السبت، 19 نوفمبر 2016

(5)

مناضلون على طريق الحرية

عماد أبو غازي

  لقد نجح صدقي في تشكيل برلمانه المزور على حساب مئة شهيد مصري ومئة وخمسة وسبعون جريحًا من بين عشرات الآلاف الذين خرجوا إلى الشوارع ليتصدوا للتزوير، وجاء البرلمان ليقر بعد عام واحد من تشكيله اتفاقية التنازل عن واحة جعبوب في الصحراء الغربية لإيطاليا التي كانت تحتل ليبيا وقتها، وهي الاتفاقية التي وقعها زيور باشا سنة 1925 ورفضت جميع البرلمانات على مدى 7 سنوات التصديق عليها، كما شدد العقوبة في قضايا النشر، وبدأت سنوات من اضطهاد الوطنيين وأنصار الديمقراطية في مصر والتنكيل بهم ما بين سجن واعتقال وإبعاد عن الوظائف وملاحقة في لقمة العيش.
 كان على المصريين أن يتخذوا القرار، إما الرضوخ لفؤاد وصدقي وتسليم أنفسهم للطغاة، أو المواجهة والدفاع عن حريتهم.
 كان القرار واضحًا النضال من أجل استعادة دستور الأمة، وبالفعل نجح المصريون بعد خمس سنوات من الكفاح في تحقيق هدفهم، لكن لم يستعد المصريون دستورهم ومعه حريتهم "بالساهل"، كان الطريق طويلًا وشاقًا، وكان المصريون قادرون على دفع الثمن ومستعدون لتحمله، كان الثمن غاليًا لكن الحرية كانت أغلى عند المصريين، لقد اشتركت النخبة في دفع الثمن قبل الجماهير، وقادت حركتها، لم يقبع زعماء الأمة في بيوتهم أو قصورهم، بل خرجوا إلى الشوارع وطافوا المدن والقرى والنجوع يدعون الشعب للتصدي للاستبداد، بات النحاس باشا على أرصفة محطات القطارات، وتصدى بصدر مفتوح لرصاص بوليس صدقي وجيشه، وتعرض لأكثر من محاولة لاغتياله، لكنه لم يتراجع.


 كذلك تصدى قادة الرأي والفكر للملك ورئيس حكومته صدقي وخاضوا معاركهم من أجل الحرية وإسقاط دولة الاستبداد والطغيان، وتعرض غير واحد منهم للسجن والفصل والتشريد والملاحقة والنقل من العمل.
 فنشر توفيق الحكيم روايته عودة الروح سنة 1933 في ظل الانقلاب الدستوري، ورغم أن العمل الروائي من عنوانه حتى أخر صفحة فيه يضع نصب عينيه الثورة المصرية ثورة 1919، وقضية نضال الشعب المصري، إلا أن حدث الثورة لا يظهر إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية، ليؤكد من خلاله الحكيم على فكرته عن هذا الشعب الذي يبدو ساكنًا لكنه يهب مرة واحدة من سكونه محملًا بتراث حضارته الضاربة في أعماق التاريخ، الفكرة التي صاغها على لسان أحد شخوص روايته، عالم الآثار الفرنسي:
 "بلد أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى... أو معجزات! بلد يزعمون أنها ميتة منذ قرون ولا يرون قلبها العظيم بارزًا نحو السماء من بين رمال الجيزة! لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش الأبد...!"

توفيق الحكيم
 لقد استحضر الحكيم أحداث ثورة 1919 ليبعث من خلالها الأمل في ثورة جديدة تطيح بالانقلاب الدستوري.
 وكتب العقاد سلسلة من المقالات هاجم فيه الملك هجومًا شديدًا، ومما قاله فيها:

 "فليعلم المصريون جميعًا أن مصيبة الرجعية على هذا البلد أكبر من مصيبة الاحتلال، وإنها هي التي مهدت له واستعانت به، وأوقعت البلاد في البلاء الذي يعانيه، فلولا كراهة الدستور القديمة في نفوس هؤلاء الرجعيين، ولولا التكبر عن الاعتراف للفلاحين العبيد بالحرية والحكومة العصرية، لما حدثت في مصر تلك الأحداث التي نعاني من جرائرها إلى اليوم... فالرجعية هي السوس الناخر في أبدان الأمة من قديم الزمن، والرجعية هي أصل المصاب وسبب الاحتلال، وهي العدو الأكبر الذي يجب أن يبرز على حقيقته ليكون الجميع على بينه من أمره."

العقاد

وواضح طبعًا أن العقاد كان يقصد بحديثه عن الرجعية الملك وأسلافه من أسرة محمد علي، وعلى وجه الخصوص الخديوي توفيق، وكان رد الحكومة القبض على العقاد وإحالته هو وصاحب امتياز جريدة المؤيد التي نشرت مقالته للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، وصدر الحكم بحبس صاحب الامتياز 6 أشهر وحبس العقاد تسعة أشهر، ويوم خروجه من السجن توجه إلى ضريح سعد زغلول قبل أن يذهب إلى بيته وألقى قصيدته الشهيرة التي تعهد فيها بمواصلة النضال من أجل الدستور، ومما قاله فيها:

كنت جنين السجن تسعة أشهر      وها أنا ذا في ساحة الخلد أولد
ففي كل يوم يولد المرء ذو الحجا      وفي كل يوم ذو الجهالة يلحد
وما أقعدت لي ظلمة السجن عزمة   فما كل ليل حين يغشاك مرقد
وما غيبتني ظلمة السجن عن سنا   من الرأي يتلو فرقدًا منه فرقد
عداتي وصحبي لا اختلافٌ عليهما     سيعهدني كلٌ كما كان يعهد

أما شاعر النيل حافظ إبراهيم فقد دخل الميدان بقصائده التي قال في واحدة منها هاجيًا صدقي وعهده:

قد مر عام يا سعاد وعام                وابن الكنانة في حماه يضام
صبوا البلاء على العباد فنصفهم       يجبي البلاد ونصفهم حكــام
أشكو إلى قصر الدوبارة ما جنى      صدقي الوزير وما جبى علام

حافظ إبراهيم

ويختمها بقوله موجها الحديث لصدقي:

ودعا عليك اللهَ في محرابه            الشيخ والقسيس والحاخام
لا هم أحي ضميره ليذوقها            غصصًا وتنسف نفسها الآلام

وإذا كان العقاد قد سجن فإن حافظ إبراهيم قد فصل من عمله في دار الكتب.
  وفي ظل الانقلاب الدستوري وقعت أول أزمة سياسية في الجامعة المصرية، وكان الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب حينذاك ضحيتها، فقد كانت للرجل مواقفه المؤيدة للديمقراطية والمعادية للديكتاتورية، وكان يحترم القيم الجامعية ولا يتهاون فيها، وعندما رفض الأوامر الحكومية بمنح الدكتوراه الفخرية لمن لا يستحقها، كان رد الحكومة عزله من عمادة كلية الآداب ونقله بعيدًا عن الجامعة ليعمل موظفًا بوزارة المعارف.




 لكن لأن قيم الليبرالية كانت راسخة جاء رد الفعل قويًا، لقد استقال مدير الجامعة أحمد لطفي السيد باشا من منصبه احتجاجًا على تجاوز الحكومة لحدودها وتعديها على استقلال الجامعة، وكانت هذه الاستقالة يوم 9 مارس سنة 1932، اليوم الذي أضحى في أيامنا هذه اسمًا لحركة أساتذة الجامعات من أجل استقلال الجامعة تخليدًا لمفكر حر اتخذ موقفًا في مواجهة الطغيان دفاعًا عن استقلال الجامعة.

أحمد لطفي السيد
 ومن ناحيتهم قرر المثقفون تنصيب طه حسين عميدًا للأدب العربي ردًا على عزل الحكومة له من عمادة كلية الآداب، ولم تمض سنوات قليلة إلا وكانت الحركة الوطنية قد نجحت في إسقاط حكومة صدقي ومن بعدها دستوره، وعاد دستور 23، وعاد طه حسين إلى الجامعة محمولًا على الأعناق.
 ولم تسلم الفنون الجميلة من تعسف صدقي ورجاله، وكان العدوان على الحرية هذه المرة موجها لتمثالي مختار لزعيم الأمة سعد زغلول؛ ولهذا حديث آخر.

*****

الجمعة، 18 نوفمبر 2016

(4)

طريق الحرية

عماد أبو غازي



 بدأ النضال الدستوري في تاريخنا الحديث بداية مبكرة، مع الانتفاضة  الشعبية التي انطلقت في يوليو 1795، قامت تلك الانتفاضة ضد مراد بك وإبراهيم بك وأرغمتهما على توقيع وثيقة رسمية يلتزمان فيها بعدم فرض ضرائب جديدة إلا بعد موافقة المشايخ والقضاة كممثلين للناس، واعتبر الدكتور لويس عوض أن تلك الوثيقة في التاريخ المصري تقابل الماجنا كارتا أو العهد الدستوري الأعظم في التاريخ الإنجليزي، ومنذ ذلك الحين صارت قضية حق المشاركة والنضال من أجل دستور بجعل الأمة مصدر السلطات محورًا أساسيًا لنضال الشعب، وقد تكلل هذا النضال بصدور دستور 1923، ومن هنا فقد كان من المحال أن يرضخ الشعب لانقلاب فؤاد وصدقي على الدستور.
 لقد بدأت معارضة الانقلاب الدستوري الأخطر والأشد ضراوة في تاريخ مصر في الحقبة الليبرالية قبل أن يصدر مرسوم الملك بإلغاء دستور 23 وإعلان دستور 30، وكان أول من دخل ساحة المعركة عدلي باشا يكن رئيس مجلس الشيوخ، وكان وقتها في أوروبا وبلغته أنباء الانقلاب قبلها بأيام، فأرسل من هناك استقالته من رئاسة مجلس الشيوخ احتجاجًا على اعتداءات الوزارة المتكررة على الدستور وحتى لا يكون شريكًا في المؤامرة الكبرى التي يعد لها الملك فؤاد وتابعه إسماعيل باشا صدقي، الذي تنقل في الولاء من حزب إلى حزب، وانتهى به الحال رجلًا للملك فؤاد، بل ولكل ملك.
 وبعد ساعات من صدور دستور 1930 بدأ الوفد في قيادة الحركة الشعبية للاحتجاج على إلغاء دستور 23، من خلال البيانات والمؤتمرات السياسية والمقالات الصحفية. وانضم الحزب الوطني للمعارضة ببيان عاجل أصدرته لجنته الإدارية بعد 48 ساعة اعتبرت فيه أن ما حدث اعتداء صارخ على الدستور.
 وسرعان ما انضم حزب الأحرار الدستوريين الذي كان صدقي ينتمي إليه عندما كلفه الملك بتشكيل الحكومة إلى المعارضين، ويقول محمد حسين هيكل باشا أبرز زعماء حزب الأحرار ومفكريه في ذلك الوقت:
 "كنا مقتنعين تمام الاقتناع بأن الدافع الحقيقي لتعديل الدستور لم يكن فكرة إصلاح بقدر ما كان فكرة تغليب السلطة التنفيذية على حقوق الشعب وممثليه في البرلمان".
 أما محمد علي علوبة القيادي في الحزب فقال:
 "إن تعديل الدستور له قواعد منصوص عليها فيه، والجرأة على تعديله على النحو الذي حدث يجعله دون القوانين احترامًا، بل يجعله أقل احترامًا من لائحة الترع والجسور وأمثالها من اللوائح".
 وفي مطلع نوفمبر 1930 اتفق الوفد والأحرار الدستوريين على مقاطعة أي انتخابات تجرى على أساس دستور 30 وقانونه الانتخابي، وشكل الحزبان لجنة للتنسيق بينهما في المقاطعة، كما استقال عدد من العمد ومشايخ القرى حتى لا يشاركوا في تزوير إرادة الأمة، وبدأت موجة الاستقالات باستقالة 250 من العمد والمشايخ ثم اتسعت الحركة وتضاعف العدد رغم تحويل الحكومة العمد والمشايخ المستقيلين إلى مجالس تأديبية وتغريمهم بمبالغ مالية كبيرة وملاحقتهم والقبض عليهم كما يقبض على المجرمين، لكن ضمائرهم الحية كانت أقوى من إغراءات المنصب ومن بطش السلطة.
 وفي مارس 1931 تشكل ائتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين صدر عنه ميثاق قومي تعاهد  فيه طرفيه على مقاطعة الانتخابات والنضال لإعادة دستور 23 والحياة البرلمانية السليمة على أساس منه، وبدأ زعماء الحزبين حركة واسعة لزيارة أقاليم مصر والدعوة بين الجماهير لرفض دستور 30 وقانون الانتخابات الجديد والعمل على إسقاطهما وإعادة دستور 23، ولم يأبه زعماء الأحزاب بقمع السلطة ولا بطشها، ولا باستعانتها بالجيش لفض مؤتمرات المعارضة بالقوة، ولم يتوقف قادة الأمة عن مسعاهم حتى بعد أن وصل بطش حكومة صدقي إلى حد محاولة قتل النحاس باشا طعنًا بسونكي بندقية أحد الجنود وهي المحاولة التي فشلت بسبب حماية سنيوت حنا عضو الوفد للنحاس باشا بجسده وتلقيه الطعنة عوضًا عنه.
 وتصعيدًا للمواجهة قرر الوفد والأحرار عقد مؤتمرًا وطنيًا عامًا في 8 مايو 1931، وعندما منعت الحكومة انعقاده بالقوة بدأت حملة لجمع التوقيعات على بيان المؤتمر الوطني، وكان في مقدمة الموقعين مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد ومحمد محمود باشا رئيس الأحرار الدستوريين وعدلي باشا يكن رئيس مجلس الشيوخ المستقيل والشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر السابق وويصا واصف رئيس مجلس النواب المنحل، ووقع على البيان إلى جانب قادة الحزبين عددًا من الوزراء والسفراء والضباط السابقين، كما انضم إلى التوقيع على البيان مجموعة من أفراد الأسرة المالكة وهم الأمراء والنبلاء عمر طوسون ومحمد علي وعمرو إبراهيم وسعيد داود ومحمد علي حليم وإبراهيم حليم.
 رغم اتساع المعارضة وانضمام بعض رجال السرايا الذين شاركوا فؤاد من قبل في انقلاباته الدستورية إليها مثل زيوار باشا الذي وقع على البيان وجاء اسمه في مقدمة الموقعين، فإن حلف صدقي وفؤاد استمر في خطته، وتمت الانتخابات في يونيو 1931، تمت على أساس دستور الملك وقانون الانتخابات الذي سلب الشعب إرادته وحقوقه.
 وليس هناك أفضل من وصف عبد الرحمن الرافعي لتلك الانتخابات، وقد اخترت الرافعي تحديدا لأنه ينتمي إلى الحزب الوطني الذي لم يقاطع تلك المهزلة، فشهادته إذنً ليست مجرحة، قال الرافعي:
 "قاطعت الأمة هذه الانتخابات مقاطعة تامة، أشبهت في روعتها واتساع مداها مقاطعة الأمة للجنة ملنر سنة 1919، بل إن تضحيات البلاد من القتلى والجرحى في هذه الانتخابات كانت أعظم وأكبر من تضحياتها في مقاطعة لجنة ملنر، وقد عمدت الحكومة إلى تزوير عملية الانتخابات، فأوعزت إلى لجان الانتخاب أن تزور محاضرها، بحيث تثبت فيها حضور الناخبين كذبًا وزورًا، وبذلك تمت هذه المهزلة بل هذه المأساة الانتخابية وكانت سابقة خطيرة اتبعتها الإدارة كلما أرادت الحكومة اصطناع برلمان صوري".
 وقد قدم الوفد بلاغًا إلى النائب العام مدعمًا بالوثائق يفضح وقائع التزوير والقمع، إلا إن النائب العام لم يكترث لهذا البلاغ الخطير، رغم أن شهداء تلك الانتخابات تجاوزوا مئة شهيد، لكنهم لم يكونوا أخر الشهداء على طريق الحرية.

*****

الخميس، 17 نوفمبر 2016

(3)

المستبدون في الأرض
عماد أبو غازي

  لقد جاء الدستور الجديد مرسخًا للاستبداد وسالبًا من الأمة مكتسباتها التي حققتها بعد نضال طويل بدأ منذ عام 1795، ولعل أسوأ ما كان في ذلك الدستور، دستور فؤاد وصدقي، إنه عاد بمصر إلى الوراء كثيرًا عندما جعل الدستور منحة من الملك لا عقدًا بين الأمة والملك، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل كانت نصوص الدستور نفسها نكوصًا وتراجعًا عما حققه المصريون في دستور 1923.


 ويرصد المؤرخون الذين أرخوا لتلك الحقبة وفي مقدمتهم: عبد الرحمن الرافعي الذي كان معاصرًا للأحداث، والدكتور عبد العظيم رمضان والدكتور محمد ضياء الدين الريس، مثالب ذلك الدستور في عدة نقاط، أولها أنه قيد المسئولية الوزارية، أي حق مجلس النواب في طرح الثقة بالحكومة وجعل ممارسة هذا الحق الذي يعد أساس أي نظام برلماني سليم أمرًا مستحيلًا، وقد اقتبست كل الدساتير التي وضعت بعد يوليو 1952 هذا المنطق من إسماعيل باشا صدقي، ذلك المنطق الذي حول المجالس النيابية إلى مجالس منزوعة القوة عاجزة عن مسألة السلطة التنفيذية أو محاسبتها.
 وثانيها أن سلطة الملك في حل البرلمان لم تعد مقيدة بتحديد موعد لإجراء الانتخابات الجديدة يتضمنه قرار الحل، كما لم يعد واجبًا على الملك دعوة البرلمان لدورة انعقاد طارئ متى طلب ذلك أغلبية الأعضاء مثلما كان عليه الحال في دستور 23، بل ترك الأمر كله لتقدير الملك، كما أنه جعل أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ معينين بعد أن كانت أغلبيتهم من المنتخبين، مما أضعف سلطة البرلمان.
 وثالثها أنه وسع من حقوق السلطة التنفيذية ومنحها حق التشريع طوال فترة غياب البرلمان والتي تمتد لسبعة أشهر، كما قيد من سلطات البرلمان في مراقبة الميزانية ومنح الحكومة حق تعديلها دون الرجوع إلى البرلمان، بل حرم البرلمان من حق اقتراح القوانين المالية وقصر هذا الحق على الملك وحده، كما جعل للملك حق إهمال أي قانون يقره البرلمان؛ واعتبر الدستور الجديد أن عدم تصديق الملك على القانون لمدة شهرين يعتبر رفضًا له، ولا يجوز للبرلمان النظر فيه مرة أخرى إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلسين، وأعطى كذلك للملك وحده حق تعيين شيخ الأزهر والرؤساء الدينيين في مصر، بعد أن كان هذا حقًا للحكومة الحائزة على ثقة البرلمان المنتخب، أي حق من حقوق الأمة من خلال ممثليها.
 أما أخطر التجاوزات في دستور صدقي فقد كانت تقنينه للتعدي على الحريات العامة، عندما "دستر" تعطيل الصحف بقرار من محكمة الاستئناف، في جلسة سرية!
 وحتى هذا النص الشاذ لم يلتزم به صدقي، فقد لجأ إلى تعطيل الصحف بالطرق الإدارية منذ بداية عهده وطواله، ففي يوليو 1930 وعقب مظاهرات الإسكندرية التي سقط فيها 20 شهيدًا، أغلقت الحكومة صحف كوكب الشرق والبلاغ واليوم إغلاقًا نهائيًا، مع قرار مسبق بتعطيل أي صحيفة جديدة تكون غطاء لواحدة من تلك الصحف المعطلة. وكانت تلك الصحف الثلاثة من صحف الوفد، لكن انتهاك الحريات طال بعد ذلك صحف حزب الأحرار الدستوريين عندما انضم الحزب بقوة إلى الوفد في معارضة دستور 30، فعطلت الحكومة جريدة السياسة لسان حال الأحرار، كما عطلت أيضًا المؤيد الجديد وصدى الشرق والأحرار الدستوريين، وغيرها من الصحف.
 واستكمالًا لمقومات الاستبداد حل الملك جميع مجالس المديريات، وأصدرت حكومة صدقي قانونًا جديدًا للانتخابات ملحقًا بالدستور، ألغى مبدأ الانتخاب المباشر، وجعل الانتخابات على مرحلتين، في الأولى يختار الناخبون مجمع انتخابي، ثم يقوم أعضاء هذا المجمع بانتخاب البرلمان نيابة عن الناخبين، كما رفع القانون سن الناخب إلى 25 سنة، واشترط في عضو المجمع الانتخابي شروطًا مالية وتعليمية استبعد به معظم المواطنين، كما حرم جميع المشتغلين بالمهن الحرة من محامين وأطباء وصحفيين ومهندسين من خارج القاهرة حق ترشيح أنفسهم لعضوية البرلمان!
 وفي فبراير 1931 عدلت الحكومة قانون العقوبات لتستحدث نصوصًا تعاقب على التعبير عن الرأي من خلال الصحافة، ومن تلك النصوص التي ما زالت آثارها قائمة إلى يومنا هذا، عقاب من ينشر أخبارًا بشأن تحقيق جنائي قائم، ومن ينشر أمورًا من شأنها التأثير في القضاة أو رجال النيابة أو غيرهم من الموظفين المكلفين بالتحقيق، أو التأثير في الرأي العام!
 وبعدها بأشهر قليلة عدلت قانون العقوبات مرة أخرى لتشدد العقوبات على "جرائم" النشر التي تقع عن طريق الصحف وغيرها من طرق النشر، واستحدثت مصطلحات تحكمنا إلى يومنا هذا مثل "الإضرار بالمصلحة العامة" و"الإخلال بالنظام العام" و"التحريض على قلب نظام الحكومة" و"والتحريض على كراهية النظام أو الازدراء به"، كما وضعت الحكومة قانونًا جديدًا للمطبوعات تضمن شروطًا تعجيزية لإصدار الصحف.
 وكان صدقي قد أكمل ديكور نظامه الجديد بتأسيس حزب يسانده مثلما فعل زيور باشا في الانقلاب الدستوري سنة 1925 عندما أسس حزب الاتحاد، وقد أسمى صدقي حزبه حزب "الشعب" زورًا وبهتانًا، فقد كان أبعد ما يكون عن الشعب، ويبدو أنها عادة المستبدين أن يسموا الأشياء بعكسها، وأخذت الإدارة تروج لهذا الحزب وتدعو الناس بمختلف وسائل الترغيب والترهيب والتوريط في الانضمام له، مثلما حدث مع حزب الاتحاد من قبل ومع التنظيمات الحكومية التي جاءت منذ انقلاب يوليو من بعد.
لكن هل صمتت الأمة واستكانت؟
 لقد لخص المؤرخ الكبير محمد شفيق غربال الأزمة التي عاشتها مصر في تلك السنوات بقوله:
 "إن ما حاوله صدقي باشا في دستوره الجديد انتقاص من حقوق حصل عليها الشعب. وإنه من الطبيعي ومن المشروع أن يدافع الشعب عن تلك الحقوق. وحاول صدقي باشا أن يحمله على الإذعان. فكانت المعركة الدستورية الكبرى. انتصر الشعب في النهاية، وعاد له دستوره الأول، فعدنا إلى ما كنا عليه. وذهبت جهود صدقي باشا ومواهبه هباء في هباء".

*****

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

(2)

طريق الاستبداد

عماد أبو غازي
  لم يضع المستبدون وقتًا؛ حيث أصدر إسماعيل صدقي باشا مرسومًا بتأجيل اجتماع البرلمان لمدة شهر واحد، اعتبارًا من يوم 21 يونيو، أي اليوم التالي لتأليفه الوزارة، فالرجل يعلم أن مجلس النواب كان قد جدد الثقة بحكومة النحاس باشا المستقيلة، وإنه لن يمنح حكومته الثقة، ولكن رئيسي مجلسي البرلمان ويصا واصف وعدلي يكن أصرا على حق المجلسين في الانعقاد في الموعد المحدد من قبل في اجتماع يتلى فيه مرسوم التأجيل على النواب كما تقضي بذلك الأعراف الدستورية.
 وبدأت الأزمة تتصاعد عندما وجه صدقي خطابًا إلى ويصا واصف يبلغه فيه بأنه غير مسموح لأي عضو من أعضاء مجلس النواب بالحديث بعد تلاوة مرسوم تشكيل الحكومة ومرسوم تأجيل انعقاد البرلمان، وينذره فيه باتخاذ الوسائل الكفيلة بضمان ذلك، لكن ويصا واصف الذي كان يعتبر نفسه ممثلًا للأمة يستمد منها سلطته، رد على الإنذار ردًا حاسمًا، جاء فيه:
 "إنه ليس من حق الحكومة أن توجه إلى رئيس مجلس النواب مثل هذا الخطاب لما فيه من تدخل السلطة التنفيذية في إدارة جلسات المجلس".
 وجاء رد صدقي بمحاصرة البرلمان وإغلاق أبوابه بالسلاسل الحديدية يوم 23 يونيو 1930، ومع ذلك فقد اتجه النواب والشيوخ إلى مبنى البرلمان في الموعد المحدد وأصدر ويصا واصف أوامره إلى حرس البرلمان بتحطيم السلاسل الحديدية بالبلط، وعرف الرجل من يومها باسم "محطم السلاسل"، ودخل النواب إلى مجلسهم وعقدوا الجلسة، ووجه عدلي باشا يكن رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة.


 وبعدها بثلاثة أيام أي في يوم 26 يونيو عقد أغلبية أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب وعدد من أعضاء مجالس المديريات اجتماعًا بمقر النادي السعدي ـ النادي السياسي للوفد ـ وأصدروا بيانًا أقسموا فيه على الدفاع عن الدستور ومقاومة كل اعتداء يقع عليه، واتفقوا على عدم التعاون مع الحكومة، وقد جاء في البيان:
 "بما أنه في الوقت الذي تجاهد فيه الأمم الأخرى لتقرير الحكم الدستوري وتوطيد دعائمه قد تكرر الاعتداء على الدستور في مصر مما أدى إلى حرمان البلاد من الحكم النيابي في فترات متعاقبة ووضع العقبات في سبيل قضيتها السياسية وتعطيل مرافقها الاقتصادية؛ بناء على ذلك، قرر المؤتمر ما يأتي:
 أولًا: الدفاع عن الدستور ومقاومة كل اعتداء يقع عليه بكل ما يملكه كل مصري من قوة ومال وتضحية.
 ثانيًا: تقرير مبدأ عدم التعاون وتشكيل لجنة تتصل بالوفد لتنظيم أساليبه وتنفيذه في حالة ما إذا لم تتقدم الوزارة إلى البرلمان عند انقضاء مدة التأجيل.
 ثالثًا: القسم بالله العظيم بتنفيذ هذه الخطة وتعميمها في جميع الدوائر الانتخابية بالقطر المصري."
 وفي الأسابيع التالية تصاعدت موجات الاحتجاج في مختلف مدن مصر، خاصة القاهرة والإسكندرية والزقازيق وبلبيس والمنصورة وطنطا وبورسعيد والإسماعيلية والسويس، وتصدى النظام لها بالقوة المسلحة مستعينا بالجيش إلى جانب الشرطة وبلوك الخفر، فسقط عشرات الشهداء ومئات من الجرحى دفاعًا عن الدستور.

                                                      عدلي يكن

                                                          ويصا واصف
 وفي محاولة لتهدئة الناس أوعزت السرايا إلى رجال الدين أن يصدروا بيانات إلى الشعب يدعونه فيه إلى الهدوء والسكينة، فأصدر شيخ الأزهر الشيخ الظواهري بيانًا وقع عليه معه عدد من العلماء، استهلوه بما يلي:
 "يا أيها الشعب الوفي قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، وإن من فضل الله علينا أن كان صاحب الأمر فينا هو حضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم الملك فؤاد الأول حفظه الله وأيده بروح من عنده".
 ويواصل المشايخ في بيانهم دعوة الشعب إلى السكينة والهدوء وطاعة الحكومة المستبدة، ولما اعترض بعض العلماء من ذوي الضمائر الحية على البيان فصل صاحب الفضيلة شيخ الأزهر عددًا منهم من الأزهر الشريف.
 في ذلك الزمن قابل الناس بيان السادة المشايخ بالزراية والاستنكار.
 وفي يوم 12 يوليو استصدرت الحكومة من الملك مرسومًا بفض الدورة البرلمانية بالمخالفة للدستور، فالبرلمان لم يكن قد أقر الميزانية بعد ولم يكن قد أمضى في دورته 6 أشهر كما ينص على ذلك دستور 23، وعاودت الحكومة إغلاق مبنى البرلمان واحتلاله بالقوة المسلحة.
 رد النواب بتقديم عريضة إلى الملك يطلبون منه دعوة البرلمان إلى اجتماع غير عادي يوم السبت 26 يوليو سنة 1930 لاستجواب الوزارة والاقتراع على الثقة بها، لكن الملك لم يستجب بالطبع، فعقد النواب اجتماعهم للمرة الثانية في النادي السعدي.
 وفي يوم 21 سبتمبر 1930 قدم النواب عريضة ثانية إلى الملك يطالبونه فيها بدعوة البرلمان للانعقاد في اجتماع غير عادي في أقرب وقت للنظر فيما عرضته الوزارة من تعديل قانون الانتخاب، واتخاذ القرار الذي يراه المجلسان في ذلك، وذكروا في عريضتهم أن النواب في اجتماعهم السابق يوم 26 يوليو 1930 كانوا قد أصدروا قرارًا بعدم الثقة بالوزارة، الأمر الذي يوجب استقالتها.
 ولم تأبه الحكومة برأي الأمة، ولا بمعارضة النواب من الوفد حزب الأغلبية، ولا حتى برأي أصدقائها القدامى الأحرار الدستوريين الذين أصدروا بيانًا يطالبون فيه بألا يمس التعديل لقوانين الانتخاب الأسس الدستورية.
 وأخبر صدقي الجميع في صورة إنذار نهائي بأنه اتفق مع الملك على إصدار دستوره الجديد، ومضى صدقي إلى نهاية الشوط فأعلن إلغاء دستور الأمة واستبدال به دستور الملك، وصدر بذلك المرسوم الملكي بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1930. كما صدر في اليوم نفسه قانون الانتخاب الجديد. وصدر الأمر بحل مجلسي النواب والشيوخ القائمين.
 ويقول المؤرخ الراحل الدكتور محمد ضياء الدين الريس في كتابه المهم عن ثورة الشباب سنة 1935، والذي أصدره في الذكرى الأربعينية للثورة سنة 1975 تحت عنوان: "الدستور والاستقلال والثورة الوطنية 1935":
"أُعلن إلغاء دستور الأمة ـ دستور سنة 1923، وإصدار دستور جديد هو دستور سنة 1930. بذلك هُدم النظام الدستوري للبلد في لحظة، ووُضع مكانه نظام جديد بأمر جلالة الملك وتنفيذ أداته "صدقي" أو صدقي باشا.
 هذا مع أن دستور الولايات المتحدة الأمريكية قائم منذ إنشائها، وكاد أن يمضي عليه نحو مائتي عام منذ صدوره بلا انقطاع.
 ودستور انجلترا بدأ منذ إصدار "الماجنا كارتا" ـ أو الوثيقة العظمى في سنة 1215 ـ أي منذ أكثر من سبعمائة عام. ولا تعبث الأمم التي تحترم نفسها وتحترم القانون بدساتيرها بين آن وآخر بأوامر حكامها أو أفراد منها دون اكتراث بإرادة الأمة".
*****


الثلاثاء، 15 نوفمبر 2016


حكاية ثورة الشباب

عماد أبو غازي


 من سنتين تقريبًا انتهيت من كتاب عن ثورة الشباب، كان المفروض يتنشر في سلسلة من السلاسل، ووقتها نشرت مقدمته على المدونة، وده الرابط بتاعها:

 بس الكتاب ما اتنشرش لغاية دلوقتي، فهبتدي من النهار ده أنشر كل يوم فصل من فصوله:

(1)

دستور 1930

  12 ديسمبر 1935 يوم من الأيام المجيدة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية وفي تاريخ نضال الشعب المصري من أجل الديمقراطية، وما أكثر هذه الأيام؛ ففي ذلك اليوم رضخ الملك فؤاد لمطالب الأمة التي عمدتها بدماء شهدائها من قادة الحركة الطلابية المصرية محمد عبد الحكم الجراحي وعبد المجيد مرسي وعلي طه عفيفي وعبد الحليم عبد المقصود شبكة ومعهم العامل إسماعيل محمد الخالع، لقد رضخ الملك لمطالب الأمة في عودة دستورها، دستور 1923 الذي كان ثمرة من الثمرات التي أتت بها ثورة 1919 العظيمة، والذي جاء في مذكرة وزير الحقانية (العدل الآن) التي أعلنت مع الدستور في 19 أبريل سنة 1923 ما نصه:
 "متى صدر الدستور الجديد فإن الحالة تتغير تغيرًا تامًا إذ إصدار الدستور والاعتراف بمبدأ كون الأمة هي مصدر جميع السلطات يجعلان سحب الدستور بعد منحه أمرًا غير مستطاع".
 لكن غير المستطاع صار مستطاعًا، بتحالف الملك المستبد وحكومته غير الشرعية وبتواطؤ من سلطة الاحتلال البريطاني، بعد أن اعتبرت إنجلترا أن التعدي على الدستور شأنًا من شؤون مصر الداخلية لا علاقة لحكومة صاحب الجلالة به؛ فأعطت بذلك الضوء الأخضر للملك ورئيس وزرائه إسماعيل باشا صدقي للإطاحة بدستور الأمة، وتعديل قوانين الانتخابات العامة، والتعدي على الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين.
 كان فؤاد قد ضاق منذ اللحظة الأولى بالدستور الذي قيد سلطاته، الدستور الذي أقر مبدأ رقابة الأمة من خلال ممثليها المنتخبين على سلوك الحكومة وممارساتها، ومنح الشعب سلطة التشريع من خلال نوابه، وصان الحريات العامة للمواطنين وحافظ على حرمة حياتهم الخاصة، وأرسى مبدأ الفصل بين السلطات.


 وخلال السنوات التي تلت صدور الدستور قاد فؤاد ثلاثة انقلابات دستورية، أولها في مارس 1925، عندما عطل الحياة النيابية لمدة عام وشهرين تقريبًا، ثم عطلها مرة ثانية من يوليو 1928 إلى أكتوبر 1929، وفي المرتين كان لتضامن الحزبين الكبيرين الوفد والأحرار الدستوريين وقيادتهما للنضال الشعبي دورًا أساسيًا في عودة الحياة البرلمانية سريعًا.
 إلا أن ثالث تلك الانقلابات الدستورية وأخرها في عهد الملك أحمد فؤاد الأول كان الأخطر والأطول والأشد تأثيرًا، وقد وقع ذلك الانقلاب الدستوري بعد أقل من عام من عودة الحياة البرلمانية في أكتوبر 1929، وكان مصطفى النحاس باشا قد شكل الوزارة في الأول من يناير سنة 1930، ودخلت الحكومة في مفاوضات فاشلة مع الإنجليز حيث رفض النحاس باشا تقديم تنازلات لهم في تلك المفاوضات، الأمر الذي أثار غضبهم ودفعهم إلى تأييد الملك في انقلابه الدستوري الجديد، أما الملك فقد كانت دوافعه للإطاحة بالنحاس وبالدستور عديدة، فقد بدأت الحكومة عملها بإحالة ثمانية من كبار الموظفين إلى التقاعد لمشاركتهم في انقلاب 1928 الدستوري، واضطهادهم للشعب وإهدارهم لحقوق المواطنين وحرياتهم، كما وضعت الوزارة مشروع قانون محكمة النقض والإبرام في صيغته النهائية، وعطله الملك بدعوى أن الوقت ليس مناسبًا له بعد، وصاغت كذلك مشروع قانون بنك التسليف الزراعي الذي أثار على الحكومة نقمة الدوائر المالية الأجنبية والمرابين الأجانب والمتمصرين لأنه كان سيحد من استغلالهم للفلاحين.
 لكن الصدام الأكبر مع الملك جاء لسببين الأول تدخله في اختيار أعضاء مجلس الشيوخ المعينين ضاربًا عرض الحائط بأحكام الدستور التي كانت تعطي للحكومة حق ترشيح الأسماء وللملك حق إصدار القرار فقط، وكان هذا الأمر يثير النزاع دائمًا بين السرايا والحكومة، خاصة في ظل حكومات الوفد التي كانت تصر على التمسك بحقوقها الدستورية، وعلى أن تجعل من مصر ملكية دستورية يتراجع فيه دور الملك المباشر في السياسة لحساب الحكومة المؤيدة من البرلمان.
 أما الأمر الثاني فكان مشروع قانون محاكمة الوزراء الذي أصرت حكومة النحاس باشا على إصداره متضمنا نصوصًا تقضي بعقاب الوزراء الذين ينقلبون على دستور الأمة أو يحذفون حكمًا من أحكامه أو يغيرونه بغير الطريق الذي رسمه الدستور، أو يخالفون حكمًا من أحكامه الجوهرية، فضلًا عن محاكمة أي وزير يبدد أموال الدولة العامة، وكان غرض الحكومة صيانة النظام الدستوري وحمايته من العبث والانقلابات، وقد رفض فؤاد توقيع مرسوم إحالة القانون إلى البرلمان لمناقشته.
 عندئذ قدم النحاس استقالة حكومته في 17 يونيو 1930، وأكد فيها أن سببها عدم تمكنه من تنفيذ برنامجه، واتجه النحاس باشا إلى مجلس النواب وأعلن أن الوزارة قدمت استقالتها وحدد أسباب الاستقالة، وغادر البرلمان، إلا أن المجلس قرر بعد مناقشة قصيرة تجديد الثقة بالحكومة.
 لكن فؤاد قبل استقالة الوزارة يوم 19 يونيو، وفي اليوم التالي كلف إسماعيل باشا صدقي عدو الشعب وعدو الدستور بتشكيل الوزارة، لينفذ نية الملك المبيتة بالتعدي على دستور الأمة ويغتال حقوقها التي اكتسبتها عبر نضال طويل بدأ منذ ثورة يوليو سنة 1795 في القاهرة ضد مراد بك وإبراهيم بك.
 وفي غضون أربعة أشهر من تشكيل حكومة صدقي، كان الرجل قد نفذ ما دبر له الملك ورجاله، فألغى دستور 1923 وأصدر بدلًا منه دستورًا جديدًا مشوهًا معيبًا في 22 أكتوبر 1930.
 وفي هذه المرة طال الانقلاب الدستوري وامتد لخمس سنوات وعدة أسابيع، عرفت فيها مصر طريق الاستبداد كما عرفت كذلك طريقها إلى الحرية.
*****

الاثنين، 14 نوفمبر 2016

عبد الحكم شهيد العلم

 زي النهار ده سنة 1935 بدأت ثورة الشباب، الثورة اللي أنهت أطول انقلاب دستوري في العصر الملكي، انقلاب فؤاد/صدقي، الثورة اللي رجعت دستور 23 وفتحت الباب لمرحلة جديدة في القضية المصرية.
 ده مقال كتبته في الشروق سنة 2010 في اليوبيل الماسي للثورة دي...

الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي

14 نوفمبر 1935 ـ 14 نوفمبر 2010

اليوبيل الماسي لثورة الشباب

عماد أبو غازي

  في تاريخ الوطن صفحات مضيئة خطها بدمائهم أبطال منسيون، وأيام ينبغي أن نحفظها في ذاكرة التاريخ، واليوم، 14 نوفمبر، يوم من هذه الأيام.
 ففي هذا اليوم تمر الذكرى الخامسة والسبعون لثورة الشباب، تلك الثورة التي فجرها شباب مصر عام 1935 في مواجهة استبداد الملك فؤاد وحكوماته التي ألغت الدستور وأهدرت الديمقراطية.
 تلك الثورة التي سقط فيها عدد من الشهداء من قادة الحركة الطلابية المصرية وتوجت نضالًا شعبيًا استمر لسنوات، وكللت بالنجاح برضوخ فؤاد وعودة دستور 1923 بعد غياب دام أكثر من خمس سنوات.
 ومن هؤلاء الشهداء عبد الحكم شهيد العلم.
 محمد عبد الحكم الجراحي، يومها كان شابًا في العشرين من عمره، كان طالبًا في كلية الآداب بالجامعة المصرية، وسيم الطلعة، يلتمع الذكاء من عينيه، محبوبا من زملائه، دمث الأخلاق.
 تفتح إدراك عبد الحكم الجراحي على الحياة ومصر تعيش ثورتها الكبرى سنة 1919، التحق بالجامعة المصرية والبلاد في ظلال أسوء الانقلابات الدستورية التي عرفتها؛ ففي سنة 1930 تولى إسماعيل صدقي باشا الحكم، وألغى دستور 1923، ووضع دستورًا جديدًا للبلاد عرف بدستور 1930، رسخ فيه سلطات الملك على حساب سلطات الأمة ممثلة في مجلسها النيابي. استمر حكم صدقي باشا حتى عام 1933، عاشت خلاله مصر في ظل حكم ديكتاتوري عصف بكل المكاسب التي حققها الشعب المصري طوال نضاله منذ سنة 1795، وتوجها في ثورة 1919.
 استمر صدقي في الحكم ثلاث سنوات اشتدت فيه المعارضة وتصاعدت، وكان المسمار الأول في نعش حكومة صدقي حادثة مأمور البداري، التي أدانت فيها محكمة النقض برئاسة عبد العزيز فهمي باشا في حكم تاريخي لها فساد النظام وأفعال رجال البوليس في تعذيب المواطنين والتي وصفتها بأنها "إجرام في إجرام"، وبناء على هذا الحكم بدأت النيابة العامة التحقيق في وقائع التعذيب التي يتعرض لها المواطنون على يد رجال البوليس، وكان هذا الحكم وما تبعه من تحقيقات سببًا في انقسام في حكومة صدقي الذي أوقف التحقيقات فاستقال بعض وزرائه.
وفي نفس الوقت أحس الإنجليز بأن الأمر بات يهدد مصالحهم في مصر، وإن سياستهم الداعمة لصدقي تضر بهم، أعطوا الضوء الأخضر لفؤاد ليتخلص من رئيس وزرائه في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي. فاستقال صدقي بإيعاز من الملك في سبتمبر 1933 وحل محله عبد الفتاح باشا يحيي الذي كان قد استقال من الوزارة ومن حزب الشعب قبلها بتسعة أشهر.
 لم يؤد سقوط صدقي إلى انتهاء الانقلاب الدستوري، بل استمرت نفس السياسة المعادية للدستور وللشعب، على يد حكومة حزب "الشعب" برئاسة الرئيس الجديد للحزب وللحكومة عبد الفتاح يحيي، واستمر دستور 1930 الذي سلب من الشعب حقوقه.
وفي خريف 1934 مرض الملك فؤاد، وشعر الإنجليز بأن رحيل فؤاد أصبح قريبًا، وإنهم أمام حكومة ضعيفة لا تملك سندًا شعبيًا، فتدخلوا في شئون البلاد بشكل فج ومهين، للملك ولحكومته.
 ويبدو أن فؤاد عندما شعر باقتراب أجله وبعد أن تأكد له فشل حكومة عبد الفتاح يحيي في إزالة الاحتقان، قرر أن يسعى في اتجاه إرضاء الشعب، فجاءت الخطوة الثانية عندما كلف الملك فؤاد توفيق نسيم باشا بتشكيل الوزارة في محاولة الاقتراب خطوة أخرى نحو الشعب والمعارضة، كما أصدر مرسومًا ملكيًا بإلغاء دستور 30 المرفوض شعبيًا، وحل البرلمان الذي أتت به انتخابات صدقي المزورة، إلا أنه لم يعد العمل بدستور 1923، بل نقل اختصاصات البرلمان إلى شخصه.
 ولم تكن نوايا فؤاد خالصة، لقد كان يعتقد أن خطوته ستؤدي لشق صفوف المعارضين، وقد أثمرت المحاولة بالفعل على هذا الصعيد، انفضت الجبهة القومية التي تشكلت من الوفد والأحرار الدستوريين، وشهد الوفد نفسه انقسامًا حادًا، فقد أيدت قيادة الوفد حكومة نسيم تأييدًا ضمنيًا، بينما رفضت بعض الفصائل الأكثر ثباتًا في المعارضة أن تؤيد الحكومة.
 وفي سنة 1935 كانت الأمة تموج بالغضب على الأوضاع، فالاحتلال البريطاني مستمر، والدستور المعبر عن إرادة الأمة معطل، والأحزاب السياسية منقسمة على نفسها، لقد مرور عام كامل من حكم توفيق نسيم دون إعادة دستور 23، ثم إحكام السيطرة البريطانية على البلاد بسبب الحرب الحبشية الإيطالية إلى انفجار الغضب الشعبي، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، تصريح السير صمويل هور وزير خارجية بريطانيا الذي صدر في 9 نوفمبر سنة 1935، وقال فيه: "لا صحة إطلاقًا إننا نعارض في عودة النظام الدستوري لمصر، بشكل يتفق مع احتياجاتها، فنحن انطلاقًا من تقاليدنا لا نريد أن نقوم بذلك ولا يمكن أن نقوم به، فقط عندما استشارونا في الأمر، أشرنا بعدم إعادة دستور 23 ولا دستور 30، لأنه قد ظهر أن الأول غير صالح للعمل به، والثاني غير مرغوب فيه".
واعتبر المصريون هذا التصريح ماسًا بسيادة مصر، بل حتى باستقلالها المنقوص الذي حصلت عليه بتصريح 28 فبراير 1922، والتهبت المشاعر وتوالت اجتماعات الهيئات الحزبية المختلفة لتصدر النداءات والبيانات التي تدين هذا التصريح.
 وقد تواكب صدور هذا التصريح مع قرب الاحتفال بعيد الجهاد الوطني الذي يوافق الثالث عشر من نوفمبر من كل عام، ذكرى اليوم الذي توجه فيه سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي سنة 1918 إلى دار المعتمد البريطاني مطالبين بإنهاء الأحكام العرفية والسماح لهم بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس ممثلين للشعب المصري، فكان الاحتفال مناسبة لانفجار الشعب ضد الحكومة والاحتلال.
 وبدأت الثورة من الجامعة والمدارس الثانوية في يوم 13 نوفمبر سنة 1935 حيث توافدت الحشود على السرادق المقام بجوار بيت الأمة، وبعد انتهاء الاحتفال خرجت مظاهرة حاشدة اشتبكت مع قوات البوليس التي كان يقودها الأميرالاي لوكاس بك مساعد حكمدار العاصمة، وقد أسفر الاشتباك عن استشهاد العامل إسماعيل محمد الخالع وجرح 150 آخرين، والقبض على 220 من المشاركين في الاحتفال والمظاهرات.
 وفي اليوم التالي تفجر الموقف في الجامعة فخرجت المظاهرات إلى ميدان الجيزة ثم اجتازت كوبري عباس، وفي الروضة تصدت قوات شرطة القاهرة التي كان يقودها ضباط وكونستبلات إنجليز للمتظاهرين وأطلقت الرصاص عليهم، وأصيب محمد عبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة برصاصة في صدره فكان أول الشهداء يوم 14 نوفمبر.
 وكان حامل العلم في هذه المظاهرة الطالب محمد عبد الحكم الجراحي الذي ظل يتقدم رافعًا علم مصر رغم تحذيرات قوات الأمن، فأصابته ثلاث رصاصات في بطنه نقل على أثرها إلى مستشفى قصر العيني، وهناك ظل الجراحي يقاوم الموت لخمسة أيام، ومن على سريره بالمستشفى أرسل خطابًا إلى مستر بلدوين رئيس وزراء بريطانيا رسالة قال في مطلعها إلى بريطانيا روح الشر، وعدد فيها مظاهر عدوان بريطانيا على الشعوب وتنبأ بقرب زوال إمبراطوريتها، كما بعث برسالة أخرى إلى زملائه قال فيها: "إخواني الأعزاء: إني أشكر لكم شعوركم السامي بالنسبة لما أديته، وأعتبره أقل من الواجب في سبيل البلد الذي وهبنا الحياة بل وهب الحضارة للعالم".
 وبعد خمسة أيام صدرت الصحف يوم 20 نوفمبر تحمل نبأ وفاته، فقالت:
 "ولم تغن مهارة الأطباء في رد القضاء، فبعد الساعة السابعة من صباح أمس بدقائق أسلم الشاب محمد عبد الحكم الجراحي أنفاسه الأخيرة، ولحق بمن سبقه من ضحايا الوطن، وما أن رأى الذين حوله أنه فارق الحياة حتى أخذوا يقبلون جثمانه ويهتفون للحرية وشهدائها، ثم أحدقت به الممرضات يبكين بالدمع الغزير وهو مسجى فوق سريره."
 وكان لوفاة الجراحي أعمق الأثر في وجدان المصريين، وصار رمزًا للنضال الوطني لطلاب الجامعة المصرية، ورغم أن الجراحي لم يكن الشهيد الوحيد في مظاهرات نوفمبر 1935، كما لم يكن أول هؤلاء الشهداء ـ فقد استشهد قبله محمد عبد المقصود شبكة ومحمد محمود النقيب من طنطا والعامل إسماعيل محمد الخالع وعبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة وعلي طه عفيفي الطالب بدار العلوم يوم 16 نوفمبر ـ فإن استمراره تحت العلاج لخمسة أيام ومتابعة الصحف لأخباره ومحاولات إنقاذ حياته جعل مشاعر الناس تلتف حوله، وكانت جنازته من الجنازات الشعبية المهيبة في تاريخ مصر.
 وقد وصف بشتلي أفندي في تقريره بالقلم المخصوص بوزارة الداخلية الجنازة قائلًا:
 "عندما يموت أحد المتظاهرين تكون المشكلة الكبرى أمام السلطات هي أن تنتهي الجنازة بأقل قدر ممكن من الاضطرابات، وقد نجح البوليس في تلافي القلاقل الخطيرة في كل الحالات عدا حالة واحدة، حالة محمد عبد الحكم الجراحي الذي توفي في 19 نوفمبر، وفي بادئ الأمر أخفى طلبة الطب الجثمان في المستشفى ورفضوا الإفصاح عن مكانه، حتى أعطيت التأكيدات بأنه سوف يسمح بخروج جنازة شعبية، وقد اشترك جمع غفير في الجنازة التي خرجت في مساء نفس اليوم، وعومل الفقيد باعتباره بطلا وطنيا، ورافق زعماء سياسيون، مثل النحاس وصدقي ومحمد محمود وآخرون مسيرة الجنازة لقدر من المسافة..."
 في اليوم التالي لتشيع الجراحي اجتمعت اللجنة التنفيذية العليا للطلبة واتخذت قرارات منها: فتح باب الاكتتاب لإرسال وفد من الطلبة إلى مقر عصبة الأمم للمطالبة باستقلال مصر والسودان، والاحتجاج على إجابة الدعوة لزيارة الأسطول البريطاني لمصر، ومنها المطالبة بمحاكمة المسئولين عن التصدي لمتظاهرين بعنف، كما أعلنت اللجنة مواصلة الطلاب لنضالهم حتى تحقيق كل مطالب الأمة.

 ولم تذهب دماء الجراحي ورفاقه سدى فقد امتد الاحتجاج والثورة إلى كل هيئات الأمة وطوائفها، وتصاعدت المظاهرات، ونجحت ثورة الشباب سنة 1935 في دفع قادة الأحزاب إلى تشكيل الجبهة الوطنية، وصباح الأربعاء 11 ديسمبر 1935 صاغ قادة الجبهة خطابين الأول للملك يطلب عودة دستور 1923، والثاني للمندوب السامي البريطاني يطلب بدأ المفاوضات من أجل الجلاء، وسط ذهول الملك والإنجليز من التحول السريع في المواقف، ولم ينقض يوم الخميس 12 ديسمبر 1935 إلا وكانت حكومة توفيق نسيم قد قدمت استقالتها، وأصدر الملك أمرًا ملكيًا بعودة الدستور، وانتصر الشعب.

الأحد، 13 نوفمبر 2016

13 نوفمبر

 النهار ده 13 نوفمبر ذكرى عيد الجهاد الوطني، الذكرى 98 لليوم اللي ابتدت فيه صفحة جديدة من صفحات التاريخ المصري، لقيت في أرشيف مقالاتي مقالة كتبتها في الدستور من 11 سنة باعيد نشرها تاني...


مخربشات
عيد الجهاد الوطني
عماد أبو غازي


  قلت لابنتي مريم هذا الشهر تمر ذكرى عيد الجهاد الوطني، فقالت لي يعني إيه؟ انتبهت إلى أن هذه المناسبة المهمة في تاريخنا الوطني مجهولة للأجيال الجديدة، بل ربما غابت كذلك من ذاكرة الأجيال القديمة، بفضل جهود حركة يوليو 52 في تأميم التاريخ الوطني، ومحو نضال الشعب المصري قبل "الحركة المباركة"، فقررت أن أكتب مرة أخرى عن هذا اليوم المجيد من أيام الشعب المصري حتى لا تضيع الذاكرة الوطنية.
 ففي الأسبوع القادم ـ وعلى وجه التحديد في يوم 13 نوفمبر ـ تمر ذكرى مناسبة وطنية من أهم المناسبات في تاريخنا الحديث، إنها ذكرى عيد الجهاد الوطني، وهي المناسبة التي ظلت مصر كلها تحتفل بها منذ عام 1919 حتى قيام حركة الجيش في عام 1952، ولهذا اليوم قصة ودلالات في تاريخ مصر يجب أن تعرفها الأجيال وتعيها جيلًا بعد جيل.


13 نوفمبر ـ جدارية على قاعدة تمثال سعد بالإسكندرية ـ مختار

 أما القصة فترجع إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى التي استمرت من سنة 1914 إلى سنة 1918، فرغم أن الحرب كانت بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى في ذلك الوقت، إلا أن مصر اكتوت بنارها وكانت ساحة من ساحاتها العسكرية، فعلى أرض سيناء وجبهة قناة السويس اندلعت المعارك بين القوات البريطانية التي كانت تحتل مصر منذ عام 1882 والقوات التركية التي كانت تعتبر مصر جزءً من الدولة العثمانية منذ أربعمائة سنة سابقة على هذا التاريخ، كذلك عانى المصريون من وطأة الأحكام العرفية التي فرضتها قوات الاحتلال على مصر عقب عزل الخديوي عباس حلمي وتعيين حسين كامل سلطانًا على البلاد تحت الحماية البريطانية، كما عانوا كذلك من تسخيرهم وتسخير موارد البلاد وثرواتها لخدمة المجهود الحربي البريطاني، وهي الحالة التي عبرت عنها ببلاغة كلمات أغنية "يا عزيز عيني" التي لحنها وغناها سيد درويش، وقد تحمل المصريون هذه المعاناة تحت ضغط الجبروت العسكري لجيوش الاحتلال وكلهم أمل في أن تزول الغمة ويزول الاحتلال بنهاية الحرب، وفي صيف 1918 بدا واضحًا أن كفة الحلفاء (إنجلترا وفرنسا وإيطاليا ومعهم الولايات المتحدة) هي الراجحة، وأن النصر من نصيبهم، وبالفعل مع خريف ذلك العام استسلمت ألمانيا وأعلن انتصار الحلفاء وانتهاء الحرب، وعلى الفور تحركت مجموعة من رجال مصر كان على رأسهم سعد زغلول الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وذهبوا إلى دار المعتمد البريطاني (السفير)، وهو الحاكم الفعلي للبلاد، في خطوة مفاجئة ليطالبوا بإنهاء حالة الأحكام العرفية (الطوارئ بلغة اليوم) والسماح لوفد يمثل المصريين بالسفر إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح الذي كان سيحدد خارطة العالم الجديد بعد الحرب، وكان رد المعتمد البريطاني السير وينجت الرفض القاطع على أساس أنهم لا يحملون أي صفة تتيح لهم تمثيل مصر أو الحديث باسم المصريين، وكانت هذه الواقعة في يوم 13 نوفمبر سنة 1918، وقد تصور وينجت أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لكن ما حدث بعد ذلك كان أمر مختلف، لم يتوقعه وينجت، ولا حكومة بريطانيا العظمى التي يمثلها، ولا سلطان البلاد الجديد السلطان أحمد فؤاد الذي عينه الإنجليز قبلها بشهور بعد وفاة رجلهم السلطان حسين كامل، وكان فؤاد طيعًا في يد الانجليز، وقد استقبله الشاعر الكبير بيرم التونسي بقصيدة شهيرة جاء فيها:
ولما عدمنا في مصر الملوك
                            جابوك يا فؤاد لانجليز نصبوك
 المهم كان رد فعل الشعب المصري ردًا عبقريًا يكشف عن روح الثورة التي ظلت كامنة لسنوات في نفوس المصريين، لقد بدأت حملة لجمع التوقيعات على توكيل من أفراد الشعب المصري فردًا فردًا لسعد زغلول ورفاقه ليكونوا وكلاء عن الأمة المصرية في حضور مؤتمر الصلح، وليشكلوا وفدًا يمثل مصر وشعبها هناك ويسعى من أجل الحصول على الاستقلال لمصر وعلى اعتراف المجتمع الدولي بهذا الاستقلال، خلال أسابيع قليلة اتسعت حملة جمع التوقيعات وشملت جميع طوائف الأمة وطبقاتها، وظهرت وحدة المصريين حول هدف واحد، وأصبح اسم "الوفد المصري" تعبيرًا عن طموح المصريين نحو استقلال بلادهم، وفشلت كل محاولات السراي والإنجليز وعملائهم في نظارة الداخلية في وقف حركة التوكيلات، وعندها كان القرار الذي فجر الثورة المصرية الكبرى ثورة 1919، قرار القبض على سعد زغلول وزملائه من رجال الوفد المصري ونفيهم إلى مالطة، في 8 مارس 1919، وفي اليوم التالي مباشرة انفجر بركان الغضب المكبوت ليطيح بنظام قديم وقيم قديمة ويرسي أسس عصر جديد من السعي نحو الاستقلال التام والديمقراطية، لتبدأ حلقة جديدة من حلقات نضال المصريين من أجل الحرية.
 لقد كانت البداية من ذلك الحدث الذي وقع يوم 13 نوفمبر 1918 لذلك أعتبر المصريون هذا اليوم عيدًا للجهاد الوطني ظلوا يحتفلون به كل عام، وفي احتفالهم إرساء لقيم ومبادئ مهمة تشكل دلالات هذا اليوم، أولها أن الأمة هي مصدر السلطات وهي التي تفوض قادتها في تمثيلها وتحاسبهم على ما يفعلون، وثانيها أن مصر كيان مستقل قائم بذاته فلا هي مستعمرة بريطانية ولا هي ولاية عثمانية، وثالثها أن المصريون أمة واحدة لا فرق بينهم على أساس دين أو عقيدة أو جنس تربط بينهم الرابطة الوطنية قبل الرابطة الدينية، ورابعها أن استقلال مصر السياسي لا يتحقق بمعزل عن حرية المواطنين واحترام حقوقهم.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...