الجمعة، 2 يونيو 2017

الخصخصة في زمن المماليك

الخصخصة في زمن المماليك

قراءة في تطور الحيازة الزراعية فى مصر

عماد أبو غازي
قضية حيازة الأرض الزراعية فى الشرق من القضايا التى تثير جدلًا واسعًا بين المؤرخين المشتغلين بدراسة التطورات الإجتماعية والاقتصادية، ودراسة تاريخ القانون عمومًا، وبين المعنيين بدراسة تطور الملكية بشكل خاص، ومن الأفكار الشائعة عن الشرق فى الفترة التى تسمى بالعصور الوسطى، فكرة غياب الملكية الخاصة للأرض الزراعية وسيادة أشكال من ملكية الدولة لها.
 لكن هل هذه حقيقة ما جرى؟


  الإجابة بالنفي، فى ضوء ما تكشف عنه الوثائق الأصلية التى ترجع إلى العصر المملوكي، ثم ما تضيفه الدفاتر المالية التى ترجع إلى فترة الإحتلال العثمانى لمصر، والتي نقلت عن مثيلاتها فى عصر المماليك الجراكسة، وعلى وجه التحديد من دفاتر تم تحريرها فى سنة 891 هـ، أي في عصر السلطان الأشرف قايتباي.
 ويبدو من دراسة الوثائق المملوكية والدفاتر العثمانية، أن عصر المماليك الجراكسة شهد تطورًا مهمًا لأشكال الحيازة الزراعية، بحيث إننا نستطيع أن نقول إن شكل الحيازة الزراعية في مصر عند نهاية ذلك العصر [أوائل القرن 10هـ/16م] قد اختلفت عما كان عليه فى بدايته [أواخر القرن 8هـ/14م]؛ فخلال مائه وأربعين عامًا تقريبًا، هي الفترة التي حكم فيها سلاطين الجراكسة منذ أسس برقوق دولتهم حتى نجح سليم العثماني في احتلال مصر، خلال تلك السنوات، كانت هناك ظاهرتان لافتتان لنظر فيما يتعلق بأوضاع الأراضى الزراعية:
الظاهرة الأولى: التوسع في بيع الأراضي الزراعية المملوكة لبيت المال.
والظاهرة الثانية: اتساع نطاق الوقف على أعمال البر، أو على النفس والذرية.
 إن دراسة مجموعات الوثائق التي تحتفظ بها الأرشيفات المصرية سواء تلك التي ترجع إلى عصر المماليك وما قبله، أو الدفاتر المالية للعصر العثماني - تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن عصر المماليك الجراكسة قد شهد تزايدًا لمعدلات بيع أملاك بيت المال، حيث فاقت تلك المعدلات بكثير ما كانت عليه فى كل العصور السابقة على عصر الجراكسة مجتمعة، فقد شكلت وثائق بيع أملاك بيت المال التى أمكن حصرها، وترجع إلى ذلك العصر نسبة 96% من إجمالى ما أمكن حصره من تلك النوعية من الوثائق فى الفترة الممتدة ما بين دخول العرب لمصر حتى الاحتلال العثماني لها.
 وتثبت الوثائق أن مصر قد عرفت الملكية الخاصة للأرض الزراعية طوال تاريخها الإسلامى على الأقل، غير أن الأمر ظل على ما يبدو ظاهرة هامشية، حيث كانت الغالبية العظمى من الأراضي الزراعية فى يد الدولة، إلى أن جاء عصر المماليك الجراكسة فتغيرت الصورة بشكل واضح.
 وإذا كنا لم نستطع بعد أن نصل إلى تقدير دقيق لمساحة الأراضي الزراعية التي انتقلت من ملكية الدولة إلى ملكية الأفراد خلال عصر المماليك الجراكسة، فإن الوثائق تحمل إشارات لا تخلو من دلالة واضحة حول حجم البيوع؛ ففي بعض الأحيان تشير الوثائق إلى أن بيت المال قد باع قرى بكاملها، كما إننا نعرف كذلك من خلال الوثائق أن حالات البيع شملت مساحات متفاوتة من 275 قرية بمصر والشام على الأقل.
 كذلك فإن مقارنة ما ورد في المصادر التاريخية التي ترجع إلى أوائل عصر المماليك الجراكسة، بما ورد في المصادر التى تتناول فترة بداية الحكم العثماني لمصر، تؤكد أن البيع غير بالفعل وضع حيازة الأرض الزراعية وملكيتها في مصر حيث يذكر القلقشندى أن "البلاد المصرية بجملتها جارية في الدواوين السلطانية وإقطاعات الأمراء وغيرهم من سائر الجند، إلا النذر اليسير مما يجرى في وقف من سلف من ملوك الديار المصرية ونحوهم على الجوامع والمدارس والخوانق، ونحوها مما لا يعتد به لقتله".
ويؤكد المقريزي ذلك كذلك في خططه فيقول: "منذ كانت أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى يومنا هذا (أوائل القرن التاسع الهجرى) فإن أراضى مصر كلها صارت تقطع للسلطان وأمرائه وأجناده. ثم يقسم أرض مصر إلى سبعة أقسام: قسم يجرى في ديوان السلطان.. وقسم من أراضي مصر قد أقطع للأمراء والأجناد.. وقسم ثالث جعل وقفًا محبسًا.. وقسم رابع يقال له الأحباس يجري فيه أراض بأيدي قوم يأكلونها.. وقسم خامس قد صار ملكًا يباع ويشترى ويورث ويوهب، لكونه اشترى من بيت المال، وقسم سادس لا يزرع للعجز عن زراعته.. وقسم سابع لا يشمله ماء النيل، فهو قفر".
 وتختلف الصورة تمامًا عند بداية الاحتلال العثماني لمصر، حيث نجد أن الأراضي التي خرجت من حوز الدواوين السلطانية وديوان الجيوش المنصورة المسئول عن الإقطاعات، قد قاربت نصف مساحة الأرض الزراعية في مصر، فقد كانت الأوقاف تشكل حسب رواية الإسحاقي المؤرخ "عشرة قراريط من أراضى مصر، أي نسبة 41.66% من تلك الأراضي، هذا بالطبع بخلاف الأملاك الخاصة التي لم يتم وقفها أو لم تحبس.
 إن ما ورد فى هذه المصادر التاريخية يحمل عدة دلالات:
 الدلالة الأولى: التوسع الكبير فى بيع أملاك بيت المال، فبعد أن كانت الأراضي الخارجة عن ملكية الدولة "لا يعتد بها لقتلها"، أصبحت مساحتها تقارب نصف مساحة الأراضي الزراعية في مصر.
 الدلالة الثانية: إن ما ورد في المصادر التاريخية الروائية يتفق إلى حد كبير مع المؤشرات التي تقدمها دراسة وثائق بيع أملاك بيت المال ودفاتر الرزق الجيشية والإحباسية، من حيث اتجاه حركة البيع وتطورها خلال عصر المماليك الجراكسة.
 الدلالة الثالثة: اتجاه الكثيرين إلى وقف الأراضي التي أشتروها من بيت المال، خشية مصادرتها، وسعيًا لإعفاء ريعها من الضرائب.
 وهذه الحقيقة أيضًا تؤكدها وثائق بيع أملاك بيت المال ـ أي وثائق بيع أملاك الدولة بلغة عصرنا ـ حيث يتضح أن أكثر من نصف الأراضي التي تم بيعها من أملاك بيت المال قام المشترون بوقفها بعد شرائهم لها.
 وهذا يتماشى مع ما يردده المؤرخون كثيرًا من أن أراضي مصر في نهاية العصور الوسطى كانت وقفًا، وأن الملك الحر كان قليلًا.
خلاصة القول: إن شكل حيازة الأرض الزراعية قد شهد تحولًا كبيرًا خلال عصر المماليك الجراكسة نتيجة لبيع أملاك بيت المال؛ فمن ناحية تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من ملكية الدولة - سواء أكانت مباشرة تدار من خلال الدواوين السلطانية أو ديوان الوزارة، أو كانت موزعة على بعض المستفيدين كرزق وإقطاعات - إلى الملكية الخاصة للأفراد. ومن ناحية أخرى تحول جزء كبير من تلك الأراضي التي أصبحت أملاكًا إلى أوقاف، بعضها أوقاف خيرية مرصودة على جهات البر المختلفة، والبعض الآخر أوقاف أهلية مرصودة على واقفيها وذراريهم وعتقائهم، وفي الحالتين كانت تلك الأراضي تعفى على ما يبدو من الضرائب بأنواعها المختلفة، الأمر الذي يعني انخفاض موارد الدولة المالية ودخلها العام. لهذا السبب يبدو مما ورد في الدفاتر المالية أن وقف الأراضي الزراعية كان يحتاج أحيانًا إلى استصدار مراسيم سلطانية شريفة، تسمح للمالك بوقف ما يملك.
 ولا شك فى أن ذلك الوضع الجديد، كان له تأثير سلبي على النظام الإقطاعي، حيث انخفضت بشكل ظاهر مساحة الأرض المتاحة للدولة كي تمنحها للأمراء كإقطاعات، وينصب التأثير السلبي على الجوانب السياسية والاجتماعية للنظام الإقطاعي أكثر مما ينصب على الجوانب الاقتصادية لذلك النظام؛ حيث إن معظم الأراضى المباعة آلت إلى حائزيها السابقين، ومن هنا فلا نستطيع القول بأن دخل الأمراء الذى يحصلون عليه من ريع الأرض الزراعية قد انخفض نتيجة لبيع أملاك بيت المال؛ لكنه من المؤكد أن تحول الأمراء من مقطعين إلى ملاك قد أسهم- مع عوامل أخرى ـ في انهيار علاقات الولاء الإقطاعي، وحقق لأولئك الأمراء قدرًا أكبر من الشعور بالاستقلال عن الدولة وعن سلطانها.
وبرغم ما سبق فإننا لا نستطيع القول بأن ما حدث كان ظاهرة سلبية فى مجملها، فنظام الإقطاع الحربي المملوكي بصورته التي وصل إليها في أواخر عصر الجراكسة، كان قد أصبح عقبة في طريق المجتمع المصري، ومن هنا فلم يكن انهيار ذلك النظام أمرًا سلبيًا إذا ظهر البديل الملائم.

 فهل كان بيع أملاك بيت المال أو الخصخصة بلغة عصرنا يسهم فى ظهور مثل هذا البديل؟

الخميس، 1 يونيو 2017

دولة البرين والبحرين... دولة الجباية والمصادرة

دولة البرين والبحرين
 دولة الجباية والمصادرة
عماد أبو غازي
 بعد سنوات قليلة من تأسيس دولة المماليك سقطت دولة الخلافة العباسية، وقد نجح المماليك بقيادة سيف الدين قطز في صد المغول وهزيمتهم في موقعة عين جالوت، وأصبحت دولة المماليك القوة الكبرى في عالم الشرق، واستكملت دولتهم في عهد بيبرس وقلاوون وأبنائه تصفية الممالك الصليبية الصغيرة في بلاد الشام، واستمرت قوة دولة المماليك التي سيطرت على مصر والشام وبلاد الحجاز في صعود، لكن هذا الصعود سرعان ما انقلب إلى تراجع وانهيار بسبب صراعات السلطة بين الأمراء الكبار، وما أن انتصف القرن الرابع عشر الميلادي إلا وكان الحال قد تبدل، وبدأ الوهن يصيب دولة البرين والبحرين، البر الشامي والبر المصري، والبحر الأحمر والبحر الأبيض، لكن الدولة سرعان ما تصحو من جديد بقيام  دولة المماليك الجراكسة، لكنها كانت صحوة ما قبل الموت، صحوة الاحتضار الذي استمر قرابة قرن من الزمان، احتضار طويل تتخلله ارتعاشات للجسد تخالها عودة للروح، لكن الانهيار كان المصير المحتوم في نهاية المطاف.

 لقد كانت مصر في تلك الحقبة تعيش لحظات تحول وانتقال في تاريخها؛ فقد خرجت من محنة الفناء الكبير أو الموت الأسود الذي ضرب العالم القديم كله من مشرقه إلى مغربه في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وكانت البلاد تحاول أن تستعيد قواها مرة أخرى بعد أن أنهكها الوباء القاتل واستنزفها عندما حصد أرواح مئات الآلاف من البشر.
  ومن ناحية أخرى كانت الصراعات السياسية تعصف بكيان الدولة، دولة المماليك البحرية التي ظهرت إلى الوجود على أنقاض الدولة الأيوبية عقب معركة المنصورة التي انتصر فيها مماليك الصالح نجم الدين أيوب على لويس التاسع، وكان هذا الانتصار هو شهادة الميلاد للدولة الجديدة التي حملت أعباء القضاء على الوجود الصليبي في المشرق العربي، وبمجرد نجاح تلك الدولة في مهمتها التاريخية في عصر خليل بن قلاوون بدأت تفقد مبرر وجودها التاريخي، وبدأ الضعف يدب في كيانها، وبدا الأمر كما لو كان النجاح إيذانا بالنهاية، ونجح بالفعل أحد الأمراء الكبار هو برقوق بن أنص الجركسي في الاستيلاء على السلطنة وإقامة دولة جديدة هي دولة المماليك الـﭽراكسة التي تأسست في سنة 784 هجرية، ورغم أن السنوات الأولى لهذه الدولة قد شهدت دفعة قوية للبلاد على يد السلطان الجديد الظاهر برقوق، إلا أن الأمور سرعان ما عادت إلى التدهور المتسارع في عصر خلفائه ودخلت مصر في أزمة تاريخية خانقة لم تستطع منها فكاكا رغم كل المحاولات الإصلاحية التي قام بها سلاطين من أمثال شيخ وبرسباى وقايتباى خلال القرن التاسع الهجري وانتهى الأمر بسقوط مصر في براثن الاحتلال العثماني سنة 923 هجرية الموافقة لسنة 1517 ميلادية.
 وفي عصر دولة المماليك الـﭽراكسة جاءت الموجة التترية الثانية بقيادة تيمور لنك ووصلت إلى دمشق واحتلتها، ورغم تراجع تلك الموجة إلا أن دولة المماليك عانت من التراجع في مكانتها الإقليمية.
  لقد أخذت عوامل الانهيار تنخر فى جسد الدولة طوال سنوات، حتى أصبحت مصر ـ دولة ونظاما- فى أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجريين، أى ما يقابل القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، تعيش مرحلة أفول، أما هذه العوامل ـ كما رصدها المؤرخون المعاصرون لتلك الفترة ـ فهى عديدة ومتنوعة ومتشابكة فى الوقت نفسه، إذ اختلطت المظاهر بالأسباب، واختلطت الأسباب بالنتائج، فدخل المجتمع المصرى فى حلقة متوالية من التردى والتدهور المستمر.
 فعلى الصعيد الاقتصادى؛ عاش المجتمع المملوكى لسنوات طوال فى ظل أزمة اقتصادية طاحنة، ولو تتبعنا مظاهر هذه الأزمة؛ فسوف نجد المصادر التاريخية مليئة بأمثلة لها، فالحديث عن ارتفاع أسعار السلع الأساسية أو ندرتها في الأسواق أو اختفائها أساسا، وكان السبب الأساسي وراء ذلك نقص المساحة المزروعة، الذي يرجع إلى نقص السكان بسبب الأوبئة والمجاعات، وكان نقص السلع والغلاء يؤدي إلى مزيد من المجاعات التي تدفع بالبلاد إلى مزيد من التأزم وتدور الأمور في حلقة مفرغة لا فكاك منها.
 وكان الارتفاع المستمر فى أسعار السلع يؤدي إلى إنخفاض القيمة الشرائية للنقود، التي كانت قيمتها قد تراجعت أصلا بسبب انخفاض نسبة المعدن الثمين فيها.
 وقد تصدت الدولة لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية، لكنها اتبعت أساليب فاقمت من حدة هذه الأزمة بدلا من أن تؤدى إلى حلها. فقد لجأت الدولة إلى فرض ضرائب جديدة؛ أو إلى زيادة الضرائب المفروضة، الأمر الذي أدى إلى اتساع ظاهرة هجر الفلاحين للأرض، وبالتالى مزيد من النقص فى مساحة الأراضى المزروعة، والمصادر التاريخية مليئة بذكر أنواع الضرائب والمكوس والمغارم التي كانت الدولة تفرضها باستمرار فى محاولة لزيادة مواردها.
 أما الأسلوب الثاني الذي لجأت إليه الدولة فكان احتكار تجارة بعض السلع، أو قيام الدولة ـ ممثلة في السلطان- بشراء سلعة ما من السواق بسعر أقل من سعرها؛ ثم إعادة بيعها بسعر أعلى، أو فرض سلع معينة من الذخيرة السلطانية (تجارة السلطان) على التجار بسعر محدد أو بعملة محددة. وقد امتد هذا الأسلوب إلى التجار الأجانب الذين كانت الدولة تتعامل معهم، فأدت هذه السياسات في الداخل إلى مزيد من رفع الأسعار، وفي العلاقات التجارية الخارجية إلى اضطراب في علاقات مصر التجارية.
  كذلك لجأ السلاطين إلى أسلوب مصادرة الإقطاعات والعقارات والأموال. وقد زاد هذا الأسلوب من تعقيد الأزمة، حيث أدت سياسة المصادرات إلى تعسف الموظفين فى جمع الأموال بكل الطرق حتى يتمكنوا من الوفاء بما قد يطلبه منهم السلطان؛ أو يعوضوا ما يصادره، ومن ناحية أخرى؛ أدت المصادرات إلى زيادة واضحة فى الأراضى والعقارات الموقوفة، فقد كانت مصادرة الأوقاف - أو فرض الضرائب عليها- أكثر صعوبة منها على غيرها من أراض وعقارات، حتى بلغت مساحة أراضى الأوقاف فى مصر عند دخول العثمانيين ما يقرب من نصف مساحة الأراضي الزراعية، وانعكس هذا بطبيعة الحال على قدرة الدولة على منح الإقطاعات، ومن ثم فقد بدأ الانهيار يتسرب بسرعة إلى النظام العسكري المملوكي.
 ومن الأساليب التي لجأت إليها الدولة لحل المشكلة الاقتصادية غش العملة بتخفيض نسبة المعدن الثمين فيها، أو إنقاص وزنها أو عيارها؛ وفي الوقت نفسه إرغام الناس على التعامل بها بقيمة أعلى من قيمتها الحقيقية.
 وباستثناء بعض المحاولات القليلة للإصلاح النقدي الجاد- التي لم يقدر لها الاستمرار طويلا- لا نجد إلا حلولا تزيد المشاكل الاقتصادية تفاقما.
 وفي نفس الوقت؛ تراجعت الدولة عن أداء كثير من مهامها فى مجال الإنشاءات والأعمال الضرورية لخدمة الزراعة، كشق الترع والقنوات؛ وإقامة الجسور السلطانية، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الانهيار في الوضع الاقتصادي.
 لقد كانت كل سياسات تلافي الأزمة في حقيقتها سياسات منحازة؛ تخدم مصالح القمم العليا لطبقة المماليك المسيطرة على المجتمع. ومن الجدير بالملاحظة أن سياسات الدولة لحل المشكلة الاقتصادية والمالية؛ تواكبت مع زيادة إنفاق الفئات العليا فى المجتمع على الاستهلاك الترفي، وزيادة إنفاق الدولة على الأعباء العسكرية، بصورة أصبحت معها التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتصرفات المماليك شديدة الوطأة على اقتصاد البلاد، حيث أصبح المجتمع المصري قائما على تبديد فوائض إنتاجه بشكل مستمر.
 لقد انعكست الأزمة الاقتصادية على الصعيد الاجتماعى فى صورة تزايد واضح فى حدة الفوارق الطبقية في المجتمع. وقد لفتت هذه الظاهرة إنتباه مؤرخي العصر؛ فرصدوها في كتابتهم. كذلك رصد الرحالة الذين زاروا مصر هذه الظاهرة، ففي الوقت الذي يصفون فيه حياة المماليك بالبذخ الشديد ويصفون ثراء قصورهم ودورهم، فإنهم يصفون حياة العامة في المدن والفلاحين في الريف بالبؤس الشديد والفقر المدقع.
 ولعل الوثائق الخاصة شاهد أكيد على هذه الظاهرة، فما فيها من وصف لقصور ودور المماليك وكبار رجال الدولة وكبار رجال الدين؛ يعكس مدى رفاهية الحياة التي كان هؤلاء يعيشون فيها، فى مقابل آلاف من السكان يعيشون بلا مأوى.
 وعلى مستوى آخر؛ شهد العصر المملوكي الجركسي تفككا واضحا داخل إطار الطبقة العليا في المجتمع؛ فقد انهار النظام الاجتماعى للمماليك الذى كان يعتمد على ولاء المماليك لأميرهم (الأستاذية)، وارتباط المملوك بزملائه (الخشداشية) لقد تحللت هذه العلاقات بسبب السياسات الجديدة التى أتبعت فى دولة الجراكسة فى شراء المماليك، فبدلا من شراء المماليك أطفالا صغارا وتربيتهم فى الطباق، لجأ السلاطين والأمراء إلى شراء مماليك من الشباب اليافع عرفوا باسم الجلبان، وذلك فى محاولة لتعويض الأعداد التى فقدت فى الفناء الكبير، ومع انتشار هؤلاء الجلبان؛ بدأت علاقات الولاء داخل المجتمع المملوكي تتفكك وتتهرأ. كذلك، كان لاتجاه السلطان برقوق إلى الإكثار من الجراكسة وتوليتهم المناصب الأساسية فى الدولة؛ أثره البالغ فى تنمية التمايز بين المماليك من أصل جركسي والمماليك من أصول أخرى.
 وهكذا احكمت الأزمة خناقها على دولة البرين والبحرين التي صارت دولة للجباية والمصادرة.

الأربعاء، 31 مايو 2017

زمن المماليك


زمن المماليك

عماد أبو غازي

تمر هذا العام، عام 2017 الذكرى ال 500 لبداية الاحتلال العثماني لمصر، الذي بدأ في يناير 1517 بعد هزيمة السلطان طومان باي في موقعة الريدانية، وبعد أشهر قليلة من احتلال العثمانيون للشام بعد انتصارهم على السلطان قانصوه الغوري في موقعة مرج دابق، لقد أزال العثمانيون دولة المماليك من الوجود، لكنهم في الوقت نفسه استعانوا بمن بقي منهم في إدارة أمور مصر كولاية عثمانية، وسمحوا لهم بتجديد دمائهم، حتى كاد أن يصبح المماليك الحكام الفعليين لمصر مرة أخرى تحت السيطرة العثمانية في القرن الثامن عشر، وتكررت محاولاتهم للاستقلال بولاية مصر ونجحوا في ذلك لعدة سنوات في زمن علي بك الكبير، فما حكاية هذه الدولة؟ وكيف نشأت؟ ولماذا انهارت؟
من الدول المثيرة للتفكير في أمرها، دولة المماليك في مصر، تلك الدولة المليئة بالتناقضات، فهي عصر بناء وتشييد، لكنها في ذات الوقت عصر استبداد واستغلال، تقلبت فيها الأحوال بين انتصارات باهرة وهزائم ماحقة، بين ثراء ورخاء وفقر ووباء، دولة حكم فيها عبيد أرقاء رعية يفترض أنها من الأحرار.


 ينقسم تاريخ دولة المماليك إلى حقبتين أساسيتين، عصر دولة المماليك البحرية أو الأتراك، وعصر دولة المماليك البرجية أو الجراكسة؟
 نشأت دولة المماليك البحرية من قلب الدولة الأيوبية، حيث ظهر المماليك كمجموعات من الرقيق المقاتل المجلوب من خارج البلاد استجابة لتحدى الخطر الصليبى فى المشرق، وامتدادًا للنهج الذي سار عليه الخلفاء العباسيون منذ العصر العباسي الثاني، ثم ترسخ وجود هذه المجموعات المقاتلة مع الغزو المغولى للمشرق الإسلامي، فتحول المماليك إلى سادة للمجتمع، وورثوا دولة أساتذتهم الأيوبيين بنظمها ورسومها.
 لقد ظهرت دولتهم إلى الوجود على أنقاض الدولة الأيوبية عقب معركة المنصورة التي انتصر فيها مماليك الصالح نجم الدين أيوب على لويس التاسع، وكان هذا الانتصار هو شهادة الميلاد للدولة الجديدة التي حملت أعباء القضاء على الوجود الصليبي في المشرق العربي وعبء مواجهة الخطر الجديد؛ خطر الهجمة المغولية التي انطلقت من السهوب الآسيوية لتجتاح العالم القديم كله.
 وكانت الملامح الإقطاعية قد اتضحت في المجتمع الشرقي الإسلامي كله في مواجهة الأخطار الخارجية الداهمة التي أحاطت بالعالم الإسلامي، ومع سيطرة المماليك منذ النشأة الأولى لهم كان لدولتهم طبيعة عسكرية وإقطاعية، فارتبط نفوذهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالدور العسكري الذي كانوا يقومون به.
  لقد شيد المماليك دولة إقطاعية عسكرية نجحت في أداء مهمة تاريخية محددة؛ ألا وهي التصدى للأخطار الخارجية، والتي كانت المبرر التاريخي لنشأة دولتهم. ومن العجيب أن تلك الدولة الإقطاعية التي تسودها طبقة من الأرقاء المقاتلين نجحت فى تصدر المجتمع كله، وقيادته سياسيًا واجتماعيًا؛ والسيطرة على ثروته الاقتصادية.
 واحتكر المماليك القتال والأعمال العسكرية، ولم يسمحوا للمصريين بالانخراط في صفوف الجيش حتى صار الجيش المملوكي لا يضم أحدًا من خارج طبقة المماليك سوى بعض أبنائهم "أولاد الناس" وقليلًا من الأعراب، وكان حمل السلاح وركوب الخيل محرمين على غير المماليك، ولم يستثن من ذلك سوى الأعراب.
 كان الاقتصاد المصري في ذلك العصر يقوم على دعامتين أساسيتين:
 الدعامة الأولى: الزراعة التي ظلت تشكل العنصر الأساسي في الاقتصاد المصري طوال آلاف السنيين منذ سيطر الإنسان المصري الأول على نهر النيل وحول المستنقعات إلى أراضي زراعية، كانت الزراعة العمل الأساسي لأغلبية السكان، وكان القمح المحصول الرئيسي الذي تنتجه مصر، ويشكل عائد الزراعة والضرائب المفروضة عليها المصدر الأكبر لموارد الدولة، كما تشكل الأراضي الزراعية التي تمنح كإقطاعات لأمراء المماليك مصدر دخلهم ونفوذهم في نفس الوقت.
 الدعامة الثانية: تجارة المرور التي كانت تعبر الأراضي المصرية، فقد أدت الحروب التي قامت في وسط آسيا إلى تحول التجارة بين أوروﭘـا والشرق الأقصى من الطرق البرية إلى الطرق البحرية، فتأتي التوابل والبهارات وبضائع الشرق عبر المحيط الهندي وبحر العرب إلى موانئ مصر  على البحر الأحمر ثم تنقل بالطريقين البري والنهري إلى الموانئ الشمالية على البحر المتوسط (الإسكندرية ودمياط)، ومن هناك ينقلها التجار الأوروبيون ـ خاصة البنادقة ـ بسفنهم إلى موانئ أوروبا الجنوبية، وكانت سلطنة المماليك تحصل على جزء من مواردها من الرسوم التي تفرضها على تلك التجارة.
 أما على الصعيد الاجتماعي فقد عرف المجتمع تفاوتًا طبقيًا واسعًا ما بين قمته وقاعدته، كما عرف تميزات على أساس العرق والدين إلى جانب التمايزات الاقتصادية.
 كان المماليك يشكلون قمة الهرم الاجتماعي وعلى رأسهم السلطان، وداخل طبقة المماليك كان هناك تفاوتًا كبيرًا بين كبار الأمراء الذين يحملون رتبة "أمير مئة مقدم ألف" ويبلغ عددهم عادة 24 أميرًا، وصغار المماليك الذين يشكلون قاعدة هذه الطبقة الاجتماعية الغريبة في تكوينها، وبين الفئتين نجد أمراء الأربعين وأمراء العشرات، وكانت العلاقات التي تحكم المجتمع المملوكي علاقتي الأستاذية والخشداشية، الأولى علاقة ولاء تربط بين الأمير المملوكي ومماليكه الذين اشتراهم ورباهم في طباق مخصصة لسكناهم بقصره، وكان المماليك يجلبون أطفالًا صغارًا من وسط آسيا ومناطق القوقاز غالبًا، ويباعون في أسواق خاصة للرقيق، ويشتريهم الأمراء ويربونهم تربية عسكرية ودينيه ليعدونهم ليكونوا مقاتلين مسلمين عند تخرجهم من الطباق المملوكية، وبعد تخرج الأمير وتحوله إلى مقاتل، بل حتى بعد تدرجه في سلك الإمارة تظل تربطه بسيده الأول ـ أو أستاذه حسب مصطلح ذلك العصر  ـ علاقة ولاء تسمى علاقة الأستاذية، أما الخشداشية فكانت العلاقة التي تربط المملوك بزملائه الذين تربوا معه في نفس الطبقة في قصر سيدهم، وكلمة خشداشية من اللفظ الفارسي خشداش وتعني أخ أو زميل، وكانت روابط الأستاذية والخشداشية في المجتمع المملوكي أقوى من روابط الدم.
 أما أبناء المماليك فكان يطلق عليهم مصطلح "أولاد الناس"، وربما نستطيع أن نعتبرهم يشكلون الفئة التالية للمماليك في السلم الاجتماعي رغم أنهم لا ينتمون لطبقة المماليك بحال من الأحوال، وكان مصدر دخلهم الأساسي ما يحصلون عليه من "ِرِزَق" من الدولة، والرِزق أراضي كانت الدولة تمنح حق استغلالها والاستفادة من ريعها لبعض الأفراد، كما اتجه عدد من أولاد الناس إلى العمل في التجارة أو للدراسة الدينية والعمل في التدريس أو الفتوى أو القضاء، كما اشتهر عدد من أولاد الناس بالكتابة التاريخية، وكان أولاد الناس حلقة الوصل بين المماليك والمجتمع المصري، فقد كانوا يتزوجون من مصريات.
 يلي المماليك وأولادهم كبار التجار وكان لبعضهم ثروات ضخمة، لكنهم كانوا معرضين في أي وقت لصدور قرارات من الدولة بمصادرة ثرواتهم وأملاكهم بدعاوى مختلفة، وفي نفس المستوى الاجتماعي يمكن أن نصنف كبار رجال الدولة من الموظفين من أرباب الأقلام، وأرباب الأقلام مصطلح يشير إلى الموظفين المدنيين في الدولة، وكانوا عادة ذوي خلفية دراسية دينية إذا كانوا مسلمين، وكان عدد منهم مصريين مسيحيين أو يهود، وإن كان عصر المماليك قد شهد تراجعًا كبيرًا في أعداد كبار الموظفين الأقباط الذين ظلوا على دينهم، وإلى نفس المستوى الاجتماعي أيضًا ينتسب كبار القضاة والعلماء ورجال الدين.
 ثم تأتي بعد ذلك الفئات الوسطى من التجار والموظفين والعلماء، وإلى جانبهم الصناع والحرفيين، والمتعاملين مع سلطة الدولة من أهل الريف.
 وفي أسفل السلم الاجتماعي يأتي الفلاحون الذين يزرعون أرضهم ويقدمون الإسهام الأكبر في انتاج المجتمع بينما يحصلون على أقل نصيب من الثروة.
 هناك فئة اجتماعية مهمة في ذلك العصر هي العرب أو العربان كما تطلق عليهم بعض المصادر، وكانوا يعيشون على أطراف الدلتا والوادي، وهم من سلالة الفاتحين العرب وبعض القبائل العربية الأخرى التي جاءت في هجرات متوالية إلى مصر، وكانوا يعتقدون أنهم أحق بحكم مصر من المماليك، وكان هؤلاء العرب يعيشون على مساعدة الدولة في الجباية وفي قمع انتفاضات الفلاحين أحيانًا، وعلى نهب القرى وقطع الطريق أحيانًا أخرى، كما شكلوا قسمًا من احتياطي الجيش المملوكي أثناء الحروب الكبرى.
 أما سياسيًا فكان السلطان رأس الدولة، وقد حاول كثير من سلاطين المماليك خاصة في عصر دولتهم الأولى إقرار مبدأ وراثة العرش، لكن معظم محاولاتهم بأت بالفشل وانتهت إلى انقلاب الأمراء على وريث العرش والإطاحة به، وربما كانت أسرة قلاوون التي تنتسب إلى السلطان المنصور سيف الدين قلاوون أحد أهم سلاطين مصر في ذلك العصر الاستثناء الوحيد، ورغم تولي عددا من أبناء قلاوون وأحفاده عرش مصر فقد تعرض كثيرين منهم للعزل وانتهى عصرهم بزوال دولة المماليك البحرية وقيام دولة المماليك الـﭽراكسة محلها.
 وكان الدور الأكبر للإدارة السياسية للدولة في يد كبار الأمراء من العسكريين، مع مساهمة من بعض كبار الموظفيين من المدنيين وكبار الفقهاء، لكن الكلمة الحاسمة عادة كانت بيد السلطان وكبار الأمراء.
 وكانت الشرعية السياسية والدينية للدولة مستمدة من الخلافة العباسية التي قام السلطان الظاهر بيبرس بإحيائها في القاهرة بعد سقوطها في بغداد على يد المغول، فقد جلب بيبرس أحد أفراد البيت العباسي ونصبه خليفة بالقاهرة في محاولة لإضفاء الشرعية على دولة المماليك، وكان الخليفة العباسي بالقاهرة منزوع السلطات دوره الوحيد أن يصدر مرسومًا بتقليد السلطان وتفويضه بسلطات الخليفة أو الإمام.
 أما على الصعيد الأقليمي، فقد قامت السياسة الخارجية للماليك على نسج تحالفات مع عدد من الدول الإسلامية واستندت تلك التحالفات على موازين القوة في المنطقة، كما أقامت تحالفات أخرى مع بعض الدول الأوروبية خاصة المدن التجارية الإيطالية، مستندة إلى المصالح التجارية المشتركة للطرفين؛ فعندما قامت دولة المماليك البحرية أصبحت خلال سنوات القوة الأولى في منطقة المشرق العربي.


السبت، 22 أبريل 2017

المراكز الريفية: صفحة من تاريخ مصر في الأربيعنيات


صفحة من تاريخ مصر في الأربيعنيات

المراكز الريفية

تجربة إصلاحية منسية

عماد أبو غازي

وأنا بارتب مكتبتي لقيت كتيب صغير بلون العلم المصري الأخضر، عنوانه "المراكز الاجتماعية في خدمة الفلاح"، الكتيب صادر سنة 1949 من "مصلحة الفلاح" اللي كانت تبع وزارة الشؤون الاجتماعية، كان واضح إنه من المطبوعات الحكومية الدعائية، بعد الغلاف زي العادة في المطبوعات الحكومية في الوقت ده، فيه صورة للملك فاروق، مكتوب تحتها "حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم راعي الفلاح".


 ابتديت اتفرج على الكتيب لقيته بيتكلم عن تجربة في الريف المصري بدت سنة 1941 بإنشاء مراكز اجتماعية في الريف المصري، المقدمة اللي بتشرح بداية التجربة كتبها أحمد حسين اللي تولى منصب وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة الوفد الأخيرة سنة 1950، وده غير أحمد حسين مؤسس حركة مصر الفتاة اللي كان لها اتجاه فاشي، أحمد حسين باشا اللي كتب المقدمة كان من الإصلاحين أصحاب الرؤية في تطوير منظومة للعدالة الاجتماعية في الوقت ده، واستقال من حكومة الوفد في أغسطس 1951، وفيه رواية شائعة عن استقالته بتقول أنه طالب في الحكومة بفرض ضرايب على كبار الملاك علشان تنمية الريف، فواحد من أعضاء الحكومة قال له: يا باشا واضح أنك باشا أحمر، فرد عليه أحمد حسين باشا وقال له: ما فيش "أحمر" منك يا باشا، وقدم استقالته من الحكومة.

أحمد حسين باشا مع زوجته السيدة عزيزة حسين
 المهم نرجع للكتيب، المقدمة بتقول إن المراكز ابتديت سنة 41 بخمس مركز، وفي سنة 43 أضيف لها ست مراكز تانية، وبعد دراسة للتجربة استمرت لغاية سنة 46 وافقت الحكومة على تعميم التجربة في القطر المصري، ورصدت ميزانية لإنشاء ما بين 30 و40 مركز في السنة، وبالفعل في بداية سنة 49 كان فيه في قرى مصر 111 مركز بتخدم مليون وميه وخمسين ألف مواطن.



 المبادئ اللي قامت عليها المراكز كانت البساطة في الإنشاء والتكاليف، وتولي الأهالي لإدارتها بشكل ديمقراطي، وتغطية خدمتها لكل نواحي الحياة، يعني كانت بتقدم خدمات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية ورياضية وصحية، وكانت بتتعاون مع الجهات التابعة للوزارات التانية زي المجموعات الصحية والوحدات الزراعية والمدارس الريفية.
نجاح التجربة خلى المؤسسات الدولية توصي بتكرارها في البلاد الزراعية الأخرى، وبيكتب أحمد حسين في المقدمة عن إصلاحي تاني لعب دور مهم في تأسيس التجربة دي وتوفي قبل صدور الكتيب، وهو محمد مصطفى بك وكيل عام مصلحة الفلاح.
 التجربة أساسها نقل الخبرات لتطوير الريف المصري، وكانت بتقوم بشكل أساسي على 3 موظفين مقيمين في القرية مع الفلاحين، أخصائي زراعي وطبيب وحكيمة، مهمتهم توصيل أساليب الإنتاج الزراعي الحديث للفلاح، وتوصيل طرق الوقاية الطبية من الأمراض المتوطنة ونشر التعاليم الصحية بين الفلاحين، المهمة المشتركة للتلاتة كانت إقناع الفلاحين بضرورة العمل على النهوض بنفسهم وبقراهم.
 العمل في المركز الاجتماعي كان بيدار من خلال 5 لجان بيشكلها الأهالي من بينهم بشكل ديمقراطي، وهي: لجنة الاقتصاد والزراعة، ولجنة الصحة، ولجنة الثقافة، ولجنة الإحسان، ولجنة المصالحات.
 كل مركز كان بيخدم 10 آلاف نسمة في قرية واحدة أو مجموعة قرى متجاورة، رسالة المركز كانت: "رفع مستوى الفلاح الاجتماعي والاقتصادي والصحي في وقت واحد عن طريق الفلاحين أنفسهم ومساهمتهم الفعلية على أسس اجتماعية علمية سليمة يتوفر فيها البساطة وقلة التكاليف".
 فكرة المراكز بتقوم على المشاركة بين الأهالي والحكومة، الأهالي بيجمعوا من بينهم 1500 جنيه، يعني 15 قرش في المتوسط عن كل مواطن، وكل واحد بيدفع اللي يقدر عليه، يعني القادر بيشيل غير القادر، لكن ضروري تكون فيه مساهمة ولو رمزية، والهدف من ده إن الأهالي يشعروا إن المركز مركزهم؛ تكاليف تشغيل المركز الواحد كانت في حدود 2500 جنيه في السنة، يعني نصيب الفرد 25 قرش في السنة من ميزانية الحكومة.
 الأخصائي الزراعي أول ما بيوصل القرية بيلف على الأهالي في بيوتهم ويتعرف عليهم، ويكون من الأهالي جمعية المركز الاجتماعي اللي بتجتمع وتنتخب من بينها خمس لجان تتولى مسؤلية الإصلاح الريفي بالقرية، الهدف من ده تعويد الأهالي على حل مشاكلهم بنفسهم، وإشعارهم إنهم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، وعمل المركز بيعتمد على الإعانة الحكومية من ناحية واشتراكات الأهالي وتبرعاتهم من ناحية تانية.
 أول لجنة من اللجان الخمسة المنتخبة كانت لجنة الاقتصاد والزراعة، ودي بتقوم بالتعاون مع الجمعية التعاونية في القرية على رفع مستوى الإنتاج الزراعي والحيواني بالقرية، بتعميم الأساليب الحديثة في الزراعة وتربية الحيوانات والدواجن والنحل، ونشر زراعات جديدة تدر ربح على الفلاحين وتحسين سلالات الدواجن والمواشي.
 كمان لجنة الاقتصاد والزراعة بتهتم بتنمية الصناعات الريفية وتطويرها في القرية لتحسين دخل الفلاحين، وتشغيل النساء في أعمال منتجة، وتوفير فرص عمل مناسبة للمعاقين من أبناء القرية.

أما لجنة الإحسان فكانت بتقوم بحصر العائلات الفقيرة في القرية وتدبر لهم مورد رزق ثابت، ورغم إن اسمها لجنة الإحسان لكن عملها ما كانش توزيع صدقات على الغلابة، لكن توفير وسائل انتاج وفرص عمل لهم تخليهم يعتمدوا على نفسهم، وبعدين يردوا تمنها بشروط سهلة من عائد الإنتاج.
 أما لجنة الثقافة والرياضة فكانت بتنظم فصول لتعليم الأميين والأميات من أهل القرية مبادئ القراءة والكتابة والحساب والدين والمعلومات العامة بالتعاون مع وزارة المعارف، وكانت اللجان الثقافية بتستخدم السينما الثقافية في توصيل الإرشادات للأهالي، وكانت بتستعين بنشاط المسرح الشعبي والسينما المتنقلة، وجزء من نشاط اللجنة كان تنظيم رحلات وزيارات للأماكن الأثرية والتاريخية والعلمية. كمان كل مركز كان فيه مكتبة عامة.




 أما النشاط الرياضي فكان بإنشاء الأندية الريفية في القرى، وتشجيع الأهالي على ممارسة النشاط الرياضي، وكمان كانوا بياخدوا الأطفال من القرية في معسكرات صيفية في إسكندرية يصيفوا ويتفسحوا ويعملوا رياضة. جزء من النشاط الرياضي كان النشاط الكشفي، اللجنة الثقافية الرياضية كانت بتعمل فرق زهرات للبنات وفرق أشبال للأولاد.




 لجنة المصالحات بتتشكل من رؤساء العائلات علشان تفض المنازعات اللي بتحصل بين اأهالي بشكل ودي.


اللجنة الأخيرة كانت لجنة الصحة والنظافة، وهدفها إيجاد بيئة صحية بالقرية تحت إشراف الطبيب والحكيمة، بتهتم بتوفير مياه شرب نقية، ونشر الوعي بأهمية النظافة الشخصية بإيجاد الحمامات والمغاسل، وتنظيف الطرق في القرية وردم البرك وتعفير البيوت.


 ده غير خدمات العيادة الطبية اللي في المركز واللي بتشمل التطعيمات وعلاج الأمراض الباطنية والجلدية والرمد، وصرف الأدوية المجانية، وعمل الإسعافات الأولية للمصابين في الحوادث، ده غير المتابعة الصحية للحوامل والأمهات حديثي الولادة، وتوعيتهم بالقواعد الصحية، والمراكز دي لعبت دور مهم في حصار وباء الكوليرا سنة 1947.



 أهم حاجة في التجربة دي إنها كانت بتقوم على توعية الناس وتمكينهم من تحسين أحوالهم وإدارة أمرهم بنفسهم بشكل ديمقراطي...

الخميس، 13 أبريل 2017

السلطان الشهيد على باب زويله

زي النهار ده من 500 سنة اتشنق طومان باي أخر سلاطين مصر على باب زويلة
السلطان الشهيد على باب زويلة
عماد أبو غازي
 "على باب زويلة" عنوان لرواية للروائي الراحل سعيد العريان، تناول فيها أحداث سقوط دولة المماليك وشنق أخر سلاطينهم الأشرف طومان باي، وباب زويلة كان أحد الأبواب الرئيسية لمدينة القاهرة التي شيدها الفاطميون في منتصف القرن العاشر الميلادي لتكون دارًا لحكمهم، وباب زويلة الباب الجنوبي الكبير للمدينة، الذي كان المدخل الرئيسي لسكان الفسطاط والمناطق السكنية التي امتدت إلى الجنوب من القاهرة بينها وبين العاصمة القديمة للبلاد، وقد اتخذ الباب موقعا لشنق المجرمين والمعارضين للدولة وتعليق جثثهم.

باب زويلة
 وعندما وقع السلطان طومان باي في يد عدو البلاد وعدوه سليم الأول العثماني بعد ثلاثة أشهر من الهروب والمقاومة، وقرر سليم إعدامه، تم تنفيذ الحكم عند باب زويلة، وكانت المرة الأولى والأخيرة التي يعدم فيها سلطان البلاد ويعلق على باب زويلة.

شنق طومان باي من مخطوطة تركية
 وقد احتل طومان باي مكانة كبيرة في وجدان الناس في مصر، واستمرت تلك المكانة لأجيال عدة بعد استشهاده، أو إعدامه على باب زويلة، فقد ظل الناس يقرأون الفاتحة عند مرورهم تحت باب زويلة في الموقع الذي شنق فيه طومان باي حتى سنوات قليلة مضت ترحمًا على الرجل، وكانوا يشيرون إلى بقايا حبل في الخطاف الموجود بسقف الممر الذي يتوسط الباب باعتباره الحبل الذي شنق به طومان باي.
 لقد نفذ الغزاة العثمانيون حكم الإعدام في طومان باي في يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة 923 هجرية، الموافق للثالث عشر من إبريل سنة 1517 ميلادية، ففي ذلك اليوم تحرك موكب الأشرف طومان باي للمرة الأخيرة من معسكر سليم العثماني في بر إمبابة عابرا إلى بولاق مخترقا القاهرة إلى باب زويلة حيث شنق هناك وسط صراخ الناس وعويلهم، ويصف مؤرخو القرن العاشر الهجري في مصر اليوم والمشهد بألفاظ تنم عن حالة الحزن.
صورة متخيلة لموكب طومان باي لرحالة أوروبي ق 16 
 فيقول ابن زنبل الرمال: "وكان ذلك اليوم على أهل المملكة أشأم الأيام، وبكت عليه الأرامل والأيتام"، أما المؤرخ محمد بن أحمد بين إياس المصري فيقول: "فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف، فإنه كان شابًا حسن الشكل سنه نحو أربع وأربعين سنة، وكان شجاعًا بطلًا تصدى لقتال ابن عثمان وثبت وقت الحرب وحده بنفسه، وفتك في عسكر ابن عثمان وقتل منهم ما لا يحصى، وكسرهم ثلاث مرات في نفر قليل من عسكره، ووقع منه في الحرب أمور لا تقع إلا من الأبطال... وقد مضت أخباره كأنه لم يكن". قال في رثائه أبياتا منها:
لهفي على سلطان مصر كيف قد     ولى وزال كأنه لن يذكرا
شنقوه ظلما فوق باب زويلة      ولقد أذاقوه الوبال الأكبرا
يا رب فاصفح عن عظائم جرمه    واجعل جنات النعيم له قرا
 لقد تولى طومان باي عرش السلطنة عقب التأكد من مصرع عمه السلطان قانصوه الغوري في مرج دابق، وكان العصر يحمل كل ملامح النهاية: انهيار للأوضاع الاقتصادية، ترتب عليه اضطراب اجتماعي، صراع سياسي بين الأمراء، ضعف عسكري واضح، وأخيرا عدو خارجي متربص بالبلاد، وفي ضوء هذا الإطار التاريخي نستطيع أن نتفهم المصاعب التي تواجه أميرًا يتولى زمام الأمور في عصر مضطرب، يرث فيه جيشا مهزوما، ووضعا داخليا منهارا بينما عدو زاحف يدق الأبواب.
 ورغم صعوبة الظروف فإن الصورة التي رسمتها المصادر التاريخية المعاصرة لطومان باي عندما تتحدث عنه أميرًا، ثم سلطانًا حاكمًا، ثم سلطانًا مخلوعًا يقاوم العثمانيين تكشف عن ملامح شخصية متميزة ومختلفة تمامًا عن غيرها من أمراء ذلك العصر وسلاطينه، فالصورة التي أمامنا صورة لشخصية محببة إلى قلوب الشعب قريبة منه إلى حد بعيد، بل وملتحمة معه في اللحظات الحرجة، كما حدث عندما استعان طومان باي بالمصريين في مواجهة العثمانيين بعد أن دخلوا القاهرة ونجح في استردادها منهم بعدة أيام.
 وقد ساعدت مقاومة طومان باي الباسلة للعثمانيين والنهاية المأساوية لهذه الشخصية في حفر صورة مضيئة لطومان باي في الوجدان الشعبي المصري باعتباره واحدا من الأبطال القوميين في تاريخنا رغم أنه جركسي الأصل.
 لقد أصبحت وقائع الغزو العثماني لمصر ـ التي سجلها الشيخ أحمد ابن زنبل الرمال وأبرز فيها دور طومان باي في التصدي لهذا الغزو، ومعاركه ضد سليم الأول وجيوشه، ثم وقوعه في الأسر وشنقه ـ واحدة من السير التي تروي في مقاهي القاهرة في العصر العثماني، كما أن روايات الرحالة الأوروبيين لواقعة أسر طومان باي وشنقه، التي استمرت تتردد في مدوناتهم عن رحلاتهم إلى مصر طوال أكثر من مائة عام تالية للغزو العثماني للبلاد، تكشف عن المكانة التي احتلها طومان باي في وجدان الشعب المصري، فلا شك في أن مصدر هذه الروايات هم المصريون الذين التقى بهم هؤلاء الرحالة.
 وإذا كانت تلك الروايات قد امتلأت بالمبالغات عن بطولات طومان باي وشجاعته وصلابته في مواجهة تعذيب تعرض له لانتزاع الاعترافات منه عن أماكن وجود كنوزه، فإن هذه المبالغات التي ولدها الخيال الشعبي تعكس مقدار الإعزاز الذي كان المصريون يحملونه لطومان باي.
 وحسب ما تذكره المصادر العربية فإن إعدام طومان باي أحدث صدىً واسعَا بين المصريين الذين حزنوا عليه حزنًا شديدًا، فقد ظل لعدة شهور بعد الغزو العثماني لمصر يمثل أمل المصريين في التخلص من هذا الاحتلال الجديد، وبإعدامه خبا هذا الأمل.
 وقد كان حزن الناس على طومان باي أمرًا مفهومًا، فقد كان حسب معاصريه أميرًا وسلطانًا "لين الجانب قليل الأذى كثير الخير غير متكبر ولا متجبر، كما كان دينًا صالحًا خيرًا فاضلًا زائد الأدب والسكون والخشوع والخضوع..."، كما تشير تلك المصادر إلى أنه كان زاهدًا في جمع المال بخلاف غيره من أمراء العصر وسلاطينه.
 إلا أن دعته وهدوءه لم يمنعاه من أن يكون محاربًا شجاعًا مقدامًا خبيرًا بالحرب، وقد بدت مهارته الحربية في معاركه التي تصدى فيها لسليم الأول بدءًا من الريدانية وانتهاء بمعركة الجيزة عبر ما يقارب الأشهر الثلاثة، وقد أذهلت شجاعته وقدراته الحربية معاصريه حتى الأعداء منهم، وقد سجل طومان باي بنفسه ـ وفقا لرواية ابن زنبل الرمال ـ ملحمته وحربه مع سليم وذلك بعد هزيمته الأخيرة في موقعة الجيزة من خلال قصيدة طويلة أنشدها أمام الأهرام لأحد أمراء جيشه الذين صمدوا معه حتى النهاية وهو الأمير قيت الرجبي، وعلقها على الهرم مثلما كانت المعلقات تعلق على أستار الكعبة، وقال في مطلعها:
دموع العين فاضت من مآق
وقلبي ذاب من كثر احتراق
فلا ناري طفاها دمع عيني
ولا دمعي يفيض من اختناق
وشمس السعد في شرق المعالي
وبدر الضد في درج المحاق
فلما أن أراد الله هذا
أتانا الروم من جهة العراق
وسلطان الجميع سليم شاه
عظيم الملتقى مر المذاق
وكان الماجد الغوري منا
مليكا شبه بحر في اندفاق
وكان الحرب يوم الحد لكن
تولى جيشنا والحرب باق
وسلطان لنا أضحى قتيلا
طريحا والدماء لفي انهراق
وكان الخائن الكلب الغزالي
وخاير بك مبوطن في النفاق
هما أصل الهزيمة عن حقيق
لدى حلب كخيل في سباق
وساروا بعدها سيرا حثيثا
لغزة ثم مصر في لحاقي
ولما استجمعوا في مصر قالوا
نسلطن أيكم والضد باق
وجاءتنا رجال الروم مصرا
وقد حازوا البلاد مع الآفاق
وأخرجت الجموع لنلتقيهم
وكان الشر يوم الحرب راقي
وفي خط المدافع قام قومي
وزادوا في الخصام وفي الشقاق
وقد جاءت علينا الروم حقا
كبحر هائج في الاندفاق
قتلنا من ملوكهم ثلاثا
وأسقيناهم كأس الرهاق
ولما قد رأوا ذا العقل مني
أتونا كالجبال بانطباق
وأسقيناهم كأس المنايا
فخروا للذي مذ كنت ساقي
ولما أن رأيت الحرب دارت
علي ولم تتابعني رفاقي
فوليت الجواد لنحو مصر
وأيقنت الفناء والله باق
ثلاثة أيام كان القتل فيهم
وفينا والعساكر في محاق
وبعد الظهر جاءتنا جيوش
عداد الرمل جمعا في انطباق
وزلزلت البلاد بهم إلى أن
حسبت الحشر قام مع التلاقي
فقلت لرفقتي خلوا وفلوا
وولينا جميعا بافتراق
وعدنا عن قتال الروم قهرا
لقينا قيث رجبى من بلاق
وعلقنا على الأهرام شعرا
كنظم الدر في حسن السياق
لمن يقرأه معبرا ليدري
بأن الله بعد الخلق باق
وتجزي كل نفس يوم عرض
بما فعلته في يوم التلاقي
 ولم يكن حب الناس لطومان باي مرتبطًا بتوليه للسلطنة ومقاومته للعثمانيين، فمنذ كان أميرًا دوادارًا كبيرًا في عصر عمه السلطان الغوري كان محببًا لعامة الناس لاختلافه عن غيره من الأمراء، هذا وقد أمتد الإعجاب بطومان باي إلى الأوروبيين المعاصرين فبعد أكثر من مائة عام على شنقه نجد صورة هذا المشهد حاضرة في كتابات الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر، وقد دفع هذا الإعجاب مؤرخًا إيطاليا معاصرًا لطومان باي هو باولو جيوفو إلى وضع طومان باي ضمن الشخصيات التاريخية الكبرى في العالم، وإلى إفراد قسم من تاريخه لطومان باي.
طومان كما تخيله باولو جيوفو
 لكن هل هذه الصورة المثالية التي رسمها المؤرخون والرحالة لطومان باي دقيقة تمامًا؟
 لقد كان طومان باي أميرًا ثم سلطانًا محبوبًا من الناس وذلك كما تذكر المصادر لقلة الأذى والضرر الذي كان يسببه للعامة إلا أن مناقبه ينبغي ألا تدفعنا إلى رسم صورة مثالية خيالية له، فمحاسنه تلك تقاس إلى أمراء عصره وسلاطينه وما كانوا يرتكبونه من مظالم فادحه بحق الرعايا، أم هو فكانت مظالمه قليلة ومحدودة، كما أن تصويره بصورة الزاهد الفقير أمر مبالغ فيه، فقد كانت له ثروة ضخمه وقفها على نفسه وعلى ذريته من بعده أثناء حياته، ووقف جزء منها على بعض المساجد والأعمال الخيرية، خاصة تلك المساجد التي شيدها عمه السلطان الغوري، لكن الشعوب تصنع لأبطالها الصورة التي تحبها بغض النظر عن الحقيقة التاريخية.
عموما لقد استشهد طومان باي في مثل هذا اليوم من خمسمئة سنة في 13 أبريل سنة 1517 لكنه ظل حيًا في وجدان المصريين لسنوات وسنوات تشهد على ذلك المعتقدات التي نسجها خيال الشعب حول باب زويلة والمنطقة المحيطة به حيث شنق طومان باي.


الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...