الاثنين، 5 سبتمبر 2016

من صندوق الذكريات
مشروع إحياء حزب مصطفى كامل الوطني الذي لم يتم
(نشر هذا المقال في مجلة الهلال عدد سبتمبر 2016)

عماد أبو غازي
 أثناء قيامي بترتيب أوراقي القديمة التي جمعت شتاتها من بيت الأسرة في المعادي ومنزل جدتي لأبي بالمنيل صادفت حافظة أوراق غارقة في الأتربة، زرقاء اللون من "الفبر"، من ذلك النوع الذي كنا نستخدمه في زمن ولى لحفظ أوراقنا، وعلى الحافظة بطاقة تعريف بيضاء صغيرة بإطار أزرق مزخرف ـ تيكت مدرسي يعرفه جيدًا من هم في سني ـ مكتوب عليها بخط يدي عبارة "الحزب الوطني"؛ لم أتصور ما الذي يمكن أن أجده بداخل الحافظة!
 فتحت الحافظة على الفور لأجد فيها كتيبًا صغير الحجم، لا يتناسب حجمه مع حجم الحافظة التي تحتويه، بغلاف كان في يوم ما أبيض اللون، تحول إلى الإصفرار بفعل الزمن، تعلوه الأتربة لدرجة أخفت بعض ملامحه، العنوان المطبوع على غلاف الكتيب:
 "مشروع برنامج الحزب الوطني المقدم إلى اللجنة التحضيرية للحزب".
 أما ترويسة الغلاف فنصها:
 "اللجنة التحضيرية للحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل في ديسمبر 1907".
 ما هذا هل أملك مشروع البرنامج التأسيسي للحزب الوطني حزب مصطفى كامل فعلًا؟
 ربما، فجدي لأمي كان من الشباب الذين انضموا للحزب عند تأسيسه، لكن سرعان ما وجدت الإجابة بمجرد إزاحة الأتربة من على غلاف الكتيب، فهناك نص ثالث يقول:
 "من الأستاذ فتحي رضوان توطئة لعرضه على الجمعية العمومية للحزب الوطني".


 عندما وقعت عيناي على هذه العبارة أضاءت الذاكرة فجأة، تذكرت الحكاية بكثير من تفاصيلها التي مر عليها أكثر من أربعين عامًا؛ كانت المناسبة ندوة علمية للاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لميلاد الزعيم مصطفى كامل في أغسطس 1974، وكان مكان الاحتفال في القاعة الرئيسية بالجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والأحصاء بشارع رمسيس، وكانت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية هي الجهة المنظمة للاحتفال، كنت وقتها طالبًا أنهيت دراستي بالسنة الثانية في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكانت المرة الأولى التي أحضر فيها نشاطًا للجمعية التاريخية، وكان أحد أحب أساتذتنا إلى قلوبنا ونحن طلاب الدكتور محمد أنيس مشاركًا ببحث في الندوة، مما دفعنا للحرص على حضور الندوة، ذهبت إلى الندوة بصحبة أبي الذي كان مهتمًا بموضعها.
 وهناك ألتقيت بالأستاذ فتحي رضوان الذي كان مشاركًا في الندوة ومتحدثًا فيها باعتباره من تلاميذ مدرسة مصطفى كامل السياسية، وكان الرجل قد أسس قبل 1952 الحزب الوطني الجديد من مجموعة من الشباب المؤمنين بمبادئ الحزب الوطني، والمعارضين في ذات الوقت لأسلوب القيادات  التاريخية للحزب القديم في ذلك الوقت، كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بالأستاذ فتحي رضوان وجهًا لوجه وأنا شاب ناضج، ربما شاهدته مرتين أو ثلاثة وأنا طفل صغير بصحبة أبي وأمي في الإسكندرية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، فقد كانت تربطه بأبي صداقة قديمة ترجع إلى أواخر الثلاثينيات عندما تولى الرجل وهو محامي شاب قضية نزاع على ميراث المثال مختار، كان فيها محاميًا لوالدة مختار وشقيقتيه، وإحداهما جدتي لأبي.

 في ذلك اليوم من صيف عام 1974 حضر فتحي رضوان إلى الندوة، وبصحبته مجموعة من المطبوعات الصغيرة وزعها على بعض الحضور، وكان أحدها من نصيبي؛ كانت المطبوعة المكونة من أربع صفحات عبارة عن دعوة لإعادة إحياء حزب مصطفى كامل، في وقت لم يكن مصرحًا فيه بتشكيل الأحزاب السياسية في مصر، ففي نفس الشهر، شهر أغسطس من سنة 1974 طرح الرئيس السادات ما يعرف بورقة أغسطس، والتي كان أسمها الرسمي "ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي العربي"، كانت الورقة محاولة لفتح حوار مجتمعي واسع حول مستقبل التنظيم السياسي الواحد بعد انتصار أكتوبر، وكان التوجه الأساسي للدولة وقتها إقامة منابر ثابتة أو متحركة داخل التنظيم، وهي فكرة كانت قد طرحت للمرة الأولى عقب مظاهرات الطلاب والعمال في فبراير 1968 في إطار محاولات إحتواء آثار النكسة، لكن الفكرة لم يقدر لها الاستمرار وقتها.

 كانت هذه المطبوعة التي كان يفترض أن تكون داخل الحافظة الزرقاء، والتي لم أتمكن إلى الآن من العثور عليها ضمن أوراقي هي أساس لمشروع طرحه فتحي رضوان وقتها لإعادة تأسيس الحزب الوطني الذي كان قد تم حله مع باقي الأحزاب السياسية في يناير 1953.
 فما هي قصة هذا المشروع؟
 في ذلك الزمن؛ سنوات النصف الأول من السبعينيات، كانت أشياء كثيرة تتغير في مصر، يبدو معها في الظاهر أن مصر تدخل عصرًا جديدًا، عصر بدأ منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي.
 فمن ناحية أسفر الصراع على قمة السلطة بعد رحيل الرئيس عبد الناصر عن استبعاد مجموعة من قيادات النظام الذين كانوا يعتبرون الأقرب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتم إيداع بعضهم في السجون بعد محاكمة سياسية خارج الأطر القضائية التقليدية، واستتب الأمر للرئيس الجديد والمجموعة التي إلتفت حوله، فيما أطلق عليه الرئيس السادات وقتها ثورة التصحيح، وقد واكبها صدور مجموعة من التعديلات القانونية عرفت بقوانين الحريات، ثم الدستور الدائم للبلاد، دستور 1971، الأمر الذي خلق هامشًا من الحرية كان مفتقدًا لسنوات، وإن كان هذا الصراع قد أدى إلى ارتباك في التنظيم السياسي الوحيد المعترف به في البلاد؛ الاتحاد الاشتراكي العربي.
 ومن ناحية أخرى بدأ القادة التاريخيون الباقين على قيد الحياة من قادة تنظيم الضباط الأحرار يصدرون بيانات سياسية جماعية موجهة إلى رئيس الجمهورية، مقدمة له النصح والمشورة السياسية، التي رفضها معتبرًا إياها محاولة لفرض الوصاية عليه.
 في الوقت نفسه تفجرت الاحتجاجات الطلابية مجددًا بعد هدوء نسبي استمر من 1968، في هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات الطلابية بدا أننا أمام حركة أكثر استمرارًا، وأكثر جذرية في مطالبها السياسية المتبلورة حول قضيتي تحرير الأرض والديمقراطية، لقد استمرت الاحتجاجات منذ أواخر عام 1971 حتى نهاية العام الدراسي في صيف 1973، كانت الحركة الطلابية التي شارك فيها آلاف الطلاب في الجامعات المصرية تبتكر أشكالها التنظيمية المستقلة؛ اللجان الوطنية للطلاب عام 1971/1972 ولجان الدفاع عن الديمقراطية عام 1972/1973، وتلقت الحركة تأييدًا من عدد من الكتاب والمثقفين من خلال البيان الذي أصدره توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة، ووقع عليه أكثر من مئة شخصية، وقد تراجعت الحركة بشكل واضح بعد حرب أكتوبر 1973، وإن استمرت بعض مكتسباتها لسنوات قليلة تالية.
 كانت الاحتجاجات العمالية تتصاعد، والعمال يشكلون لجان الإضراب كبديل عن النقابات التي تسيطر عليها السلطة، وكانت الحلقة الثالثة من الحركة الشيوعية المصرية تولد متفاعلة مع هذا الحراك العمالي والطلابي.
 بدأت الآفاق تتفتح أمام مراجعة التجربة المصرية في الحقبة الناصرية فكريًا وسياسيًا وأخلاقيًا، وكان كتاب توفيق الحكيم الصغير في حجمه الكبير في قيمته "عودة الوعي" فاتحة القول في هذه المراجعة، وسقطت تدريجيًا المحظورات في الحديث عن الماضي.

 وبعد حرب أكتوبر 1973 بدأ الرئيس السادات يفتح الباب من أعلى لإعادة النظر في كثير من الثوابت التي كانت مستقرة منذ وصول الضباط الأحرار إلى السلطة في يوليو 1952، فقدم الرئيس السادات الوثيقة السياسية لنظامه، والتي عرفت بورقة أكتوبر، وتم استفتاء الشعب عليها في 15 مايو 1974، في ذكرى ما كان يسمى بثورة التصحيح، وحاذت الورقة على نسبة الموافقة المعتادة في الاستفتاءات المصرية.

 هذه صورة مختصرة عن الحالة العامة في مصر في هذه الحقبة؛ في صيف 1974 كانت تسعة أشهر قد مرت على حرب أكتوبر 1973، وكان النقاش حول المستقبل على أشده، هذا النقاش الذي عايشنا مثله في صيف عام 1967 المرير وخلال عام 1968، لكن في أجواء هزيمة قاسية، يتجدد تلك المرة في أجواء الانتصار.
 في هذا السياق بادر فتحي رضوان بطرح مشروعه، فتحي رضوان ذلك الرجل المخضرم صاحب الإسهامات المتعددة  في حياة مصر السياسية والثقافية والفكرية في القرن العشرين، ولد الرجل في 14 مايو 1911، وتفتح إدراكه على الحياة العامة من حوله مع تفجر الثورة المصرية الكبرى سنة 1919، وساهم في النشاط الطلابي في مدرسته في العشرينيات، وفي مطلع الثلاثينيات شارك زميل صباه وشبابه أحمد حسين في تأسيس مصر الفتاة وفي مشروع القرش، لكن سرعان ما انفصل عنه، وكانت مبادئ الحزب الوطني، حزب مصطفى كامل، تشكل عقيدته السياسية طوال السنوات التالية، وظل مخلصًا لها حتى رحيله عنا، تم اعتقاله في العصر الملكي، وتولى الوزارة عدة مرات بعد 1952، ويعتبر المؤسس لوزارة الإرشاد القومي التي نبتت منها وزارة الثقافة، وابتعد عن المشهد السياسي منذ أواخر الخمسينيات حتى عاد إلى الصورة بقوة في السبعينيات، وكانت البداية بهذه المطبوعة، والتي أكملها بعدها بعدة سنوات بهذا الكتيب الصغير الذي يحوي مشروع برنامج الحزب الوطني، وكانت صلتي قد توثقت بالرجل فكنت أتردد عليه في مكتبه للمحاماه بشارع عبد الخالق ثروت، وحصلت منه على نسخة من المشروع؛ مشروع برنامج الحزب الوطني.

 يتكون البرنامج الذي يقع في 25 صفحة من القطع الصغير من أثنتي عشرة نقطة، تبدأ بالمبادئ، وهي ستة مبادئ والتي تمت صياغتها على لسان المؤسسين، ويستهلها بالضمير "نحن".
 تقول مبادئ الحزب:
 "نحن نؤمن بأنه يجب أن تكون غاية كل مواطن أن يحرر الوطن من كل قيد يحد من سيادته أو إرادته أو وحدته.
 وأن يبقى المواطنون ساهرين أبدًا لحماية حريتهم ورد العدوان عن استقلال الوطن ووحدة أراضيه، والحيلولة دون خضوعهم لأية صورة من صور السيطرة الأجنبية: عسكرية كانت أو سياسية أو اقتصادية.
 ونحن نؤمن بأن المواطنين لن ينجحوا في تحقيق هذه الغاية إلا إذغ اتحدوا عندها، وآمنوا بالكفاح والتضحية وسيلة وتسلحوا روحيًا وماديًا، وقضوا على كل دعوة للمهادنة أو اعتبار المفاوضة هي السبيل الأول للتحرير.
 ونحن نؤمن بأن استقلال السودان الذي نحرص عليه، لا ينبغي أن يحول دون قيام وحدة بين شطري وادي النيل: سواء كان شكل هذه الوحدة تعاهديًا أو اتحاديًا أو دولة موحدة، كما نؤمن بأن الوحدة الكاملة لوادي النيل هي التعبير عن الحتمي للعلاقة بين مصر والسودان سينتهي إليها أهل القطرين بإرادتهم الحرة واقتناعهم التام وسعيهم الدائب بلا قهر ولا ضغط.
 لذلك نحن نتعهد لكي نحقق هذه الأهداف بأن نعمل لتكون التربية الوطنية التي تبثها أجهزة التعليم والتثقيف والتوجيه والإرشاد العام، وسيلة لخلق رأي عام وطني مستنير وشجاع قادر على تقويم القادة وتسديد خطاهم ورفض كل تقصير وعيب وسوء مسلك من أي شخص أو سلطة أو هيئة وفي أي موقع، بلا خوف ولا مجاملة ولا ضعف، وهي الأسس التي وضعها مصطفى كامل مؤسس الحزب الوطني وخلفاؤه، حتى تتحقق هذه الأهداف وتبقى بعد تحقيقها مصونة أبدًا.
 نحن نؤمن بأن للعمل الوطني هدفين أساسيين:
 أولهما: التحرير، وثانيهما: قيام حكومة منتخبة تمثل المواطنين تمثيلًا صحيحًا، وتحقق لهم رخاءً وأمنًا، وتوزع عليهم جميع خيرات الوطن وأعباء حمايته والنهوض به بالعدل والمساواة... مع بذل أقصى الجهد لنزيد سعادة وأرزاق الطبقات الأشد حرمانًا، على أن يضرب زعماء الحزب داخل وخارج الحكم المثل في التحلي بالفضائل والبساطة والتواضع وإدامة الصلة بالجماهير.
 ونحن ندعو إلى إلغاء جميع القوانين والقرارات والأوامر المقيدة لحريات الأفراد والجماعات والهيئات وفي مقدمتها قانون محكمة حماية القيم من العيب، وقانون الأحزاب، وقانون الصحافة، والقانون رقم 37 لسنة 1972، وقانون المحاكم العسكرية، وقانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، وبالجملة جميع القوانين التي تفرض قيدًا على اجتماع المواطنين أو تظاهرهم أو تكوين الجمعيات أو الأحزاب، أو إصدار الصحف أو الدوريات".
 كانت هذه هي المبادئ الأساسية للحزب تصدم مع كثير من سياسات النظام وقتها، خاصة في يتعلق بالحريات؛ أما باقي عناصر البرنامج أو نقاطه فتبين موقف الحزب من مختلف القضايا الداخلية والخارجية.
 النقطة الثانية عنوانها "في المحيط العربي الإسلامي" وتتناول رؤية الحزب لعلاقة مصر بالأمتين العربية والإسلامية، وتشمل هذه النقطة الحديث عن القضية الفلسطينية التي يراها البرنامج امتدادًا لقضية استقلال مصر، كما تحوي رؤية لتطوير الجامعة العربية، بينما تحدد النقطة الثالثة من مشروع برنامج الحزب الوطني رؤية الحزب للسياسة الخارجية، وتبدو فيها روح أفكار التحرر الوطني التي ترسخت منذ الأربعينات، وعدم الانحياز التي ظهرت في منتصف الخمسينيات واضحة جلية.
 وتعرض النقطة الرابعة رؤية الحزب للدستور، وتركز بشكل أساسي على قضية الحريات، كما يشير البرنامج إلى ما عانت منه مصر دومًا بتحول دساتيرها إلى حبر على ورق، ويرى الحل في ترسيخ إيمان الشعب بالمبادئ الدستورية، وتؤكد على "حق كل مصري أيًا كان دينه أو مركزه أو درجة ثروته في إبدأ رأيه واختيار مذهبه السياسي وممارسته، وفي انتخاب ممثليه انتخابًا حرًا عن طريق التصويت السري العام".
 أما النقطة الخامسة فتناقش نظام الحكم، وتؤكد على ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية انتخابًا حرًا مباشرًا على درجة واحدة، كما نادى البرنامج بأن يكون من حق كل مصري تتوافر فيه شروط الترشح ترشيح نفسه للرئاسة، وأن يكون منصب نائب الرئيس أيضًا بالانتخاب، ودعا البرنامج لأن ينتخب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.
 وتحمل النقطة السادسة عنوان آداة الحكم، وتتناول الحكومة واستقلال القضاء، والتنظيم الإداري للدولة، وضبط الإنفاق الحكومي، والعمل على تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار، كما قدمت هذه النقطة تصورًا لإنشاء هيئة عليا ذات حصانة للأشراف على الإذاعة المسموعة والمرئية.
وتختص النقطة السابعة التي تعتبر أطول أقسام البرنامج برؤية الحزب للاقتصاد وهي رؤية تقوم على مسئولية الدولة عن توفير الضمان الاجتماعي للمواطنين، والعمل على تضييق الفوارق بين الطبقات من خلال ضريبة تصاعدية موحدة، مع إلغاء جميع الضرائب النوعية، ويؤمن الحزب بالتعاون كمبدأ اقتصادي اجتماعي.
 ورغم أن الحزب يؤمن بمبدأ الملكية الخاصة إلا أنه يتبنى في الوقت نفسه حق الدولة في "التأميم لمقتضيات الظروف الاقتصادية ولحماية الثروة القومية من الاستغلال والاحتكار، على أن يكون التأميم مقابل تعويض عادل وأن ينصب في مبدئه على مرافق الدولة ومصادر الثروة"، كما يدعو إلى تحريم فرض الحراسة الإدارية على الأفراد المصريين.
 ويعتبر الحزب الوطني أن الزراعة هي الأساس الأول من أسس لاقتصاد بوادي النيل، ويهتم بحماية الأرض الزراعية بشؤون العمال الزراعيين، كما يشير البرنامج إلى تطوير الصناعات والاهتمام بالتعليم الفني وبالنقابات العمالية.
 ويخصص البرنامج الاقتصادي مساحة كبيرة لتصور إدارة البنك المركزي وتشكيل مجلس إدارته وتحصين رئيسه من العزل طوال فترة توليه منصبه.
النقطة الثامنة تدور حول التعاون الدولي في المجال الاقتصادي، وتندرج تحت هذا البند رؤية الحزب للسياحة التي يراها "موردًا من أعظم موارد مصر الاقتصادية"، وفي هذا الإطار يشير الحزب إلى أهمية صيانة الآثار المصرية على اختلاف عهودها وحمايتها.
 وتتحدث النقطة التاسعة والعاشرة عن مجال رعاية الأسرة ومجال المرأة والطفولة بإسهاب، ويربط موضوع رعاية الأسرة بقضايا الصحة في المجتمع ودور الدولة فيها.
 وتحدد النقطة الحادية عشر رؤية الحزب لدور الجيش في المجتمع ويتطلع الحزب إلى بناء جيش عصري مدرب منقطع للعمل العسكري.
وتناقش النقطة الثانية عشر رؤية الحزب للتعليم والثقافة، والتي تقوم على إيمان الحزب "بأن التعليم هو السبيل الأول لخلق مواطن صالح محب لخدمة الوطن، قادر على التعاون مع المجتمع ومدرك لواجباته وحريص على استيفاء حقوقه القومية والدستورية ومستعد للنضال من أجل حرية بلده".
 كما تشير هذه النقطة إلى أهمية العناية بتراثنا الثقافي وربطه بالثقافة العامة، كما يتناول الحزب في هذه النقطة وضع الأزهر وضرورة تدارك ما أصابه من مسخ في الستينيات.

 أما الختام فنصه: "يعلن الموقعون على هذا أنهم يعتبرونه ميثاقًا وعهدًا، كما يعلنون أهم يعملون أن الوسيلة لإنفاذه وتحقيقه هي أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم لينقلوه من كلام إلى حقيقة وعمل. وهم يدعون إخوانهم المواطنين في كل موضع من الوطن ومهما كانت انتمائتهم في الماضي أن ينضموا إليهم في كفاحهم من أجل تحقيق هذا الميثاق، وأن ينشروا الدعوة له، وأن يثيروا الإيمان في النفوس؛ فإن بلادنا تمر في فترة تحتاج إلى حشد القوى، وضم الصفوف، وأن يستهدف الجميع أهدافًا واضحة أمام العالم يتبعه الجميع، ولتظلنا عناية الله وأرواح الشهداء الذين سبقونا إلى الكفاح من أجل استقلال الوطن العزيز وحريته ومنفعته".
 كانت دعوة فتحي رضوان لإحياء حزب مصطفى كامل في صيف 1974 دعوة لعودة الحياة الحزبية قبل ظهور اتجاه النظام للقبول بالتعددية المقيدة، وكانت أول مشروع لعودة حزب من أحزاب ما قبل 52 إلى الحياة، أعقبتها في صيف 1976 دعوة فؤاد سراج الدين لعودة حزب الوفد أثناء المؤتمر الجماهيري الحاشد الذي عقد بنقابة المحامين في ذكرى سعد والنحاس، ومحاولة الدكتور عبد المحسن حمودة لانتزاع الحق في تأسيس حزب الطليعة الوفدية في اللحظة الفارقة ما بين الإعلان عن التعددية الحزبية بتحويل المنابر إلى أحزاب وصدور قانون الأحزاب، وحتى عندما صدر قانون الأحزاب السياسية ومنع عودة أحزاب ما قبل 1952 واستثنى من ذلك الحزب الوطني والحزب الاشتراكي (مصر الفتاة) لم يتمكن فتحي رضوان من إعلان حزبه، فقد أخذ الرئيس السادات اسم الحزب لحزبه الذي أسسه، الحزب الوطني الديمقراطي، وكان من بين المؤسسين بعض ممن كانوا بين شباب الحزب الوطني بجناحيه القديم والجديد عند حل الأحزاب السياسية عام 1953.



 انتهى مشروع فتحي رضوان عند هذه الورقة دون أن يتأسس الحزب، فلم يعد إلى الوجود من أحزاب ما قبل 1952 سوى حزب الوفد الذي يكمل مئويته الأولى بعد ثلاث سنوات، وبرز فتحي رضوان في سنوات السبعينيات ككاتب معارض بوضوح من خلال مقالاته في جريدة الشعب الأمر الذي أدى بالرئيس السادت إلى اعتقاله في حملة سبتمبر 1981 الشهيرة، وبعد أن خرج من المعتقل واصل كتاباته المعارضة، ولعب دورًا رئيسيًا في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ثم المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وشارك في الوقفات الاحتجاجية عدة مرات في منتصف الثمانينيات، ورحل عن عالمنا يوم 2 أكتوبر 1988، وظل حتى نهاية عمره مخلصًا في دفاعه عن حقوق الإنسان ومنتميًا إلى مبادئ حزب مصطفى كامل الذي لم يعد إلى الحياة مرة أخرى.

الأحد، 21 أغسطس 2016

التاريخ للناس

عماد أبو غازي

 في صيف ١٩٦٧ وفي أعقاب هزيمة يونيو وجهني أبي في محاولة منه لإخراجي من  حالة أكتئاب ما بعد الهزيمة لقراءة ثلاثة كتب على التوالي: سندباد مصري لحسين فوزي، وشخصية مصر لجمال حمدان، وأيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، علّي أجد في دروس التاريخ سلوى، كانت هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها لثلاثتهم، لكني كنت أعرف من بينهم أحمد بهاء الدين، فقد كان بالنسبة لي صديق أبي الذي رأيته عدة مرات بالمصادفة في الإسكندرية في كابينتهم بسيدي بشر مع أسرته، استمتعت بالكتاب وبأسلوبه السلس الذي يصل إلى القارئ ببساطة، لم يكن الكتاب حديث الصدور، لكنه بالنسبة لي كان كشفًا. 


صدرت الطبعة الأولى من كتاب "أيام لها تاريخ" في شهر مارس من عام ١٩٥٤، في سلسلة كتاب روزاليوسف، في لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث؛ فقد صدر في ظل ما يعرف في التاريخ المصري بأزمة مارس، تلك الأزمة التي انتهت بإغلاق الأبواب أمام إمكانيات التحول الديمقراطي في مصر لأكثر من ستين عامًا، ووأدت تمامًا الحقبة شبه الليبرالية التي عاشتها مصر بعد ثورة ١٩١٩، والتي كانت وليدة موجات متوالية من الحراك الشعبي المتواصل على مدى ما يقارب القرن والربع قرن، وأظن أن إصدار الكتاب في هذا التوقيت لم يكن من قبيل المصادفة؛ فحكايات الكتاب كلها عن أيام من صراع المصريين من أجل حريتهم. 
يروي بهاء في كتابه ست وقائع من تاريخنا الحديث، يبدأها بحكاية "الأدباتي خطيب الثورة"، عبد الله نديم ورحلة حياته التي تحول فيها من فتى متمرد إلى أدباتي ثم لسانًا لحال الثورة العرابية، خطيبًا وكاتبًا، إلى أن انتهى به الحال هاربًا ملاحقًا لتسع سنوات، انتهت بوشاية قادت السلطات إلى القبض عليه ونفيه، انها حلقة من حلقات ثورات المصريين ونضالهم من أجل حقهم في إدارة شؤون بلدهم، وفي الحكاية الثالثة التي تحمل عنوان "للجلاء والدستور والفن الجميل"، يقف بنا عند محطة ثانية من محطات النضال الوطني، الحزب الوطني ورجاله والمواجهة بينهم وبين الاحتلال والسلطة الموالية له، وفي الحكاية الرابعة "إمبراطورية زفتى" يتوقف عند ثورة ١٩١٩ من خلال واقعة من وقائعها الشهيرة، في ريف الدلتا، إعلان يوسف الجندي لجمهورية زفتى، ثم يستكمل حكاية ما آلت إليه الثورة، في فصل بديع عن العظيمين - كما أطلق عليهما - سعد وعدلي، وكان عنوان هذا الفصل "الأمة بين سعد وعدلي"، يحكي فيه عن انقسام الأمة بين سعديين وعدليين، بعد أن يحلل خصائص شخصية الزعيمين، ويحاول أن يربط بين هذه الخصائص ونشأتهما الأولى. 
أما الحكاية الثانية والحكاية الأخيرة فقد تناول فيهما قضيتين من القضايا التي تعكس جوانب من الصراع الفكري والثقافي في المجتمع بين التقاليد البالية ومحاولات التجديد، القضية الأولى قضية "زواج الشيخ علي يوسف" في بدايات القرن العشرين، وهي من القضايا التي شغلت المجتمع في حينها، وفتحت نقاشًا واسعًا حول حق المرأة في أن تتزوج ممن تشاء حتى ولو كان ذلك بخلاف رغبة وليها، كما فتح الباب لمناقشة قضية الكفاءة في الزواج، والقضية الثانية قضية "الإسلام وأصول الحكم" التي أثارها صدور كتاب الشيخ علي عبد الرازق الذي يحمل هذا العنوان سنة ١٩٢٥لقد كشفت هذه القضية بوضوح عن ضيق المساحة المتاحة لحرية البحث العلمي، وعن رفض المؤسسة الدينية لأية محاولة للتجديد. 
أيام لها تاريخ الكتاب الثالث من بين مؤلفات أحمد بهاء الدين سبقه كتابان؛ كتابه الأول "الاستعمار الجديد أو برنامج النقطة الرابعة" الذي صدر في شهر مايو ١٩٥١، والكتاب صغير في حجمه كبير في قيمته، قدم فيه بهاء دراسة تحليلية نقدية لبرنامج النقطة الرابعة، والذي شكل جزءًا من مشروع الرئيس الامريكي هاري ترومان في مستهل فترة رئاسته الثانية لإعادة تشكيل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان المشروع يتضمن رؤية أمريكية جديدة للتعامل مع الدول غير المتقدمة بضخ رؤوس الأموال الامريكية إليها، وكشف بهاء في هذا الوقت المبكر تحولات القوى الدولية وانتقال مركز ثقل الرأسمالية العالمية إلى الولايات المتحدة التي كانت تسعى سعيًا حثيثًا لتحل محل القوى الاستعمارية القديمة، وحذر من مغبة قبول هذا البرنامج وتأثيره السلبي على استقلال مصر. 
 في ٢٥ أغسطس ١٩٥٢" صدر عن دار روزاليوسف كتاب فاروق ملكا ١٩٣٦ - ١٩٥٢" ثاني كتب أحمد بهاء الدين، بمقدمة لإحسان عبد القدوس، الذي طلب من بهاء بعد رحيل فاروق أن يكتب كتابًا عن سقوط الملكية، وقد تحمس بهاء، حسب روايته، للفكرة، لتكون تقيمًا سياسيًّا وتاريخيًا لحقبة الملك فاروق في مواجهة الكتب والكتابات التي أسرع البعض بإصدارها في الأيام التالية لعزله، والتي كانت تتناول ما أسمته بليالي فاروق وسهراته الحمراء، كأنما المشكلة في العصر الملكي كانت مجرد مشكلة أخلاقية.
وكتاب فاروق ملكًا نموذجًا آخر من نماذج كتابة بهاء التاريخية، ويقول رشاد كامل في مقدمته للطبعة التي أصدرتها مكتبة الاسرة لكتاب فاروق ملكًا في أغسطس ١٩٩٩ بعد ٤٧ عاما على صدور طبعته الاولى: 
"ونفذ الكتاب تمامًا وأصبح مرجعًا مهمًا وأساسيًا في مئات الكتب التاريخية والسياسية التي صدرت بعد ذلك، كما اعتبره أساتذة التاريخ أحد الوثائق المهمة التي لا غنى عنها للباحث التاريخي."
وأذكر بالفعل أنني بناء على توجيه أستاذي اعتمدت على الكتاب في بحثي في السنة النهائية بقسم التاريخ عن حريق القاهرة، كما اعتمدت قبلها على كتاب برنامج النقطة الرابعة في مجلات الحائط التي كنت أكتبها في عامي ١٩٧٤ و١٩٧٥ مع عودة الولايات المتحدة بقوة إلى مصر.
لكن يبقى "أيام لها تاريخ" الأبرز في كتابات بهاء التاريخية، وفي ظني أن بهاء شق بكتابه أيام لها تاريخ مسارًا جديدًا في الكتابة التاريخية في مصر، المسار الذي أسميه التاريخ للناس، فقد كان يخاطب في كتابه القارئ غير المتخصص، يقدم لقطات من التاريخ بلا ترتيب منهجي يجمع بينها قضية واحدة الدفاع عن الأفكار والمبادئ، وقد كانت الكتابة التاريخية قبل "أيام لها تاريخ" إما كتابة أكاديمية متخصصة أو كتابة موجهة لها منطلقات سياسية حزبية مثل كتابات الرافعي، أو صياغة روائية للتاريخ مثلما كان يفعل جورجي زيدان؛ فتح أحمد بهاء الدين بهذا الكتاب بابًا واسعًا لتقديم التاريخ بصورة شيقة وجاذبة للقارئ، فمد جسورًا بين الناس وتاريخهم. 
انطلق أحمد بهاء الدين من مقولة قدم بها لكتابه: "إن الإنسان حيوان ذو تاريخ"؛ فما معنى هذا؟ يجيب بهاء في مقدمة الكتاب:  
"معناه أن الميزة الأولى التى تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هى أن كل جيل من البشر يعرف تجارب الجيل الذى سبقه ويستفيد منها.. وأنه بهذه الميزة – وحدها – يتطور..
وليس يكفى أن تعرف حوادث التاريخ لكى تحسب انك قد تعلمت التاريخ.. فألاهم أن تستخلص من هذه الحوادث عبرتها: على أى شيء تدل؟.. وفى أى طريق يمضى التاريخ؟.. فان ذلك يجعلك تعلم ما سوف يحدث وما لا يمكن أن يعود.. فيجنبك أن تكون رجعيًا، ويحميك من السير وراء دعوات براقة فات وقتها..
والتاريخ هو الفرق بين الإنسان الواعي، وغير الواعي"

سار على نهج بهاء كثيرون؛ فكتب حسين فوزي "سندباد مصري" في أوائل الستينيات ، وكتب صلاح عبد الصبور "رحلة الضمير المصري" في مطلع السبعينيات، وجمع صلاح عيسى "حكايات من مصر" في السبعينيات أيضًا، والقائمة تطول حيث بدأ بعض الأكاديميين المتخصصين يسلكون هذا النهج، لكن يبقى لأحمد بهاء الدين فضل أنه من فتح الباب وشيد الجسر للوصول بالتاريخ إلى الناس بأسلوب سلس وبسيط.

رابط المقال في أخبار الأدب
http://adab.akhbarelyom.com/newdetails.aspx?sec=%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86&g=8&id=279789

رابط ملف أخبار الأدب

http://adab.akhbarelyom.com/newssection.aspx?sec=%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86&g=8&id=251

الجمعة، 15 يوليو 2016


مقترح لسياسة جديدة للنشر
في وزارة الثقافة

عماد أبو غازي

   هذا المقترح قدمته إلى الجنة العليا للنشر بوزارة الثقافة، ونشرته أخبار الأدب في عدد هذا الأسبوع لفتح الحوار حوله
  بعد سنوات طويلة من النشر الثقافي الحكومي من خلال وزارة الثقافة، ومن قبلها وزارات الإرشاد القومي والتربية والتعليم والتعليم العالي، والمعارف العمومية، سنوات تغيرت فيها سياسة النشر أكثر من مرة، أصبح من الضروري التوقف أمام واقع النشر في وزارة الثقافة، والنظر في وضع سياسة جديدة للكتاب والنشر؛ تحقق وصول المعرفة بسبل ميسرة للمواطنين وفي نفس الوقت تطوير صناعة الكتاب والنشر في مصر ودعمها.
الرؤية:
 أن يكون الوصول للكتاب بشكله التقليدي والرقمي متاحًا في متناول المصريين والمصريات، في إطار العمل على تمكين الانسان المصري من الوصول الى وسائل اكتساب المعرفة، وفتح الآفاق أمامه للتفاعل مع معطيات عالمه المعاصر، وإدراك تاريخه وتراثه الحضاري المصري، وإكسابه القدرة على الاختيار الحر؛ وأن يصل الإنتاج الفكري المصري إلى العالم.
 خلفية تاريخية:
 بدأ النشر الحكومي في مصر مع دخول الطباعة في عصر محمد علي باشا بتأسيس مطبعة بولاق، التي تمت خصخصتها في مرحلة تالية، ثم عادت إلى الدولة مرة أخرى في عصر الخديوي إسماعيل، وفي عصره أيضًا، ومع تأسيس الكتبخانة الخديوية (دار الكتب) ومصلحة الآثار، باشرت المؤسستان مهمة النشر العلمي ضمن مهامهما الآخرى، وظهرت في هذه الفترة كذلك دور النشر الخاصة، وخلال النصف الأول من القرن العشرين تطورت صناعة الكتاب والنشر في مصر وتضاعفت أعداد دور النشر والمؤسسات الخاصة التي باشرت عملية نشر الكتاب في مصر.
  منذ منتصف القرن الماضي حدث تطور مهم في سياسة الدولة تجاه النشر، فدخلت الدولة تدريجيًا في هذا المجال؛ وكان الهدف الأساسي من دخول الدولة كطرف فاعل في نشر الكتاب بناء منظومة تمكن الإنسان المصري من إقتناء الكتاب بسعر مناسب، وفي نفس الوقت الترويج لأفكار النظام الجديد وسياسته.
 في البداية كان مشروع الألف كتاب في الخمسينيات الذي تدعمه وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، وكان جوهرة يقوم على تقديم دعم لدور النشر الخاصة مقابل إصدار ألف عنوان ما بين التأليف والترجمة في جميع مجالات المعرفة، وفي نفس الوقت بدأت وزارة الإرشاد القومي في نشر بعض الإصدارات التي تدخل تحت باب التوعية والتعبئة السياسية والحشد لتأييد النظام السياسي الجديد، وبعد إنشاء المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، بدأ في إصدار بعض السلاسل الثقافية كتشجيع للنشر، أبرزها سلسلة الكتاب الأول، وسلسلة المكتبة العربية التي كانت في الأساس تقوم بنشر رسائل الماجستير والدكتوراه التي تجيزها الجامعات المصرية، بالإضافة إلى أبحاث الندوات التي تنظمها لجان المجلس منفردة أو بالتعاون مع بعض الجمعيات العلمية والثقافية.
 وفي بداية الستينيات، وفي سياق حركة التأميمات، تعرضت بعض دور النشر الكبرى للتأميم، وبدأت وزارة الثقافة تدخل إلى مجال النشر بقوة من خلال عدد من دور النشر التابعة للدولة، تجمعت في نهاية المطاف تحت مظلة المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، ثم الهيئة المصرية العامة للكتاب التي تأسست في عام 1971، بدمج المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر مع دار الكتب والوثائق القومية، وكانت الهيئة هي الناشر الرئيسي لوزارة الثقافة، بحيث تحيل إليها الهيئات الأخرى ما ترغب في إصداره، لتتولى الهيئة نشره.
 الوضع الراهن:
  شهدت العقود الثلاثة الأخيرة توسعًا كبيرًا في النشر في هيئات وزارة الثقافة وقطاعتها المختلفة، ولم تعد الهيئة المصرية العامة للكتاب الناشر الوحيد أو الأساسي في وزارة الثقافة؛ فهناك الآن ثلاثة عشر من الكيانات التابعة لوزارة الثقافة تمارس النشر بشكل منتظم أو متقطع:
1.      الهيئة المصرية العامة للكتاب.
2.      هيئة دار الكتب والوثائق القومية.
3.      هيئة قصور الثقافة.
4.      المجلس الأعلى للثقافة.
5.      المركز القومي للترجمة.
6.      المركز القومي لثقافة الطفل.
7.      المركز القومي للمسرح.
8.      المركز القومي للسينما.
9.      صندوق التنمية الثقافية.
10.  قطاع الفنون التشكيلية.
11.  قطاع العلاقات الثقافية الخارجية.
12.  جهاز التنسيق الحضاري.
13.  أكاديمية الفنون.
بالإضافة إلى المجلس الأعلى للآثار الذي انفصل عن وزارة الثقافة عقب ثورة يناير 2011.
بالإضافة إلى كل هذه الجهات الناشرة هناك مشروع مكتبة الأسرة الذي يعد من وجهة نظري أكثر مشروعات وزارة الثقافة تحقيقًا للأهداف المرجوة من مشاركة الدولة في مجال النشر.
المشكلات:
 تعاني سياسة النشر في وزارة الثقافة من مجموعة من المشكلات التي تعيق الآداء وتبعد الوزارة عن تحقيق أهدافها الحقيقية من المشاركة في مجال صناعة الكتاب والنشر، وهي مشكلات ترتبط بالسياسات العامة المتوارثة على مدى عقود، أو ربما بصيغة أدق بارتباك السياسات العامة واضطرابها، ومن أبرز المشكلات في سياسات النشر في وزارة الثقافة:
1.     مشكلة التسويق بالنسبة لكافة قطاعات الوزارة باستثناء الهيئة المصرية العامة للكتاب التي تمتلك عددًا من منافذ التوزيع في مختلف محافظات الجمهورية، وهيئة قصور الثقافة التي تنفد كثير من إصداراتها بسبب سعرها الزهيد، ما عدا ذلك تعاني أكبر مؤسستين ناشرتين في الوزارة بخلاف الهيئتين، أعني المجلس الأعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة من مشكلات جمة في التسويق، تؤدي إلى تراكم مخزون مكدس من الإصدارات، كما تكاد تفتقد بعض الكيانات الأخرى لأية وسائل لتسويق لإصداراتها مثل المركز القومي للمسرح والمركز القومي للسينما والمركز القومي لثقافة الطفل، بينما نجد أن قطاع الفنون التشكيلية لا يقوم ببيع إصداراته من الأساس باستثناء كتالوجات المتاحف التي نفد معظمها ولم يعد طبعه، ورغم أن صندوق التنمية الثقافية يمتلك عددًا من منافذ التوزيع، ويتولى  توزيع إصداراته وإصدارات المجلس الأعلى للثقافة، فإن سياسة التسويق لدى الصندوق لا تتماشى مع حجم الإصدارات، وفي نفس الوقت تحول اللوائح الحكومية دون التوسع في توقيع عقود توزيع مع الموزعين من القطاع الخاص، حيث أن نظام تسويق الكتاب يعتمد على نظام الأمانات الذي لا يتوافق مع اللوائح المالية الحكومية.
2.     غياب التنسيق بين قطاعات الوزارة وهيئاتها في النشر، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى إصدار الكتاب الواحد عن أكثر من هيئة أو قطاع من هيئات وزارة الثقافة وقطاعاتها المختلفة في نفس السنة، أو قيام هيئة من الهيئات بإصدار كتاب رغم توافر نسخ منه في مخازن هيئة أخرى.
3.     غياب معايير موحدة في سياسة النشر في وزارة الثقافة، فلا تمتلك الوزارة نظامًا موحدًا للتعاقدات مع المؤلفين والمترجمين، كما لا تمتلك معايير موحدة لاختيار الأعمال الصالحة للنشر، كما لا تمتلك معايير موحدة للتسعير، الأمر الذي يؤدي إلى تفاوت كبير في أسعار الكتب بين قطاعات الوزارة وهيئاتها المختلفة.
4.     غياب الرؤية لدى بعض القطاعات، فالأعمال التي يصدرها قطاع العلاقات الثقافية الخارجية لتقديم الفكر المصري في الخارج عبر ترجمة الأعمال المصرية إلى اللغات الأجنبية، تتكدس في المخازن في مصر أو في مكاتبنا الثقافية في الخارج، دون أن تؤدي الغرض المرجو منها.
5.     كل هيئة أو مركز أو قطاع من قطاعات الوزارة وهيئاتها يمارس مهام نشر الكتاب، رغم أن هذه ليست الوظيفة الرئيسية لبعضها، بعض هذه المؤسسات تباشر النشر بشكل منتظم، وبعضها الآخر ارتبط النشر فيها برؤية المسؤل الأول في المؤسسة، وتوقف النشر أو تراجع بتغيير المسؤل، بعضها يشكل النشر وظيفة من وظائفها مثل المركز القومي للترجمة، وبعضها ينشر انتاجه البحثي مثل المراكز البحثية التابعة لدار الكتب والوثائق القومية، ومعظم انتاج المركز القومي للمسرح، وبعضها توسع في النشر بصورة كبيرة بدعوى توفير الكتاب بسعر زهيد للمواطن، مثل هيئة قصور الثقافة، وبعضها توسع في النشر تلبية للاحتياجات المتزايدة لنشر الانتاج الفكري والإبداعي للكتاب والباحثين مثل المجلس الأعلى للثقافة.
  المشكلة الرئيسية في تقديري ترتبط بفهمنا لكيفية تأدية الدولة لدورها في دعم المنتج الثقافي كي يصل إلى المستفيد النهائي بسعر مناسب أو مجانًا؛ فما يحدث في الوضع الحالي يؤدي إلى إهدار الجهود الحكومية في مجال النشر وفي الوقت نفسه الإضرار بالصناعة وبسوق النشر في مصر.
وأتصور أننا أمام خيارين للتعامل مع المشكلة:
  إما الاستمرار في السياسة الحالية للوزارة،التي تقوم على مباشرة هيئاتها وقطاعاتها لعمليات النشر والتوزيع، مع التنسيق بين الجهات المختلفة لتوحيد المعايير وضمان عد تكرار نشر الأعمال.
  أو انتهاج سياسة جديدة أساسها التخلي عن وظيفة دار النشر وتركها للمتخصصين، مع الاكتفاء بنشر ما تنتجه هيئات الوزارة فقط، مع قيام الوزارة كممثل للدولة بوظائف الدعم، من خلال التوسع في إنشاء المكتبات العامة واقتناء الكتب بها، وفي الوقت نفسه قيام الوزارة بطرح خطة سنوية للنشر، وتطرح على دور النشر لتنفيذها وفقًا لشروط تضعها الوزارة، مقابل دعم مالي يذهب إلى المستفيد النهائي، بمعنى أن تتحمل الوزارة جزء من التكلفة مقابل تخفيض سعر المنتج النهائي، وتتخفف الوزارة من عبء الطباعة والتسويق، وتوفر الكتاب على نطاق أوسع وبسعر أفضل، وقد نفذت مصر من قبل تجربة ناجحة في مشروع الألف كتاب الذي بدأ في خمسينيات القرن الماضي، وتجربة قائمة للآن من خلال مشروع مكتبة الأسرة.
 وفي تقديري أن الخيار الثاني أكثر جدوى وأكثر فاعلية، مع ملاحظة أن تطبيقه يحتاج إلى مرحلة انتقالية لإنهاء ارتباطات قطاعات الوزارة وهيئاتها وتعاقدتها، ولتوفيق الأوضاع القانونية واللائحية.
الأهداف:
 الأهداف المبتغاة من الخطة الجديدة المقترحة في مجال الكتاب والنشر يمكن أن تتلخص في النقاط التالية:
1.     ضمان وصول الكتاب بسعر مناسب للقارئ/ القارئة في مصر، أو إتاحة الاطلاع عليه بلا مقابل من خلال المكتبات العامة.
2.     فتح الأسواق أمام الكتاب المصري في بلدان العالم العربي، وبين الجاليات المصرية والعربية في الخارج.
3.     نشر الإنتاج الفكري والإبداع المصري مترجمًا إلى مختلف اللغات، وضمان توزيعه من خلال دور النشر والتوزيع الأجنبية.
4.     نقل الإنتاج الفكري والإبداع من مختلف اللغات إلى العربية.
5.     دعم صناعة الكتاب والنشر في مصر وتحويلها إلى قطاع داعم للاقتصاد المصري.
6.     زيادة مساحة المحتوى الرقمي المصري بالعربية وباللغات الأخرى على الانترنت.
 عناصر الخطة الجديدة:
أولًا: تقليص النشر في وزارة الثقافة بمختلف قطاعاتها وهيئاتها ليقتصر على المجالات المحددة التالية على سبيل الحصر:
1.     الإصدارات الناتجة عن عمل المراكز البحثية التابعة للوزارة (مراكز هيئة دار الكتب والوثائق القومية، والمركز القومي للمسرح، والمركز القومي للسينما، والمركز القومي لثقافة الطفل، جهاز التنسيق الحضاري، مركز تسجيل الآثار بعد عودته إلى وزارة الثقافة).
2.     كتالوجات المتاحف التابعة لوزارة الثقافة، والتابعة للمجلس الأعلى للآثار بعد عودته إلى وزارة الثقافة.
3.      نتاج الأنشطة التي تنظمها الوزارة، مثل أعمال المؤتمرات والندوات، التي تنظمها قطاعات الوزارة وهيئاتها المختلفة.
4.     الأعمال التوثيقية لأنشطة الوزارة؛ مثل: السجل الثقافي والكتاب الإحصائي الثقافي السنوي، وأطلس المواقع الثقافية، ويمكن أن تكون ثلاثتها نواة لإصدار تقرير ثقافي سنوي.
5.     الأعمال الفائزة في المسابقات التي تنظمها هيئات الوزارة وقطاعاتها.
6.     سلسلة إبداعات التفرغ التي تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة باعتبار أن ما ينشر فيها نتاجًا لمنح التفرغ التي يمنحها المجلس.
7.     سلسلة الكتاب الأول التي تعد أقدم سلاسل وزارة الثقافة، والتي تهدف لتشجيع شباب الكتاب والمبدعين.
8.      النشر الإقليمي في هيئة قصور الثقافة إلى أن تتوافر دور نشر في الأقاليم تفي بهذه المهمة بدعم من وزارة الثقافة.
9.      المجلات الثقافية والعلمية التي تصدر عن وزارة الثقافة، مع مراعاة انتظام دورية الإصدار، وجودة المنتج، والتقييم المستمر لمستوى التوزيع، مع إنشاء موقع إلكتروني لكل إصدارة، والتحول التدريجي للإصدار الرقمي بدلًا من الإصدار الورقي.
 ثانيًا: تصبح الهيئة المصرية العامة للكتاب مطبعة وزارة الثقافة، وتضم إليها المطابع التي تمتلكها هيئات أخرى، وتتولى طبع إصدارات وزارة الثقافة، إلى جانب العمل بشكل اقتصادي لتكون أحد مصادر تمويل الوزارة.
 ثالثًا: يتم النشر العام من خلال مكتبة الأسرة، بصورة تحقق دعم مزدوج للقارئ وللصناعة، بحيث تقوم مكتبة الإسرة بمهمتين أساسيتين؛ الأولى إصدار طبعات شعبية من كتب صدرت بالفعل عن دور النشر الخاصة، والثانية طرح مجموعة من العناوين في كل عام لتصدر من خلال دور النشر المختلفة بدعم من وزارة الثقافة، بحيث يصدر الكتاب بسعر مناسب للقارئ على غرار ما كان يحدث في مشروع الألف كتاب في الخمسينيات، وتتحول تبعية مكتبة الأسرة إلى المجلس الأعلى للثقافة وتشارك لجان المجلس في تقديم المقترحات للجنة العليا لمكتبة الأسرة.
 رابعًا: فيما يتعلق بالترجمة اعتماد أسلوب طرح خطة الترجمة على الناشرين ودعمهم ليصل الكتاب المترجم إلى المستفيد النهائي بالصورة والسعر الذي يحقق الهدف الأساسي من خلال المركز القومي للترجمة، أعني توفير الخدمة الثقافية المدعومة للمواطن.
 خامسًا: إحياء مشروع ترجمة الثقافة المصرية للغات الأجنبية من خلال التعاون مع دور النشر الأجنبية، ودعم ترجمتها للإنتاج الفكري والإبداعي المصري إلى اللغات الأجنبية، على أن ينقل المشروع إلى المركز القومي للترجمة.
 سادسًا: التوسع في إنشاء المكتبات العامة بالتعاون بين وزارة الثقافة والمحليات، وزيادة ميزانيات التزويد بها؛ بحيث تقوم باقتناء الإصدارات الجديدة المصرية والعربية والأجنبية وإتاحتها للقراء، ووضع خطة زمنية تصل بمعدل عدد المكتبات في علاقته بعدد المستفيدين إلى المعدلات العالمية خلال عشر سنوات.
سابعًا: التوسع في النشر الإلكتروني لتيسير حصول الجمهور المتعامل مع الوسائط الإلكترونية على نسخ رقمية من الإصدارات بسعر مناسب ومحاربة القرصنة في الوقت نفسه.
ثامنًا: وضع خطة لزيادة المحتوى الرقمي المصري على الإنترنت باللغة العربية وباللغات الأخرى.
تاسعًا: وضع خطط للترويج للكتاب المصري في الخارج واكتساب أسواق جديدة له.

عاشرًا: دعم صناعات الكتاب والنشر وحمايتها بحزمة من التشريعات تتضمن الحماية ومواجهة القرصنة من ناحية، والتشجيع بالإعفاءات الجمركية والضريبية من ناحية أخرى، وإلغاء القيود الرقابية على الإبداع، انطلاقًا من القناعة بأن الصناعات الثقافية، ومنها صناعة الكتاب والنشر، تشكل ميزة تنافسية أساسية لمصر، كما يمكن أن تشكل قيمة مضافة للاقتصاد القومي المصري.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...