الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

الاحتفال برأس السنة المصرية (2)



المقال الثاني
مخربشات
عيد المواطَنة المصرية
عماد أبو غازي

 منذ عامين تقريبا كتبت في هذا المكان تحت عنوان "النيروز الذي نسيناه"، محاولا التذكير بعيد من أهم الأعياد المصرية التي توارت في طي النسيان، عيد رأس السنة المصرية، الذي ظل المصريون يحتفلون به باعتباره عيدا من أبهج أعيدهم إلى أن جاء الاحتلال العثماني لمصر سنة 1517 فتوارى هذا العيد، ولم يظهر مرة أخرى إلا عندما قامت جمعية التوفيق بإحياء الاحتفال سنة 1893، لكنه أصبح احتفالا قاصرا على إلقاء الخطب والكلمات، وغلب عليه الطابع المصري المسيحي، وغاب عنه البعد القومي المصري، بل حتى غالبية المسيحيين المصريين لم يعودوا مهتمين بهذا الاحتفال فالمناسبة ليست دينية، وقد دعوت يومها إلى إحياء الاحتفال باعتباره تراثا ثقافيا مصريا كاد أن يندثر، وباعتبار أن السنة المصرية التي تبدأ بشهر توت هي الأساس الذي تقوم عليه الزراعة المصرية إلى الآن.
 والنيروز اليوم الأول من شهر توت أول شهور السنة المصرية القديمة، ويوافق 11 سبتمبر في السنوات البسيطة و12 سبتمبر في السنوات الكبيسة، وأصل هذا التقويم يرجع إلى عصر سحيق من عصور الحضارة المصرية القديمة، فقد ابتكر المصريون القدماء تقويمهم عام  4241 قبل الميلاد، وارتبط هذا التقويم بفيضان النيل مصدر الحياة في هذا البلد، فقد لاحظ المصريون أن هناك ارتباط بين وصول الفيضان إلى ذروته عند مدينة منف وشروق نجم ساطع في السماء قبل شروق الشمس وأطلق المصريون على هذا النجم اسم سوبديت، ويطلق العرب عليه اسم الشعرى اليمانية، واتخذ المصريون من هذا اليوم بداية لسنتهم النجمية التي يبلغ عدد أيامها 365 يوما مثل السنة الشمسية، وقسموا سنتهم إلى اثني عشر شهرا كل منها 30 يوما، وأضافوا لها الشهر الصغير نسيء من خمسة أيام، وعندما تبين للكهنة المصريين بعد ذلك أن السنة تتكون في الحقيقة من 365 يوما وربع يوم، أضافوا يوما سادسا لشهر نسيء مرة كل أربع سنوات.
 وعندما أراد يوليوس قيصر إصلاح التقويم الروماني وتحويله من تقويم قمري إلى تقويم شمسي استعان بالكهنة المصريين في الإسكندرية، وكان يوم أول توت وقتها يقابل التاسع والعشرين من الشهر السادس الذي أصبح اسمه فيما بعد أغسطس نسبة إلى الإمبراطور الروماني أوغسطس أوكتافيوس، أي في نفس الوقت الذي ما زلنا نحتفل فيه بعيد وفاء النيل، فأصل العيدين واحد، ثم مع الإصلاح الجريجوري للتقويم الميلادي أصبحت رأس السنة المصرية تقابل يوم 11 سبتمبر مثلما أصبح عيد الميلاد المجيد للكنيسة الأرثوذكسية، يوم 29 كيهك وفقا للتقويم المصري يقابل يوم 7 يناير بعد أن كان يقابل يوم 25 ديسمبر.
 والتقويم المصري القديم يعد أقدم تقويم عرفه الإنسان ومازال مستخدما للآن، فنحن الآن في سنة 6248 من سنوات التقويم المصري القديم، وفي أول توت القادم سنحتفل برأس سنة 6249 مصرية.
 وقد سجلت المقابر المصرية القديمة مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية حيث كان الناس يتبادلون الهدايا، ويتجمع الرجال والنساء في جماعات كبيرة ويركبون السفن والقوارب التي تتجول بهم في نهر النيل وهم يغنون ويعزفون الموسيقى ويرقصون في احتفال من أكثر الاحتفالات المصرية بهجة، وفي الاحتفال تدق بعض النساء الطبول، ويعزف بعض الرجال بالمزامير، ويقوم البعض بالتصفيق بالأيدي.
ورغم توالي عهود الاحتلال الأجنبي على مصر فقد حافظ المصريون على الاحتفال بهذه المناسبة عبر العصور، ويذكر المقريزي الذي عاش في عصر المماليك مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية في العصور الوسطى، والذي كان واحدا من الاحتفالات الكبرى التي يحتفل بها المصريون جميعا مسلمون ومسيحيون، كما كانت الدولة منذ العصر الفاطمي تحتفل على المستوى الرسمي بهذه المناسبة بتوزيع العطايا والخلع إلى جانب الاحتفالات الشعبية، والتي كانت تأخذ شكل كرنفالا شعبيا رائعا يخرج فيه الناس إلى المتنزهات العامة ويرشون بعضهم بالماء، ويختارون من بينهم شخصا ينصبونه أميرا للنيروز يسير بموكبه في الشوارع والحارات ويفرض على الناس الرسوم ويحصلها منهم ومن يرفض يرشه بالماء، وكل هذا طبعا من باب الدعابة واللهو.
 وكان الاحتفال الشعبي يتوقف في الفترات الذي تتصاعد فيها موجات التطرف الديني في العصور الوسطى إلى أن توقف تمام في العصر العثماني، لكن الجانب الرسمي للمناسبة ظل قائما لارتباط المناسبة بالفيضان وجباية الضرائب، حتى أن السنة المالية في العصر العثماني والقرن التاسع عشر كانت تسمى السنة التوتية نسبة إلى شهر توت أول شهورها.
 منذ أسابيع قليلة طرح الصديق بيومي قنديل، فكرة إحياء الاحتفال برأس السنة المصرية على المستوى القومي، والدعوة لهذا الاحتفال ليكون احتفالا يؤكد على فكرة المواطنة التي تجمع المصريين باختلاف انتماءاتهم الدينية وأصولهم العرقية، وليست هناك مناسبة تشكل مشتركا بين كل المصريين أكثر من هذه المناسبة، التي ترتبط بفيضان النيل وتضرب بجذورها في ماضينا البعيد.
 وأمس وأثناء تصفحي لموقع مجموعة "مصريون ضد التمييز الديني"، وهي مجموعة للمصريين المناهضين للتمييز الديني تدعو إلى إعلاء قيم حرية الفكر والاعتقاد وتعميق ثقافة المواطنة، توقفت في الموقع الإلكتروني عند اقتراح للمهندس شادي أنسي عجوة يدعو فيه المجموعة لأن "تشن حملة على أرض الواقع للتقريب بين المسلمين و المسيحيين و غيرهم بجعل هناك يوم مشترك يحمل صبغة مصرية يجمع كل المصريين" وقد أقترح "أن يكون هذا اليوم عيد تمام فيضان النيل رمز الخير في مصر و هو نفسه عيد رأس السنة المصرية الفرعونية".

 الأمر الذي شجعني على العودة للكتابة في هذا الموضوع مرة أخرى والدعوة مجددا للاحتفال برأس السنة المصرية شعبيا ورسميا، ولأن يكون أول توت من كل عام عيدا للمواطنة في مصر.

الاثنين، 12 سبتمبر 2016

الاحتفال برأس السنة المصرية
 امبارح كتبت على صفحتي على فيسبوك تهنئة بمناسبة راس السنة المصرية، لقيت عدد من المواقع الصحفية منزله خبر إني هنيت المصريين بالمناسبة دي، الحقيقة فرحت بالاهتمام ده، بس استغربت شوية، من سنين أنا وكتير غيري بندعو للاحتفال الشعبي والرسمي بأقدم عيد مصري، أنا من سنة 2005 باكتب عن الموضوع ده، النهارده هاعيد نشر تلت مقالات كتبتهم في عمودي في جرنال الدستور اللي كان اسمه مخربشات،
المقال الأول نشرته في سبتمبر 2005 وكان فيه تذكير براس السنة المصرية ودعوة لإحياء الاحتفال.
المقال التاني كان في يولية 2007 ودعيت فيه لتحويل عيد النيروز أو راس السنة المصرية لعيد للمواطنة المصرية.
والمقال التالت في سبتمبر 2007 بعد الاحتفال اللي عملته مجموعة مصريين ضد التمييز الديني في راس السنة المصرية، وفيه الكلمة اللي قلتها في الاحتفال وتغطية للي تم في اليوم ده.
 من سنة 2007 اتجددت الاحتفالات براس السنة المصرية وكل يوم بيزيد اللي عارفين معنى اليوم ده ومناسبته.


المقال الأول
مخربشات
النيروز الذي نسيناه
عماد أبو غازي

 مر علينا في الأسبوع الماضي عيد النيروز أو رأس السنة المصرية، دون أن نتذكره ونحتفل به بما يليق بقدره وأهميته، ربما تاهت المناسبة في غمرة الانتخابات الرئاسية، وفي وسط مأساة حريق بني سويف.
 لقد وافق يوم الأحد 11 سبتمبر اليوم الأول من شهر توت أول شهور السنة المصرية، والذي نسميه عيد النيروز، كان هذا العيد عبر العصور من أهم الأعياد التي يحتفل بها جميع المصريين لارتباطه بالنيل مصدر الحياة في مصر، وقد بدأ المصريون القدماء تقويمهم سنة 4241 قبل الميلاد، أي أننا هذا العام نبدأ سنة 6247 مصرية، وأطلق المصريون على الشهور أسماء الآلهة، وشهر توت مأخوذ من تحوت إله الحكمة ورب القلم ومخترع الكتابة ومقسم الزمن عند المصريين، وقد تم تحوير الاسم في اللغة القبطية إلى توت.
 وتقترن بداية السنة المصرية القديمة بشروق النجم سوبديت الذي يسميه العرب الشعرى اليمانية في الأفق مع شروق الشمس، وقد لاحظ المصريون ارتباط هذه الظاهرة الفلكية بوصول الفيضان إلى مدينة منف، فاتخذوا من هذه المناسبة بداية لتقويمهم النجمي الذي تتكون فيه السنة من 365 يوما وربع، مثل التقويم الشمسي، وقد توصل المصريون القدماء إلى اكتشاف هذا النظام لتتابع الزمن في وقت مبكر للغاية، ومثل هذا التقويم النجمي الذي ترتبط فيه الشهور بفصول السنة الطبيعية ملائم تماما للزراعة، لذلك اعتمد الفلاح المصري في الزراعة على هذا التقويم منذ أكثر من ستة آلاف سنة وما زال.
 وقد كان التقويم المصري القديم مكونا من 12 شهرا كل منها 30 يوما، يعقبها شهر صغير من خمسة أيام اسمه شهر نسئ، ثم اكتشف الكهنة المصريون في عصور لاحقة أن السنة الفعلية 365 يوما وربع، فأضافوا إلى شهر نسئ يوما سادسا مرة كل أربع سنوات، وكان المصريون يبدءون مع عصر كل حاكم جديد مسلسلا جديدا للسنوات، إلى أن جاء عصر الاضطهاد الديني الذي تعرض له المصريون الذين اعتنقوا المسيحية على يد الإمبراطور دقلديانوس أواخر القرن الثالث الميلادي، والذي يعرف بعصر الشهداء، فاتخذت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من عام 284م الذي تولى فيه دقلديانوس الحكم بداية لتقويم الشهداء، وقد وصلنا فيه اليوم لسنة 1722.
 أما عن الاحتفال بهذه المناسبة عبر العصور فيقول عالم الآثار المصرية الأستاذ محرم كمال في كتابه الصغير والمهم عن آثار الحضارة المصرية القديمة في حياتنا اليومية، "كان هذا العيد أهم الأعياد التي يحتفل بها المصريون القدماء وكان يجري مهرجان بأكبر بهجة يتصورها العقل ... كان يجتمع الرجال والنساء في جماعات كبيرة ويحشرون أنفسهم حشرا في السفن والقوارب دون مراعاة للسن، فإذا استقر بهم المقام بدأ النساء في دق الطبول وأخذ الرجال يوقعون الأنغام على المزمار ويساعدهم فريق آخر بالغناء والأهازيج وثالث بالتصفيق بالأيدي كما جرت العادة في الحفلات الموسيقية في مصر"، وتسجل المقابر المصرية القديمة من مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية كذلك تبادل الهدايا بين الناس.
ورغم توالي عهود الاحتلال الأجنبي على مصر فقد حافظ المصريون على الاحتفال بهذه المناسبة عبر العصور، ويذكر المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية في العصور الوسطى، والذي كان واحدا من الاحتفالات الكبرى التي يحتفل بها المصريون جميعا مسلمون ومسيحيون، كما كانت الدولة منذ العصر الفاطمي تحتفل على المستوى الرسمي بهذه المناسبة بتوزيع العطايا والخلع إلى جانب الاحتفالات الشعبية، والتي كانت تأخذ شكل كرنفالا شعبيا رائعا يخرج فيه الناس إلى المتنزهات العامة ويرشون بعضهم بالماء، ويختارون من بينهم شخصا ينصبونه أميرا للنيروز يسير بموكبه في الشوارع والحارات ويفرض على الناس الرسوم ويحصلها منهم ومن يرفض يرشه بالماء، وكل هذا طبعا من باب الدعابة واللهو.
 وكان الاحتفال الشعبي يتوقف في الفترات الذي تتصاعد فيها موجات التطرف الديني في العصور الوسطى إلى أن توقف تمام في العصر العثماني، لكن الجانب الرسمي للمناسبة ظل قائما لارتباط المناسبة بالفيضان وجباية الضرائب، حتى أن السنة المالية في العصر العثماني والقرن التاسع عشر كانت تسمى السنة التوتية نسبة إلى شهر توت، وقد أعادت جمعية التوفيق القبطية الاحتفال بهذه المناسبة مرة أخرى اعتبارا من عام 1893 لكن الاحتفال أخذ شكل إلقاء الكلمات وإصدار المطبوعات.
لقد حرصت منذ سنوات أن أهنأ أصدقائي بهذه المناسبة، وقد فوجئت بأن الكثيرين منا لا يعرفونها رغم أن الحياة الزراعية في مصر تقوم عليها، وزاد عجبي عندما اكتشفت أن بعض أصدقائي من المسيحيين لا يتذكرون هذا اليوم ويتعجبون عندما أقول لهم كل سنة وأنتم طيبين، فيردوا بمناسبة إيه؟

 إنها دعوة لإعادة الاحتفال شعبيا ورسميا برأس السنة المصرية، أقدم وأهم عيد مصري عبر العصور، ويوم أجازة زيادة مش هيخرب الدنيا، وكل توت وأنتم طيبين.

الأحد، 11 سبتمبر 2016

لطيفة الزيات:

 بطلة انتفاضة 1946

 وفارسة مواجهة التطبيع

 زي النهارده من عشرين سنة كنا في وداع الدكتورة لطيفة الزيات اللي رحلت عن عالمنا يوم 10 سبتمبر 1996، ودي المقالة اللي كتبتها في جريدة الدستور رثاء لها.



 غربت عن عالمنا في الأسبوع الماضي شمس من شموس ثقافتنا الوطنية، فقد رحلت عنا الدكتورة لطيفة الزيات في العاشر من سبتمبر بعد أن خلفت ورأها إسهامًا بارزًا في بناء الثقافة المصرية، وتراثًا من العطاء للوطن، من خلال أعمالها النقدية والإبداعية، ومن خلال دورها البارز في النضال الوطني والديمقراطي منذ الأربيعنيات وحتى رحيلها؛ لقد وهبت لطيفة الزيات حياتها لهذا الوطن، للدفاع عن حريته واستقلاله، للدفاع عن ثقافته وكل ما فيها من قيم إيجابية.
 لقد انخرطت لطيفة الزيات في النضال الوطني وهي طالبة في كلية الآداب في الأربعينيات، وانتمت إلى الفكر الاشتراكي، وتصاعد دورها في العمل السياسي حتى انتخبت سكرتيرة عامة للجنة الوطنية للعمال والطلبة سنة 1946؛ هذه اللجنة التي قادت الكفاح ضد المستعمر البريطاني، ونجحت في تنظيم مظاهرة 21 فبراير 1946 الشهيرة.
 وأترك المجال للدكتورة لطيفة الزيات لتصف كيف تكون لديها الحس الوطني وهي بعد صبية في الحادية عشر من عمرها، في سنة 1934، من خلال كتابها "حملة تفتيش ـ أوراق شخصية"، الصادر سنة 1992، تقول لطيفة الزيات:
 "لا أجد في حضن أمي الملاذ من شرور الدنيا وأنا في الحادية عشر من عمري، أطل من شرفة بيتنا في شارع العباسي بالمنصورة، لا أحد يجيرني، لا أحد يملك أن يجيرني، لا أبي يحاول انتزاعي من الشرفة حتى لا أرى ولا أسمع، ولا أمي تبكي بلا صوت، وأنا أنتفض بالشعور بالعجز بالأسى بالقهر، ورصاص البوليس يردي أربعة عشر قتيلًامن بين المتظاهرين ذلك اليوم، وأنا أصرخ بعجزي عن الفعل، بعجزي عن النزول إلى الشارع لإيقاف الرصاص ينطلق من البنادق السوداء، أسقط الطفلة عني، والصبية تبلغ قبل أوان البلوغ مثخنة بمعرفة تتعدى حدود البيت لتشمل الوطن في كليته، ومصيري المستقبلي يتحدد في التو واللحظة وأنا أدخل باب الالتزام الوطني من أقسى وأعنف أبوابه، يضنيني الرجوع ولو قليلًا عنه، ويحملني هذا الرجوع الشعور بالإثم، ويعذبني اختناق صوتي حين نختنق، ويحدوني رجاء لا يبين أن أظل قادرة على قولة: لا لكل مظالم الدنيا.
 كان ذلك في يوم من أيام 1934، ورئيس الوزراء يرفض السماح لمصطفى النحاس، زعيم حزب الوفد والأغلبية بالقيام بزيارة للأقاليم تتضمن زيارة المنصورة، يوقف حركة القطارات، ويأتي موكب النحاس في السيارات، تحيل بلدية المنصورة شارعنا وبقية الشوارع الرئيسية إلى مجموعة متتالية من الخنادق لتحول دون موكب النحاس والتقدم.
 والشوارع تعج بآلاف المتظاهرين، وشارعنا يتقدم منه البعض بعد البعض يحمل سيارة النحاس باشا على أكتافه، يتجاوز بها خندقًا بعد خندق في شارعنا، والموكب يتقدم رغم كل شيء، وصيحات انتصار عارمة، انتصار إرادة الجماهير، وبنادق سوداء كابية تصنع حدًا نهائيًا للموكب والمظاهرة... ومع الدم كما النافورة فار أحمر قانيًا فوق رؤس الكتلة البشرية المتخبطة وانحسر مع الهدير المنتصر للجماهير وقد اغتيل، وموجة من البشر تنحسر بعد موجة، مع أزرار نحاسية تضوي في أشعة الشمس مع بنادق طويلة سوداء كابية، مع قذائف الطوب تنهال على رجال البوليس مع الأجساد تتعرى للرصاص، والملابس تتحول إلى مشاعل توقد شعلة العشق، الموت، مع أربعة عشر قتيلًا بعد قتيل وعدتهم الصبية قتيلًا بعد قتيل وعربة الإسعاف في كل مرة تنطلق مع شارع العباسي في مدينة المنصورة في يوم من أيام 1934، وقد تفجرت أحشاؤه وانطرح، وحفنة من رجال البوليس، ودم لم يعد يفور كما النافورة أحمر قانيًا، ينزلق قطرة قطرة مختلطًا بطين الشارع، ينحبس أسود مفحمًا.
 تحولت الطفلة إلى الصبية تتعرف الشر مجسدًا على مستوى الدولة".
 وتعرضت لطيفة الزيات للاعتقال في شبابها في أواخر الأربعينيات، وصدر ضدها حكمًا بالحبس مع إيقاف التنفيذ يتهمة الانضمام إلى تنظيم شيوعي يسعى لقلب نظام الحكم، ولم تتوقف عن العطاء للوطن في المجال الأكاديمي حيث عملت في تدريس الأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس، أو في المجال العام من خلال كتاباتها في الصحف والمجلات، أو من خلال إبداعها الأدبي وأبرزه رواية "الباب المفتوح" التي تحولت إلى فيلم سينمائي، وقد عالجت فيها الكفاح المسلح في القناة في الخمسينيات، أو من خلال مشاركتها في النشاط السياسي.
 وكان دورها الأخير الذي استمر لأكثر من 17 عامًا في رئاسة لجنة الدفاع عن الثقافة القومية التي ساهمت في إنشائها سنة 1979 عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل وانتشار دعاوى التطبيع الثقافي، وقد وضعت هذه اللجنة على كاهلها عبء "مقاومة التطبيع في المجال الثقافي والأكاديمي، والدفاع عن الثقافة المصرية ضد المؤثرات الأجنبية الضارة، لحماية المنطلقات الفكرية التحررية للشخصية الوطنية".
 وقد نجحت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية برئاسة لطيفة الزيات في التأثير في حركة المثقفين المصريين في مواجهة التطبيع مع إسرائيل، فأصبح رفض التطبيع الثقافي والأكاديمي الموقف الأساسي وما عاداه الشذوذ.
 لقد رأيت الدكتورة لطيفة الزيات في الشهور الأخيرة بعد أن علمت بمرضها، رأيت فيها نموذجًا للقوة الإنسانية في مواجهة الموت، كان شغلها الشاغل كيفية تنظيم وقتها فيما بقى لها من أسابيع تعيشها لكي تضع أولويات إتمام الأعمال التي بدأتها.
 لقد رأيت فيها تجسيدًا حيًا لثقافة الإنسان المصري الذي يتحدى الموت، رأيت فيها عبارة عالم المصريات جيمس هنري بريستد التي يصف فيها إبداع المصري القديم لمتون الأهرام بأنه:

 "الاحتجاج الملح بل الاحتجاج الحماسي ضد الموت... والثورة ضد الظلمة والسكون العظيمين."
من أوراق بدر الدين أبو غازي

(4)

 النهارده الذكرى 33 لرحيل بدر الدين أبو غازي، اخترت نص من النصوص اللي كتبها وما نشرهاش علشان أقدمه في ذكراه.

تقرير عن اليوم الأول من أيام الحملة

 اجتزت وزميلي بقية شارع الأزهر في الطريق إلى قرافة المماليك، وتبين بعد سؤال كثيرين أن الطريق إلى الجبانة شاق طويل، علينا أن نجتازه مشيًا على الأقدام لعدم وجود مواصلات إلى هناك.


 وبدأ الإعياء ينال مني بعد خطوات قصيرة في طريق شاق مرتفع تحت قيظ الشمس المشرقة، وبدأنا نبعد عن الضجيج رويدًا حتى شملنا صمت عميق، لم تكن تقطعه بين حين وحين غير خطوات شيخ مقبل نستبين منه الطريق إلى جبانة المماليك.
وعند مدخل الجبانة لقينا شخصين تدل ملامحهما على أنهما من أرباب هذه الحرفة، ومن سكان هذا المكان، وألقيا علينا نظرة فاحصة لم يستبينا منها شيئًا، ثم ردا تحيتنا بهمهمة خافتة فيها شيء من القلق وكثير من الضيق... ولم يكن اللقاء مشجعًا، فبدأنا نلتمس السبيل إلى مهمتنا بوسائل شتى، حتى اقتنع الرجلان وبدأا معاونتنا في كثير من التحفظ.


وكان التربية كثيري التذمر لتدخلنا في شؤنهم، وؤالهم عن أشياء يرون أنها سر يجب أن يحاط بالكتمان، واشتد ضيق بعضهم علينا حتى كاد يصل إلى شجار ردني عنه هدوء المكان وبعده عن الحياة، ونعش أقبل غير بعيد، فتخلف عنا البعض قائلين: "ما تعطلوناش، خلونا نشوف شغلنا".
ذكرت هذا المصير الهين عندهم فانقلب عبوسي ابتسامًا، ثم أخذنا نجتاز ربوع القرافة بحثًا عن الأشخاص، فتلقانا وجوه عابسة لا تكاد ترد السؤال.
وألح علينا الإعياء والتعب وألح معهما اليأس والضيق، فأخذنا نلتمس السبيل إلى الحياة حتى وصلنا شارع قايتباي، هناك وجدنا إناسًا في حركة وحياة، ودكاكين تنم على ماض كان به درجة من الانتعاش، والآن قد محا الزمن طلاءها، ومحا أسماء كانت قائمة عليها، فازدادت مهمتنا تعقيدًا في البحث عن الأسماء.
 البحث عن الأسماء هو أشق مهمة في مثل هذه الأحياء، هم يلقون كل قادم من "الحكومة" بشك وضيق، لأنهم ألفوا أن يروهم مقبلين وفي أيديهم النذر والعقاب، فاستقر في نفوسهم أن كل قادم يحمل ورقًا إنما يريد بهم شرًا.
لذلك ما تكاد تستفسر منهم عن اسم صاحب محل ما حتى يجيبك صاحبالمحل نفسه بأنه لا يدري، ويكلفك بلهجة الأمر أن تقرأ جميع الأسماء التي معك، فإذا وجد بينهم اسمه أجابك، ويضطرك بعدك عن الحياة والناس إلى أن تتلطف وتنفذ إرادته...
ولم تكد تمضي دقائق حتى تجمع حولنا صبية الحي وأشاعوا إننا جئنا "للم العيال" وكان ذلك كفيلًا بإحاطتنا بنظرات الكره والازدراء.
وكانت قبة قايتباي الجميلة تطالعنا تحت وهج الشمس المشرقة، فاتطلع إلى نقوشها وصمتها لأفر لحظة من عبوس الوجوه وضجة الناس.
وجلسنا على دكة محملة بالحشرات أشاعت في أجسادنا القشعريرة والقلق، ولم نكد نبدأ مهمتنا حتى زاد الضجيج، واشتد ضغط الجموع المحيطة بنا.
وكان الوقت قد تقدم، فعدنا نلتمس طريق العودة، ولقتنا في إحدى الطرقات الصامتة من جبانة المماليك سيارة رجونا صاحبها أن يحملنا إلى أقرب مكان عامر.

ومضت دقائق، وإذا بنا في شارع العباسية نلقى الحياة من جديد بعد أن غبنا عنها ساعات خلف تل من الأحجار والرماد.

الاثنين، 5 سبتمبر 2016

من صندوق الذكريات
مشروع إحياء حزب مصطفى كامل الوطني الذي لم يتم
(نشر هذا المقال في مجلة الهلال عدد سبتمبر 2016)

عماد أبو غازي
 أثناء قيامي بترتيب أوراقي القديمة التي جمعت شتاتها من بيت الأسرة في المعادي ومنزل جدتي لأبي بالمنيل صادفت حافظة أوراق غارقة في الأتربة، زرقاء اللون من "الفبر"، من ذلك النوع الذي كنا نستخدمه في زمن ولى لحفظ أوراقنا، وعلى الحافظة بطاقة تعريف بيضاء صغيرة بإطار أزرق مزخرف ـ تيكت مدرسي يعرفه جيدًا من هم في سني ـ مكتوب عليها بخط يدي عبارة "الحزب الوطني"؛ لم أتصور ما الذي يمكن أن أجده بداخل الحافظة!
 فتحت الحافظة على الفور لأجد فيها كتيبًا صغير الحجم، لا يتناسب حجمه مع حجم الحافظة التي تحتويه، بغلاف كان في يوم ما أبيض اللون، تحول إلى الإصفرار بفعل الزمن، تعلوه الأتربة لدرجة أخفت بعض ملامحه، العنوان المطبوع على غلاف الكتيب:
 "مشروع برنامج الحزب الوطني المقدم إلى اللجنة التحضيرية للحزب".
 أما ترويسة الغلاف فنصها:
 "اللجنة التحضيرية للحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل في ديسمبر 1907".
 ما هذا هل أملك مشروع البرنامج التأسيسي للحزب الوطني حزب مصطفى كامل فعلًا؟
 ربما، فجدي لأمي كان من الشباب الذين انضموا للحزب عند تأسيسه، لكن سرعان ما وجدت الإجابة بمجرد إزاحة الأتربة من على غلاف الكتيب، فهناك نص ثالث يقول:
 "من الأستاذ فتحي رضوان توطئة لعرضه على الجمعية العمومية للحزب الوطني".


 عندما وقعت عيناي على هذه العبارة أضاءت الذاكرة فجأة، تذكرت الحكاية بكثير من تفاصيلها التي مر عليها أكثر من أربعين عامًا؛ كانت المناسبة ندوة علمية للاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لميلاد الزعيم مصطفى كامل في أغسطس 1974، وكان مكان الاحتفال في القاعة الرئيسية بالجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والأحصاء بشارع رمسيس، وكانت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية هي الجهة المنظمة للاحتفال، كنت وقتها طالبًا أنهيت دراستي بالسنة الثانية في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكانت المرة الأولى التي أحضر فيها نشاطًا للجمعية التاريخية، وكان أحد أحب أساتذتنا إلى قلوبنا ونحن طلاب الدكتور محمد أنيس مشاركًا ببحث في الندوة، مما دفعنا للحرص على حضور الندوة، ذهبت إلى الندوة بصحبة أبي الذي كان مهتمًا بموضعها.
 وهناك ألتقيت بالأستاذ فتحي رضوان الذي كان مشاركًا في الندوة ومتحدثًا فيها باعتباره من تلاميذ مدرسة مصطفى كامل السياسية، وكان الرجل قد أسس قبل 1952 الحزب الوطني الجديد من مجموعة من الشباب المؤمنين بمبادئ الحزب الوطني، والمعارضين في ذات الوقت لأسلوب القيادات  التاريخية للحزب القديم في ذلك الوقت، كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بالأستاذ فتحي رضوان وجهًا لوجه وأنا شاب ناضج، ربما شاهدته مرتين أو ثلاثة وأنا طفل صغير بصحبة أبي وأمي في الإسكندرية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، فقد كانت تربطه بأبي صداقة قديمة ترجع إلى أواخر الثلاثينيات عندما تولى الرجل وهو محامي شاب قضية نزاع على ميراث المثال مختار، كان فيها محاميًا لوالدة مختار وشقيقتيه، وإحداهما جدتي لأبي.

 في ذلك اليوم من صيف عام 1974 حضر فتحي رضوان إلى الندوة، وبصحبته مجموعة من المطبوعات الصغيرة وزعها على بعض الحضور، وكان أحدها من نصيبي؛ كانت المطبوعة المكونة من أربع صفحات عبارة عن دعوة لإعادة إحياء حزب مصطفى كامل، في وقت لم يكن مصرحًا فيه بتشكيل الأحزاب السياسية في مصر، ففي نفس الشهر، شهر أغسطس من سنة 1974 طرح الرئيس السادات ما يعرف بورقة أغسطس، والتي كان أسمها الرسمي "ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي العربي"، كانت الورقة محاولة لفتح حوار مجتمعي واسع حول مستقبل التنظيم السياسي الواحد بعد انتصار أكتوبر، وكان التوجه الأساسي للدولة وقتها إقامة منابر ثابتة أو متحركة داخل التنظيم، وهي فكرة كانت قد طرحت للمرة الأولى عقب مظاهرات الطلاب والعمال في فبراير 1968 في إطار محاولات إحتواء آثار النكسة، لكن الفكرة لم يقدر لها الاستمرار وقتها.

 كانت هذه المطبوعة التي كان يفترض أن تكون داخل الحافظة الزرقاء، والتي لم أتمكن إلى الآن من العثور عليها ضمن أوراقي هي أساس لمشروع طرحه فتحي رضوان وقتها لإعادة تأسيس الحزب الوطني الذي كان قد تم حله مع باقي الأحزاب السياسية في يناير 1953.
 فما هي قصة هذا المشروع؟
 في ذلك الزمن؛ سنوات النصف الأول من السبعينيات، كانت أشياء كثيرة تتغير في مصر، يبدو معها في الظاهر أن مصر تدخل عصرًا جديدًا، عصر بدأ منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي.
 فمن ناحية أسفر الصراع على قمة السلطة بعد رحيل الرئيس عبد الناصر عن استبعاد مجموعة من قيادات النظام الذين كانوا يعتبرون الأقرب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتم إيداع بعضهم في السجون بعد محاكمة سياسية خارج الأطر القضائية التقليدية، واستتب الأمر للرئيس الجديد والمجموعة التي إلتفت حوله، فيما أطلق عليه الرئيس السادات وقتها ثورة التصحيح، وقد واكبها صدور مجموعة من التعديلات القانونية عرفت بقوانين الحريات، ثم الدستور الدائم للبلاد، دستور 1971، الأمر الذي خلق هامشًا من الحرية كان مفتقدًا لسنوات، وإن كان هذا الصراع قد أدى إلى ارتباك في التنظيم السياسي الوحيد المعترف به في البلاد؛ الاتحاد الاشتراكي العربي.
 ومن ناحية أخرى بدأ القادة التاريخيون الباقين على قيد الحياة من قادة تنظيم الضباط الأحرار يصدرون بيانات سياسية جماعية موجهة إلى رئيس الجمهورية، مقدمة له النصح والمشورة السياسية، التي رفضها معتبرًا إياها محاولة لفرض الوصاية عليه.
 في الوقت نفسه تفجرت الاحتجاجات الطلابية مجددًا بعد هدوء نسبي استمر من 1968، في هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات الطلابية بدا أننا أمام حركة أكثر استمرارًا، وأكثر جذرية في مطالبها السياسية المتبلورة حول قضيتي تحرير الأرض والديمقراطية، لقد استمرت الاحتجاجات منذ أواخر عام 1971 حتى نهاية العام الدراسي في صيف 1973، كانت الحركة الطلابية التي شارك فيها آلاف الطلاب في الجامعات المصرية تبتكر أشكالها التنظيمية المستقلة؛ اللجان الوطنية للطلاب عام 1971/1972 ولجان الدفاع عن الديمقراطية عام 1972/1973، وتلقت الحركة تأييدًا من عدد من الكتاب والمثقفين من خلال البيان الذي أصدره توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة، ووقع عليه أكثر من مئة شخصية، وقد تراجعت الحركة بشكل واضح بعد حرب أكتوبر 1973، وإن استمرت بعض مكتسباتها لسنوات قليلة تالية.
 كانت الاحتجاجات العمالية تتصاعد، والعمال يشكلون لجان الإضراب كبديل عن النقابات التي تسيطر عليها السلطة، وكانت الحلقة الثالثة من الحركة الشيوعية المصرية تولد متفاعلة مع هذا الحراك العمالي والطلابي.
 بدأت الآفاق تتفتح أمام مراجعة التجربة المصرية في الحقبة الناصرية فكريًا وسياسيًا وأخلاقيًا، وكان كتاب توفيق الحكيم الصغير في حجمه الكبير في قيمته "عودة الوعي" فاتحة القول في هذه المراجعة، وسقطت تدريجيًا المحظورات في الحديث عن الماضي.

 وبعد حرب أكتوبر 1973 بدأ الرئيس السادات يفتح الباب من أعلى لإعادة النظر في كثير من الثوابت التي كانت مستقرة منذ وصول الضباط الأحرار إلى السلطة في يوليو 1952، فقدم الرئيس السادات الوثيقة السياسية لنظامه، والتي عرفت بورقة أكتوبر، وتم استفتاء الشعب عليها في 15 مايو 1974، في ذكرى ما كان يسمى بثورة التصحيح، وحاذت الورقة على نسبة الموافقة المعتادة في الاستفتاءات المصرية.

 هذه صورة مختصرة عن الحالة العامة في مصر في هذه الحقبة؛ في صيف 1974 كانت تسعة أشهر قد مرت على حرب أكتوبر 1973، وكان النقاش حول المستقبل على أشده، هذا النقاش الذي عايشنا مثله في صيف عام 1967 المرير وخلال عام 1968، لكن في أجواء هزيمة قاسية، يتجدد تلك المرة في أجواء الانتصار.
 في هذا السياق بادر فتحي رضوان بطرح مشروعه، فتحي رضوان ذلك الرجل المخضرم صاحب الإسهامات المتعددة  في حياة مصر السياسية والثقافية والفكرية في القرن العشرين، ولد الرجل في 14 مايو 1911، وتفتح إدراكه على الحياة العامة من حوله مع تفجر الثورة المصرية الكبرى سنة 1919، وساهم في النشاط الطلابي في مدرسته في العشرينيات، وفي مطلع الثلاثينيات شارك زميل صباه وشبابه أحمد حسين في تأسيس مصر الفتاة وفي مشروع القرش، لكن سرعان ما انفصل عنه، وكانت مبادئ الحزب الوطني، حزب مصطفى كامل، تشكل عقيدته السياسية طوال السنوات التالية، وظل مخلصًا لها حتى رحيله عنا، تم اعتقاله في العصر الملكي، وتولى الوزارة عدة مرات بعد 1952، ويعتبر المؤسس لوزارة الإرشاد القومي التي نبتت منها وزارة الثقافة، وابتعد عن المشهد السياسي منذ أواخر الخمسينيات حتى عاد إلى الصورة بقوة في السبعينيات، وكانت البداية بهذه المطبوعة، والتي أكملها بعدها بعدة سنوات بهذا الكتيب الصغير الذي يحوي مشروع برنامج الحزب الوطني، وكانت صلتي قد توثقت بالرجل فكنت أتردد عليه في مكتبه للمحاماه بشارع عبد الخالق ثروت، وحصلت منه على نسخة من المشروع؛ مشروع برنامج الحزب الوطني.

 يتكون البرنامج الذي يقع في 25 صفحة من القطع الصغير من أثنتي عشرة نقطة، تبدأ بالمبادئ، وهي ستة مبادئ والتي تمت صياغتها على لسان المؤسسين، ويستهلها بالضمير "نحن".
 تقول مبادئ الحزب:
 "نحن نؤمن بأنه يجب أن تكون غاية كل مواطن أن يحرر الوطن من كل قيد يحد من سيادته أو إرادته أو وحدته.
 وأن يبقى المواطنون ساهرين أبدًا لحماية حريتهم ورد العدوان عن استقلال الوطن ووحدة أراضيه، والحيلولة دون خضوعهم لأية صورة من صور السيطرة الأجنبية: عسكرية كانت أو سياسية أو اقتصادية.
 ونحن نؤمن بأن المواطنين لن ينجحوا في تحقيق هذه الغاية إلا إذغ اتحدوا عندها، وآمنوا بالكفاح والتضحية وسيلة وتسلحوا روحيًا وماديًا، وقضوا على كل دعوة للمهادنة أو اعتبار المفاوضة هي السبيل الأول للتحرير.
 ونحن نؤمن بأن استقلال السودان الذي نحرص عليه، لا ينبغي أن يحول دون قيام وحدة بين شطري وادي النيل: سواء كان شكل هذه الوحدة تعاهديًا أو اتحاديًا أو دولة موحدة، كما نؤمن بأن الوحدة الكاملة لوادي النيل هي التعبير عن الحتمي للعلاقة بين مصر والسودان سينتهي إليها أهل القطرين بإرادتهم الحرة واقتناعهم التام وسعيهم الدائب بلا قهر ولا ضغط.
 لذلك نحن نتعهد لكي نحقق هذه الأهداف بأن نعمل لتكون التربية الوطنية التي تبثها أجهزة التعليم والتثقيف والتوجيه والإرشاد العام، وسيلة لخلق رأي عام وطني مستنير وشجاع قادر على تقويم القادة وتسديد خطاهم ورفض كل تقصير وعيب وسوء مسلك من أي شخص أو سلطة أو هيئة وفي أي موقع، بلا خوف ولا مجاملة ولا ضعف، وهي الأسس التي وضعها مصطفى كامل مؤسس الحزب الوطني وخلفاؤه، حتى تتحقق هذه الأهداف وتبقى بعد تحقيقها مصونة أبدًا.
 نحن نؤمن بأن للعمل الوطني هدفين أساسيين:
 أولهما: التحرير، وثانيهما: قيام حكومة منتخبة تمثل المواطنين تمثيلًا صحيحًا، وتحقق لهم رخاءً وأمنًا، وتوزع عليهم جميع خيرات الوطن وأعباء حمايته والنهوض به بالعدل والمساواة... مع بذل أقصى الجهد لنزيد سعادة وأرزاق الطبقات الأشد حرمانًا، على أن يضرب زعماء الحزب داخل وخارج الحكم المثل في التحلي بالفضائل والبساطة والتواضع وإدامة الصلة بالجماهير.
 ونحن ندعو إلى إلغاء جميع القوانين والقرارات والأوامر المقيدة لحريات الأفراد والجماعات والهيئات وفي مقدمتها قانون محكمة حماية القيم من العيب، وقانون الأحزاب، وقانون الصحافة، والقانون رقم 37 لسنة 1972، وقانون المحاكم العسكرية، وقانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، وبالجملة جميع القوانين التي تفرض قيدًا على اجتماع المواطنين أو تظاهرهم أو تكوين الجمعيات أو الأحزاب، أو إصدار الصحف أو الدوريات".
 كانت هذه هي المبادئ الأساسية للحزب تصدم مع كثير من سياسات النظام وقتها، خاصة في يتعلق بالحريات؛ أما باقي عناصر البرنامج أو نقاطه فتبين موقف الحزب من مختلف القضايا الداخلية والخارجية.
 النقطة الثانية عنوانها "في المحيط العربي الإسلامي" وتتناول رؤية الحزب لعلاقة مصر بالأمتين العربية والإسلامية، وتشمل هذه النقطة الحديث عن القضية الفلسطينية التي يراها البرنامج امتدادًا لقضية استقلال مصر، كما تحوي رؤية لتطوير الجامعة العربية، بينما تحدد النقطة الثالثة من مشروع برنامج الحزب الوطني رؤية الحزب للسياسة الخارجية، وتبدو فيها روح أفكار التحرر الوطني التي ترسخت منذ الأربعينات، وعدم الانحياز التي ظهرت في منتصف الخمسينيات واضحة جلية.
 وتعرض النقطة الرابعة رؤية الحزب للدستور، وتركز بشكل أساسي على قضية الحريات، كما يشير البرنامج إلى ما عانت منه مصر دومًا بتحول دساتيرها إلى حبر على ورق، ويرى الحل في ترسيخ إيمان الشعب بالمبادئ الدستورية، وتؤكد على "حق كل مصري أيًا كان دينه أو مركزه أو درجة ثروته في إبدأ رأيه واختيار مذهبه السياسي وممارسته، وفي انتخاب ممثليه انتخابًا حرًا عن طريق التصويت السري العام".
 أما النقطة الخامسة فتناقش نظام الحكم، وتؤكد على ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية انتخابًا حرًا مباشرًا على درجة واحدة، كما نادى البرنامج بأن يكون من حق كل مصري تتوافر فيه شروط الترشح ترشيح نفسه للرئاسة، وأن يكون منصب نائب الرئيس أيضًا بالانتخاب، ودعا البرنامج لأن ينتخب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.
 وتحمل النقطة السادسة عنوان آداة الحكم، وتتناول الحكومة واستقلال القضاء، والتنظيم الإداري للدولة، وضبط الإنفاق الحكومي، والعمل على تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار، كما قدمت هذه النقطة تصورًا لإنشاء هيئة عليا ذات حصانة للأشراف على الإذاعة المسموعة والمرئية.
وتختص النقطة السابعة التي تعتبر أطول أقسام البرنامج برؤية الحزب للاقتصاد وهي رؤية تقوم على مسئولية الدولة عن توفير الضمان الاجتماعي للمواطنين، والعمل على تضييق الفوارق بين الطبقات من خلال ضريبة تصاعدية موحدة، مع إلغاء جميع الضرائب النوعية، ويؤمن الحزب بالتعاون كمبدأ اقتصادي اجتماعي.
 ورغم أن الحزب يؤمن بمبدأ الملكية الخاصة إلا أنه يتبنى في الوقت نفسه حق الدولة في "التأميم لمقتضيات الظروف الاقتصادية ولحماية الثروة القومية من الاستغلال والاحتكار، على أن يكون التأميم مقابل تعويض عادل وأن ينصب في مبدئه على مرافق الدولة ومصادر الثروة"، كما يدعو إلى تحريم فرض الحراسة الإدارية على الأفراد المصريين.
 ويعتبر الحزب الوطني أن الزراعة هي الأساس الأول من أسس لاقتصاد بوادي النيل، ويهتم بحماية الأرض الزراعية بشؤون العمال الزراعيين، كما يشير البرنامج إلى تطوير الصناعات والاهتمام بالتعليم الفني وبالنقابات العمالية.
 ويخصص البرنامج الاقتصادي مساحة كبيرة لتصور إدارة البنك المركزي وتشكيل مجلس إدارته وتحصين رئيسه من العزل طوال فترة توليه منصبه.
النقطة الثامنة تدور حول التعاون الدولي في المجال الاقتصادي، وتندرج تحت هذا البند رؤية الحزب للسياحة التي يراها "موردًا من أعظم موارد مصر الاقتصادية"، وفي هذا الإطار يشير الحزب إلى أهمية صيانة الآثار المصرية على اختلاف عهودها وحمايتها.
 وتتحدث النقطة التاسعة والعاشرة عن مجال رعاية الأسرة ومجال المرأة والطفولة بإسهاب، ويربط موضوع رعاية الأسرة بقضايا الصحة في المجتمع ودور الدولة فيها.
 وتحدد النقطة الحادية عشر رؤية الحزب لدور الجيش في المجتمع ويتطلع الحزب إلى بناء جيش عصري مدرب منقطع للعمل العسكري.
وتناقش النقطة الثانية عشر رؤية الحزب للتعليم والثقافة، والتي تقوم على إيمان الحزب "بأن التعليم هو السبيل الأول لخلق مواطن صالح محب لخدمة الوطن، قادر على التعاون مع المجتمع ومدرك لواجباته وحريص على استيفاء حقوقه القومية والدستورية ومستعد للنضال من أجل حرية بلده".
 كما تشير هذه النقطة إلى أهمية العناية بتراثنا الثقافي وربطه بالثقافة العامة، كما يتناول الحزب في هذه النقطة وضع الأزهر وضرورة تدارك ما أصابه من مسخ في الستينيات.

 أما الختام فنصه: "يعلن الموقعون على هذا أنهم يعتبرونه ميثاقًا وعهدًا، كما يعلنون أهم يعملون أن الوسيلة لإنفاذه وتحقيقه هي أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم لينقلوه من كلام إلى حقيقة وعمل. وهم يدعون إخوانهم المواطنين في كل موضع من الوطن ومهما كانت انتمائتهم في الماضي أن ينضموا إليهم في كفاحهم من أجل تحقيق هذا الميثاق، وأن ينشروا الدعوة له، وأن يثيروا الإيمان في النفوس؛ فإن بلادنا تمر في فترة تحتاج إلى حشد القوى، وضم الصفوف، وأن يستهدف الجميع أهدافًا واضحة أمام العالم يتبعه الجميع، ولتظلنا عناية الله وأرواح الشهداء الذين سبقونا إلى الكفاح من أجل استقلال الوطن العزيز وحريته ومنفعته".
 كانت دعوة فتحي رضوان لإحياء حزب مصطفى كامل في صيف 1974 دعوة لعودة الحياة الحزبية قبل ظهور اتجاه النظام للقبول بالتعددية المقيدة، وكانت أول مشروع لعودة حزب من أحزاب ما قبل 52 إلى الحياة، أعقبتها في صيف 1976 دعوة فؤاد سراج الدين لعودة حزب الوفد أثناء المؤتمر الجماهيري الحاشد الذي عقد بنقابة المحامين في ذكرى سعد والنحاس، ومحاولة الدكتور عبد المحسن حمودة لانتزاع الحق في تأسيس حزب الطليعة الوفدية في اللحظة الفارقة ما بين الإعلان عن التعددية الحزبية بتحويل المنابر إلى أحزاب وصدور قانون الأحزاب، وحتى عندما صدر قانون الأحزاب السياسية ومنع عودة أحزاب ما قبل 1952 واستثنى من ذلك الحزب الوطني والحزب الاشتراكي (مصر الفتاة) لم يتمكن فتحي رضوان من إعلان حزبه، فقد أخذ الرئيس السادات اسم الحزب لحزبه الذي أسسه، الحزب الوطني الديمقراطي، وكان من بين المؤسسين بعض ممن كانوا بين شباب الحزب الوطني بجناحيه القديم والجديد عند حل الأحزاب السياسية عام 1953.



 انتهى مشروع فتحي رضوان عند هذه الورقة دون أن يتأسس الحزب، فلم يعد إلى الوجود من أحزاب ما قبل 1952 سوى حزب الوفد الذي يكمل مئويته الأولى بعد ثلاث سنوات، وبرز فتحي رضوان في سنوات السبعينيات ككاتب معارض بوضوح من خلال مقالاته في جريدة الشعب الأمر الذي أدى بالرئيس السادت إلى اعتقاله في حملة سبتمبر 1981 الشهيرة، وبعد أن خرج من المعتقل واصل كتاباته المعارضة، ولعب دورًا رئيسيًا في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ثم المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وشارك في الوقفات الاحتجاجية عدة مرات في منتصف الثمانينيات، ورحل عن عالمنا يوم 2 أكتوبر 1988، وظل حتى نهاية عمره مخلصًا في دفاعه عن حقوق الإنسان ومنتميًا إلى مبادئ حزب مصطفى كامل الذي لم يعد إلى الحياة مرة أخرى.

الأحد، 21 أغسطس 2016

التاريخ للناس

عماد أبو غازي

 في صيف ١٩٦٧ وفي أعقاب هزيمة يونيو وجهني أبي في محاولة منه لإخراجي من  حالة أكتئاب ما بعد الهزيمة لقراءة ثلاثة كتب على التوالي: سندباد مصري لحسين فوزي، وشخصية مصر لجمال حمدان، وأيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، علّي أجد في دروس التاريخ سلوى، كانت هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها لثلاثتهم، لكني كنت أعرف من بينهم أحمد بهاء الدين، فقد كان بالنسبة لي صديق أبي الذي رأيته عدة مرات بالمصادفة في الإسكندرية في كابينتهم بسيدي بشر مع أسرته، استمتعت بالكتاب وبأسلوبه السلس الذي يصل إلى القارئ ببساطة، لم يكن الكتاب حديث الصدور، لكنه بالنسبة لي كان كشفًا. 


صدرت الطبعة الأولى من كتاب "أيام لها تاريخ" في شهر مارس من عام ١٩٥٤، في سلسلة كتاب روزاليوسف، في لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث؛ فقد صدر في ظل ما يعرف في التاريخ المصري بأزمة مارس، تلك الأزمة التي انتهت بإغلاق الأبواب أمام إمكانيات التحول الديمقراطي في مصر لأكثر من ستين عامًا، ووأدت تمامًا الحقبة شبه الليبرالية التي عاشتها مصر بعد ثورة ١٩١٩، والتي كانت وليدة موجات متوالية من الحراك الشعبي المتواصل على مدى ما يقارب القرن والربع قرن، وأظن أن إصدار الكتاب في هذا التوقيت لم يكن من قبيل المصادفة؛ فحكايات الكتاب كلها عن أيام من صراع المصريين من أجل حريتهم. 
يروي بهاء في كتابه ست وقائع من تاريخنا الحديث، يبدأها بحكاية "الأدباتي خطيب الثورة"، عبد الله نديم ورحلة حياته التي تحول فيها من فتى متمرد إلى أدباتي ثم لسانًا لحال الثورة العرابية، خطيبًا وكاتبًا، إلى أن انتهى به الحال هاربًا ملاحقًا لتسع سنوات، انتهت بوشاية قادت السلطات إلى القبض عليه ونفيه، انها حلقة من حلقات ثورات المصريين ونضالهم من أجل حقهم في إدارة شؤون بلدهم، وفي الحكاية الثالثة التي تحمل عنوان "للجلاء والدستور والفن الجميل"، يقف بنا عند محطة ثانية من محطات النضال الوطني، الحزب الوطني ورجاله والمواجهة بينهم وبين الاحتلال والسلطة الموالية له، وفي الحكاية الرابعة "إمبراطورية زفتى" يتوقف عند ثورة ١٩١٩ من خلال واقعة من وقائعها الشهيرة، في ريف الدلتا، إعلان يوسف الجندي لجمهورية زفتى، ثم يستكمل حكاية ما آلت إليه الثورة، في فصل بديع عن العظيمين - كما أطلق عليهما - سعد وعدلي، وكان عنوان هذا الفصل "الأمة بين سعد وعدلي"، يحكي فيه عن انقسام الأمة بين سعديين وعدليين، بعد أن يحلل خصائص شخصية الزعيمين، ويحاول أن يربط بين هذه الخصائص ونشأتهما الأولى. 
أما الحكاية الثانية والحكاية الأخيرة فقد تناول فيهما قضيتين من القضايا التي تعكس جوانب من الصراع الفكري والثقافي في المجتمع بين التقاليد البالية ومحاولات التجديد، القضية الأولى قضية "زواج الشيخ علي يوسف" في بدايات القرن العشرين، وهي من القضايا التي شغلت المجتمع في حينها، وفتحت نقاشًا واسعًا حول حق المرأة في أن تتزوج ممن تشاء حتى ولو كان ذلك بخلاف رغبة وليها، كما فتح الباب لمناقشة قضية الكفاءة في الزواج، والقضية الثانية قضية "الإسلام وأصول الحكم" التي أثارها صدور كتاب الشيخ علي عبد الرازق الذي يحمل هذا العنوان سنة ١٩٢٥لقد كشفت هذه القضية بوضوح عن ضيق المساحة المتاحة لحرية البحث العلمي، وعن رفض المؤسسة الدينية لأية محاولة للتجديد. 
أيام لها تاريخ الكتاب الثالث من بين مؤلفات أحمد بهاء الدين سبقه كتابان؛ كتابه الأول "الاستعمار الجديد أو برنامج النقطة الرابعة" الذي صدر في شهر مايو ١٩٥١، والكتاب صغير في حجمه كبير في قيمته، قدم فيه بهاء دراسة تحليلية نقدية لبرنامج النقطة الرابعة، والذي شكل جزءًا من مشروع الرئيس الامريكي هاري ترومان في مستهل فترة رئاسته الثانية لإعادة تشكيل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان المشروع يتضمن رؤية أمريكية جديدة للتعامل مع الدول غير المتقدمة بضخ رؤوس الأموال الامريكية إليها، وكشف بهاء في هذا الوقت المبكر تحولات القوى الدولية وانتقال مركز ثقل الرأسمالية العالمية إلى الولايات المتحدة التي كانت تسعى سعيًا حثيثًا لتحل محل القوى الاستعمارية القديمة، وحذر من مغبة قبول هذا البرنامج وتأثيره السلبي على استقلال مصر. 
 في ٢٥ أغسطس ١٩٥٢" صدر عن دار روزاليوسف كتاب فاروق ملكا ١٩٣٦ - ١٩٥٢" ثاني كتب أحمد بهاء الدين، بمقدمة لإحسان عبد القدوس، الذي طلب من بهاء بعد رحيل فاروق أن يكتب كتابًا عن سقوط الملكية، وقد تحمس بهاء، حسب روايته، للفكرة، لتكون تقيمًا سياسيًّا وتاريخيًا لحقبة الملك فاروق في مواجهة الكتب والكتابات التي أسرع البعض بإصدارها في الأيام التالية لعزله، والتي كانت تتناول ما أسمته بليالي فاروق وسهراته الحمراء، كأنما المشكلة في العصر الملكي كانت مجرد مشكلة أخلاقية.
وكتاب فاروق ملكًا نموذجًا آخر من نماذج كتابة بهاء التاريخية، ويقول رشاد كامل في مقدمته للطبعة التي أصدرتها مكتبة الاسرة لكتاب فاروق ملكًا في أغسطس ١٩٩٩ بعد ٤٧ عاما على صدور طبعته الاولى: 
"ونفذ الكتاب تمامًا وأصبح مرجعًا مهمًا وأساسيًا في مئات الكتب التاريخية والسياسية التي صدرت بعد ذلك، كما اعتبره أساتذة التاريخ أحد الوثائق المهمة التي لا غنى عنها للباحث التاريخي."
وأذكر بالفعل أنني بناء على توجيه أستاذي اعتمدت على الكتاب في بحثي في السنة النهائية بقسم التاريخ عن حريق القاهرة، كما اعتمدت قبلها على كتاب برنامج النقطة الرابعة في مجلات الحائط التي كنت أكتبها في عامي ١٩٧٤ و١٩٧٥ مع عودة الولايات المتحدة بقوة إلى مصر.
لكن يبقى "أيام لها تاريخ" الأبرز في كتابات بهاء التاريخية، وفي ظني أن بهاء شق بكتابه أيام لها تاريخ مسارًا جديدًا في الكتابة التاريخية في مصر، المسار الذي أسميه التاريخ للناس، فقد كان يخاطب في كتابه القارئ غير المتخصص، يقدم لقطات من التاريخ بلا ترتيب منهجي يجمع بينها قضية واحدة الدفاع عن الأفكار والمبادئ، وقد كانت الكتابة التاريخية قبل "أيام لها تاريخ" إما كتابة أكاديمية متخصصة أو كتابة موجهة لها منطلقات سياسية حزبية مثل كتابات الرافعي، أو صياغة روائية للتاريخ مثلما كان يفعل جورجي زيدان؛ فتح أحمد بهاء الدين بهذا الكتاب بابًا واسعًا لتقديم التاريخ بصورة شيقة وجاذبة للقارئ، فمد جسورًا بين الناس وتاريخهم. 
انطلق أحمد بهاء الدين من مقولة قدم بها لكتابه: "إن الإنسان حيوان ذو تاريخ"؛ فما معنى هذا؟ يجيب بهاء في مقدمة الكتاب:  
"معناه أن الميزة الأولى التى تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هى أن كل جيل من البشر يعرف تجارب الجيل الذى سبقه ويستفيد منها.. وأنه بهذه الميزة – وحدها – يتطور..
وليس يكفى أن تعرف حوادث التاريخ لكى تحسب انك قد تعلمت التاريخ.. فألاهم أن تستخلص من هذه الحوادث عبرتها: على أى شيء تدل؟.. وفى أى طريق يمضى التاريخ؟.. فان ذلك يجعلك تعلم ما سوف يحدث وما لا يمكن أن يعود.. فيجنبك أن تكون رجعيًا، ويحميك من السير وراء دعوات براقة فات وقتها..
والتاريخ هو الفرق بين الإنسان الواعي، وغير الواعي"

سار على نهج بهاء كثيرون؛ فكتب حسين فوزي "سندباد مصري" في أوائل الستينيات ، وكتب صلاح عبد الصبور "رحلة الضمير المصري" في مطلع السبعينيات، وجمع صلاح عيسى "حكايات من مصر" في السبعينيات أيضًا، والقائمة تطول حيث بدأ بعض الأكاديميين المتخصصين يسلكون هذا النهج، لكن يبقى لأحمد بهاء الدين فضل أنه من فتح الباب وشيد الجسر للوصول بالتاريخ إلى الناس بأسلوب سلس وبسيط.

رابط المقال في أخبار الأدب
http://adab.akhbarelyom.com/newdetails.aspx?sec=%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86&g=8&id=279789

رابط ملف أخبار الأدب

http://adab.akhbarelyom.com/newssection.aspx?sec=%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86&g=8&id=251

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...