الخميس، 5 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 16 )

شهداء معركة الدستور

عماد أبو غازي

 12 ديسمبر 1935 يوم من الأيام المجيدة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية وفي تاريخ نضال الشعب المصري من أجل الديمقراطية، وما أكثر هذه الأيام، في ذلك اليوم رضخ الملك فؤاد لمطالب الأمة التي عمدتها بدماء شهدائها من قادة الحركة الطلابية المصرية محمد عبد الحكم الجراحي وعبد المجيد مرسي وعلي طه عفيفي وعبد الحليم عبد المقصود شبكة ومعهم العامل إسماعيل محمد الخالع.

الجراحي
 لقد رضخ الملك لمطالب الأمة في عودة دستورها، دون أن يفكر في الحفاظ على ماء وجهه، عاد دستور 1923 الذي كان ثمرة من الثمرات التي أتت بها ثورة 1919 العظيمة، بدأ انتصار الشعب عندما أوعز الملك لصدقي بالاستقالة في سبتمبر 1933 وعين عبد الفتاح باشا يحيي مكانه، وكان قد استقال من الوزارة ومن حزب الشعب قبلها بتسعة أشهر، ولم يخرج صدقي من الوزارة فقط بل انفض عنه حزبه "حزب الشعب" كما هي عادة أحزاب السلطة دائمًا، وكتبت السيدة روزاليوسف تعليقًا على سقوط الطاغية:
 "حين سقط صدقي تخلى عنه كل شيء: تخلى عنه حزبه، وتخلت عنه جريدته، وتخلت عنه الأغلبية التي أوجدها من العدم. وتلك كانت نتيجة طبيعية. فالبناء الذي يقام على السلطان يذهب بذهاب السلطان، وما تأتي به الريح تذهب به الزوابع".

روزاليوسف
 لكن هل انتهى عهد الطغيان بسقوط الطاغية؟
 لم يؤد سقوط صدقي إلى انتهاء الانقلاب الدستوري الأخطر والأطول في تاريخ مصر في الحقبة الليبرالية، بل استمرت نفس السياسة المعادية للدستور وللشعب، على يد حكومة حزب "الشعب" برئاسة الرئيس الجديد للحزب وللحكومة عبد الفتاح يحيي، واستمر دستور 1930 الذي سلب من الشعب حقوقه ساريًا،  وكانت لحكومة عبد الفتاح باشا يحيي إبداعاتها المنبئة عن توجهاتها، لقد ابتكر الباشا وسيلة جديدة يؤكد بها الولاء من طاغية صغير للملك، فقد أقرت الوزارة مبدأً جديدًا غير مسبوق في النظام الدستوري المصري؛ أن يؤدي الوزراء يمين الولاء للملك.

عبد الفتاح باشا يحيي
 وفي ظل حكومة عبد الفتاح باشا يحيي تواصلت الانتهاكات للحريات العامة، واستمرت المعارضة السياسية والشعبية للحكومة الجديدة، تلك الحكومة التي حاولت أن تجمل وجهها بالتحقيق في فساد عهد صدقي، رغم أن رجالها هم أنفسهم رجال صدقي، حاولت أن تجمل وجهها بالتضحية ببعض رجال الحكومة السابقة، في محاولة لتخفيف حدة المعارضة، لكن في كل الأحوال كان سقوط صدقي خطوة على طريق استعادة الشعب لحريته وحقوقه، فقد كان الملك والإنجليز وصدقي نفسه يخططون لبقاء حكمه وانقلابه عشر سنوات.
 وفي خريف 1934 مرض الملك فؤاد، وشعر الإنجليز بأن رحيل فؤاد أصبح قريبًا، وإنهم أمام حكومة ضعيفة لا تملك سندًا شعبيًا، فتدخلوا في شئون البلاد بشكل فج ومهين، للملك ولحكومته؛ وعندما شعر فؤاد بفشل حكومة عبد الفتاح يحيي في إزالة الاحتقان، كلف توفيق نسيم باشا بتشكيل الوزارة في محاولة الاقتراب خطوة أخرى نحو الشعب والمعارضة، كما أصدر مرسومًا ملكيًا بإلغاء دستور 30 المرفوض شعبيًا، وحل البرلمان الذي أتت به انتخابات صدقي المزورة، إلا أنه لم يُعد العمل بدستور 1923، بل نقل اختصاصات البرلمان إلى شخصه.

محمد توفيق نسيم باشا
 وكان فؤاد على يقين أن خطوته ستؤدي لشق صفوف المعارضين، وقد أثمرت المحاولة بالفعل على هذا الصعيد، انفضت الجبهة القومية التي تشكلت من الوفد والأحرار الدستوريين، وشهد الوفد نفسه انقسامًا حادًا، فقد أيدت قيادة الوفد حكومة نسيم تأييدًا ضمنيًا، بينما رفضت بعض الفصائل الأكثر ثباتًا في المعارضة أن تؤيد الحكومة، وكانت صحيفة روزاليوسف وعلى رأسها السيدة روزاليوسف والكاتب الكبير عباس محمود العقاد من أشد المعارضين لخط المهادنة من داخل حزب الوفد وصحافته، حيث رأوا أن المعارضة ينبغي أن تستمر حتى يعود دستور 23، واتخذ بعض المفكرين الليبراليين نفس الموقف، وكان من أبرزهم الدكتور محمود عزمي.
 وفي خريف 1935 وسحب الانقسام تخيم على المعارضة المصرية، والصدام في صفوفها أشد من الصدام بينها وبين السرايا، وبينها وبين حكومة توفيق نسيم باشا، جاء الإنقاذ من الخارج.
 كانت مصر تستعد  للاحتفال بذكرى عيد الجهاد الوطني، الذي يصادف 13 نوفمبر من كل عام، اليوم الذي توجه فيه سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي سنة 1918 إلى دار المعتمد البريطاني مطالبين بإنهاء الأحكام العرفية والسماح لهم بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس ممثلين للشعب المصري؛ وفي هذا الوقت صدر تصريح للسير صمويل هور وزير خارجية بريطانيا قال فيه:
 "لا صحة إطلاقًا إننا نعارض في عودة النظام الدستوري لمصر، بشكل يتفق مع احتياجاتها، فنحن انطلاقًا من تقاليدنا لا نريد أن نقوم بذلك، ولا يمكن أن نقوم به، فقط عندما استشارونا في الأمر، أشرنا بعدم إعادة دستور 23 ولا دستور 30، لأنه قد ظهر أن الأول غير صالح للعمل به، والثاني غير مرغوب فيه".

صمويل هور
 ففضح التصريح حكومة نسيم التي لا تستطيع أن تأخذ خطوة تعد من صميم أعمال السيادة إلا بعد استئذان الحكومة البريطانية، كما كشف حقيقة موقف بريطانيا المعادي لعودة دستور 23.
 كان رد الفعل الشعبي سريعًا وقويًا، فقد نشرت صحف 10 نوفمبر التصريح مهاجمة إياه، وفي يوم 11 نوفمبر جاءت المبادرة من جانب الطلاب، فاجتمعت اللجنة التنفيذية العليا التي تمثل إتحاد طلاب الجامعة، وأصدرت نداءً وطنيًا نشرته صحف 12 نوفمبر، دعت فيه إلى أن يحتفل طلبة الجامعة والأمة بعيد الجهاد احتفالًا يليق بجلال هذه الذكرى، وأعلن بيان اللجنة بدء الجهاد من أجل الدستور والاستقلال، وكان الطابع الغالب على الحركة عند بدايتها، الوحدة والبعد عن التحزب، وفي نفس اليوم بدأ تحرك في الوفد للإعداد لموقف يعلنه رئيس الحزب مصطفى النحاس في الاحتفال بعيد الجهاد الوطني.
 وفي صبيحة يوم 13 نوفمبر خرجت المظاهرات من الجامعة ومن دار العلوم والأزهر وبعض المدارس الثانوية في القاهرة وخارجها تهتف في الشوارع "يسقط هور ابن التور"، وتدعو زعماء الأحزاب إلى توحيد الصفوف من أجل استعادة الدستور.
 واستمرت المظاهرات التي وصفها المؤرخون بأنها ثورة الشباب واعتبروها تقارب في قوتها وأهميتها ثورة 1919، وكانت مظاهرة 14 نوفمبر من أقوى هذه المظاهرات، وقد دفعت قوتها الحكومة إلى اتخاذ القرار بإغلاق الجامعة، وظلت تجدده حتى تهدأ ثورة الطلبة، لكن الثورة تواصلت لعدة أيام وسقط فيها عشرات الجرحى والشهداء في مقدمته محمد عبد المقصود شبكة ومحمد محمود النقيب من طنطا والعامل اسماعيل محمد الخالع الذي استشهد عند بيت الأمة يوم 13 نوفمبر، واستشهد عبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة في مظاهرة 14 نوفمبر وعلي طه عفيفي الطالب بدار العلوم يوم 16 نوفمبر.

 لكن أشهر هؤلاء الشهداء الذين غيروا تاريخ مصر بدمائهم كان الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي شهيد كلية الآداب الذي أصيب بالرصاص في مظاهرة 14 نوفمبر واستمر يصارع الموت خمسة أيام، وكانت متابعة الصحافة لإخباره يومًا بيوم سببًا في التفاف مشاعر الأمة حول الشاب الذي كان في العشرين من عمره، وعندما علم الطلاب بنبأ وفاة الجراحي قرروا أن يُشيع جثمانه في جنازة شعبية تليق به وبالقضية التي استشهد من أجلها، وتناوبوا على حراسة الجثمان حتى لا تختطفه الحكومة ليدفن في صمت مثلما حدث مع زميله الشهيد عبد المجيد مرسي، وخرجت الجنازة من مستشفى قصر العيني يتقدمها مصطفى النحاس وأحمد لطفي السيد رئيس الجامعة ومنصور فهمي عميد كلية الآداب وعشرات من الساسة المصريين من مختلف الاتجاهات، وزعماء النقابات المهنية والعمالية، وآلاف الطالبات والطلاب، وتقدم العلم المصري الأخضر الجنازة وتوجهت الجنازة إلى مسجد السيدة زينب حيث صُلي على الجثمان، ومن هناك إلى المدافن، وكان الطريق محفوفًا بآلاف المواطنين يهتفون لمصر ولشهيدها، وأصوات النساء ترتفع من الشرفات والشبابيك مودعة جثمان عبد الحكم في رحلته الأخيرة.

 مشهد رأيته يتكرر في موجة من موجات الثورة المصرية ضد الاستبداد ومن أجل الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، رأيته في جنازة الشهيد جابر صلاح (جيكا) شهيد موقعة محمد محمود الثانية الذي ودعه الآلاف في جنازة سارت من جامع عمر مكرم إلى مدافن باب الوزير في القلعة، بعد أن ظل في حالة موت إكلينيكي لمدة خمسة أيام.

الأربعاء، 4 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 15 )

صفحات من تاريخ الانقلابات الدستورية

الشعب في خط المواجهة

عماد أبو غازي

 كان على المصريين أن يتخذوا القرار، إما الرضوخ وتسليم أنفسهم للطغاة، أو المواجهة والدفاع عن حريتهم؛ كان القرار واضحًا، النضال من أجل استعادة دستور الأمة، لكن لم يستعد المصريون دستورهم ومعه حريتهم بسهولة، كان الثمن غاليًا لكن الحرية كانت أغلى عند المصريين، وكان المصريون قادرون على دفع الثمن ومستعدون لتحمله، لقد اشتركت النخبة في دفع الثمن قبل الجماهير، لم يقبع زعماء الأمة في بيوتهم أو قصورهم، بل خرجوا إلى الشوارع وطافوا المدن والقرى والنجوع يدعون الشعب للتصدي للاستبداد، بات النحاس باشا على أرصفة محطات القطارات، وتصدى بصدر مفتوح لرصاص بوليس صدقي وجيشه، وتعرض لأكثر من محاولة لاغتياله، لكنه لم يتراجع.


 كذلك تصدى قادة الرأي والفكر للملك ورئيس حكومته صدقي، فكتب العقاد سلسلة من المقالات هاجم فيه الملك، وكان رد الحكومة القبض على العقاد، وإحالته هو وصاحب امتياز جريدة المؤيد التي نشرت مقالته للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، وصدر الحكم بحبس صاحب الامتياز 6 أشهر وحبس العقاد تسعة أشهر.


 أما شاعر النيل حافظ إبراهيم فقد دخل الميدان بقصائده التي قال في واحدة منها هاجيًا صدقي وعهده:
قد مر عام يا سعاد وعام
  وابن الكنانة في حماه يضام
صبوا البلاء على العباد فنصفهم
  يجبي البلاد ونصفهم حكــام


 وإذا كان العقاد قد سجن فإن حافظ قد فصل من عمله في دار الكتب، وكان نصيب طه حسين الإبعاد من الجامعة التي كان عميدًا لكلية الآداب بها، بسبب رفضه تنفيذ تعليمات الحكومة بمنح الدكتوراه الفخرية لمن لا يستحقها، فاستقال أحمد لطفي السيد من منصبه كمدير للجامعة المصرية احتجاجًا على قرار الإبعاد.


 ولم تسلم الفنون الجميلة من تعسف صدقي، فبمجرد أن تولى صدقي الحكم بدأ في عرقلة إجراءات إقامة تمثالي الزعيم سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية.

 لقد بدأت معارضة الانقلاب الدستوري الأخطر والأشد ضراوة في تاريخ مصر في الحقبة الليبرالية قبل أن يصدر مرسوم الملك بإلغاء دستور 23 وإعلان دستور 30، وكان أول من دخل ساحة المعركة عدلي باشا يكن رئيس مجلس الشيوخ، فأرسل من أوروبا استقالته من رياسة مجلس الشيوخ احتجاجًا على اعتداءات الوزارة المتكررة على الدستور.
 وبعد ساعات من صدور دستور 1930 بدأ الوفد في قيادة الحركة الشعبية من خلال البيانات والمؤتمرات السياسية والمقالات الصحفية، وانضم الحزب الوطني للمعارضة ببيان عاجل أصدرته لجنته الإدارية بعد 48 ساعة، اعتبرت فيه أن ما حدث اعتداء صارخ على الدستور، وسرعان ما انضم حزب الأحرار الدستوريين الذي كان صدقي ينتمي إليه إلى المعارضين، وهاجم قادة الحزب صدقي، فقال محمد حسين هيكل باشا: "كنا مقتنعين تمام الاقتناع بأن الدافع الحقيقي لتعديل الدستور لم يكن فكرة إصلاح بقدر ما كان فكرة تغليب السلطة التنفيذية على حقوق الشعب وممثليه في البرلمان"، وقال محمد علي علوبة: "إن تعديل الدستور له قواعد منصوص عليها فيه، والجرأة على تعديله على النحو الذي حدث يجعله دون القوانين احترامًا، بل يجعله أقل احترامًا من لائحة الترع والجسور وأمثالها من اللوائح".
 وفي نوفمبر 1930 شكل الوفد والأحرار الدستوريين لجنة للتنسيق بينهما، وفي مارس 1931 صدر عن الحزبين ميثاق قومي تعاهد فيه طرفاه على مقاطعة الانتخابات والنضال لإعادة دستور 23 والحياة البرلمانية السليمة على أساس منه، وبدأ زعماء الحزبين حركة واسعة لزيارة أقاليم مصر والدعوة بين الجماهير لرفض دستور 30 وقانون الانتخابات الجديد والعمل على إسقاطهما وإعادة دستور 23، ولم يأبه زعماء الأحزاب بقمع السلطة ولا بطشها، ولا باستعانتها بالجيش لفض مؤتمرات المعارضة بالقوة، ولم يتوقف قادة الأمة عن مسعاهم حتى بعد أن وصل بطش حكومة صدقي إلى حد محاولة قتل النحاس باشا طعنًا بسونكي بندقية أحد الجنود، وهي المحاولة التي فشلت بسبب حماية سنيوت حنا عضو الوفد للنحاس باشا بجسده وتلقيه الطعنة عوضًا عنه.
 وتصعيدًا للمواجهة قرر الوفد والأحرار عقد مؤتمر وطني عام في 8 مايو 1931، وعندما منعت الحكومة انعقاده بالقوة بدأت حملة لجمع التوقيعات على بيان المؤتمر الوطني، وكان في مقدمة الموقعين مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد ومحمد محمود باشا رئيس الأحرار الدستوريين وعدلي باشا يكن رئيس مجلس الشيوخ المستقيل والشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر السابق وويصا واصف رئيس مجلس النواب المنحل، ووقع على البيان إلى جانب قادة الحزبين عدد من الوزراء والسفراء والضباط السابقين، كما انضم إلى التوقيع على البيان مجموعة من أفراد الأسرة المالكة وهم الأمراء والنبلاء عمر طوسون ومحمد علي وعمرو إبراهيم وسعيد داود ومحمد علي حليم وإبراهيم حليم.
 رغم اتساع المعارضة فإن حلف صدقي وفؤاد استمر في خطته، وتمت الانتخابات في يونيو 1931، على أساس قانون الانتخابات الذي سلب الشعب إرادته وحقوقه. وقدم الوفد بلاغًا إلى النائب العام مدعمًا بالوثائق يفضح وقائع التزوير والقمع، إلا إن النائب العام لم يكترث لهذا البلاغ الخطير.
 ورغم أن شهداء تلك الانتخابات تجاوزوا مئة شهيد، لكنهم لم يكونوا أخر الشهداء على طريق الحرية؛ فقد استمرت المقاومة وتصاعدت ضد صدقي، وزاد من قوتها وحدتها امتداد آثار الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى إلى مصر، وكان سلوك حكومة صدقي في مواجهة الأزمة يصب في خدمة كبار الملاك والرأسماليين، بينما حاصرت الأزمة الناس في أرزاقهم، وسرعان ما انضم العمال والفلاحين إلى حركات الاحتجاج، كما شهدت قرى الدلتا والصعيد هبات فلاحية متعددة بعضها أخذ طابعًا جماعيًا سياسيًا ضد دستور 30 وتزوير الانتخابات، وبعضها الآخر كان احتجاجًا على سوء الأوضاع الاقتصادية وتعسف الحكومة في جباية الضرائب، وابتكر الوفد أسلوبًا جديدًا في النضال بالدعوة للامتناع عن دفع الضرائب.
 وانضم الاتحاد النسائي المصري إلى المعارضة، ونظمت لجنة سيدات الوفد مظاهرة نسائية ضخمة ضد حكومة صدقي باشا، وخرجت المظاهرة من دار رياض باشا وسارت في طرقات القاهرة، وتدخلت الشرطة لفض المظاهرة بالقوة واعتقلت عدد من السيدات وأودعتهن في أقسام الشرطة، ثم اضطرت تحت الضغط الشعبي للإفراج عنهن ليلًا.

 وكان المسمار الأول في نعش حكومة صدقي حادثة اغتيال مأمور مركز البداري، فقد كشفت تلك القضية عن الانتهاكات التي كانت تقع في مراكز الشرطة ضد المواطنين، ويرجع أصل القضية إلى قيام اثنان من أبناء البداري بقتل المأمور، وحكمت المحكمة بإعدام واحد منهما وبالأشغال الشاقة المؤبدة على الثاني، وعند الطعن بالنقض في الحكم كشفت محكمة النقض أن جريمة القتل كانت بسبب قيام المأمور بتعذيبهما وهتك عرضهما، وأدانت المحكمة برئاسة عبد العزيز فهمي باشا في حكم تاريخي لها فساد النظام وأفعال رجال البوليس التي وصفتها بأنها "إجرام في إجرام"، وبناء على هذا الحكم بدأت النيابة العامة التحقيق في وقائع التعذيب التي يتعرض لها المواطنون على يد رجال البوليس، وكان هذا الحكم وما تبعه من تحقيقات سببًا في انقسام في حكومة صدقي الذي أوقف التحقيقات فاستقال بعض وزرائه، وانتهى الأمر باستقالته هو نفسه في سبتمبر 1933.

الثلاثاء، 3 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 14 )

دستور صدقي وفؤاد

عماد أبو غازي

"بإلغاء دستور الأمة ـ دستور سنة 1923، وبإصدار دستور جديد هو دستور سنة 1930، هُدم النظام الدستوري للبلد في لحظة، ووُضِع مكانه نظام جديد بأمر جلالة الملك وتنفيذ أداته صدقي باشا؛ والأمم التي تحترم نفسها وتحترم القانون لا تعبث بدساتيرها بين آن وآخر بأوامر حكامها أو أفراد منها دون اكتراث بإرادة الأمة".
 بهذه الكلمات لخص المؤرخ الراحل الدكتور محمد ضياء الدين الريس في كتابه المهم "الدستور والاستقلال والثورة الوطنية 1935"، الحالة في مصر في آواخر سنة 1930.


 جاء الدستور الجديد مرسخًا للاستبداد وسالبًا من الأمة مكتسباتها التي حققتها بعد نضال طويل، ولعل أسوأ ما كان في ذلك الدستور، دستور فؤاد  وصدقي، إنه عاد بمصر إلى الوراء كثيرًا عندما جعل الدستور منحة من الملك لا عقدًا بين الأمة والملك، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل كانت نصوص الدستور نفسها نكوصًا وتراجعًا عما حققه المصريون في دستور 1923.

صدقي باشا
 ويرصد المؤرخون الذين أرخوا لتلك الحقبة وفي مقدمتهم: عبد الرحمن الرافعي الذي كان معاصرًا للأحداث، والدكتور عبد العظيم رمضان والدكتور ضياء الدين الريس، مثالب ذلك الدستور في عدة نقاط:
 أولها أنه قيد المسئولية الوزارية، أي حق مجلس النواب في طرح الثقة بالحكومة وجعل ممارسة هذا الحق الذي يعد أساس أي نظام برلماني سليم أمرًا مستحيلًا من الناحية العملية، وقد اقتبست كل الدساتير التي وضعت بعد انقلاب يوليو 52 هذا المنطق من إسماعيل باشا صدقي، ذلك المنطق الذي حول المجالس النيابية إلى مجالس منزوعة القوة.
 وثانيها أن سلطة الملك في حل البرلمان لم تعد مقيدة بتحديد موعد لإجراء الانتخابات الجديدة يتضمنه قرار الحل، كما لم يعد واجبًا على الملك دعوة البرلمان لدورة انعقاد طارئ متى طلب ذلك أغلبية الأعضاء مثلما كان عليه الحال في دستور 23، بل ترك الأمر كله لتقدير الملك، كما أنه جعل أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ معينين بعد أن كانت أغلبيتهم من المنتخبين، مما أضعف سلطة البرلمان.
 وثالثها أنه وسع من حقوق السلطة التنفيذية ومنحها حق التشريع طوال فترة غياب البرلمان والتي تمتد لسبعة أشهر، كما قيد من سلطات البرلمان في مراقبة الميزانية ومنح الحكومة حق تعديلها دون الرجوع إلى البرلمان، بل حرم البرلمان من حق اقتراح القوانين المالية وقصر هذا الحق على الملك وحده! كما جعل للملك حق إهمال أي قانون يقره البرلمان؛ واعتبر الدستور الجديد أن عدم تصديق الملك على القانون لمدة شهرين يعتبر رفضًا له، ولا يجوز للبرلمان النظر فيه مرة أخرى إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلسين، وأعطى كذلك للملك وحده حق تعيين شيخ الأزهر والرؤساء الدينيين في مصر، بعد أن كان هذا حقًا للحكومة الحائزة على ثقة البرلمان المنتخب، أي حق من حقوق الأمة من خلال ممثليها.
 أما أخطر التجاوزات في دستور صدقي هي تقنينه للتعدي على الحريات العامة، عندما "دستر" تعطيل الصحف بقرار من محكمة الاستئناف، في جلسة سرية! وحتى هذا النص الشاذ لم يلتزم به صدقي، فقد لجأ إلى تعطيل الصحف بالطرق الإدارية منذ بداية عهده وطواله.
 واستكمالًا لمقومات الاستبداد حل الملك جميع مجالس المديريات، وأصدرت حكومة صدقي قانونًا جديدًا للانتخابات ملحقًا بالدستور، ألغى مبدأ الانتخاب المباشر، وجعل الانتخابات على مرحلتين، في الأولى يختار الناخبون مجمع انتخابي، ثم يقوم أعضاء هذا المجمع بانتخاب البرلمان نيابة عن الناخبين، كما رفع القانون سن الناخب إلى 25 سنة، واشترط في عضو المجمع الانتخابي شروطًا مالية وتعليمية استبعد به معظم المواطنين، كما حرم جميع المشتغلين بالمهن الحرة من محامين وأطباء ومحامين وصحفيين ومهندسين من خارج القاهرة حق ترشيح أنفسهم لعضوية البرلمان!
 وفي فبراير 1931 عدلت الحكومة قانون العقوبات لتستحدث نصوصًا تعاقب على التعبير عن الرأي من خلال الصحافة، ومن تلك النصوص التي ما زالت آثارها قائمة إلى يومنا هذا، عقاب من ينشر أخبارًا بشأن تحقيق جنائي قائم، ومن ينشر أمورًا من شأنها التأثير في القضاة أو رجال النيابة أو غيرهم  من الموظفين المكلفين بالتحقيق، أو التأثير في الرأي العام!
 وبعدها بأشهر قليلة عدلت قانون العقوبات مرة أخرى لتشدد العقوبات على "جرائم" النشر التي تقع عن الطريق الصحف وغيرها من طرق النشر، واستحدثت مصطلحات تحكمنا إلى يومنا هذا مثل "الإضرار بالمصلحة العامة" و"الإخلال بالنظام العام" و"التحريض على قلب نظام الحكومة" و"التحريض على كراهية النظام أو الازدراء به"، كما وضعت الحكومة قانونا جديدًا للمطبوعات تضمن شروطًا تعجيزيه لإصدار الصحف.
 وكان صدقي قد أكمل ديكور نظامه الجديد بتأسيس حزب يسانده مثلما فعل زيور باشا في الانقلاب الدستوري سنة 1925 عندما أسس حزب الاتحاد، وأسمى صدقي حزبه حزب الشعب زورًا وبهتانًا، فقد كان أبعد ما يكون عن الشعب، ويبدو أنها عادة المستبدين أن يسموا الأشياء بعكسها. وأخذت الإدارة تروج لهذا الحزب وتدعو الناس بمختلف وسائل الترغيب والترهيب والتوريط في الانضمام له، مثلما حدث مع حزب الاتحاد من قبل ومع التنظيمات الحكومية التي جاءت منذ انقلاب يوليو من بعد.

محمد شفيق غربال

 هكذا تبلورت الأزمة التي لخصها المؤرخ الكبير محمد شفيق غربال بقوله: "إن ما حاوله صدقي باشا في دستوره الجديد انتقاص من حقوق حصل عليها الشعب. وإنه من الطبيعي ومن المشروع أن يدافع الشعب عن تلك الحقوق، وحاول صدقي باشا أن يحمله على الإذعان، فكانت المعركة الدستورية الكبرى، انتصر الشعب في النهاية، وعاد له دستوره الأول، فعدنا إلى ما كنا عليه، وذهبت جهود صدقي باشا ومواهبه هباء في هباء".

الاثنين، 2 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 13 )

عندما ألغى الملك دستور الأمة

عماد أبو غازي
 جاء في مذكرة وزير الحقانية التي أعلنت مع الدستور في 19 أبريل سنة 1923:
 "متى صدر الدستور الجديد فإن الحالة تتغير تغيرًا تامًا؛ إذ إصدار الدستور والاعتراف بمبدأ كون الأمة هي مصدر جميع السلطات يجعلان سحب الدستور بعد منحه أمرًا غير مستطاع".
 لكن الملك المستبد وحكومته غير الشرعية بتواطؤ من سلطة الاحتلال البريطاني سحبوا الدستور، بعد أن اعتبرت انجلترا أن التعدي على الدستور شأنًا من شؤون مصر الداخلية لا علاقة لحكومة صاحب الجلالة به، فأعطت بذلك الضوء الأخضر للملك ورئيس وزرائه إسماعيل باشا صدقي للإطاحة بدستور الأمة وتعديل قوانين الانتخابات العامة والتعدي على الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين.
 كان فؤاد قد ضاق منذ اللحظة الأولى بالدستور الذي قيد سلطاته، وأقر مبدأ رقابة الأمة من خلال ممثليها المنتخبين على سلوك الحكومة وممارساتها، ومنح الشعب سلطة التشريع من خلال نوابه، وصان الحريات العامة للمواطنين وحافظ على حرمة حياتهم الخاصة، وأرسى مبدأ الفصل بين السلطات.


 وخلال السنوات التي تلت صدور الدستور قاد فؤاد انقلابين دستوريين كما رأينا، أولها في مارس 1925، عندما عطل الحياة النيابية لمدة عام وشهرين تقريبا، ثم عطلها مرة ثانية من يوليو 1928 إلى أكتوبر 1929، إلا أن ثالث تلك الانقلابات الدستورية وأخرها في عهد فؤاد كان الأخطر والأطول والأشد تأثيرًا، وقد وقع ذلك الانقلاب الدستوري بعد أقل من عام من عودة الحياة البرلمانية في أكتوبر 1929، وكان النحاس باشا قد شكل الوزارة في الأول من يناير سنة 1930، فشلت الحكومة في انتزاع معاهدة مع انجلترا تحقق آمال الشعب، واصدمت الحكومة بالملك حول حقوق الأمة، عندئذ قدم النحاس استقالة حكومته في 17 يونيو 1930، فقبلها فؤاد رغم رفض البرلمان لها، وكلف إسماعيل باشا صدقي بتشكيل الوزارة في 20 يونيو 1930.


 لم يُضع المستبدون وقتًا، أصدر صدقي مرسومًا بتأجيل اجتماع البرلمان شهرًا، اعتبارا من يوم 21 يونيو، أي اليوم التالي لتأليفه الوزارة، فهو يعلم أن مجلس النواب كان قد جدد الثقة بحكومة النحاس باشا المستقيلة، وإنه لن يمنح حكومته الثقة، ولكن رئيسي مجلسي البرلمان ويصا واصف وعدلي يكن أصرا على حق المجلسين في الانعقاد في الموعد المحدد من قبل ليُتلا مرسوم التأجيل على النواب كما تقضي بذلك الأعراف الدستورية، وبدأت الأزمة تتصاعد عندما وجه صدقي خطابًا إلى ويصا واصف يبلغه فيه بأنه غير مسموح لأي عضو من أعضاء مجلس النواب بالحديث بعد تلاوة مرسوم تشكيل الحكومة ومرسوم تأجيل انعقاد البرلمان، وينذره فيه باتخاذ الوسائل الكفيلة بضمان ذلك. 


 لكن ويصا واصف الذي كان يعتبر نفسه ممثلًا للأمة يستمد منها سلطته، رد على الإنذار ردًا حاسمًا، جاء فيه:
 "إنه ليس من حق الحكومة أن توجه إلى رئيس مجلس النواب مثل هذا الخطاب لما فيه من تدخل السلطة التنفيذية في إدارة جلسات المجلس".


 وجاء رد صدقي بمحاصرة البرلمان وإغلاق أبوابه بالسلاسل الحديدية يوم 23 يونيو 1930، ومع ذلك فقد اتجه النواب والشيوخ إلى مبنى البرلمان في الموعد المحدد وأصدر ويصا واصف أوامره إلى حرس البرلمان بتحطيم السلاسل الحديدية بالبلط.، ودخل النواب إلى مجلسهم وعقدوا الجلسة، ووجه عدلي باشا يكن رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة.


 وبعدها بثلاثة أيام أي في يوم 26 يونيو عقد أغلبية أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب وعدد من أعضاء مجالس المديريات اجتماعًا بمقر النادي السعدي ـ النادي السياسي للوفد ـ وأصدروا بيانًا أقسموا فيه على الدفاع عن الدستور ومقاومة كل اعتداء يقع عليه، واتفقوا على عدم التعاون مع الحكومة، وفي الأسابيع التالية تصاعدت موجات الاحتجاج في مختلف مدن مصر، وتصدى النظام لها بالقوة المسلحة مستعينًا بالجيش إلى جانب الشرطة، فسقط عشرات الشهداء دفاعًا عن الدستور.
 وفي يوم 12 يوليو استصدرت الحكومة من الملك مرسومًا بفض الدورة البرلمانية بالمخالفة للدستور، فالبرلمان لم يكن قد أقر الميزانية بعد ولم يكن قد أمضى في دورته 6 أشهر كما ينص على ذلك دستور 23، وعاودت الحكومة إغلاق مبنى البرلمان واحتلاله بالقوة المسلحة.
 رد النواب بتقديم عريضة إلى الملك يطلبون منه دعوة البرلمان إلى اجتماع غير عادي يوم السبت 26 يوليو سنة 1930 لاستجواب الوزارة والاقتراع على الثقة بها، لكن الملك لم يستجب بالطبع، فعقد النواب اجتماعهم للمرة الثانية في النادي السعدي.
 وفي يوم 21 سبتمبر 1930 قدم النواب عريضة ثانية إلى الملك يطالبونه فيها بدعوة البرلمان للانعقاد في اجتماع غير عادي في أقرب وقت للنظر فيما عرضته الوزارة من تعديل قانون الانتخاب، واتخاذ القرار الذي يراه المجلسان في ذلك، وذكروا في عريضتهم أن النواب في اجتماعهم السابق يوم 26 يوليو 1930 كانوا قد أصدروا قرارًا بعدم الثقة بالوزارة، الأمر الذي يوجب استقالتها.
 ولم تأبه الحكومة برأي الأمة، ولا بمعارضة النواب من الوفد حزب الأغلبية، ولا حتى برأي أصدقائها القدامى الأحرار الدستوريين الذين أصدروا بيانًا يطالبون فيه بألا يمس التعديل لقوانين الانتخاب الأسس الدستورية.

 وأخبر صدقي الجميع في صورة إنذار نهائي بأنه اتفق مع الملك على إصدار دستوره الجديد، ومضى صدقي إلى نهاية الشوط فأعلن إلغاء دستور الأمة واستبدال به دستور الملك، وصدر بذلك المرسوم الملكي بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1930. كما صدر في اليوم نفسه قانون الانتخاب الجديد. وصدر الأمر بحل مجلسي النواب والشيوخ القائمين.

الأحد، 1 مايو 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 12 )

زمن الانقلابات الدستورية

عماد أبو غازي
 صدر دستور 1923، وأعقبه صدور قانون الانتخابات، وتم إجراء أول انتخابات برلمانية حرة في مصر، خسر فيها رئيس الوزراء أمام مرشح الوفد، وفي المحصلة النهائية فاز فيها الوفد بأغلبية كاسحة، وشكل سعد زغلول حكومته التي عرفت بحكومة الشعب. لكن الشعب لم يهنأ بدستوره طويلًا؛ فلم يأتي الأمر على هوى الملك فؤاد ولا على هوى الإنجليز، وبدأت المعارك حول تفسير الدستور وتطبيقه بين حكومة الشعب والملك؛ فوفقًا لنص الدستور كان للملك أن يعين خمسا أعضاء مجلس الشيوخ، وهنا تفجرت أول المعارك الدستورية بين حكومة الوفد والملك فؤاد، فقد أراد فؤاد أن يختار الأعضاء المعينين، وأصر سعد أن هذا حق الحكومة، مستندًا إلى الدستور الذي ينص على أن الوزارة هي المهيمنة على شؤون الدولة وأن الملك لا يباشر سلطاته إلا من خلالها وبواسطة وزرائه، ولجأ الملك وسعد للتحكيم القانوني، فجاءت فتوى البارون فان دي بوش الخبير القانوني البلجيكي، تؤيد رأي سعد فانتصرت إرادة الأمة.


 وفي يوم 15 مارس سنة 1924 انعقدت جلسة البرلمان التي ألقى فيها سعد زغلول خطاب العرش معلنًا فيه خطة حكومته، وقال في بدايته للنواب والشيوخ: "أحيى فيكم ممثلي شعبي الكريم، وأهنئكم منتخبين ومعينين بالثقة العظمى التي حزتموها لتؤلفوا أول برلمان مصري تأسس على المبادئ العصرية، وأحمد الله أن تحققت بتأسيسه أمنية من أعز أماني وأول رغبة من رغبات أمتي الشريفة، اليوم تدخل في دور التنفيذ النظامات النيابية التي قررها الدستور ولا ريب في أنها تبشر بإقبال عصر جديد من القوة والسعادة على بلادنا المحبوبة".


  لكن قبل أن ينتهي عام 1924 كانت الحكومة الدستورية الأولى التي تشكلت في 28 يناير سنة 1924 قد استقالت؛ تحديدًا في 24 نوفمبر 1924، في أعقاب حادثة اغتيال السير لي ستاك باشا سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، جاءت الاستقالة رفضًا من سعد وحكومته للرد البريطاني على حادث الاغتيال الذي شكل تعدي على السيادة المصرية. 
 ومع استقالة الحكومة بدأ عصر الانقلابات الدستورية، ومصطلح الانقلاب الدستوري كان يقصد به خرق الملك لأحكام الدستور أو تعطيل العمل به أو تكليف حكومة لا تحظى بتأييد البرلمان بإدارة شئون البلاد مع تعطيل البرلمان إذا اصطدم بها.


 بدأ أول الانقلابات الدستورية مع تكليف الملك لأحمد زيور باشا بتولي رئاسة الحكومة، سلمت الحكومة الجديدة بكل انتهاكات بريطانيا للسيادة المصرية، كما تم اعتقال ستة من نواب البرلمان، اثنان منهم بمعرفة القوات البريطانية وأربعة بمعرفة البوليس المصري، رغم تمتعهم بالحصانة البرلمانية، وكانت أول خطوات الحكومة في اليوم التالي لتوليها تعطيل البرلمان لمدة شهر، وقبل أن ينتهي الشهر بيوم واحد استصدرت الحكومة مرسومًا بحل مجلس النواب، وتلاعبت في قوانين الانتخاب حتى تأتي بمجلس على هواها، فألغت القانون الذي أقره البرلمان للانتخابات المباشرة وأعادت العمل بالقانون الذي يقضي بإجراء الانتخابات على مرحلتين، وفي نفس الوقت أجرت انتخابات جديدة للمندوبين، رغم أن القانون القديم كان ينص على استمرار المندوبين في عملهم لمدة خمس سنوات، كما عدلت الحكومة الدوائر الانتخابية لتضمن نجاح مرشحي حزب الاتحاد الذي أسسه زيوار باشا.

                                                  زيور باشا
 ورغم الضغوط التي مارستها الحكومة فاز الوفد بالأغلبية مرة أخرى، وتشكلت وزارة من حزب الاتحاد والأحرار الدستوريين والمستقلين، ولم تنل الحكومة ثقة البرلمان ورفض الملك استقالتها وحل البرلمان للمرة الثانية في يوم انعقاده، وعطلت الحكومة إجراء الانتخابات ضاربة عرض الحائط بأحكام الدستور.
 ولما استمرت الحكومة في تعطيل الانتخابات اجتمع البرلمان من تلقاء نفسه في 21 نوفمبر سنة 1925 في فندق الكونتينتال بميدان الأوبرا، وقرر البرلمان عدم الثقة بالحكومة واعتبار نفسه في حالة انعقاد دائم.


 وبعد يومين أصدر أربعة عشر من الأمراء بيانًا طالبوا فيه الملك بإعادة الحياة الدستورية.


 وبعد مماطلة اضطر الملك إلى إعادة العمل بقانون الانتخاب الذي أصدره برلمان 1924، وأجريت الانتخابات في ظل توافق بين الوفد والأحرار الدستوريين والحزب الوطني، وفاز الوفد بالأغلبية وتم الاتفاق على أن تكون رئاسة البرلمان للوفد ويتولى عدلي يكن رئاسة الحكومة التي تضم الوفد والأحرار الدستوريين، وتوالت على البلاد ثلاث حكومات ائتلافية، إلى أن وقع الانقلاب الدستوري الثاني في صيف 1928، عندما أقال الملك فؤاد وزارة النحاس باشا عقب استقالة بعض الوزراء من حزب الأحرار الدستوريين.

محمد محمود باشا
 تم تكليف محمد محمود باشا رئيس حزب الأحرار بتشكيل الحكومة التي سميت حكومة القبضة الحديدية، نسبة إلى المقولة الشهيرة لرئيسها محمد محمود باشا: "سأحكم البلاد بيد من حديد ثلاث سنوات قابلة للتجديد".
 بدأ محمد محمود حكمه بتعطيل البرلمان ثم حله وتعطيل عدد من مواد الدستور لمدة ثلاث سنين تنتقل فيها سلطة التشريع للملك، وأصدر الملك عدة تشريعات لحماية الانقلاب الدستوري ظهرت فيها للمرة الأولى في التشريع المصري مصطلحات "التحريض على كراهية النظام والازدراء به".
 لم يدم الانقلاب الدستوري طويلًا، فقد وصلت المفاوضات المصرية البريطانية إلى نقطة تحتاج لاتخاذ قرار مدعم بتأييد شعبي لمعاهدة مصرية بريطانية، فضغطت بريطانيا من أجل إعادة البرلمان والنظام الدستوري، فاستقالت حكومة محمد محمود في 2 أكتوبر 1929 وتولى عدلي يكن الحكم وأجرى انتخابات برلمانية أتت بالوفد إلى رئاسة الحكومة مرة أخرى.
 شكل النحاس باشا الوزارة في الأول من يناير سنة 1930، ودخلت الحكومة في مفاوضات فاشلة مع الإنجليز حيث رفض النحاس باشا تقديم تنازلات لهم في تلك المفاوضات، الأمر الذي أثار غضبهم ودفعهم إلى تأييد الملك في انقلاب دستوري جديد سريع، وكانت للملك دوافعه للإطاحة بالنحاس وبالدستور، فقد بدأت الحكومة عملها بإحالة ثمانية من كبار الموظفين إلى التقاعد لمشاركتهم في الانقلاب الدستوري السابق، واضطهادهم للشعب وإهدارهم لحقوق المواطنين وحرياتهم، كما وضعت الوزارة مشروع قانون محكمة النقض والإبرام في صيغته النهائية وعطله الملك بدعوى أن الوقت ليس مناسبًا له بعد، ومشروع قانون بنك التسليف الزراعي الذي أثار على الحكومة نقمة الدوائر المالية الأجنبية والمرابين الأجانب والمتمصرين لأنه كان سيحد من استغلالهم للفلاحين.


 لكن الصدام الأكبر مع الملك جاء لسببين الأول تدخله في اختيار أعضاء مجلس الشيوخ المعينين ضاربًا عرض الحائط بأحكام الدستور التي كانت تعطي للحكومة حق ترشيح الأسماء وللملك حق إصدار القرار فقط، وكان هذا الأمر مسار نزاع دائما بين السرايا والحكومة خاصة في ظل حكومات الوفد التي كانت تصر على التمسك بحقوقها الدستورية، وعلى أن تجعل من مصر ملكية دستورية يتراجع فيه دور الملك المباشر في السياسة لحساب الحكومة المؤيدة من البرلمان.
 أما الأمر الثاني فكان مشروع قانون محاكمة الوزراء الذي أصرت حكومة النحاس باشا على إصداره متضمنًا نصوصًا تقضي بعقاب الوزراء الذين ينقلبون على دستور الأمة أو يحذفون حكمًا من أحكامه أو يغيرونه بغير الطريق الذي رسمه الدستور، أو يخالفون حكمًا من أحكامه الجوهرية، فضلًا عن محاكمة أي وزير يبدد أموال الدولة العامة، وكان غرض الحكومة صيانة النظام الدستوري وحمايته من العبث والانقلابات، وقد رفض فؤاد توقيع مرسوم إحالة القانون إلى البرلمان لمناقشته.

 عندئذ قدم النحاس استقالة حكومته في 17 يونيو 1930، وأكد فيها أن سببها عدم تمكنه من تنفيذ برنامجه، واتجه النحاس باشا إلى مجلس النواب وأعلن أن الوزارة قدمت استقالتها وحدد أسباب الاستقالة، وغادر البرلمان، إلا أن المجلس قرر بعد مناقشة قصيرة تجديد الثقة بالحكومة؛ لكن فؤاد قبل استقالة الوزارة يوم 19 يونيو  وفي اليوم التالي كلف إسماعيل باشا صدقي عدو الشعب وعدو الدستور بتشكيل الوزارة لينفذ نية الملك المبيتة بالتعدي على دستور الأمة ويغتال حقوقها التي اكتسبتها عبر نضال طويل بدأ منذ ثورة 1795 في القاهرة، وليبدأ أخطر انقلاب دستوري في تاريخ مصر.

صدقي باشا

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...