الخميس، 28 أبريل 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 9 )

حكاية مشروع السير وليم برونيت الذي أسقطته الثورة

بريطانيا العظمى ضد دستور للمصريين

عماد أبو غازي

 في الأسابيع الأولى لقيام الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في الحادي عشر من نوفمبر سنة 1914 وعد الخديوي عباس حلمي المصريين بمنحهم الدستور، ذلك الوعد الذي لم يتحقق بعد إعلان الحماية البريطانية على مصر وعزل الخديوي في ديسمبر من نفس العام، ومع إعلان الحرب تعطلت الجمعية التشريعية وتوقف عملها طوال سنوات الحرب.
معسكرات قوات الحلفاء في الهرم 

 في 11 نوفمبر سنة 1918 وبعد أربع سنوات بالضبط من منشور الخديوي عباس حلمي الذي وعد فيه بدستور عصري كامل، أعلنت الهدنة وانتهت الحرب، وبدأ قادة الأمة يطالبون بإنهاء الأحكام العرفية والسماح لوفد يمثل مصر بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس، وكان على رأس هؤلاء المطالبين سعد زغلول الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية المعطلة.
 من ناحية أخرى كانت بريطانيا تعد العدة لمرحلة ما بعد الحرب في مصر؛ فقد كان متوقعًا أن تبدأ مطالبة المصريين بإنهاء الحماية التي زالت مبرراتها بانتهاء الحرب، وأن يطالبوا كذلك بعودة الجمعية التشريعية، بل وبدستور حقيقي يصون حقوق المواطنين ويحمي حريتهم ويعبر عن طموح المصريين في إدارة شئونهم بأنفسهم ، ويعكس ما ناضلوا من أجله لأكثر من قرن وربع من الزمان.
 بدأت الحكاية في ربيع سنة 1917، عندما قرر مجلس الوزراء في 24 مارس تشكيل لجنة لوضع مشروع لتعديل البنية القانونية والقضائية والإدارية في مصر بما يتلائم ووضع مصر الجديد بعد زوال تبعيتها للدولة العلية العثمانية وخضوعها للحماية البريطانية، مشروعات تضمن تقنين المكاسب التي تحققت لبريطانيا من الحماية حتى لو انتهت الحماية رسميًا بنهاية الحرب، وكان من بين أعضاء اللجنة السير وليم برونيت مستشار دار الحماية البريطانية في مصر والمستشار المالي للحكومة، والرجل الأقوى بين مستشاري الحكومة المصرية جميعًا، وتم تكليف برونيت بمهمة مقرر تلك اللجنة، التي عرفت باسم لجنة الامتيازات الأجنبية.

السير وليم برونيت؟
 انتهت اللجنة من صياغة عدة مشروعات لتغيير البنية القانونية المصرية، منها قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية الذي كان يسمى قانون تحقيق الجنايات، وقانون المرافعات، بالإضافة إلى بعض فصول القانون المدني والقانون التجاري. كما وضعت اللجنة تصورًا لنظام قضائي جديد يدمج القضاء الوطني في القضاء المختلط الذي كان ينظر في القضايا التي يكون أحد أطرافها أجنبيًا، وكان الهدف من تغيير النظام القضائي سيادة القضاء المختلط على القضاء الوطني، وسيطرة القضاة الإنجليزي على المنظومة القضائية بما في ذلك تعيين نائبًا عامًا إنجليزيًا.
 وعندما حاول أعضاء اللجنة الترويج لمشروعاتهم في الأوساط القانونية والسياسية من خلال طرحها في المنتديات القانونية مثل الجمعية المصرية الاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء، تصدى لهم الوطنيون المصريون معلنين رفضهم لها، وكان من أبرز من تصدوا لهذه الهجمة سعد زغلول؛ فاشتبك مع عضو اللجنة المستر برسيفال المستشار بمحكمة الاستئناف الأهلية، الذي ألقى محاضرة في الجمعية يشرح فيها مشروع قانون العقوبات، وقد أكد سعد زغلول في مداخلته على رفض مشروع القانون الغريب عن المنظومة التشريعية المصرية المستقرة، وعلى ضرورة عودة الجمعية التشريعية للانعقاد لمباشرة رقابتها على القوانين، وكان لهذه المداخلة أثر بالغ في إحباط المشروعات البريطانية لتعديل المنظومة القانونية المصرية.


 وفي هذا السياق أعد السير وليم برونيت مشروعًا لقانون نظامي لمصر، أي دستور جديد للبلاد يحدد العلاقة بين السلطات في الدولة؛ ويصف المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي في كتابه عن ثورة 1919 ذلك المشروع، فيقول: "وضع السير وليم برونيت مشروع قانون نظامي لمصر، ينزل بها إلى مرتبة المستعمرات التي يراد جعلها سوقًا لكل من نزل بها من رعايا الدول الأجنبية، ويتلخص هذا المشروع في إنشاء مجلس نواب مصري، يؤلف من المصريين، ولكنه استشاري محض، ليس له سلطة قطعية في أمر من الأمور. وبجانبه مجلس شيوخ، يملك وحده السلطة التشريعية، ولكنه خليط من المصريين والأجانب، يؤلف من أعضاء رسميين، وهم الوزراء المصريون والمستشارون الإنجليز ومن في مرتبتهم من الموظفين البريطانيين، ثم من أعضاء منتخبين، ينتخبون بطريقة كثيرة القيود والشروط، منهم 30 مصريًا و15 أجنبيًا، بحيث تكون الأغلبية فيه للأعضاء الرسميين والأعضاء الأجانب المنتخبين، والأقلية للأعضاء المصريين المنتخبين، ولو نفذ هذا المشروع لصارت سلطة التشريع في يد شرذمة من الأجانب، ولصار المصريون في بلادهم غرباء."
 لقد كان المشروع محاولة واضحة من بريطانيا للسيطرة على سلطة التشريع في البلاد، وهي محاولة لها جذور قديمة تعود إلى زمن اللورد كرومر، فقد سبق له أن دعى في تقريره لسنة 1904 إلى إنشاء مجلس تشريعي مختلط.
 ظل المشروع طي الكتمان إلى أن قدمه برونيت لحسين باشا رشدي رئيس مجلس الوزراء في منتصف نوفمبر 1918 عقب تحرك الوفد المصري للمطالبة باستقلال البلاد، ورفض حسين باشا رشدي المشروع ورد عليه ردًا مفحمًا.

رشدي باشا
 وقد ظلت السلطات البريطانية تسعى لتمرير مشروعها الذي كان سيضمن لها سيطرة كاملة على البلاد، لكن أحدًا لم يكن يتوقع أن تقوم الثورة، ثورة 1919، فتطيح بالحلم البريطاني وتخط صفحة جديدة في تاريخ النضال الدستوري المصري.


الأربعاء، 27 أبريل 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 8 )

حكاية دستور لم يصدر أبدًا

عماد أبو غازي

 خلال السنوات الأولى من القرن العشرين كانت قضية الدستور تحتل مكانًا محوريًا في كفاح الشعب المصري من أجل نيل حقوقه، وكانت الأحزاب الثلاثة التي تشكلت في ذلك الوقت: حزب الأمة وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية والحزب الوطني، تعتبر قضية الدستور قضية أساسية في برامجها ونضالها اليومي، وأصبحت المطالبة بدستور للبلاد يضمن رقابة نواب الأمة على آداء الحكومة، ويعطيهم سلطة التشريع، ويصون حقوق الشعب وحرياته، من أولويات الأحزاب الثلاثة الرئيسية والحركة الوطنية في عمومها؛ وتحت ضغط هذه المطالبات جاء قرار الخديوي عباس حلمي الثاني بنظام أساسي جديد نشأت بمقتضاه الجمعية التشريعية، لكنها ظلت منقوصة السلطات.
 لكن الخديوي عباس حلمي كان يدرك أن إعلان الدستور مدخل أساسي للحصول على التأييد الشعبي وتحقيق إلتفاف الأمة من حوله، من هنا تأتي حكاية دستور 1914 الذي لم يصدر أبدًا.
 ففي 11 نوفمبر 1914 أصدر الخديوي عباس حلمي الثاني، عندما تأزمت به الأمور، منشورًا إلى الأمة في محاولة منه لاستمالة المصريين إلى جانبه ودفعهم لمساندة جيوش الدولة العثمانية التي بدأت تتجه إلى الحدود المصرية، وفي سياق هذه المحاولة أعلن الخديوي عن قراره بمنح الدستور الكامل للشعب، وحاول أن يبرر غياب الدستور كل هذه السنوات بتدخل الإنجليز في شئون البلاد.


 وفي الحقيقة لم تكن فكرة منح المصريين دستورًا من بنات أفكار الخديوي، فقد كان صاحب فكرة أن يعلن الخديوي دستورًا للأمة الزعيم محمد فريد، بل إن هذا الإعلان كان شرطًا للصلح بينهما بعد سنوات من القطيعة، كان فريد في منفاه الاختياري بجنيف عندما أشتعلت الحرب الشرارة الأولى للحرب العالمية الأولى صيف 1914، وكان الخديوي يقضي عطلته الصيفية في اسطنبول، وتعرض في 25 يوليو لمحاولة اغتيال فاشلة على يد الطالب المصري محمود مظهر الذي كان يدرس في المدرسة البحرية العثمانية، وعقب الحادث بشهر أرسل فريد رسالة إلى الخديوي يهنئه فيها بنجاته، وينصحه بمنح الدستور للأمة، وبناء على وعد من الخديوي بتنفيذ هذه النصيحة توجه إليه فريد لزيارته في اسطنبول، وفي اللقاء بين الرجلين أكد الخديوي أنه ينوي بالفعل إصدار دستورًا للبلاد، وفي خريف 1914 تطورت الأمور في مصر بشكل متسارع مع دخول تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا ضد إنجلترا، وفي 2 نوفمبر أعلن الفريق مكسويل قائد الجيوش البريطانية بمصر الأحكام العرفية في البلاد ووضع الصحف تحت الرقابة.



 وفي ذلك الوقت كانت الجيوش التركية تستعد للتوجه نحو حدود مصر الشرقية لمحاربة الإنجليز وطردهم من البلاد ووجه الخديوي رسالته إلى الأمة، وقد سجل الزعيم محمد فريد نص هذا المنشور الذي يعد وثيقة تاريخية مهمة وضمنه في مذكراته، ونشره المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه "محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية" نقلًا عن مذكرات فريد، قال الخديوي في منشوره:

"أبناء مصر والسودان الأعزاء
 ها قد أتت الساعة لخلاصكم من احتلال أجنبي وطأ البلاد من 32 سنة مضت، بدعوى أنه مؤقت، وأنه لتـأييد الأريكة الخديوية، كما تدل عليه تصريحات الحكومة الإنجليزية، ووعود رجالها الرسميين العلنية، لكنه ما مضت عليه الأعوام حتى نسى الوعود بالجلاء، وتداخل في شئون البلاد الإدارية والسياسية، فتصرف في مالية الحكومة تصرف المالك المبذر، واعتدى على حقوقنا في السودان، وأحل أبناءه مكان الوطنيين في الوظائف العمومية، وسلب استقلال القضاء، وسن القوانين الماسة بالحرية الشخصية والمضيقة على حرية الفكر والخطابة والكتابة والاجتماع، وقاوم رغباتنا ورغبات رعايانا في انتشار التربية والتعليم الصحيح في أرجاء القطر، وفي منح البلاد دستورًا كاملًا يتناسب مع أحوال التقدم العصري، ولما أعلنت الحرب الحاضرة بين الدول العظمى، جاءت الحكومة الإنجليزية فمنعتنا عن الرجوع إلى مصر، ودعتنا لترك الأستانة والرحيل لإيطاليا، فرفضنا هذا الطلب رفضًا باتًا، واعتبرناه أقصى ما تتعدى به هذه الدولة على حقوق الخديوية المصرية، واعتبرته الدولة العلية صاحبة السيادة على مصر اعتداء على الفرمانات الشاهانية، ولما كانت رغبات جلالة الخليفة المعظم وحكومته السنية هي تأييد هذه الفرمانات لتمام رفاهية البلاد المصرية والسودانية، فقد اقتضت إرادة أمير المؤمنين تسيير جيش عثماني عديد مظفر على القطر المصري لإعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل سنة 1882، وقد رأينا أن نسير مع هذا الجيش حتى يتم له النصر، بمعاونتكم بعضكم البعض، وقيامكم بتمهيد كل الوسائل لتسهيل مأموريته، واستعدادكم لاستقبالنا واستقباله بما هو معهود فيكم من الحمية الوطنية والإخلاص لجلالة الخليفة المعظم، ولنا، ولبلادكم، وبما أن الأمل وطيد في نجاحنا بمعونته تعالى؛ فإننا نعلن من الآن منحكم الدستور الكامل، وإلغاء القوانين المنافية للحرية، وإعادة الضمانات لاستقلال القضاء، والعفو عن المجرمين السياسيين، ومن صدرت ضدهم أحكام ورفعت عليهم دعاوى بسبب الحوادث الأخيرة، والعمل على تعميم التعليم وترقيته، وكل ما فيه تقدم البلاد المادي والأدبي، والسهر على راحة سكانها، وتوفير أسباب سعادتهم؛ وها هي الفرصة فانتهزوها، وليكن شعاركم خلاص مصر، مع احترام أرواح وأموال سكانها الأجانب، فأنه ليس لنا مقاوم فيها غير جيش الاحتلال، ومن يحاربنا معهم؛ حقق الله الآمال."

 كان هذا إعلان نوايا بعد فوات الآوان، وما كان له أن يلقى صد لدى المصريين، لقد ظل عباس حلمي يحكم البلاد 22 عامًا دون دستور، وسمح فقط في السنة الأخيرة من حكمه بتشكيل مجلس نيابي جديد منقوص السلطات، في الوقت الذي كان بإمكانه الاستناد إلى الحركة الوطنية المتصاعدة في السنوات العشر الأخيرة من حكمه لمواجهة سلطات الاحتلال، لكن شبح جده المنفي كان لا يفارق مخيلته، ولم يمتلك "شجاعة" الاستجابه لمطالب الأمة إلا بعد أن أصبح منفيًا هو الآخر بعيدًا عن مصر.

 على كل حال لم يكتب لهذا الوعد أن يتحقق، ففي 18 ديسمبر 1914 أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وإنهاء علاقتها بالدولة العلية العثمانية بعد احتلال دام قرابة أربعمائة عام، وفي اليوم التالي تم عزل عباس حلمي الثاني وتعيين الأمير حسين كامل سلطانًا على البلاد، وذهب الوعد بالدستور أدراج الرياح، لكن إلى حين.

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 7 )

دستور زمن الاحتلال

عماد أبو غازي

 بهزيمة الثورة العرابية واحتلال بريطانيا لمصر بدأت مرحلة جديدة في نضال الشعب المصري وأضيف إلى مهام النضال الوطني من أجل الدستور، النضال من أجل الجلاء؛ فأصبح شعار الحركة الوطنية ومطلبها لسنوات الدستور والجلاء.


 لقد تدخلت بريطانيا في مصر لمناصرة الخديوي توفيق في مواجهة الثورة العرابية، ورددت أن وجودها في البلاد رهن بإعادة الاستقرار، لكنها استمرت لما يقرب من 75 عامًا، وظل وجود بريطانيا في مصر حتى قيام الحرب العالمية الأولى سنة 1914 أمرًا واقعًا دون إطار قانوني محدد ومعلن، ورغم أن مصر ظلت من الناحية الرسمية تابعة للسلطنة العثمانية، ورغم أن الخديوي كان ممثلًا لسلطة الدولة العثمانية في مصر، لكن السلطة الفعلية في البلاد كانت في يد القنصل العام أو المعتمد البريطاني الذي كان في الحقيقة هو الحاكم الفعلي للبلاد، كانت الخطوة الأولى لسلطات الاحتلال بمعاونة الخديوي توفيق السيطرة على الجيش المصري؛ فأصدر الخديوي في 19 سبتمبر سنة 1882 بعد احتلال القاهرة بخمسة أيام مرسومًا بإلغاء الجيش المصري! كما أصدر مرسومًا بتجريد كل الضباط الذين اشتركوا في الثورة من رتبة ملازم ثاني إلى يوزباشي من رتبهم العسكرية وحرمانهم من مستحقاتهم المالية، بينما تمت إحالة كبار الضباط وعلى رأسهم عرابي إلى المحاكمة، وكلف الخديوي ضابطًا إنجليزيًا سابقًا بإعادة تنظيم الجيش، وفي يناير 1883 أصدر توفيق مرسومًا بتعيين السير أفلن وود قائدًا عامًا للجيش المصري، ليحكم سيطرة سلطة الاحتلال على جيش البلاد الذي انضم ضباطه إلى الحركة الوطنية منذ أواخر عصر إسماعيل.


 كانت أولى الخطوات التي اتخذتها سلطات الاحتلال بعد أن استتبت لها الأمور في البلاد إعادة صياغة النظام السياسي؛ فأرسلت بريطانيا في 30 أكتوبر 1882 اللورد دفرين سفيرها في الأستانة مندوبًا ساميًا لها في مصر وكلفته بمهمة محددة: وضع نظام سياسي جديد للبلاد، كانت الفكرة الأساسية في هذا النظام الجديد إلغاء الحياة النيابية وسلب المصريين الدستور الذي حصلوا عليه بعد نضال طويل استمر لسنوات.
 واستجابة للتقرير الذي أعده اللورد دفرين أصدر الخديوي توفيق في أول مايو 1883 مرسومًا خديويًا بالقانون النظامي الجديد، ليحل محل دستور الثورة الذي صدر عام 1882، ونص القانون النظامي على إنشاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية ومجالس المديريات، لتحل جميعها محل مجلس النواب الذي كان قد متوقفًا منذ الاحتلال.

اللورد دوفرين
 ووفقًا لما نص عليه "دستور" زمن الاحتلال، فإن مجالس المديريات كانت تنتخب على درجتين، لمدة ست سنوات، ويتم التجديد النصفي للعضوية كل ثلاث سنوات، ويتفاوت أعضاء هذه المجالس ما بين 8 أعضاء للقاهرة و3 للفيوم، ويرأس مجلس المديرية مدير المديرية، أي المحافظ بلغة اليوم، وكانت مجالس المديريات تتدارس أحوال المديرية لكن رأيها كان استشاريًا غير ملزم، وكانت تنتخب من بين أعضائها ممثل المديرية في مجلس شورى القوانين، الذي كان يفترض أنه بديلًا لمجلس النواب، وكان يتألف من ثلاثين عضوًا من بينهم 14 عضوًا معينًا يختار من بينهم الرئيس وأحد الوكيلين، و16 عشر عضوًا منتخبًا يختار من بينهم الوكيل الثاني، وكان هناك عضوان منتخبان من خلال مندوبي الانتخاب الأول عن القاهرة والثاني عن الثغور، وأربعة عشر عضوًا منتخبين من بين أعضاء مجالس المديريات، واحد عن كل مديرية. وكان المجلس ينعقد مرة كل شهرين في جلسات سرية، ولا يملك أي سلطة في الرقابة أو التشريع، وكان رأيه غير ملزم للحكومة في أي أمر من الأمور.
 أما المجلس الثالث فكان يسمى الجمعية العمومية التي تجتمع مرة كل عامين، وتتشكل من الوزراء وأعضاء مجلس شورى القوانين و46 عضوًا منتخبا على درجتين يمثلون مديريات مصر المختلفة، وكانت السلطة الوحيدة الممنوحة للجمعية العمومية هي سلطة إقرار الضرائب والرسوم الجديدة، أما دورها في باقي الأمور فقد كان استشاريًا.
 ورغم أن هذه المجالس لم تكن تملك سلطة تشريع ولا رقابة وفقا للقانون النظامي، إلا أن مجلس شورى القوانين بدأ منذ عام 1892 يبدي اعتراضات على سياسة الاحتلال والحكومة الموالية له، وكان ذلك مواكبًا للتغير السياسي الناتج عن وفاة توفيق وتولي ابنه عباس حلمي الثاني منصب الخديوية، وللتطور الذي لحق بالحركة الوطنية مع عودة عبد الله النديم من المنفى.

عباس حلمي
 وعندما أصدر مصطفى كامل جريدة اللواء سنة 1900 دعا عبر صفحاتها لإقامة نظام نيابي حقيقي وإصدار دستور للبلاد، واقترنت من يومها المطالبة بالجلاء والمطالبة بالدستور، وعندما أسس مصطفى كامل الحزب الوطني عام 1907 كانت قضية الدستور ركنًا أساسيًا في برنامجه، وقد واصل محمد فريد قيادة النضال من أجل الدستور، ونجح الحزب الوطني بقيادة فريد في أن يحول مجلس شورى القوانين إلى ساحة من ساحات النضال الدستوري.

 وفي عام 1913 ومع تصاعد المطالبة بالدستور أصدر الخديوي عباس حلمي الثاني قانون نظامي جديد، نص على إنشاء الجمعية التشريعية لتحل محل مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية معًا، ورغم تسمية الهيئة النيابية الجديدة باسم الجمعية التشريعية إلا أنها لم تملك سلطة تشريع حقيقية، وفي الانتخابات التي أجريت في ديسمبر 1913 فاز سعد زغلول عن قسمي بولاق والسيدة زينب وأصبح الوكيل المنتخب للجمعية في دور انعقادها الوحيد، فقد قامت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وأنهت علاقتها بالدولة العثمانية، وعزلت الخديوي عباس وجاءت بحسين كامل سلطانًا على البلاد، وأعلنت الأحكام العرفية، وعطلت أعمال الجمعية التشريعية، وبات دستور الاحتلال في خبر كان.

الاثنين، 25 أبريل 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 6 )

دستور الثورة الضائعة...

 أول دستور للمصريين

عماد أبو غازي

 يعتبر دستور 1882 أول دستور حقيقي يصدر في مصر، كان الدستور ثمرة مباشره لجهد الحركة الوطنية المصرية في سبعينيات القرن التاسع عشر، وجاء الدستور موافقًا إلى حد كبير في روحه ونصوص مواده لمشروع دستور 1879 الذي أنجزته لجنة برلمانية في عهد حكومة شريف باشا، ذلك المشروع الذي أوقفه الخديوي توفيق بعد عزل أبيه إسماعيل ونفيه من البلاد.


 كان مشروع الدستور مكتملًا قبيل عزل الخديوي إسماعيل، لكن خلفه الخديوي توفيق رفض إصدار الدستور أو دعوة البرلمان أو إجراء انتخابات جديدة، رغم أن الحكومة طلبت هذا وأصرت عليه، الأمر الذي دفع رئيس مجلس النظار شريف باشا وأعضاء حكومته إلى تقديم استقالتهم، وكان توفيق بعد أن تولى الحكم في صيف 1879 يسعى إلى التخلص من حكومة شريف باشا بسبب انحيازها للنظام الدستوري، وانتمائها إلى تيار الحركة الوطنية المصرية التي كان انتزاع الدستور قضيتها الأساسية في ذلك الوقت، ومدخلها للوقوف في وجه التدخل الأجنبي في شئون البلاد من خلال برلمان قوي يراقب الحكومة ويمارس التشريع.
 وتولى توفيق رئاسة مجلس النظار بنفسه، واحتفظ باثنين فقط من النظار المنتمين لحكومة شريف باشا هما محمود سامي البارودي ومصطفى فهمي في الوقت الذي أصر فيه باقي النظار على موقفهم رافضين التعاون مع حاكم لا يقبل بالحكم الدستوري، لم يستمر توفيق طويلًا في جمعه بين مقعد الخديوية ورئاسة مجلس النظار حيث كلف رياض باشا المعروف بميوله الاستبدادية برئاسة المجلس، فكل من الرجلين توفيق ورياض متوافقًا مع الآخر في العداء للنظام الدستوري وفي الميل إلى الحكم الاستبدادي.
 أدت سياسة توفيق ورياض إلى مزيد من التأزم والاحتقان في الوضع السياسي العام في البلاد، فقد أعاد الخديوي العمل بنظام الرقابة الثنائية البريطانية الفرنسية على مالية مصر، وقامت الحكومة بملاحقة الوطنيين: فافتتح توفيق عهده بنفي السيد جمال الدين الأفغاني خارج البلاد في أغسطس 1879، ثم توالت الإجراءات ضد قادة الحركة الوطنية وضد الصحافة المعارضة، فتم تجريد الفريق شاهين باشا كينج وزير الحربية السابق من رتبه وألقابه لاتصاله بالحزب الوطني، ومحاكمة السيد حسن موسى العقاد ونفيه إلى أقاصي السودان لاعتراضه على إلغاء قانون المقابلة، وتم تعطيل بعض الصحف الوطنية وإنذار البعض الآخر مثل: مرآة الشرق والتجارة ومصر ومصر الفتاة والإسكندرية والمحروسة وطال الإغلاق صحفًا أوروبية تصدر في مصر مثل الريفورم، كما تم منع عدد من الصحف العربية التي تصدر في الخارج من دخول البلاد، مثل أبو نظارة وأبو صفارة والقاهرة والشرق.


 لقد تأزم الوضع السياسي في مصر، في الوقت الذي زادت فيه الأوضاع الاقتصادية لعموم المصريين ترديًا، وتواكب مع هذا الوضع الاضطهاد الذي تعرض له الضباط الوطنيون في الجيش.
 وتشكل في هذه المرحلة حزبان حملا الدعوة إلى التغيير والإصلاح، الحزب الوطني أو جمعية حلوان وجمعية مصر الفتاة بالإسكندرية، وتبنى الحزبان الدعوة للنظام الدستوري وإطلاق الحريات.
 وعندما تأزمت الأمور مع إصرار توفيق ورياض على سياستهما لم يعد أمام المصريين إلا الثورة، خاصة في ظل غياب المجلس النيابي الذي كان منبرًا للتعبير عن الغضب يحول دون انفجار الأوضاع.


 وبالفعل قامت الثورة العرابية التي وصلت لحظة الذروة في مظاهرة عابدين يوم 9 سبتمبر 1881، وكان في مقدمة مطالبها إقرار نظام دستوري للبلاد، ونجحت الثورة في أن تفرض على الخديوي عزل حكومة رياض باشا وإعادة شريف باشا إلى رئاسة مجلس النظار، وقد أشار شريف باشا في خطابه إلى الخديوي توفيق بقبول تشكيل الحكومة بوضوح إلى أنه سوف يسعى لوضع نظام دستوري يقوم على الفصل بين السلطات الثلاثة، فقد قال في الخطاب: "أبذل الهمة في تنظيم المجالس المحلية ووضع قوانين متناسقة متقنة النظام صريحة الأحكام، وفي تحديد القوى العمومية، أعني القوة المنوط بها وضع القوانين، والقوة القضائية المكلفة بالحكم بموجبها، والقوة التنفيذية، وتعيين خصائص كل قوة منها وحدودها".
 ونفذت حكومة شريف باشا مطالب الأمة في إعادة الحياة النيابية، فرفع شريف باشا إلى الخديوي توفيق تقريرًا في 4 أكتوبر 1881 بهذا الشأن، ثم قامت الحكومة بإجراء الانتخابات على أساس لائحة مجلس شورى النواب القديم، على أن يتحول المجلس المنتخب إلى جمعية تأسيسية تناقش مشروعًا للائحة جديدة هي بمثابة الدستور.
 وبالفعل تم انتخاب المجلس وافتتحه الخديوي في 26 ديسمبر 1881، وفي الثاني من يناير 1882 عرض شريف باشا مشروع القانون الأساسي الجديد على المجلس لدراسته وإجراء ما يراه من تعديلات عليه، وأكد في كلمته على انحياز الحكومة إلى منح المجلس النيابي المنتخب سلطاته الكاملة في الرقابة والتشريع.
 كان دستور 1882 يجمع بين خصائص قانون المجلس النيابي ولائحته الداخلية، لكنه أيضًا كان يضع قواعد النظام السياسي الجديد للبلاد، ورغم أن الدستور لم يشر في مواده إلى حريات المواطنين وحقوقهم ولا لمقومات الدولة الأساسية إلا أنه كان طفره في النظام السياسي المصري بمعايير ذلك العصر، وكان تعبيرًا عن إرادة شعبية لدى المصريين ناضلوا لسنوات من أجل تحقيقها، لقد تمت صياغة الدستور في 53 مادة تنظم أسلوب انتخاب مجلس النواب وتحدد حصانة أعضائه ودورات انعقاده ونظام عمله، وشروط حله والضوابط المنظمة لها، كما قرر الدستور في مواده الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب بشكل واضح لا يحتمل اللبس، ومنح المجلس حق مسألة الحكومة وأعضائها مجتمعين أو فرادى وحق محاسبتهم، وأقر بمبدأ المسئولية الوزارية التضامنية للحكومة أمام المجلس، كما نص على حق المجلس في مناقشة الميزانية وإقرارها، ونظم أسلوب حل الخلاف بين الحكومة والمجلس في أي أمر من هذه الأمور، وأعطى الدستور للمواطنين حق مخاطبة المجلس بالعرائض وألزمه بدراستها والنظر فيها.

 لكن شريف باشا لم يستمر في الحكم لحين صدور الدستور، فقد اختلف مع القادة العسكريين للثورة حيث كان يرى ضرورة عودة الجيش لثكناته وترك إدارة شئون البلاد السياسية للجناح المدني للثورة، الأمر الذي رفضه عرابي ورفاقه، فاستقال شريف باشا من رئاسة الحكومة وتولاها محمود سامي البارودي باشا. 

محمود سامي البارودي باشا
 وفي ظل وزارته وفي 9 فبراير سنة 1882 نشرت الوقائع المصرية نص دستور 1882 الذي وضعه شريف باشا وقدمه لمجلس النواب لمناقشته وإقراره وأصدره الخديوي توفيق بسراي الإسماعيلية في 7 فبراير.

الأحد، 24 أبريل 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 5 )

شريف باشا أبو الدستور

عماد أبو غازي

  شهدت نهاية السبعينيات من القرن التاسع عشر تحولًا مهمًا في نضال الشعب المصري من أجل الدستور، فقد طرحت الحركة الوطنية الصاعدة التي ضمت قادة النخبة السياسية الجديدة الدستور والرقابة البرلمانية على الحكومة والمشاركة في التشريع على رأس مطالبها، وكانت تلك النخبة الجديدة تضم نوابا تمرسوا في العمل البرلماني منذ عام 1866، وبعضًا من أعيان الريف، ومجموعة من الكتاب ورجال الفكر والصحافة، وعناصر من الجهاز البيروقراطي للدولة، ومن ضباط الجيش خاصة من ذوي الأصول المصرية.
 وقد ارتبطت المطالبة بالدستور منذ ذلك الحين بقضية استقلال القرار الوطني ومواجهة التدخلات الأجنبية في شئون البلاد، فقد تفجرت الأزمة السياسية بين مجلس شورى النواب والحكومة في الأشهر الأخيرة من عصر الخديوي إسماعيل بسبب أزمة الدين الخارجي، والرقابة الثنائية البريطانية الفرنسية على مالية مصر، ورفض الوزير البريطاني المثول أمام مجلس شورى النواب وتجاهل الوزير الفرنسي لقرارات المجلس وتوجيهاته.
 وقد انتهت تلك الأزمة بقبول الخديوي إسماعيل للائحة الوطنية وإقالة ابنه توفيق من منصب رئيس مجلس النظار وتكليف شريف باشا بأعباء المنصب.

شريف باشا
 وقراءة مبررات إقالة الحكومة تكشف عن قوة الحركة الوطنية واستجابة الخديوي لها، فقد جاء في تلك المبررات:
 "لما لم يتيسر لهيئة مجلس النظار السابقة التوفيق للخدمات المتعلقة بإصلاح الأمور المادية والمعنوية المحتاج إليها الوطن، وإجرائها على المحور الموافق لعزم الأهالي قد صمم عموم أهالي الوطن العزيز تصميمًا جازمًا على تبديل هذه الهيئة بغيرها، وتسليم إدارة المصالح مع تأسيسها على أساس صحيح إلى ذوي اللياقة والأهلية من حضرات قدماء المأمورين الكرام الذين حازوا حسن الوثوق والاعتماد عليهم في أمور الحكومة، واعترف لهم بها الجميع، وبناء على هذا اجتمعت جمعية حافلة من حضرات أعضاء شورى النواب والعلماء الأعلام والذوات الفخام والمأمورين الكرام ووجوه البلد وأعيان المملكة ومعتبري الأهالي، وبعد أن وقعت بينهم المذكرات الكثيرة، مع ملاحظة ما ينبغي ملاحظته في خصوص هذه الوظيفة المهمة وإصلاح أحوال المالية والأمور الداخلية، عرضوا لأعتاب الحضرة الفخيمة الخديوية اللائحة العمومية التي حرروها على وفق الآراء العمومية، فتعلقت الإرادة السنية بوجوب إجراء المواد المندرجة فيها."
الخديوي إسماعيل
 إننا أمام تطور مهم في الحياة السياسية المصرية، فنص الوثيقة يعترف بشكل واضح بالإرادة الشعبية، والخديوي يوافق على تغيير الحكومة نزولًا على إرادة الأمة وممثليها، وفي نص الإرادة العلية الصادرة من الخديوي إسماعيل إلى شريف باشا لتكليفه بمسئولية منصب ناظر النظار في 7 أبريل سنة 1879 تأكيدًا على هذا المعنى؛ فقد استهل الخديوي أمر التكليف قائلًا: "إني بصفة كوني رئيس الحكومة ومصريًا أرى من الواجب علي أن أتبع رأي الأمة وأقوم بأداء ما يليق بها من جميع الأوجه الشرعية." ورغم أن إسماعيل كان حينئذ يخوض معركته الأخيرة مع الدائنين ومع الدول الأوروبية مستفيدًا من الحركة الوطنية، إلا أن خطاب تكليف شريف باشا أرسى مبدأ نزول الحاكم على الإرادة الشعبية وانصياعه لها وإقرار مبدأ رقابة الأمة على الحكومة، وقد تأكد هذا المعنى في أكثر من موضع في الخطاب، فعندما يوجه الأمر لشريف باشا بتشكيل الحكومة يشير إلى "أن تكون تلك النظارة مشكلة من أعضاء أهليين مصريين يتبعون في سيرهم الطرق المنصوص عليها في الإرادة المذكورة، ويتحفظوا على مأمورياتهم كل التحفظ، إذ أنهم مكلفون بالمسئولية لدى مجلس الأمة الذي سيجري انتخاب أعضائه وتعيين مأموريته بوجه كاف للقيام بتأدية ما يلزم للحالة الداخلية ومرغوب الأمة نفسها." وفي موضوع آخر قال: "وأن تجتهد النظارة قبل كل شيء في أن تستعد لاستحضار قوانين مماثلة للقوانين الجاري عليها العمل في أوروبا." في تكليف واضح بصياغة دستور للبلاد.
 وقد بادر شريف باشا عقب توليه رئاسة مجلس النظار بتنفيذ إرادة النواب في استمرار انعقاد مجلس شورى النواب، فدعا المجلس للاجتماع في 10 أبريل 1879، وتُلي كتاب وزير الداخلية باستمرار دورة المجلس وإلغاء القرار الذي سبق أن أصدرته حكومة محمد توفيق باشا بفضه.
 وفي 17 مايو اجتمع المجلس، وحضر شريف باشا رئيس مجلس النظار وقدم للمجلس مشروع اللائحة الأساسية الجديدة لمناقشتها وإقرارها، في خطوة مهمة في طريق منح المجلس النيابي سلطة التشريع في مصر، حيث أشار شريف باشا في كلمته بشكل واضح إلى سلطة مجلس شورى النواب في مراجعة القوانين وتعديلها أو إقرارها.
 وتم تشكيل لجنة من أعضاء المجلس ضمت كل من: عبد السلام بك المويلحي وعثمان الهرميل والسيد السرسي ومحمود سالم وبديني الشريعي وعبد الغني خالد وباخوم لطف الله وعبد الرزاق الشوربجي وإبراهيم الجيار وعبد الوهاب الشيخ ومحمد رجب كساب وخضر إبراهيم وعبد الرحمن وافي وتمام حباير وسليم سعيد، وانتخب المويلحي رئيسا للجنة. ويعتبر المؤرخ عبد الرحمن الرافعي أن هذه اللجنة كانت بمثابة لجنة دستورية، وأن مجلس شورى النواب قام بمهمة الجمعية التأسيسية.
 ويعتبر الرافعي أن اللائحة الأساسية لعام 1879 أول دستور وضع في مصر على أحدث المبادئ العصرية رغم عدم صدورها بمرسوم خديوي، لكن من وجهة نظره فإن تلك اللائحة التي ارتضتها الحكومة وقدمتها إلى مجلس شورى النواب مع لائحة الانتخاب لتنال إقرار المجلس، تعتبر أساسًا لدستور 1882 الذي اقتبس كثير من نصوصه منها.
 وقد تضمنت تلك اللائحة سلطات واسعة لمجلس النواب تضاهي سلطات البرلمانات الأوروبية في الرقابة والتشريع، كما أنها أعطت أهالي السودان حق انتخاب ممثليهم في المجلس، وأقرت مبدأ الحصانة البرلمانية وجعلت النائب وكيلًا عن عموم الأمة وليس وكيلًا عن دائرته فقط.
 لكن مشروع الحركة الوطنية وجهود شريف باشا لم تكلل بالنجاح، فقد نجحت بريطانيا وفرنسا في عزل الخديوي إسماعيل وتولية ابنه توفيق مكانه، وقد كلف توفيق شريف باشا بالاستمرار في رئاسة مجلس النظار في 5 يوليو 1879، وأكد في خطاب التكليف على علمه بأن "الحكومة الخديوية يلزم أن تكون شورية ونظارها مسئولين"، وأنه ينبغي "تأييد شورى النواب وتوسيع قوانينها لكي يكون لها الاقتدار في تنقيح القوانين وتصحيح الموازين وغيرها من الأمور المتعلقة بها".

الخديوي توفيق
 لكن الأمور سارت في مسار آخر؛ فقد تم تعطيل أعمال مجلس النواب قبل أن ينتهي من مناقشة القوانين واللوائح المحالة إليه من الحكومة، ثم جمع توفيق في أغسطس 1879 بين الخديوية ورئاسة مجلس النظار، بعد استقالة شريف باشا احتجاجًا على رفض الخديوي إجراء انتخابات مجلس النواب، ثم أسند المنصب إلى رياض باشا المساند للحكم الاستبدادي، ليستمر في المنصب إلى أن قامت الثورة العرابية في سبتمبر 1881، فيعود شريف باشا بناء على طلب الثوار وقادة الحركة الوطنية فيعيد الحياة النيابية ويقوم بإعداد مشروعًا جديدًا للدستور.
 من هنا استحق شريف باشا لقب أبو الدستور فكما يقول عبد الرحمن الرافعي: "على يد شريف باشا قام النظام الدستوري في مصر، ففي عهد وزارته للداخلية سنة 1866 أنشئ مجلس شورى النواب، وفي عهد رأسته للوزارة سنة 1879 كملت سلطة المجلس بتقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمامه، وفي وزارته الثالثة سنة 1881 أنشئ مجلس النواب على غرار المجالس النيابية الحديثة."


السبت، 23 أبريل 2016

رحلة مع حكاية المصريين والدستور  ( 4 )

طريق المصريين إلى الدستور

عماد أبو غازي

 نجح نضال المصريين في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر من أجل إرغام الحكام على الالتزام بشروط محددة في إدارتهم لأمور البلاد نجاحًا وقتيًا محدودًا؛ فسرعان ما خرق الحكام عهودهم عندما حانت لهم أول فرصة، بل إن محمد علي باشا تمكن ـ كما رأينا ـ خلال ست سنوات من توليه حكم مصر من أن يتخلص من كل معارضيه وفي مقدمتهم زعماء الحركة الشعبية التي أتت به إلى كرسي الحكم، واكتفى في سنوات حكمه بإصدار سياسة نامة التي تعد بمثابة نظام إداري لدولته، كما أصدر لوائح أخرى تحدد العلاقة بين الدواوين المختلفة واختصاصات نظارها، وسلطات كبار المسئولين، ورغم أن بعض من أرخو للتاريخ الدستوري لمصر يعدون سياسة نامة ضمن الدساتير المصرية، فلا أظن أن سياسة نامة ترقى بأي حال من الأحوال لأن تكون دستورًا للبلاد، فلم تضع قيودًا على سلطة الحاكم، ولا هي نصت على شكل للرقابة الشعبية على أداء السلطات العامة، ولم تحدد حقوقًا لرعايا الباشا الذين ظلوا حتى ذلك الوقت في وضع الرعوية دون المواطنة، كما لم يصدرها محمد علي استجابة لحركة شعبية، إنها مجرد أداة من أدواته في بناء دولته الجديدة، ورغم أن محمد علي كان قد أسس مجلس المشورة سنة 1829 من كبار رجال الدولة ومأموري الأقاليم ومشايخها وأعيانها، إلا أن هذا المجلس لم يشكل بالانتخاب، ولم يستمر عمله طويلًا، ولم تشهد سنوات حكم محمد علي وعباس الأول وسعيد حركات احتجاجية للمطالبة بنظام نيابي أو بدستور، لكن عصر محمد علي شهد تعرف قطاع من النخبة المصرية على التجارب الدستورية الأوروبية من خلال البعثات، وعبر كتابات رفاعة الطهطاوي.


 رفاعة
 لكن كان على المصريين أن ينتظروا حتى ستينيات القرن التاسع عشر لتظهر البوادر الأولى للنظام النيابي، وحتى سبعينيات القرن نفسه ليضعوا دستورهم الأول؛ ففي عام 1866 أصدر الخديوي إسماعيل اللائحة الأساسية لمجلس شورى النواب في ثماني عشرة مادة تحدد اختصاصات المجلس الذي يعد أول مجلس نيابي منتخب في مصر، كما أصدر نظامنامة أو لائحة داخلية تنظم عمل المجلس مؤلفة من إحدى وستين مادة، وتعتبر اللائحة الأساسية تلك بروفة أولى للدساتير المصرية في القرن التاسع عشر.

الخديوي إسماعيل
 وقد نصت اللائحة على أن ينتخب العمد والمشايخ والأعيان أعضاء المجلس لمدة ثلاث سنوات يتمتع الأعضاء خلالها بالحصانة، وكان المجلس يجتمع شهرين كل عام، ورغم أن مجلس شورى النواب كان مجلسًا استشاريًا منتخبًا من الأعيان فقط وليس من عموم المصريين، إلا أنه نجح عبر دوراته التي استمرت وفقًا للائحة الأساسية حتى عام 1879 في المساهمة في بلورة تيار سياسي يطالب بنظام نيابي دستوري حديث، خصوصًا في دورة 1876 ـ 1879، ففي تلك الدورة ظهرت المعارضة قوية في المجلس،  وفي آخر دورات انعقاد المجلس في عهد الخديوي إسماعيل بدأت الأصوات المطالبة بالرقابة البرلمانية على الحكومة، وبوضع دستور حقيقي للبلاد تتعالى، ففي جواب المجلس على خطاب الخديوي إسماعيل في افتتاح الدورة، ذلك الجواب الذي صاغته لجنة مكونة من النواب: محمود بك العطار وعبد السلام بك المويلحي والشيخ عثمان الهرميل والشيخ مصطفى الإنبابي والشيخ محمد كساب والشيخ يوسف أفندي عبد الرازق، وبديني أفندي الشريعي وعبد الشهيد أفندي بطرس والشيخ محمد فرج والشيخ طايع سلامة، استهل النواب ردهم بعبارة: "نحن نواب الأمة المصرية ووكلاؤها، المدافعون عن حقوقها، الطالبون لمصلحتها..."، ثم يصفون مجلس شورى النواب بأنه "أساس المدنية والنظام، وعليه مدار العمران، وهو السبب الموجب لنوال الحرية التي هي منبع التقدم والترقي، وهو الباعث الحقيقي على بث المساواة في الحقوق، التي هي جوهر العدل وروح الإنصاف...".
 وخلال هذه الدورة من دورات المجلس حاول النواب أن يقروا مبدأ الرقابة الكاملة للمجلس على أداء الحكومة، فأصروا على استدعاء النظار لمناقشتهم، خاصة ناظر المالية الذي رفض الامتثال للاستدعاء أكثر من مرة، فاتخذ مجلس قراراته بتخفيض الضرائب في غياب ناظر المالية وأبلغ بها وزارة الداخلية لتنفيذها، وأصر النواب كذلك على مشاركة المجلس في عملية التشريع، فقد أبدى النائبان محمود بك العطار وعبد السلام بك المويلحي اعتراضهما على إغفال المجلس في المرسوم الصادر في يناير 1879 والذي قضى بأن القوانين المتعلقة بالشئون المالية تصدر بعد تقريرها في مجلس النظار والتصديق عليها من الخديوي، وقد رأيا أن هذا يشكل انتقاصًا لسلطات المجلس، فالتشريعات المالية التي تقضي بفرض ضرائب وجبايات جديدة تمس الحياة اليومية للأهالي، وأعضاء المجلس ينوبون عنهم ومناط بهم أمر الدفاع عن مصالح المواطنين، ومن ثم فلابد أن يناقشوا مثل هذه التشريعات.
 إننا إذًا في وضع مشابه للحظة البداية التي بدأ المصريون فيها نضالهم من أجل تقييد سلطة الحاكم في فرض الضرائب سنة 1795، لكننا هذه المرة أمام هيئة نيابية منتخبة تمرس فيها نواب الأمة على الدفاع عن حقوقها.
 خلال عام 1879 تصاعدت الأزمة المالية والتدخل الأجنبي في شئون البلاد متمثلا في فرض الرقابة الثنائية على الاقتصاد المصري من خلال ناظرين أجنبيين في الحكومة المصرية، أحدهما بريطاني والثاني فرنسي، لهما حق الاعتراض على قرارات الحكومة، ويضربا عرض الحائط بالمسائلة البرلمانية، قادت الأزمة المالية البلاد إلى أزمة سياسية ودستورية، فسقطت حكومة نوبار باشا.


نوبار باشا
 وتولى محمد توفيق ولي عهد الخديوي رئاسة مجلس النظار، وحاولت حكومته فض مجلس شورى النواب قبل انتهاء دورته، فذهب رياض باشا ناظر الداخلية حاملًا قرار فض الدورة، ورفض نواب المجلس أن تنفض الدورة دون إكمال المجلس لأعماله، في سابقة ترسخ سلطة نواب الشعب في الرقابة على ممارسات الحكومة.

رياض باشا
 وتشكلت جمعية وطنية من قادة الأمة، ووضعت الجمعية في 2 أبريل سنة 1879 لائحة وطنية رفعتها للخديوي، ووقع عليها 60 من النواب و60 من العلماء ورجال الدين في مقدمتهم شيخ الإسلام وبطريرك الأقباط وحاخام اليهود، و42 من الأعيان والتجار و72 من الموظفين العاملين والمتقاعدين، و93 من ضباط الجيش.
 وتضمنت اللائحة الوطنية أمرين، الأول: مشروع لتسوية مالية لديون مصر الخارجية تضمن سدادها دون إفلاس البلاد وإفقار العباد، والثاني: المطالبة بتعديل نظام مجلس شورى النواب ومنحه السلطة المعترف بها للمجالس النيابية في أوروبا وتقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمامه.

 وقد قبل الخديوي إسماعيل اللائحة الوطنية، وعزل ابنه محمد توفيق وكلف شريف باشا بتأليف الحكومة، وأقر في خطاب التكليف بمبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس النواب، وبتولي شريف باشا الذي حاز لقب أبو الدستور تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ انتزاع المصريين لحقوقهم الدستورية.

الجمعة، 22 أبريل 2016


رحلة مع حكاية المصريين والدستور ( 3 )

عندما فرض الثوار المشروطية على قائد العسكر

عماد أبو غازي

 تبدأ الحكاية مع خروج الفرنسيين، أو الفرنسيس كما كان يسميهم أهل ذلك العصر، من مصر في شهر سبتمبر سنة 1801، رحلت الحملة الفرنسية عن مصر لكن الاستقرار لم يعد إلى البلاد، التي أصبحت مسرحا لصراع بين ثلاث قوى تسعى كل منها إلى فرض سيطرتها: الأتراك العثمانيون وأمراء المماليك الجراكسة وإنجلترا. ولم تدرك هذه القوى المتصارعة أن هناك طرفا آخر عاد إلى الساحة من جديد بعد غياب، إنه الشعب المصري.
 كانت قوة الشعب قد بدأت تظهر مجددا في السنوات السابقة على الحملة الفرنسية من خلال حركات الاحتجاج المتكررة في القاهرة ضد طغيان المماليك وأعوانهم، وكانت أهم تلك الحركات الثورة التي قامت في يوليو سنة 1795، وخلال سنوات الاحتلال الفرنسي لمصر تصاعدت روح المقاومة لدى المصريين وانخرطوا في النضال من أجل تحرير بلادهم، وخلال حركة المقاومة تبلورت قيادة شعبية جديدة للمصريين من بعض مشايخ الأزهر وكبار التجار وشيوخ الطوائف الحرفية، وانضم إلى هذه القيادة الشعبية السيد عمر مكرم الذي كانت له مكانة كبيرة لدى المصريين بسبب وضعه كنقيب للأشراف في مصر، وكان للرجل دور بارز في حشد المصريين للتصدي لقوات الحملة الفرنسية في القاهرة وضواحيها عند مقدمها إلى البلاد، لكنه فضل الهجرة إلى الشام عندما احتلت الحملة القاهرة.
 شعر المصريون أن أمر بلادهم لابد أن يعود إلى أيديهم بعد خروج الحملة الفرنسية، فقد أثبتوا قدرتهم على الدفاع عن بلادهم وحمايتها، وسقطت بذلك الحجة التي استند إليها الغزاة والحكام الأجانب منذ عصر البطالمة والتي أبعدوا بسببها المصريين عن المشاركة في إدارة أمور بلدهم.
 وخلال السنوات الأربع التالية لخروج الحملة الفرنسية من مصر أخذت أحوال البلاد تسير من سيء إلى أسوأ، وازدادت معاناة المصريين بسبب مظالم الأتراك والمماليك، وبسبب تدخل القوى الأوروبية الكبرى في شؤون البلاد، وتوالت الاحتجاجات الشعبية وتصاعدت، ولم تفلح حركات الاحتجاج المتفرقة التي قاموا بها في إنهاء المظالم أو تحسين الأحوال، واعتمد الباشا العثماني الذي كان يحكم مصر نيابة عن السلطان على فرقة الجنود الدلاة المعروفين بقسوتهم وشراستهم في قمع حركات التمرد والاحتجاج، وفي يوم الأربعاء أول مايو سنة 1805 اعتدى الجنود الدلاة على أهالي مصر القديمة وأخرجوهم من بيوتهم، ونهبوا مساكنهم، وقتلوا البعض منهم، فكانت هذه بداية للثورة التي أطاحت بالباشا العثماني وفرضت إرادة المصريين على السلطان.
 حمل المصريون السلاح ووضعوا المتاريس في الشوارع وحاصروا القلعة ومنعوا عنها الطعام والشراب، وتصدوا بالقوة المسلحة لكل محاولات العسكر العثماني لفك الحصار، ويقول الجبرتي: "وحمل السلاح كل قادر على حمله، وخلت مخازن الأسلحة بما فيها من آلات الكفاح، وكان الفقراء من العامة يبيعون ملابسهم أو يستدينون ويشترون الأسلحة".
 ورغم صحوة الشعب المصري وخروجه حاملا للسلاح، ورغم ظهور زعامات شعبية من بين المصريين، مثل نقيب الأشراف السيد عمر مكرم وشيخ طائفة الخضرية حجاج الخضري وبعض كبار مشايخ الأزهر كالشيخ الشرقاوي، إلا أن المصريين لم يفكروا في اختيار أيا من هؤلاء حاكما للبلاد، وقرروا أن يسلموا ثورتهم لأحد قادة العسكر.


تمثال السيد عمر مكرم من أعمال النحات المصري فاروق إبراهيم

 ونعود مرة أخرى إلى مؤرخ العصر عبد الرحمن الجبرتي الذي يصف ما فعله المصريون يوم 13 مايو 1805 فيقول: "فلما أصبحوا يوم الإثنين، اجتمعوا ببيت القاضي، وكذلك اجتمع الكثير من العامة، فمنعوهم من الدخول إلى بيت القاضي، وقفلوا بابيه، وحضر إليهم أيضا سعيد أغا الوكيل، وركب الجميع، وذهبوا إلى محمد علي، وقالوا له: إنا لا نريد هذا الباشا حاكمًا علينا، ولابد من عزله من الولاية، فقال: ومن تريدونه يكون واليًا، قالوا له: لا نرضى إلا بك، وتكون واليًا علينا بشروطنا، لما نتوسمه فيك من العدالة والخير، فامتنع أولًا، ثم رضي، وأحضروا له كركا وعليه قفطان، وقام إليه السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي فألبساه له، وذلك في وقت العصر، ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة".
 ويقول الجبرتي في موضع آخر: "تم الأمر بعد المعاهدة والمعاقدة على سيره بالعدل وإقامة الأحكام والشرائع، والإقلاع عن المظالم، وألا يفعل أمرًا إلا بمشورته ومشورة العلماء، وإنه متى خالف الشروط عزلوه."
 إن ما حدث يوم 13 مايو سنة 1805 يعكس تحولًا مهما في التاريخ المصري، ويتوج مرحلة من النضال الشعبي امتدت لأكثر من عشر سنوات، حاول خلالها المصريون أن يستعيدوا أمر بلادهم بأيديهم؛ ففي هذا اليوم نجح المصريون لأول مرة في تاريخهم المعروف في اختيار الحاكم الذي يتولى شؤونهم، وقد رأى زعماء الأمة، كما رأى الشعب في ذلك الحين، أن محمد علي هو الشخصية التي تصلح لتولي الأمر، فقد نجح طوال أربع سنوات في التقرب من المصريين والتودد إليهم، ولم يكن الأمر قاصرًا في ثورة مايو سنة 1805 على اختيار المصريين لحاكمهم بل أنهم فرضوا عليه كذلك الشروط التي يتولى الحكم على أساسها، فيما يعد خطوة أخرى في تطور النظام الدستوري في البلاد.
 لكن هل التزم محمد علي بهذه الشروط؟
 الإجابة لا، بالتدريج انفرد محمد علي بحكم مصر وتخلص من كل الزعماء الذين أتوا به إلى كرسي الحكم، إما بالنفي أو بالإعدام أو بالتهديد أو الترغيب.

محمد علي باشا
 في البداية أظهر محمد علي التزاما كاملا بالشروط التي تولى على أساسها حكم مصر، خاصة أنه كان في حاجة إلى تأييد الشعب وزعمائه لتثبيت أركان حكمه، فقد شهدت الفترة من 1805 إلى 1807 محاولات عديدة للإطاحة بمحمد علي من باشوية مصر، فالقوى الثلاثة التي كانت تتصارع من أجل السيطرة على مصر طوال السنوات التالية على رحيل الحملة الفرنسية: العثمانيون والإنجليز والمماليك، واصلوا سعيهم من أجل تحقيق هدفهم، وتحولوا من الصراع إلى التحالف والتآمر والاتفاق للسيطرة على البلد والقضاء على الإرادة الشعبية الوليدة التي فرضت على السلطان العثماني تعيين محمد علي حاكمًا على البلاد، وفي نفس الوقت مرت البلاد بأزمات اقتصادية بسبب انخفاض الفيضان، كل هذا أدى إلى احتياج محمد علي للزعامات الشعبية لدعمه، وبالفعل لجأ إليهم أكثر من مرة لتمرير فرض ضرائب جديدة، وكان يؤكد لهم دائما أن هذه الضرائب تفرض لمرة واحدة ولن تتكرر، وفي مقابل هذا قبل محمد علي وساطة الزعامة الشعبية لحل مشكلات الناس والتخفيف عنهم.
 لكن محمد علي كان قد ضاق بالرقابة الشعبية على قراراته، والتي كانت شرطا لتوليه باشوية مصر، وضاق بسكنى المدينة وسط الناس، وتطلع إلى الصعود للقلعة بعيدا عنهم، فقرر أن ينقض تلك الشروط شرطًا بعد شرط، ويتخلص من الزعامة الشعبية مستفيدًا من المنافسات التي دبت بين الزعماء. ونجح بالفعل في التخلص من عمر مكرم بنفيه بعيدًا عن القاهرة، ثم قلم أظافر المشايخ بمصادرة مخصصاتهم، أما حجاج الخضري فقد قُبض عليه وأُعدم في ظروف غامضة.
 خلال سنوات قليلة أصبح محمد علي بدون منافسين في مصر، خصوصًا بعد مذبحة القلعة الشهيرة التي ذبح فيها عشرات من المماليك، وتفرغ لتنفيذ مشروعه الطموح في الاستقلال بمصر عن الدولة العثمانية والسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من ممتلكاتها العربية وضمها إلى ولاية مصر.

وكان على المصريين الانتظار لنصف قرن آخر ليستأنفوا نضالهم من أجل الحصول على الدستور. 

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...