الخميس، 15 سبتمبر 2016

500 سنة على الاحتلال العثماني لمصر (2)

500 سنة على الاحتلال العثماني لمصر

(2)

كيف رأى المصريون دخول العثمانيين لمصر؟

عماد أبو غازي
 تثير إشكالية التعامل مع الحقبة العثمانية في التاريخ المصري ثلاثة أسئلة:
 السؤال الأول هل اعتبر المصريون المعاصرون للحدث في القرن السادس عشر العثمانيين غزاه محتلين أم اعتبروهم مجرد حكام جدد من أسرة جديدة؟
 للإجابة على هذا السؤال لابد من العودة إلى المصادر المعاصرة للحدث، فماذا تقول تلك المصادر؟
 لقد كان وقع الكارثة فادحًا على وجدان المصريين؛ فوصف المؤرخ محمد بن أحمد بن إياس المصري الغزو العثماني شعرًا فقال:
          الله أكبر إنهــا لمصــيبة                  وقعت بمصر ومالهـا مثل يرى
          ولقد وقفت على تواريخ مضت           لم يذكروا فيها بأعجب ما جرى
 وفى موضع آخر من تاريخه يقول: "ومن العجائب أن مصر صارت نيابة بعد أن كان سلطان مصر من أعظم السلاطين في سائر البلاد قاطبة، لأنه خادم الحرمين الشريفين، وحاوي ملك مصر الذي أفتخر به فرعون اللعين حيث قال: "أليس لي ملك مصر"! وقد تباهى بملك مصر على سائر ممالك الدنيا، ولكن ابن عثمان أنتهك حرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها، وقتل أبطالها، ويتم أطفالها، وأسر رجالها، وبدد أحوالها، وأظهر أهوالها... وأشيع أن ابن عثمان خرج من مصر وصحبته ألف جمل محملة ما بين ذهب وفضة، هذا خارجًا عما غنمه من التحف والسلاح والصيني والنحاس المكفت والخيول والبغال والجمال وغير ذلك، حتى نقل منها الرخام الفاخر،  وأخذ منها من كل شيء أحسنه، ما لا فرح به آباؤه ولا أجداده من قبله أبدًا".
 ويقدم بعض الرحالة الأوروبيين صورًا مماثلة لما أحدثه الغزو العثماني بمصر، وكيف أضحت هذه المملكة الضخمة مجرد ولاية في الإمبراطورية العثمانية، وكيف نقل سليم أروع كنوز مصر، حتى قطع الرخام ليستخدمها في تجميل قصوره.
 ويلخص شاعر وفقيه مصري هو الشيخ بدر الدين الزيتوني أحد نواب القضاة الشافعية، الذي توفى في 25 من رجب سنة 924هـ عن عمر يناهز أربعة وتسعين عامًا؛ وكان شاعرًا وزجالًا وأدبيًا إلى جانب اشتغاله بالقضاء، انتصار العثمانيين واستيلاءهم على البلاد، فيقول:
          نبكى على مصر وسكانها                قد خربت أركانهـا العامرة
          وأصبحت بـالذل مقهورة           من بعد ما كانت هي القاهرة
 وهذا شاعر آخر من شعراء القرن العاشر الهجري هو الناصري محمد بن قانصوه من صادق، يصف الحوادث قائلًا:
          كـان في مصـر مـلوك             أظهـروا فيهـا العجـايب
          ذهـبوا عـنها وصـارت               دورهــم فيهـا خـرايب
          وهي أضــحت بعد عـز            قــرية في حكـم نـايب
  هكذا كان تصور النخبة الفكرية في مصر لما حدث، فهل هناك تعبير عن معنى الاحتلال الأجنبي أكثر من هذا؟
 أما عامة الناس في القاهرة وظواهرها فقد ظلوا يقاومون الغزاة العثمانيين تحت قيادة سلطانهم طومان باي ونجحوا في تحرير المدينة لعدة أيام، وإعادة الخطبة للسلطان المملوكي، لكن نيران مدافع العثمانيين التي ضربت المساجد التي تمترس بها المصريون قضت على مقاومتهم، وعندما توجه طومان باي إلى الصعيد التف حوله المصريون وظل يقاوم الغزاة لعدة أسابيع.
 أما في ريف الدلتا وبعد شهور من الاحتلال العثماني فقد التف الفلاحون حول رجل أدعى أنه السلطان الغوري، وفي هذا دلالة على الكيفية التي كان الناس في مصر ينظرون بها إلى حكامهم الجدد.
 لقد كانت سنتا 922 و 923 هـ (1516 و 1517م) سنتين من السنوات العصيبة في التاريخ المصري، سنتان شهدتا سقوط دولة المماليك الجراكسة، وفقدان مصر لكيانها المستقل ودخولها عصرًا جديدًا من عصور التبعية لقوة خارجية صاعدة فى سماء المنطقة، فأصبحت مصر ولاية في دولة كبرى مركزها إستنبول على مضيق البسفور، وبعد أن استمرت القاهرة لعدة قرون كمركز حضاري وسياسي أول في المشرق العربي والإسلامي، ذوت لتصبح مجرد عاصمة لولاية يديرها وال مبعوث من قبل السلطان العثماني، سنتان كانتا مليئتين بالحوادث والوقائع، فقدت فيهما دولة المماليك أثنين من سلاطينها على يدي عدو خارجي، وسقط فيهما آلاف القتلى من المماليك وأبناء الشعب، ليبدأ عصر ظلام وجمود طويل في تاريخ مصر.
 ورغم أن المماليك لم يكونوا من أصول مصرية، بل تم جلبهم من مناطق بعيدة كرقيق مقاتل تحولوا إلى حكام للدولة، إلا أننا نستطيع أن نميز بين حالتين من الحكم الأجنبي في تاريخ مصر الممتد منذ الاحتلال الفارسي سنة 525 قبل الميلاد، إلا قليل.
 الحالة الأولى: حكم أجنبي يحكم البلاد من مركز دولة بعيدة: باسارجاد ـ برسيبوليس ـ روما ـ القسطنطينية ـ المدينة ـ الكوفة ـ دمشق ـ بغداد ـ اسطنبول، وتتحول مصر إلى مجرد ولاية تابعة تدفع الجزية ويحكمها والي الأمبراطور أو الخليفة أو السلطان، مثلما كان الحال في أزمان الفرس والرومان والبيزنطيين والعرب في عصر الولاة ثم العثمانيين، وهذه الحالة ينطبق عليها مفهوم الاحتلال بمعناه الذي كان معروفًا في العصور القديمة والوسطى، عصور الموجة الحضارية الزراعية.
 والحالة الثانية: حاكم أجنبي أو أسرة حاكمة أجنبية تتخذ من مصر قاعدة لحكمها، وتتحول في بعض الأحيان إلى دولة كبرى تتوسع في الأقاليم المجاورة وتحتلها، مثلما كان الحال في أزمان البطالمة والفاطميين، والمماليك، وأسرة محمد علي، وبدرجة ما في زمن الدول المستقلة تحت التبعية الأسمية للخلافة العباسية، مثلما حدث في زمن الطولونيين والإخشيديين، وكذلك في زمن الأيوبيين.

 والفارق كبير بين الحاليين...

الأربعاء، 14 سبتمبر 2016

500 سنة على الاحتلال العثماني لمصر

 من أسابيع قليلة مرت ذكرى 500 سنة على بدايات الاحتلال العثماني لمصر والشام، ففي شهر أغسطس سنة 1516 هزم السلطان قانصوة الغوري سلطان المماليك على يد السلطان العثماني سليم الأول في موقعة مرج دابق بالقرب من حلب، فبدأ التوغل العثماني في سلطنة المماليك، وفي يناير 1517 انتصر سليم على أخر سلاطين المماليك طومان باي في الريدانية، وبعد مقاومة استمرت لأسابيع سيطر العثمانيين على مصر واحتلوها لمدة 400 سنة إلا 3 سنوات.
 اليوم أبدأ في إعادة نشر مجموعة مقالات سبق نشرها في الصحف عن الاحتلال العثماني لمصر.
 المقال الأول نشرته في صفحة تراث وتاريخ بجريدة الشروق...


 

المسألة العثمانية في التاريخ المصري

عماد أبو غازي

 أثير في السنوات الأخيرة جدال على صفحات الصحف حول توصيف الحقبة العثمانية في تاريخنا، ووصف ما حدث سنة 1517 عندما دخل سليم الأول مصر، هل نسمي هذا فتحًا أم غزوًا؟ وكان ذلك بمناسبة التعديلات التي دخلت على الكتب الدراسية في الصف الثالث الثانوي، واستخدام مصطلح الغزو العثماني بدلًا من الغزو العثماني؛ وانقسم المشاركون في هذا الجدل بين مؤيد للتعديل باعتبار أن الدولة العثمانية دولة أجنبية غزت مصر، ومعارض يعتبر أن الدولة العثمانية دولة إسلامية، وأن ما قامت به يعد فتحًا وليس غزوًا؛ وأساس هذا الجدل أن مصطلح الغزو أصبح يحمل دلالات سلبية في لغتنا المعاصرة، بينما يحمل مصطلح الفتح دلالات إيجابية.
 وهذا الموقف من المصطلحين يرتبط بوعينا وإدراكنا اليوم، فالقدماء لم يحملوا أيًا من المصطلحين بدلالات سلبية، فمعارك المسلمين في العهد النبوي كانت توصف بالغزوات، حتى فتح مكة تصفه كثيرًا من المصادر الإسلامية القديمة بغزوة فتح مكة، وسلاطين العثمانيين أنفسهم كانوا يحملون من بين ألقابهم لقب الغازي، إذًا لم تكن للمصطلح أي دلالة سلبية في العصور السابقة، فقد اكتسب المصطلح دلالاته السلبية في عصرنا الراهن، ولأننا الآن أصبحنا مختلفين حول ما فعله العثمانيون بمصر، هل كان دخلوهم حدثًا سلبيًا أم إيجابيًا؟ فقد أصبحنا مختلفين حول استخدام المصطلحين "الغزو" أو "الفتح" بعد تحميلهما بالدلالات المعاصرة الآن؛ فمن يرى في دخول العثمانيين مصر حدثًا سلبيًا يستخدم مصطلح "غزو"، ومن يراه حدثًا إيجابيًا يستخدم مصطلح "فتح".
 هناك اتجاهان أساسيان في النظر إلى الموضوع، اتجاه يرى أن ما حدث كان احتلالًا أجنبيًا للمنطقة العربية أضعفها وأدى إلى تدهور أوضاعها، وانتهى باحتلال القوى الاستعمارية الغربية لها، واتجاه ثاني يره مجرد تبدل في الأسر الحاكمة الإسلامية، حيث حل العثمانيون محل المماليك، مثلما حلت الدولة العباسية من قبل محل الدولة الأموية، ويرى أن الدولة العثمانية الفتية قد حمت المنطقة من التوسع الاستعماري الغربي لقرون.
 لكن للمسألة العثمانية في تاريخنا أبعاد أعمق من مجرد استخدام المصطلحات.
 لقد ساد لسنوات طوال اتجاه بين المؤرخين المتخصصين في العصر العثماني يسم ذلك العصر بأنه عصر للجمود والتدهور؛ فقد كان من المسلم به بين الباحثين المتخصصين، وكذلك بين المثقفين بشكل عام، أن الحكم العثماني للمنطقة العربية كان المسئول الأساسي عن تخلفها عن ركب التقدم، وإنه أدى إلي عدم تطورها لثلاثة قرون، تمتد من أوائل القرن السادس عشر إلي بدايات القرن التاسع عشر، وهي ذات القرون التي أنجز فيها الغرب نهضته الحديثة؛ وإذا كانت هذه الأفكار قد وجدت سندها العلمي القادم من الغرب في كتابات المستشرقين الأوائل الذين درسوا العصر العثماني، مثلما وجدته في النظرة الماركسية للتاريخ في صورتها الكلاسيكية وفي تنويعاتها الجديدة، فقد كان لتيارات الفكر السياسي العربي الحديث ـ خاصة التيار القومي العربي والتيار الليبرالي ـ دورهما في التهيئة لهذه الأفكار وتحقيق الانتشار الواسع لها، فقد كانا منذ البداية في صدام ومواجهة مع الدولة العثمانية، بهدف تحقيق الاستقلال عنها من ناحية، وبناء أسس للحداثة على النمط الأوروبي في مجتمعات منطقتنا العربية من ناحية أخري، ولما كانت الدولة العثمانية هي صاحبة السيادة الفعلية أو الاسمية على جل العالم العربي إلي العقد الثاني من القرن الماضي، فقد تحملت وزر ما آلت إليه أحوالنا حينذاك.
 إلا أن السنوات الثلاثين الأخيرة شهدت تحولات مهمة في النظر إلي العصر العثماني، فقد أصبحت فترة الاحتلال العثماني للمنطقة العربية من الفترات المثيرة للجدل بين المشتغلين بالدراسات التاريخية، حيث ظهرت مجموعة من الكتابات الجديدة التي حملت رؤية مختلفة لتاريخ مصر والمنطقة العربية في العصر العثماني، رؤية تستقرأ في ذلك العصر حركة عوضًا عن الركود، تطورًا بديلًا عن التدهور، وصحوة تنفي صفة الجمود عن تلك الحقبة، وكانت دراسة الباحث الأمريكي اليساري بيتر جران حول "الجذور الإسلامية للرأسمالية" ـ التي صدرت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ـ رائدة في هذا المجال، ومؤسسه لاتجاه جديد في الدراسات العثمانية.
 ومثلما كان للرؤية التقليدية للعصر العثماني أسسها، كان للاتجاه الجديد أعمدته التي قام عليها، فمن ناحية ازدادت معرفتنا بذلك العصر مع ظهور مصادر تاريخية جديدة مكنتنا من التعرف على المزيد من تفاصيل الحياة في تلك الحقبة ومن إجراء دراسات علمية عميقة عنها ، وذلك بعد اكتشاف عشرات من المخطوطات التاريخية والأدبية والفقهية التي لم تكن معروفة من قبل، فضلًا عن  إتاحة آلاف الوثائق والدفاتر المالية والسجلات القضائية ـ التي تذخر بالبيانات الدقيقة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والقانونية ـ للباحثين، نتيجة لفتح خزائن الأرشيف العثماني والاهتمام بالأرشيفات العربية وتنظيمها وتيسير سبل الإطلاع فيها أمام الباحثين المتخصصين، ومن ناحية أخري كان لظهور مدرسة نقد الاستشراق واتجاهات ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية في الغرب أثرًا في توفير الدعم النظري للمدرسة العثمانية الجديدة، وبعيدًا عن تلك المدرسة الجديدة التي تحركت من منطلقات علمية، لا يخلو الأمر من بعد سياسي يرتبط بالصعود الجديد للتيارات الإسلامية في المنطقة العربية منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي سعت دومًا لتبرئة ساحة الدولة العثمانية من كل ما نسب إليها من آثام، باعتبارها الامتداد "التاريخي" لدولة الخلافة الإسلامية، وتواكب مع ذلك المراجعات التي تتم بين الأكاديميين الأتراك، وانتشار أفكار تيارات الإسلام السياسي في تركيا، وقد كان لهذه الاتجاهات تأثير كبير داخل المجتمع بالإضافة إلى تأثيراته في الوسط الأكاديمي.
 إذًا فنحن أمام إشكالية لها أبعادها المتعددة؛ فهناك القدر المتاح من المعرفة بناء على ما هو متوفر من المصادر، والذي أدي بدوره إلي فرص أكبر للبحث في فترة تاريخية ظلت متروكة لسنوات، وهناك القراءات المتعددة للمصدر الواحد، تلك القراءات التي تتأثر بالنظريات المختلفة الجديدة في تفسير التاريخ، ثم يختلط بهذا وذاك البعد السياسي في القضية.

 لكن تبقى أسئلة تحتاج إلى إجابات بعيدًا عن خلفيات الصراع النظري حول العصر العثماني.

·        هل اعتبر المصريون المعاصرون للحدث في القرن السادس عشر العثمانيون غزاه محتلون أم اعتبروهم مجرد حكام جدد؟
·        هل أدت الحقبة العثمانية في تاريخنا إلى تطور المجتمع المصري أم إلى تدهوره؟

·        هل حمت الدولة العثمانية المنطقة من التوسع الاستعماري الأوروبي أم أضعفتها فأدت إلى سقوطها فريسة سهلة في أيدي المستعمرين؟ 

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

الاحتفال برأس السنة المصرية (3)
 المقال التالت في سبتمبر 2007 بعد الاحتفال اللي عملته مجموعة مصريين ضد التمييز الديني في راس السنة المصرية، وفيه الكلمة اللي قلتها في الاحتفال وتغطية للي تم في اليوم ده.
 من سنة 2007 اتجددت الاحتفالات براس السنة المصرية وكل يوم بيزيد اللي عارفين معنى اليوم ده ومناسبته.

                                                        المقال الثالث

توت 6249 سبتمبر 2007
مخربشات
كل توت ومصر طيبة وإحنا طيبين
عماد أبو غازي
 كل سنة وأنتم طيبين اليوم الأربعاء 12 سبتمبر هيوافق اليوم الأول من شهر توت أول شهور السنة المصرية، واللي بنسميه عيد النيروز، كان العيد ده دايما من أهم الأعياد اللي بيحتفل بها جميع المصريين علشان ارتباطه بالنيل مصدر الحياة في مصر، والمصريين بدو تقويمهم سنة 4241 قبل الميلاد، يعني إحنا السنة دي هنبدأ سنة 6249 مصرية، أجددنا سموا الشهور على أسامي الآلهة، وشهر توت متاخد من تحوت إله الحكمة ورب القلم اللي اخترع الكتابة وقسم الزمن في اعتقاد جدودنا المصريين زمان، وتحور الاسم في اللغة القبطية وبقي توت.
 وبتقترن بداية السنة المصرية القديمة بشروق النجم سوبديت اللي بيسميه العرب الشعرى اليمانية في الأفق مع شروق الشمس، ولاحظ المصريين ارتباط الظاهرة الفلكية دي بوصول الفيضان لمدينة منف، فخدوا المناسبة دي وخلوها بداية لتقويمهم النجمي اللي بتتكون فيه السنة من 365 يوما وربع، زي التقويم الشمسي، المصريين القدماء اكتشافوا نظام تتابع الزمن من بدري، تمام زي ما ابتكروا الزراعة في وادي النيل، علشان كده الفلاح المصري اعتمد في الزراعة على التقويم ده من أكتر من ست آلاف سنة ولسه بيعتمد عليه.
 مصر فضلت تحتفل براس السنة المصرية لآلاف السنين، لكن الاحتفال وقف لما العثمانيين احتلوا مصر، في سنة 1893 جمعية التوفيق القبطية رجعت تحتفل مرة تانية بالنيروز، لكن الاحتفال كان محدود، وبيختفي تدريجيا.
من سنتين تقريبا كتبت تحت عنوان "النيروز الذي نسيناه"، علشان أفكر الناس بالعيد ده، العيد اللي اتنسى من حياتنا، عيد راس السنة المصرية، يومها دعيت لإحياء الاحتفال بيه باعتباره تراث ثقافي مصري مهدد بأنه يضيع، وباعتبار أن السنة المصرية اللي بتبدأ بشهر توت هي الأساس اللي بتقوم عليه الزراعة المصرية لغاية دلوقتي، واللي بيعرف شهورها كل فلاح في بلدنا.
 ومن شهور قليلة طرح عليّ الصديق بيومي قنديل، فكرة إحياء الاحتفال براس السنة المصرية على المستوى القومي، والدعوة لإن الاحتفال يأكد على فكرة المواطنه اللي بتجمع المصريين باختلاف انتماءاتهم الدينية وأصولهم العرقية، ومافيش مناسبة مشتركة بين كل المصريين أكتر من المناسبة دي، اللي بترتبط بفيضان النيل وليها جدورها القديمة من زمان.
 وبعدين قريت في موقع مجموعة "مصريون ضد التمييز الديني"، اقتراح للمهندس شادي أنسي عجوة بيدعو فيه المجموعة إنها "تشن حملة على أرض الواقع للتقريب بين المسلمين و المسيحيين و غيرهم بجعل هناك يوم مشترك يحمل صبغة مصرية يجمع كل المصريين" وقد أقترح "أن يكون هذا اليوم عيد تمام فيضان النيل رمز الخير في مصر و هو نفسه عيد رأس السنة المصرية الفرعونية".
 الأمر اللي شجعني على للكتابة مرة تانية في الموضوع ده، والدعوة تاني للاحتفال برأس السنة المصرية شعبيا ورسميا، وإن أول توت من كل سنة يكون عيد للمواطنة في مصر.
 يوم الجمعة اللي فاتت احتفل اكتر من متين وخمسين مصري ومصرية في القرية الفرعونية بالمناسبة دي، بدعوة من الصالون المصري والقرية الفرعونية، والليلة اللي فاتت احتفل مصريين في لندن وفي دبي برأس سنتنا المصرية القديمة، احتفال القرية الفرعونية كان فيه كلمات قليلة للتعريف بالاحتفال ومناسبته وتاريخه، وبعدين حفلة فنية موسيقية غنائية لفرقة "رحالة"، وبعدها توزيع لشهادات تقدير وتكريم على مجموعة من اللي قدموا إضافة لقضية المصرية في حياتنا. تم تكريم المرشدة السياحية الرائدة ليلى الطرابلسي، ومحسن لطفي السيد صاحب مدرسة التعريف بالتاريخ المصري والحضارة المصرية، وخيرت الملط صاحب مشروع إحياء الموسيقى المصرية القديمة، وقناة أو تي في الرائدة في استعمال العامية المصرية في برامج التلفزيون ونشرات الأخبار، وبعدها كان فيه حفل عشا مصري.
دي كانت خطوة على الطريق لكن هتفضل الدعوة لإعادة الاحتفال شعبيا ورسميا برأس السنة المصرية، أقدم وأهم عيد مصري عبر العصور، علشان يكون يوم عيد للمواطنة نحلم فيه كلنا بمصر وطن لكل المصريين، بمصر خالية من كل أشكال التمييز، بمصر تحترم حرية العقيدة وتحقق وحدتها باعترافها بقيمة التنوع الخلاق.
 وباقترح انه اعتبارا من سنة 6250 مصرية نخللي كل سنة باسم مصري من اللي كانت مصر همهم وقضيتهم سوا كانوا مصريين ابا عن جد أو زي كتير مننا اندمجوا في مصر اللي بتهضم كل غريب، يعني سنة تكون باسم ابن عروس وسنة للطهطاوي، وغيرهم زي أحمد لطفي السيد، محمد حسين هيكل، هدى شعراوي، سلامة موسى، طه حسين، الحكيم، نجيب محفوظ، مصطفى مشرفة، شفيق غربال، سليمان حزين، سيزا نبراوي، درية شفيق، فؤاد حداد، صلاح جاهين، يحيي حقي، خليل قاسم، مختار، راغب عياد، حامد سعيد، بيكار، سيد درويش، داوود حسني، بديع خيري، أم كلثوم.
 أتمنى إننا نحتفل جميعا السنة اللي جاية برأس السنة المصرية ومعنا مصر كلها. وزي ما قلت قبل كده يوم أجازة زيادة مش هيخرب الدنيا.

 وكل توت وأنتم طيبين.
الاحتفال برأس السنة المصرية (2)



المقال الثاني
مخربشات
عيد المواطَنة المصرية
عماد أبو غازي

 منذ عامين تقريبا كتبت في هذا المكان تحت عنوان "النيروز الذي نسيناه"، محاولا التذكير بعيد من أهم الأعياد المصرية التي توارت في طي النسيان، عيد رأس السنة المصرية، الذي ظل المصريون يحتفلون به باعتباره عيدا من أبهج أعيدهم إلى أن جاء الاحتلال العثماني لمصر سنة 1517 فتوارى هذا العيد، ولم يظهر مرة أخرى إلا عندما قامت جمعية التوفيق بإحياء الاحتفال سنة 1893، لكنه أصبح احتفالا قاصرا على إلقاء الخطب والكلمات، وغلب عليه الطابع المصري المسيحي، وغاب عنه البعد القومي المصري، بل حتى غالبية المسيحيين المصريين لم يعودوا مهتمين بهذا الاحتفال فالمناسبة ليست دينية، وقد دعوت يومها إلى إحياء الاحتفال باعتباره تراثا ثقافيا مصريا كاد أن يندثر، وباعتبار أن السنة المصرية التي تبدأ بشهر توت هي الأساس الذي تقوم عليه الزراعة المصرية إلى الآن.
 والنيروز اليوم الأول من شهر توت أول شهور السنة المصرية القديمة، ويوافق 11 سبتمبر في السنوات البسيطة و12 سبتمبر في السنوات الكبيسة، وأصل هذا التقويم يرجع إلى عصر سحيق من عصور الحضارة المصرية القديمة، فقد ابتكر المصريون القدماء تقويمهم عام  4241 قبل الميلاد، وارتبط هذا التقويم بفيضان النيل مصدر الحياة في هذا البلد، فقد لاحظ المصريون أن هناك ارتباط بين وصول الفيضان إلى ذروته عند مدينة منف وشروق نجم ساطع في السماء قبل شروق الشمس وأطلق المصريون على هذا النجم اسم سوبديت، ويطلق العرب عليه اسم الشعرى اليمانية، واتخذ المصريون من هذا اليوم بداية لسنتهم النجمية التي يبلغ عدد أيامها 365 يوما مثل السنة الشمسية، وقسموا سنتهم إلى اثني عشر شهرا كل منها 30 يوما، وأضافوا لها الشهر الصغير نسيء من خمسة أيام، وعندما تبين للكهنة المصريين بعد ذلك أن السنة تتكون في الحقيقة من 365 يوما وربع يوم، أضافوا يوما سادسا لشهر نسيء مرة كل أربع سنوات.
 وعندما أراد يوليوس قيصر إصلاح التقويم الروماني وتحويله من تقويم قمري إلى تقويم شمسي استعان بالكهنة المصريين في الإسكندرية، وكان يوم أول توت وقتها يقابل التاسع والعشرين من الشهر السادس الذي أصبح اسمه فيما بعد أغسطس نسبة إلى الإمبراطور الروماني أوغسطس أوكتافيوس، أي في نفس الوقت الذي ما زلنا نحتفل فيه بعيد وفاء النيل، فأصل العيدين واحد، ثم مع الإصلاح الجريجوري للتقويم الميلادي أصبحت رأس السنة المصرية تقابل يوم 11 سبتمبر مثلما أصبح عيد الميلاد المجيد للكنيسة الأرثوذكسية، يوم 29 كيهك وفقا للتقويم المصري يقابل يوم 7 يناير بعد أن كان يقابل يوم 25 ديسمبر.
 والتقويم المصري القديم يعد أقدم تقويم عرفه الإنسان ومازال مستخدما للآن، فنحن الآن في سنة 6248 من سنوات التقويم المصري القديم، وفي أول توت القادم سنحتفل برأس سنة 6249 مصرية.
 وقد سجلت المقابر المصرية القديمة مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية حيث كان الناس يتبادلون الهدايا، ويتجمع الرجال والنساء في جماعات كبيرة ويركبون السفن والقوارب التي تتجول بهم في نهر النيل وهم يغنون ويعزفون الموسيقى ويرقصون في احتفال من أكثر الاحتفالات المصرية بهجة، وفي الاحتفال تدق بعض النساء الطبول، ويعزف بعض الرجال بالمزامير، ويقوم البعض بالتصفيق بالأيدي.
ورغم توالي عهود الاحتلال الأجنبي على مصر فقد حافظ المصريون على الاحتفال بهذه المناسبة عبر العصور، ويذكر المقريزي الذي عاش في عصر المماليك مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية في العصور الوسطى، والذي كان واحدا من الاحتفالات الكبرى التي يحتفل بها المصريون جميعا مسلمون ومسيحيون، كما كانت الدولة منذ العصر الفاطمي تحتفل على المستوى الرسمي بهذه المناسبة بتوزيع العطايا والخلع إلى جانب الاحتفالات الشعبية، والتي كانت تأخذ شكل كرنفالا شعبيا رائعا يخرج فيه الناس إلى المتنزهات العامة ويرشون بعضهم بالماء، ويختارون من بينهم شخصا ينصبونه أميرا للنيروز يسير بموكبه في الشوارع والحارات ويفرض على الناس الرسوم ويحصلها منهم ومن يرفض يرشه بالماء، وكل هذا طبعا من باب الدعابة واللهو.
 وكان الاحتفال الشعبي يتوقف في الفترات الذي تتصاعد فيها موجات التطرف الديني في العصور الوسطى إلى أن توقف تمام في العصر العثماني، لكن الجانب الرسمي للمناسبة ظل قائما لارتباط المناسبة بالفيضان وجباية الضرائب، حتى أن السنة المالية في العصر العثماني والقرن التاسع عشر كانت تسمى السنة التوتية نسبة إلى شهر توت أول شهورها.
 منذ أسابيع قليلة طرح الصديق بيومي قنديل، فكرة إحياء الاحتفال برأس السنة المصرية على المستوى القومي، والدعوة لهذا الاحتفال ليكون احتفالا يؤكد على فكرة المواطنة التي تجمع المصريين باختلاف انتماءاتهم الدينية وأصولهم العرقية، وليست هناك مناسبة تشكل مشتركا بين كل المصريين أكثر من هذه المناسبة، التي ترتبط بفيضان النيل وتضرب بجذورها في ماضينا البعيد.
 وأمس وأثناء تصفحي لموقع مجموعة "مصريون ضد التمييز الديني"، وهي مجموعة للمصريين المناهضين للتمييز الديني تدعو إلى إعلاء قيم حرية الفكر والاعتقاد وتعميق ثقافة المواطنة، توقفت في الموقع الإلكتروني عند اقتراح للمهندس شادي أنسي عجوة يدعو فيه المجموعة لأن "تشن حملة على أرض الواقع للتقريب بين المسلمين و المسيحيين و غيرهم بجعل هناك يوم مشترك يحمل صبغة مصرية يجمع كل المصريين" وقد أقترح "أن يكون هذا اليوم عيد تمام فيضان النيل رمز الخير في مصر و هو نفسه عيد رأس السنة المصرية الفرعونية".

 الأمر الذي شجعني على العودة للكتابة في هذا الموضوع مرة أخرى والدعوة مجددا للاحتفال برأس السنة المصرية شعبيا ورسميا، ولأن يكون أول توت من كل عام عيدا للمواطنة في مصر.

الاثنين، 12 سبتمبر 2016

الاحتفال برأس السنة المصرية
 امبارح كتبت على صفحتي على فيسبوك تهنئة بمناسبة راس السنة المصرية، لقيت عدد من المواقع الصحفية منزله خبر إني هنيت المصريين بالمناسبة دي، الحقيقة فرحت بالاهتمام ده، بس استغربت شوية، من سنين أنا وكتير غيري بندعو للاحتفال الشعبي والرسمي بأقدم عيد مصري، أنا من سنة 2005 باكتب عن الموضوع ده، النهارده هاعيد نشر تلت مقالات كتبتهم في عمودي في جرنال الدستور اللي كان اسمه مخربشات،
المقال الأول نشرته في سبتمبر 2005 وكان فيه تذكير براس السنة المصرية ودعوة لإحياء الاحتفال.
المقال التاني كان في يولية 2007 ودعيت فيه لتحويل عيد النيروز أو راس السنة المصرية لعيد للمواطنة المصرية.
والمقال التالت في سبتمبر 2007 بعد الاحتفال اللي عملته مجموعة مصريين ضد التمييز الديني في راس السنة المصرية، وفيه الكلمة اللي قلتها في الاحتفال وتغطية للي تم في اليوم ده.
 من سنة 2007 اتجددت الاحتفالات براس السنة المصرية وكل يوم بيزيد اللي عارفين معنى اليوم ده ومناسبته.


المقال الأول
مخربشات
النيروز الذي نسيناه
عماد أبو غازي

 مر علينا في الأسبوع الماضي عيد النيروز أو رأس السنة المصرية، دون أن نتذكره ونحتفل به بما يليق بقدره وأهميته، ربما تاهت المناسبة في غمرة الانتخابات الرئاسية، وفي وسط مأساة حريق بني سويف.
 لقد وافق يوم الأحد 11 سبتمبر اليوم الأول من شهر توت أول شهور السنة المصرية، والذي نسميه عيد النيروز، كان هذا العيد عبر العصور من أهم الأعياد التي يحتفل بها جميع المصريين لارتباطه بالنيل مصدر الحياة في مصر، وقد بدأ المصريون القدماء تقويمهم سنة 4241 قبل الميلاد، أي أننا هذا العام نبدأ سنة 6247 مصرية، وأطلق المصريون على الشهور أسماء الآلهة، وشهر توت مأخوذ من تحوت إله الحكمة ورب القلم ومخترع الكتابة ومقسم الزمن عند المصريين، وقد تم تحوير الاسم في اللغة القبطية إلى توت.
 وتقترن بداية السنة المصرية القديمة بشروق النجم سوبديت الذي يسميه العرب الشعرى اليمانية في الأفق مع شروق الشمس، وقد لاحظ المصريون ارتباط هذه الظاهرة الفلكية بوصول الفيضان إلى مدينة منف، فاتخذوا من هذه المناسبة بداية لتقويمهم النجمي الذي تتكون فيه السنة من 365 يوما وربع، مثل التقويم الشمسي، وقد توصل المصريون القدماء إلى اكتشاف هذا النظام لتتابع الزمن في وقت مبكر للغاية، ومثل هذا التقويم النجمي الذي ترتبط فيه الشهور بفصول السنة الطبيعية ملائم تماما للزراعة، لذلك اعتمد الفلاح المصري في الزراعة على هذا التقويم منذ أكثر من ستة آلاف سنة وما زال.
 وقد كان التقويم المصري القديم مكونا من 12 شهرا كل منها 30 يوما، يعقبها شهر صغير من خمسة أيام اسمه شهر نسئ، ثم اكتشف الكهنة المصريون في عصور لاحقة أن السنة الفعلية 365 يوما وربع، فأضافوا إلى شهر نسئ يوما سادسا مرة كل أربع سنوات، وكان المصريون يبدءون مع عصر كل حاكم جديد مسلسلا جديدا للسنوات، إلى أن جاء عصر الاضطهاد الديني الذي تعرض له المصريون الذين اعتنقوا المسيحية على يد الإمبراطور دقلديانوس أواخر القرن الثالث الميلادي، والذي يعرف بعصر الشهداء، فاتخذت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من عام 284م الذي تولى فيه دقلديانوس الحكم بداية لتقويم الشهداء، وقد وصلنا فيه اليوم لسنة 1722.
 أما عن الاحتفال بهذه المناسبة عبر العصور فيقول عالم الآثار المصرية الأستاذ محرم كمال في كتابه الصغير والمهم عن آثار الحضارة المصرية القديمة في حياتنا اليومية، "كان هذا العيد أهم الأعياد التي يحتفل بها المصريون القدماء وكان يجري مهرجان بأكبر بهجة يتصورها العقل ... كان يجتمع الرجال والنساء في جماعات كبيرة ويحشرون أنفسهم حشرا في السفن والقوارب دون مراعاة للسن، فإذا استقر بهم المقام بدأ النساء في دق الطبول وأخذ الرجال يوقعون الأنغام على المزمار ويساعدهم فريق آخر بالغناء والأهازيج وثالث بالتصفيق بالأيدي كما جرت العادة في الحفلات الموسيقية في مصر"، وتسجل المقابر المصرية القديمة من مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية كذلك تبادل الهدايا بين الناس.
ورغم توالي عهود الاحتلال الأجنبي على مصر فقد حافظ المصريون على الاحتفال بهذه المناسبة عبر العصور، ويذكر المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية في العصور الوسطى، والذي كان واحدا من الاحتفالات الكبرى التي يحتفل بها المصريون جميعا مسلمون ومسيحيون، كما كانت الدولة منذ العصر الفاطمي تحتفل على المستوى الرسمي بهذه المناسبة بتوزيع العطايا والخلع إلى جانب الاحتفالات الشعبية، والتي كانت تأخذ شكل كرنفالا شعبيا رائعا يخرج فيه الناس إلى المتنزهات العامة ويرشون بعضهم بالماء، ويختارون من بينهم شخصا ينصبونه أميرا للنيروز يسير بموكبه في الشوارع والحارات ويفرض على الناس الرسوم ويحصلها منهم ومن يرفض يرشه بالماء، وكل هذا طبعا من باب الدعابة واللهو.
 وكان الاحتفال الشعبي يتوقف في الفترات الذي تتصاعد فيها موجات التطرف الديني في العصور الوسطى إلى أن توقف تمام في العصر العثماني، لكن الجانب الرسمي للمناسبة ظل قائما لارتباط المناسبة بالفيضان وجباية الضرائب، حتى أن السنة المالية في العصر العثماني والقرن التاسع عشر كانت تسمى السنة التوتية نسبة إلى شهر توت، وقد أعادت جمعية التوفيق القبطية الاحتفال بهذه المناسبة مرة أخرى اعتبارا من عام 1893 لكن الاحتفال أخذ شكل إلقاء الكلمات وإصدار المطبوعات.
لقد حرصت منذ سنوات أن أهنأ أصدقائي بهذه المناسبة، وقد فوجئت بأن الكثيرين منا لا يعرفونها رغم أن الحياة الزراعية في مصر تقوم عليها، وزاد عجبي عندما اكتشفت أن بعض أصدقائي من المسيحيين لا يتذكرون هذا اليوم ويتعجبون عندما أقول لهم كل سنة وأنتم طيبين، فيردوا بمناسبة إيه؟

 إنها دعوة لإعادة الاحتفال شعبيا ورسميا برأس السنة المصرية، أقدم وأهم عيد مصري عبر العصور، ويوم أجازة زيادة مش هيخرب الدنيا، وكل توت وأنتم طيبين.

الأحد، 11 سبتمبر 2016

لطيفة الزيات:

 بطلة انتفاضة 1946

 وفارسة مواجهة التطبيع

 زي النهارده من عشرين سنة كنا في وداع الدكتورة لطيفة الزيات اللي رحلت عن عالمنا يوم 10 سبتمبر 1996، ودي المقالة اللي كتبتها في جريدة الدستور رثاء لها.



 غربت عن عالمنا في الأسبوع الماضي شمس من شموس ثقافتنا الوطنية، فقد رحلت عنا الدكتورة لطيفة الزيات في العاشر من سبتمبر بعد أن خلفت ورأها إسهامًا بارزًا في بناء الثقافة المصرية، وتراثًا من العطاء للوطن، من خلال أعمالها النقدية والإبداعية، ومن خلال دورها البارز في النضال الوطني والديمقراطي منذ الأربيعنيات وحتى رحيلها؛ لقد وهبت لطيفة الزيات حياتها لهذا الوطن، للدفاع عن حريته واستقلاله، للدفاع عن ثقافته وكل ما فيها من قيم إيجابية.
 لقد انخرطت لطيفة الزيات في النضال الوطني وهي طالبة في كلية الآداب في الأربعينيات، وانتمت إلى الفكر الاشتراكي، وتصاعد دورها في العمل السياسي حتى انتخبت سكرتيرة عامة للجنة الوطنية للعمال والطلبة سنة 1946؛ هذه اللجنة التي قادت الكفاح ضد المستعمر البريطاني، ونجحت في تنظيم مظاهرة 21 فبراير 1946 الشهيرة.
 وأترك المجال للدكتورة لطيفة الزيات لتصف كيف تكون لديها الحس الوطني وهي بعد صبية في الحادية عشر من عمرها، في سنة 1934، من خلال كتابها "حملة تفتيش ـ أوراق شخصية"، الصادر سنة 1992، تقول لطيفة الزيات:
 "لا أجد في حضن أمي الملاذ من شرور الدنيا وأنا في الحادية عشر من عمري، أطل من شرفة بيتنا في شارع العباسي بالمنصورة، لا أحد يجيرني، لا أحد يملك أن يجيرني، لا أبي يحاول انتزاعي من الشرفة حتى لا أرى ولا أسمع، ولا أمي تبكي بلا صوت، وأنا أنتفض بالشعور بالعجز بالأسى بالقهر، ورصاص البوليس يردي أربعة عشر قتيلًامن بين المتظاهرين ذلك اليوم، وأنا أصرخ بعجزي عن الفعل، بعجزي عن النزول إلى الشارع لإيقاف الرصاص ينطلق من البنادق السوداء، أسقط الطفلة عني، والصبية تبلغ قبل أوان البلوغ مثخنة بمعرفة تتعدى حدود البيت لتشمل الوطن في كليته، ومصيري المستقبلي يتحدد في التو واللحظة وأنا أدخل باب الالتزام الوطني من أقسى وأعنف أبوابه، يضنيني الرجوع ولو قليلًا عنه، ويحملني هذا الرجوع الشعور بالإثم، ويعذبني اختناق صوتي حين نختنق، ويحدوني رجاء لا يبين أن أظل قادرة على قولة: لا لكل مظالم الدنيا.
 كان ذلك في يوم من أيام 1934، ورئيس الوزراء يرفض السماح لمصطفى النحاس، زعيم حزب الوفد والأغلبية بالقيام بزيارة للأقاليم تتضمن زيارة المنصورة، يوقف حركة القطارات، ويأتي موكب النحاس في السيارات، تحيل بلدية المنصورة شارعنا وبقية الشوارع الرئيسية إلى مجموعة متتالية من الخنادق لتحول دون موكب النحاس والتقدم.
 والشوارع تعج بآلاف المتظاهرين، وشارعنا يتقدم منه البعض بعد البعض يحمل سيارة النحاس باشا على أكتافه، يتجاوز بها خندقًا بعد خندق في شارعنا، والموكب يتقدم رغم كل شيء، وصيحات انتصار عارمة، انتصار إرادة الجماهير، وبنادق سوداء كابية تصنع حدًا نهائيًا للموكب والمظاهرة... ومع الدم كما النافورة فار أحمر قانيًا فوق رؤس الكتلة البشرية المتخبطة وانحسر مع الهدير المنتصر للجماهير وقد اغتيل، وموجة من البشر تنحسر بعد موجة، مع أزرار نحاسية تضوي في أشعة الشمس مع بنادق طويلة سوداء كابية، مع قذائف الطوب تنهال على رجال البوليس مع الأجساد تتعرى للرصاص، والملابس تتحول إلى مشاعل توقد شعلة العشق، الموت، مع أربعة عشر قتيلًا بعد قتيل وعدتهم الصبية قتيلًا بعد قتيل وعربة الإسعاف في كل مرة تنطلق مع شارع العباسي في مدينة المنصورة في يوم من أيام 1934، وقد تفجرت أحشاؤه وانطرح، وحفنة من رجال البوليس، ودم لم يعد يفور كما النافورة أحمر قانيًا، ينزلق قطرة قطرة مختلطًا بطين الشارع، ينحبس أسود مفحمًا.
 تحولت الطفلة إلى الصبية تتعرف الشر مجسدًا على مستوى الدولة".
 وتعرضت لطيفة الزيات للاعتقال في شبابها في أواخر الأربعينيات، وصدر ضدها حكمًا بالحبس مع إيقاف التنفيذ يتهمة الانضمام إلى تنظيم شيوعي يسعى لقلب نظام الحكم، ولم تتوقف عن العطاء للوطن في المجال الأكاديمي حيث عملت في تدريس الأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس، أو في المجال العام من خلال كتاباتها في الصحف والمجلات، أو من خلال إبداعها الأدبي وأبرزه رواية "الباب المفتوح" التي تحولت إلى فيلم سينمائي، وقد عالجت فيها الكفاح المسلح في القناة في الخمسينيات، أو من خلال مشاركتها في النشاط السياسي.
 وكان دورها الأخير الذي استمر لأكثر من 17 عامًا في رئاسة لجنة الدفاع عن الثقافة القومية التي ساهمت في إنشائها سنة 1979 عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل وانتشار دعاوى التطبيع الثقافي، وقد وضعت هذه اللجنة على كاهلها عبء "مقاومة التطبيع في المجال الثقافي والأكاديمي، والدفاع عن الثقافة المصرية ضد المؤثرات الأجنبية الضارة، لحماية المنطلقات الفكرية التحررية للشخصية الوطنية".
 وقد نجحت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية برئاسة لطيفة الزيات في التأثير في حركة المثقفين المصريين في مواجهة التطبيع مع إسرائيل، فأصبح رفض التطبيع الثقافي والأكاديمي الموقف الأساسي وما عاداه الشذوذ.
 لقد رأيت الدكتورة لطيفة الزيات في الشهور الأخيرة بعد أن علمت بمرضها، رأيت فيها نموذجًا للقوة الإنسانية في مواجهة الموت، كان شغلها الشاغل كيفية تنظيم وقتها فيما بقى لها من أسابيع تعيشها لكي تضع أولويات إتمام الأعمال التي بدأتها.
 لقد رأيت فيها تجسيدًا حيًا لثقافة الإنسان المصري الذي يتحدى الموت، رأيت فيها عبارة عالم المصريات جيمس هنري بريستد التي يصف فيها إبداع المصري القديم لمتون الأهرام بأنه:

 "الاحتجاج الملح بل الاحتجاج الحماسي ضد الموت... والثورة ضد الظلمة والسكون العظيمين."
من أوراق بدر الدين أبو غازي

(4)

 النهارده الذكرى 33 لرحيل بدر الدين أبو غازي، اخترت نص من النصوص اللي كتبها وما نشرهاش علشان أقدمه في ذكراه.

تقرير عن اليوم الأول من أيام الحملة

 اجتزت وزميلي بقية شارع الأزهر في الطريق إلى قرافة المماليك، وتبين بعد سؤال كثيرين أن الطريق إلى الجبانة شاق طويل، علينا أن نجتازه مشيًا على الأقدام لعدم وجود مواصلات إلى هناك.


 وبدأ الإعياء ينال مني بعد خطوات قصيرة في طريق شاق مرتفع تحت قيظ الشمس المشرقة، وبدأنا نبعد عن الضجيج رويدًا حتى شملنا صمت عميق، لم تكن تقطعه بين حين وحين غير خطوات شيخ مقبل نستبين منه الطريق إلى جبانة المماليك.
وعند مدخل الجبانة لقينا شخصين تدل ملامحهما على أنهما من أرباب هذه الحرفة، ومن سكان هذا المكان، وألقيا علينا نظرة فاحصة لم يستبينا منها شيئًا، ثم ردا تحيتنا بهمهمة خافتة فيها شيء من القلق وكثير من الضيق... ولم يكن اللقاء مشجعًا، فبدأنا نلتمس السبيل إلى مهمتنا بوسائل شتى، حتى اقتنع الرجلان وبدأا معاونتنا في كثير من التحفظ.


وكان التربية كثيري التذمر لتدخلنا في شؤنهم، وؤالهم عن أشياء يرون أنها سر يجب أن يحاط بالكتمان، واشتد ضيق بعضهم علينا حتى كاد يصل إلى شجار ردني عنه هدوء المكان وبعده عن الحياة، ونعش أقبل غير بعيد، فتخلف عنا البعض قائلين: "ما تعطلوناش، خلونا نشوف شغلنا".
ذكرت هذا المصير الهين عندهم فانقلب عبوسي ابتسامًا، ثم أخذنا نجتاز ربوع القرافة بحثًا عن الأشخاص، فتلقانا وجوه عابسة لا تكاد ترد السؤال.
وألح علينا الإعياء والتعب وألح معهما اليأس والضيق، فأخذنا نلتمس السبيل إلى الحياة حتى وصلنا شارع قايتباي، هناك وجدنا إناسًا في حركة وحياة، ودكاكين تنم على ماض كان به درجة من الانتعاش، والآن قد محا الزمن طلاءها، ومحا أسماء كانت قائمة عليها، فازدادت مهمتنا تعقيدًا في البحث عن الأسماء.
 البحث عن الأسماء هو أشق مهمة في مثل هذه الأحياء، هم يلقون كل قادم من "الحكومة" بشك وضيق، لأنهم ألفوا أن يروهم مقبلين وفي أيديهم النذر والعقاب، فاستقر في نفوسهم أن كل قادم يحمل ورقًا إنما يريد بهم شرًا.
لذلك ما تكاد تستفسر منهم عن اسم صاحب محل ما حتى يجيبك صاحبالمحل نفسه بأنه لا يدري، ويكلفك بلهجة الأمر أن تقرأ جميع الأسماء التي معك، فإذا وجد بينهم اسمه أجابك، ويضطرك بعدك عن الحياة والناس إلى أن تتلطف وتنفذ إرادته...
ولم تكد تمضي دقائق حتى تجمع حولنا صبية الحي وأشاعوا إننا جئنا "للم العيال" وكان ذلك كفيلًا بإحاطتنا بنظرات الكره والازدراء.
وكانت قبة قايتباي الجميلة تطالعنا تحت وهج الشمس المشرقة، فاتطلع إلى نقوشها وصمتها لأفر لحظة من عبوس الوجوه وضجة الناس.
وجلسنا على دكة محملة بالحشرات أشاعت في أجسادنا القشعريرة والقلق، ولم نكد نبدأ مهمتنا حتى زاد الضجيج، واشتد ضغط الجموع المحيطة بنا.
وكان الوقت قد تقدم، فعدنا نلتمس طريق العودة، ولقتنا في إحدى الطرقات الصامتة من جبانة المماليك سيارة رجونا صاحبها أن يحملنا إلى أقرب مكان عامر.

ومضت دقائق، وإذا بنا في شارع العباسية نلقى الحياة من جديد بعد أن غبنا عنها ساعات خلف تل من الأحجار والرماد.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...