح في النهاية في الانتصار على الثوار بعد مذبحة راح فيها آلاف من المصريين؛ كان الكتاب وقتها قد صدر في سلسلة المكتبة الثقافية، وقد أعيد نشرها بعد ذلك عدة مرات؛ لقد فتح هذا الكتاب عيني على مساحة في التاريخ المصري لم يتح لي التعرف عليها خلال دراستي بقسم التاريخ، ودفعني لاختيار موضوع بحثي في السنة التمهيدية للماجستير عن ثورات المصريين في عصر الولاة، ورغم أن البحث أجيز حينها إلا أن رغبتي في دراسة الموضوع بشكل موسع في رسالة الماجستير أدى إلى رفض التسجيل لي نهائيًا في شعبة التاريخ الإسلامي.
 بعدها بسنوات، وفي عام 1980 عندما التحقت للدراسة بدبلوم الوثائق، درست على يدي أستاذي الدكتور حسين نصار مقرر علم اللغة العام، وكنت أدرس مع طلاب ماجستير اللغة العربية، وكان عددنا قليل، آحاد من الطلاب، فكانت فرصة لتعامل عن قرب مع الدكتور حسين نصار، والتعرف عليه مباشرة والاستزادة من علمه، كان الموضوع الذي ندرسه موضوعًا تطبيقيًا في علم اللغة، الأضداد في اللغة العربية، اكتشفت خلال دراستي جوانب جديدة في اللغة العربية، وعرفت فيه جانبًا جديدًا من جوانب أستاذي، فبعد أن عرفته أستاذًا يدرس الأدب، وبعد أن قرأت له في مجال التاريخ، ها أنا أعرفه عالمًا لغويًا.
 كان حسين نصار وقتها عميدًا لكلية الآداب، وأتذكر وقوفه إلى جانبي عندما اعتقلت في العام الدراسي الثاني لي في دبلوم الوثائق، عام 1981/1982، كان من الممكن أن أحرم من استكمال الدراسة، لكن تفهمه كعميد للكلية كان سببًا في استمراري ثم تعيني بعد ذلك معيدًا بقسم المكتبات والوثائق، لقد كنت الطالب الوحيد في السنة الثانية بالدبلوم؛ فسمح لي بتعويض ما فاتني مع أساتذتي الذين تفهموا جميعا الظرف الاستثنائي، وسمح لي بدخول الامتحانات.
 في هذه الفترة أيضًا، مطلع الثمانينيات، طرح بإلحاح موضوع إلغاء مجانية التعليم الجامعي، وكانت الدولة تسعى إلى ذلك بقوة، كما امتلأت الصحف وقتها بمقالات لصحفيين وكتاب وأساتذة جامعات تنادي بإلغاء المجانية؛ وكان حسين نصار واحدًا من أبرز وأشجع من تصدوا لهذه الحملة، فكتب مقالًا أسهب فيه في الدفاع عن مجانية التعليم الجامعي وفند حجج دعاة إلغاء المجانية، وفضح لا أخلاقية الدعوة من ناحية ومخلفتها للمصلحة العامة من ناحية ثانية، وطرح الحلول العملية لتطوير التعليم الجامعي دون المساس بالمجانية.
 مع مرور السنوات تعرفت عليه أكثر وأكثر خلال عملي بكلية الآداب، ثم بالمجلس الأعلى للثقافة، حيث كان حسين نصار مشاركًا دائمًا في أنشطة المجلس وعضوًا بلجانه، كذلك من خلال مركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية الذي أشرف عليه لسنوات، وكان هذا المجال العلمي الرابع الذي عرفت فيه حسين نصار، اسمًا من الأسماء اللامعة في تحقيق التراث.
 أخر الذكريات في الصيف الماضي عندما شد الرحال إلى الخارج لزيارة أبنائه اتصل بعميد كلية الآداب ليستأذنه في السفر حتى لا يترك الكلية دون إخطار مسبق؛ لكنه اليوم غاب عنا دون أن يستأذن في الغياب.

الأربعاء، 18 أكتوبر 2017

مقال قديم

مقال قديم
المقال ده نشرته في الدستور في أبريل 2008، مش عارف ليه بانشره تاني؟
مخربشات
قانون جديد يستحق الخرق!
عماد أبو غازي
 في 31 مارس الماضي كللت جهود لجنة التعليم بمجلس الشعب بإصدار قانون جديد استغرق إعداده شهورًا، القانون يحمل رقم 112 لسنة 2008، إنه قانون ينبغي أن يعرفه كل مصري فكلنا نقع تحت طائلته، وكلنا عرضه للعقاب بمقتضاه، إنه قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 14 لسنة 1982 بإصدار قانون إعادة تنظيم مجمع اللغة العربية، لكن ما علاقة تنظيم مؤسسة علمية عريقة كمجمع اللغة العربية بعقاب المواطنين؟
 التعديل القانوني ببساطة يضيف إلى وسائل مجمع اللغة العربية لتحقيق أغراضه، إلزام دور التعليم والجهات المشرفة على الخدمات الثقافية والوزارات والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية وغيرها من الجهات الخاضعة لإشراف الجهات المشار إليها بتنفيذ ما يصدره المجمع من قرارات لخدمة سلامة اللغة العربية، وتيسير تعميمها وانتشارها، وتطوير وسائل تعليمها وتعلمها، وضبط نطقها الصحيح، وتوحيد ما فيها من مصطلحات، وإحلالها محل التسميات الأجنبية الشائعة في المجتمع.
 أي أن القانون ينطبق على كل العاملين في الدولة بأجهزتها المختلفة، فبعد أن بدأ التعديل بالتخصيص متحدثا عن "التعليم والثقافة" عاد ليعمم الإلزام على الوزارات والهيئات، وكي لا يفلت أحد من طائلة هذا القانون أكد المشرع على خضوع وحدات الإدارة المحلية له.
 ويستطرد التعديل مؤكدًا على أن هذا الالتزام يرقى إلى مستوى الواجبات العامة، حيث ينص بشكل واضح وقاطع على ما يلي: "ويعتبر هذا الالتزام أحد الواجبات العامة الملقاة على العاملين كل في حدود اختصاصاتهم"! مكتوبة كده في القانون، والأقرب للحس والذوق أن نقول كل في حدود اختصاصه، ما علينا!
 لكن ماذا يحدث لو تجاسر واحد من الغلابة العاملين على عدم الالتزام بما يصدره مجمع اللغة العربية الموقر؟ ماذا يقول التعديل في ذلك؟
 يقول المشرع في القانون: "يترتب على مخالفة هذا الالتزام انعقاد المسئولية التأديبية للمخالف". وهذا النص في الحقيقة يكشف عن رحمة مجلس الشعب بنا فلله الحمد لم يعتبر المجلس عدم الالتزام جناية أو جنحة بل اكتفى باعتباره مخالفة، ولم يشرع المجلس عقوبة الإعدام أو السجن المشدد أو الحبس على من لا يلتزم بما أقره المجمع، بل اكتفى بالنص على تأديبنا، والعقوبات التأديبية مقدور عليها تبدأ من التنبيه وتمتد إلى الخصم من المرتب، وقد تصل إلى الرفت أو العزل من الوظيفة إذا إحيل الموضوع إلى النيابة الإدارية ومنها إلى المحكمة التأديبية، وطبعًا هذا لن يحدث إلا للموظف معتاد الإجرام الذي يصر على نصب المجرور أو رفع المنصوب، الذي يخلط بين الفاعل والمفعول، أو الذي يرتكب جريمة تعريف المضاف بألف لام التعريف وهي جريمة شائعة بين المصريين، كذلك قد يجد أيًا منا نفسه ماثلًا أمام جهات التحقيق إذا أصر على جريمة استخدام "التسميات الأجنبية الشائعة في المجتمع"، فلو دخلت إلى "لا مؤخذة" كافيتريا وطلبت ساندويتش جبنة فأنت آثم مؤثم لأنك دخلت كافتيريا ولم تدخل المطعم، وطلبت ساندوتش ولم تطلب "شاطر ومشطور وبينهما طازج"! ولو شاهدت التلفزيون أو السينما أنت مخالف لأنك لم تشاهد المرناة أو الخيالة!
 لكن كيف لنا نحن الموظفين والمدرسين والعاملين في الوحدات المحلية أن نعرف ما يصدره المجمع من قرارات لخدمة سلامة اللغة العربية حتى نلتزم بها؟
 لم يفت المشرع ذلك، فقد نص التعديل الجديد للقانون على أن "يصدر قرار من الوزير المختص ـ وهو وزير التعليم العالي الذي يتبعه المجمع ـ ينشر بالوقائع المصرية" ويتضمن هذا القرار ما يصدره المجمع من قرارات، وطبعًا هدف النشر في الوقائع المصرية أن يعرف الكافة تلك القرارات! إذًا علينا جميعا أن نشتري الوقائع المصرية أو نشترك فيها حتى لا نعرض أنفسنا للعقاب التأديبي إذا فاتنا قرار صدر عن المجمع، فالجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة، والمجمع يصدر في كل عام قرارات جديدة بمصطلحات جديدة وصيغ لغوية جديدة، وإذا لم نعرف بها ولم نستخدمها نكون من الآثمين ـ حاشا لله ـ فلا تنسوا الاشتراك في الوقائع المصرية، فالأمر جد وليس هزل، والاشتراك ميسر جدًا، من خلال المكتبة التابعة لهيئة المطابع الأميرية، التي تبيع القوانين والتشريعات، ومقرها بميدان الأوبرا بوسط البلد.
 لكن كيف سيطبق القانون ومن سيعرف أنك لست "ضليع في اللغة العربية" على قول سليمان نجيب، أو إنك ارتكبت خطأ في اللغة العربية، أو وقعت في مخالفة عدم الالتزام بقرارات المجمع المبجل؟ دي كمان لها حل عند المشرع، لقد نص القانون على إنشاء مكتب بمجمع اللغة العربية لتلقي الشكاوى بشأن المخالفات التي ترد على هذا الالتزام وتحقيقها، نحن أمام محكمة تفتيش جديدة، وأصبح في مقدور أي حد متغاظ من أي حد يقدم ضده بلاغ لهذا المكتب ويوديه في داهية.
 وزيادة في الدقة والالتزام بالالتزام سيصدر المجمع تقريرًا سنويًا عن حالة اللغة العربية وما تتعرض له قراراته من مخالفات.
أيها الناس انتبهوا لقد صدر هذا القانون ونشر بالجريدة الرسمية في 31 مارس 2008 وبصم بخاتم الدولة، وأصبح ساريًا من اليوم التالي لتاريخ نشره يعني من أول إبريل!!!!
الدستور أبريل 2008


الاثنين، 11 سبتمبر 2017

من أوراق بدر الدين أبو غازي (5)

من أوراق بدر الدين أبو غازي

يوم 27 مارس 1934

(5)


النهار ده 11 سبتمبر 2017 مرت 34 سنة على رحيل أبويا بدر الدين أبو غازي، وأنا بأرتب في أوراقه لقيت مفكرة صغيرة، مفكرة الكشاف لسنة 1934، كان سن أبويا وقتها 14 سنة، وكان تلميذ في مدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية في شارع نوبار في السيدة زينب، وساكن في المنيل في نفس البيت اللي فضلت فيه جدتي وعماتي لغاية رحيل أخر واحدة فيهم سنة 2005.


 وفي البيت ده لقيت المفكرة.



 سنة 1934 كانت سنة فاصلة في حياة أبويا، فاصلة بكل معنى الكلمة، في السنة دي وتحديدا يوم 27 مارس رحل محمود مختار خال أبويا، واللي تولى أمر العيلة من ساعة وفاة جدي محمود أبو غازي سنة 1926، بوفاة مختار أصبحت حياة العيلة صعبة، جدتي وأختها اللي هما أخوات مختار وأمهم ومعاهم أربع أطفال أكبرهم أبويا اللي كان عمره 14 سنة، أسرة فقدت عائلها فجأة في زمن ما كانش يعرف نظام ثابت للضمان الاجتماعي، وفجأة أصبح الصبي بدر الدين أبو غازي مسؤول معنويا عن العيلة دي، كمان بقى عنده شعور بالمسؤولية ناحية تراث خاله، وبدأ يجمع كل اللي بيتكتب عنه في الجرايد والمجلات، في الأول سلوى لأمه وخالته وجدته، وبعدين لتحقيق فكرة بدأت تتبلور في ذهنه في السن المبكر ده، إنه يكتب كتاب عن خاله محمود مختار، ويتعرف على أصدقاء مختار.


أبويا وأمي مع محمود سعيد بعد أكتر من 20 سنة من وفاة مختار
ومن هنا بدأت رحلة كتابه الأول اللي صدر بعدها بخمستاشر سنة: مختار حياته وفنه، ومن هنا برضه كان ميلاد مشروع الناقد الفني بدر الدين أبو غازي.
 أرجع للمفكرة تاني اللي عمرها 80 سنة:
 لما قلبت فيها لقيت بدر كاتب في يوم الاثنين 26 مارس:
 "أول يوم العيد. يوم قضيته سعيدًا من أوله إلى آخره."
 وفي يوم الثلاثاء 27 مارس كتب:
 "آه آه يوم أوله سرور وآخره حزن وشؤم أبدي إذ تلقينا حوالي الساعة الرابعة والنصف من المستشفى الفرنساوي أن المثال مختار عاوزنا فذهبنا وإذا بروحه البريئة آخذه في فراق جسده الطاهر. واستسلم الروح في الساعة 7 إلا ربع".
  وفي يوم الأربعاء 28 مارس كتب:
 "تشييع جنازة النابغة مختار ـ ذهبنا صباحا إلى المستشفى ـ خرجنا الساعة 4 وربع تقريبا مع النعش أنا وخالي وبابا عوض بك [وصلنا المحطة الساعة 4,5] [سارت الجنازة الساعة 4,45]. 


 وفي الصفحات الأولى من المفكرة كتب نص مفصل أكتر في أربع صفحات ونص، قال فيه:
 "آه يا لها من ذكرة تعيسة. يا له من شقاء أبدي. يا له من حزن دائم بعد ذلك. كنت جالسا أنا ثاني يوم العيد حوالي الساعة الرابعة والنصف. دق تليفون منزل عوض بك وكنت هناك. إذ كنت ذاهبا إلى السينما مع عبد القادر، فأجابته جليلة هانم، وإذ به عيد الخادم، خادم المثال مختار يسأل عن عوض بك، وكان في المحلة، قائلا أن المثال يريده فسألته هل نذهب نحن عوضا عنه، فتكلم ثانيا وقال دعوهم يحضروا، فذهبنا، وإذا بروحه البريئة الطاهرة آخذه في الصعود ـ فذهبنا وإذا بروح الفن آخذه في الصعود ـ ثم أسلم الروح في الساعة السابعة إلا ربع تقريبا عندما ضربت المدافع إيذانا بحلول ميعاد صلاة المغرب، وذلك في يوم الثلاثاء 27 مارس سنة 1934 الموافق 12 ذو الحجة سنة 1353 الموافق ثاني يوم العيد.
مصر بنت النيل تبكيك    وباريس أم النور ترثيك


 ذهبنا صباح 28 مارس إلى المستشفى الفرنسي (أنا ـ طنط ـ أنه ـ ستي ـ طنط ج) وركبنا ثورنيكروفت إلى القصر العيني ـ ركبنا عربة الأسطى محمد إلى عمارة مكاوي ـ ناديت أبلة روحية وركبنا معا في العربة قاصدين المستشفى ـ اشترينا الجهاد والأهرام ـ وصلنا المستشفى فلم نجد أحدا، ودخلنا الحجرة وقرأنا الفاتحة وبكينا ـ حضر عيد الخادم الأمين للمثال العظيم ـ حضر خالي وأبلة سرية بعد عمل التلغرافات ـ إلتف الجميع حول جسد مختار العظيم باكين سائلين الله أن يرحمه ـ حضر حوالي الساعة العاشرة صباحا الأساتذة محمد فؤاد حمدي بك وشقيقه مصطفى حمدي بك ومحمود حمدي بك ـ محمود سعيد بك ـ المسيو جان نيقولا بيدس المهندس المعماري وقد أخذ الأخيران عناوين بعض أصدقاء المثال لإحضارهم.

 وفكروا في فكره وهي أخذ masque لوجه المثال مختار، وانصرف الجميع، بعد نصف ساعة حضر المسيو شارل دونيه مدير المستشفى الفرنسي ومعه رئيسة الراهبات فدخل في الحجرة ورفع الملاءة المغطى بها وجه المثال العظيم وأحدق النظر في وجه صديقه العظيم ثم انصرف والدموع تحوم في عينيه ـ حضر عوض بك من المحطة ـ حضر الشيخ الفاضل الأستاذ مصطفى عبد الرازق ومعه شاب وجيه، فسأل عن ميعاد قيام الجنازة وانصرف وهو بوده الدخول لوداع مختار وداعا أبديا لكنه لم يقل ـ حضر أحد أصدقاء مختار الأجانب سائلا عن ميعاد قيام الجنازة وانصرف.


 حضر حوالي الساعة الواحدة الأساتذة أنطون حجار ـ محمود سعيد بك ـ المسيو جان نيقولا بيدس لأخذ masque وقد بكوا بكاء مرا حينما رأوا مختار راقدا ممد الأيدي لا يتحرك ولا ينبض، فأخذوا يبكون، وابتدأ الأستاذ أنطون في عمله وقد حضر الدكتورين إبراهيم العيسوي ومحمد حلمي والمهندس (         ) ودخلوا في الحجرة الراقد فيها مختار ومعهم عوض بك وخالي ماشتريا جبسا، ونفدت الزهرة، فأخذ خالي زهرة من المستشفى، ولم يقوى الأستاذ سعيد على رؤية مختار وهم يضعون الجبس على وجهه وهو راقد ممد فخرج وجلس في حديقة المستشفى، وقرب انتهاء العمل خرج المسيو جان وجلس مع سعيد بك ـ ولما انتهى الأستاذ حجار من عمله قبل مختار في وجهه وقال: "مع السلامة يا سي مختار" وقد عزى الحاضرين وأخذ معه نموذج اليد والوجه الذي عملهما وانصرف الجميع.


 وأقيمت عملية الغسل ثم كفن، ولم يقو عوض بك على رؤية ذلك المنظر الذي حضرته ستي وخالي فخرج وقد أجهش بالبكاء
والدة مختار
 ـ ثم وضع المثال في تلك الأثواب كالعادة وغطي عليه. وفي تلك اللحظة كان وداعا مؤثرا من أسرته التي لن تراه بعد ذلك الحين إلا في جنة الخلد والرضوان إن شاء الله، ثم وضع في النعش وغطي عليه، وفي تلك اللحظة احتجب مختار عن العالم واحتجب العالم عن مختار ـ ثم انصرفت الوالدة والسيدات جميعا ليروا الجنازة وركبنا...



 انتهى

بدر الدين أبو غازي في زيارة لمقبرة مختار

شقيقتا مختار في زيارة لمقبرته بعد نقل رفاته للمتحف

الاثنين، 21 أغسطس 2017

تقرير الأستاذة ثريا

تقرير الأستاذة ثريا

عماد أبو غازي

ده تقرير عملته السيدة ثريا حبيب مدرسة ثانوي، عن تجربتها في مدرسة الجيزة الثانوية للبنات السنة الدراسية 1954 / 1955 تجربتها في تدريس منهج البيئات لسنة أولى ثانوي، يا ريت تشوف أزاي مدرسة حديثة التخرج حاصلة على ليسانس آداب قسم جغرافيا سنة 1946 ودبلوم آثار سنة 1949 بتقدم تجربة رائدة في التدريس وبتعمل تقرير بتقيم فيه تجربتها.
أنا لقيت التقرير وأنا بأرتب أوراق العيلة، لقيته في أوراق عمتي الدكتورة ضياء أبو غازي اللي كانت زميلة الأستاذة ثريا نفس دفعتها بس من قسم تاريخ ودخلوا معهد الآثار مع بعض وفضلوا متواصلين لسنين رغم إن كل واحدة اشتغلت في مجال مختلف، الأستاذة ثريا اشتغلت مدرسة في مدارس وزارة المعارف وعمتي اشتغلت في مصلحة الآثار في المتحف المصري، وواضح أن الأستاذة ثريا أهدت نسخة من التقرير لصديقته، وتاريخ الإهداء بمكتوب خط إيد ضياء أبو غازي في صفحة العنوان على الشمال فوق 13/7/1955.
الطريف إن ماري بنت الأستاذة ثريا كانت زميلتي في مدرسة المعادي القومية في أولى ابتدائي بعدها بخمس سنين.
 التقرير بيبتدي بصفحة عنوانها "الهدف وتقسيم العمل" أول نقطة فيها:


 بدأ العام الدراسي بدون كتاب مدرسي.
بدا الميل شديدًا لدى التلميذات نحو التعرف على الحياة البشرية في جهات بعيدة عنهن، تطورت الفكرة من مجرد التحصيل إلى رغبة في البحث والاستطلاع"
الأستاذة ثريا كانت بتدرس لست فصول قسمت البيئات البشرية المختلفة على الفصول الستة كل فصل بيئة.


الصفحة التانية بتتكلم عن مصادر البحث؛ بتقول إيه الأستاذة ثريا:
"أولًا: بدأت تلميذات كل فصل يشعرن بالرغبة الشديدة في التعرف على حياة سكان بيئتهن، ويأخذن على عاتقهن جمع المعلومات والوصول إلى الحقائق بأنفسهن.
ثانيًا: وأستتبع ذلك مناقشة الوسائل المختلفة للوصول إلى الهدف، وحددت الوسائل فيما يلي:
أ – مراجع عربية وهي قليلة جدًا معظمها قليل الفائدة.
ب _ مراجع إنجليزية بسيطة قامت المدرسة بشرائها.
ج _ أفلام سينمائية.
د _ زيارة المفوضيات والسفارات والحصول منها على معلومات ومطبوعات.
هـ _ زيارة مكاتب السياحة وشركات الطيران والحصول منها على صور ومطبوعات.
و _ صور كبيرة تمثل حياة الشعوب في البيئات المختلفة قامت المدرسة بشرائها.
ز _ صور صغيرة لمختلف أنواع الحيوانات والطيور.
ح _ اتصالات شخصية بأفراد زاروا بالفعل هذه البيئات."
بعد كده بتتكلم عن طرق التنفيذ وتقسيم العمل بين التلميذات في كل فصل، وبتحكي عن تفاعل التلميذات مع التجربة ومع بعض.




وبعدين بتحدد العقبات بوضوح.




وعوامل النجاح.




وإيه أبرز ما حققته التجربة.



وفي الأخر بتقدم مجموعة اقتراحات، بعضها موجه للمدارس وبعضها للدولة بشكل عام زي تشجيع التأليف والترجمة في ميدان الجغرافية الاجتماعية.



 يا ترى لو اهتمينا بالنوع ده من التجارب كان هيبقى حال التعليم ايه؟
 ولو حاولنا النهار ده بإمكانيات عصر ثورة المعلومات والاتصالات نبتكر تجارب جديدة في أساليب التعلم ممكن نتطور؟؟؟

الأحد، 13 أغسطس 2017

حكاية الزنزانة رقم 9

حكاية الزنزانة رقم 9

رسالة من وراء الزمن
عماد أبو غازي

من عشر سنوات وشهور كنت أكتب في جريدة الدستور في إصدارها الثاني باب أسبوعي بعنوان مخربشات، وكان عام 2007 عام الاحتفال بمئوية النادي الأهلي فكتبت في أسبوعين ورا بعض عن تأسيس النادي الأهلي وتاريخه، وقادني الحديث عن النادي الأهلي إلى حديث عن نادي المدارس العليا، ومن هنا كتبت سلسلة مقالات عن بدايات الحركة الطلابية المصرية من أول القرن العشرين، من بين المقالات في السلسلة دي كان فيه مقال عن إضراب مدرسة الفنون الجميلة واللي كان بيقوده الطالب محمود مختار، وفي ختام المقال أشرت لمشاركة تانية سياسية مبكرة لمختار، وقلت:
 "هذا ولم تكن مشاركة مختار وقيادته لحركة طلبة مدرسة الفنون الجميلة أول إسهام له في النضال الطلابي، فقبلها بشهور شارك مختار مع زملاء له في مظاهرات عامة مطالبة بالدستور ومنددة بالقيود على حرية الصحافة، وقد صادف صديقي وجاري في السكن وفي صفحة الرأي بالدستور محمد حاكم نصًا في مذكرات سعد أرشدني إليه يتحدث فيه عن تلك الواقعة، يقول سعد الذي كان ناظرًا للمعارف وقتها:
 "في 31 مارس 1909 تظاهر كثير من الناس والطلبة، وطافوا الشوارع بعد أن خطبوا خطبًا مهيجة في حديقة الجزيرة، وألقوا أشعارًا غاية في الحماسة، وتقرر محاكمة الخطباء على تهيجيهم، وطعنهم في الخديوي ووزارته.
 وقبض على تلميذ من الخديوية يدعى عباس حلمي، وآخر من يدعي مختار، من مدرسة الفنون الجميلة، وحكم على كل منهما ـ في اليوم التالي ـ بالحبس 20 يومًا، نظير تعديهما على رجال البوليس بالضرب، وقد رفت الأول لذلك."


 ده رابط المقال على مدونتي التانية مخربشات

بورتريه للدكتور حافظ عفيفي باشا

بورتريه للدكتور حافظ عفيفي باشا

عماد أبو غازي


 اليوم أثناء ترتيب لأوراق العيلة لقيت غلاف أشبه بالمظروف، يبدو إنه كان في الأصل غلاف كتالوج لمكتبة شاعر فرنسي عاش بين القرنين الخمستاشر والستاشر؛ مطبوع عليه بالفرنساوي:
BIBLIOTHÈQUE
JEAN PAUL BARBIER
Poètes français
Des XVe et XVIe siècles

 على ضهر الغلاف اسم أبويا وعنوانه بالفرنساوي بخط أنا بقيت عارفه كويس من كتر شغلي في أرشيف العيلة؛ خط صديقة مختار الفرنسية مارسيل دوبري، اللي توطدت صلتها بالأسرة مرة تانية من ساعة ما قابلت أبويا وأمي في زيارة لهم لفرنسا سنة 1968، وبدأت تبعت تذكارات مختار الي فضلت محتفظة بيها من يوم وفاته في 27 مارس سنة 1934، وبعد وفاة أبويا سنة 1983 استمرت تبعت لعمتي تدريجيًا كل اللي عندها لغاية وفاتهم هما الاتنين في وقت متقارب بداية القرن الجديد.



 فتحت الغلاف لقيت فيه مفاجأة صورة (بورتريه) للدكتور حافظ عفيفي باشا، اللي كان صديق مختار من أيام الدراسة في باريس، الصورة للدكتور حافظ عفيفي في شبابه، رسمها الفنان الفرنسي بول ماتييه (Paul Mathey) اللي عاش بين سنة 1844 و1929، وعلى ضهرها توثيق من أبنه Jacques Mathey الخبير بمحكمة الاستئناف في باريس.


 مع الصورة جواب من مارسيل لأبويا تاريخه 26 يونيو 1980.


 ولقيت مع الغلاف واللي فيه، كارت من مارسيل تاريخ سنة 1984، بعتاه لأبويا ما كانش وصلها خبر وفاته، وكمان جوابين لمارسيل من اتنين من أصدقاء مختار، واحد من الشيخ مصطفى عبد الرازق والتاني من عزيز باشا المصري، ودول هانشرهم مره تانية.


الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...