الخميس، 21 أبريل 2016


رحلة مع حكاية المصريين والدستور "فرمان الشروط" (2)

هل وضع بونابرت دستورًا للمصريين؟


عماد أبو غازي


  عندما احتلت الحملة الفرنسية بقيادة بونابرت مصر في صيف عام 1798 وضعت نظامًا جديدًا لحكم البلاد، بدأ بونابرت قائد الحملة ومعاونيه في وضع قواعد هذا النظام لتسهيل مهمة إدارة مصر، وحرص على أن يشرك في "المؤسسات" الجديدة التي أنشائها وقام عليها نظامه مجموعة من ممثلي النخبة المصرية؛ فشكل ديوانًا تولى ما يمكن أن نسميه في النظم الحديثة السلطة التنفيذية، كما شكل مجلسًا آخر به درجة من درجات الانتخاب، اعتبره بعض من درسوا تاريخ هذه الحقبة ـ ومنهم الدكتور لويس عوض ـ البرلمان الأول في مصر، وارتبط بهذا "البرلمان" وثيقة تعرف بفرمان الشروط، اعتبرها الدكتور لويس عوض الدستور الأول لمصر، وقد استند في ذلك إلى أمرين: 
 الأول: تسميتها "فرمان الشروط"؛ الأمر الذي فسره بأنه مستمد من كلمة شارت أو كارتا في اللغات الأوروبية بمعني الميثاق أو الدستور أو العهد، وأكد لديه هذا الفهم التعريب الذي استخدمه الطهطاوي لكلمة دستور بعدها بسنوات؛ حيث استخدم مصطلح الشرطة للدلالة علي الدستور الفرنسي؛ والحقيقة أن كلمة شرط وشروط في العربية مستخدمة منذ زمن مبكر للدلالة علي باب من أبواب الفقه الإسلامي عرف بعلم الشروط يبحث في قواعد صياغة وثائق المعاملات، والمعنى المباشر في العربية لكلمة شرط لا يبعد كثيرًا عن هذا، وقد استخدم الجبرتي كلمة مشروطية في الإشارة إلى الشروط التي وضعها قادة ثورة ١٨٠٥ لمحمد علي مقابل توليه باشوية مصر. 
 والثاني: محتوي الوثيقة وما نصت عليه؛ فقد قضى فرمان الشروط الذي أصدره بونابرت بتعيين اثنين من رجال الحملة وعلمائها هما مونج وبرتوليه قوميسرين في الديوان العام، وتكليفهما بحضور الجلسات وعرض خطط الحكومة مشروعاتها علي الأعضاء، وحدد بعض آليات عمل الديوان، والأمور المطلوب من أعضاء الديوان القيام بها، الأمر الذي جعل لويس عوض يصنف هذا النص باعتباره دستورًا للبلاد.


فماذا تقول هذه الوثيقة؟
 "إن الغرض من عقد الديوان العام تعويد الأعيان المصريين نظم المجالس الشورية والحكم، فقولوا لهم إني دعوتهم لاستشارتهم وتلقي آرائهم فيما يعود على الشعب بالسعادة والرفاهية، وما يفكرون في عمله إذا كان لهم حق الفتح الذي حزناه في ميدان القتال.
 اطلبوا من الديوان أن يبدي رأيه في المسائل الآتية:
 أولًا: ما أصلح نظام لتأليف مجالس الديوان في المديريات، وما المرتب الذي يجب تحديده للأعضاء.
 ثانيًا: ما النظام الذي يجب وضعه للقضاء المدني والجنائي.
 ثالثًا: ما التشريع الذي يكفل ضبط المواريث ومحو أنواع الشكاوى والإجحاف الموجودة في النظام الحالي.
 رابعًا: ما الإصلاحات والاقترحات التي يراها الديوان لإثبات ملكية العقارات وفرض الضرائب.
 ويجب أن تُفهموا الأعضاء بأننا لا نقصد إلا توفير السعادة والرفاهية للبلاد التي تشكو من سوء نظام الضرائب الحالي كما تشكو من طريقة تحصيلها، وعليكم أن تضعوا للديوان نظامه الداخلي كما يأتي:
 أن ينتخب الأعضاء رئيسًا له، ونائب رئيس، وسكرتيرين مترجمين أثنين، وثلاثة مراقبين، وأن يكون ذلك بطريق الاقتراع وبكل مظاهر الانتخاب.
 وعليكم أن تتابعوا المناقشات وتدونوا أسماء الأعضاء الذين يمتازون عن زملائهم في الديوان سواء بنفوذهم أو بكفايتهم".
 والسؤال هنا، هل يمكن أن نعتبر هذه الوثيقة دستورًا؟ ولو اعتبرناها كذلك فهل يمكن أن نصفها بالدستور الأول مثلما ذهب الدكتور لويس عوض؟
 أتصور أن هذه الوثيقة لا تتعدى أن تكون قرارًا من بونابرت بمجموعة من الإجراءات التنظيمية لعمل الديوان، وتوجيهات لمعاونية للكيفية التي ينبغي أن يديروا بها الديوان، بالإضافة إلى مجموعة من الأسئلة الموجهة للأعضاء يطلب منهم الإجابة عليها، وهي لا ترقى بحال من الأحوال لأن تكون شكلًا من أشكال التعاقد بين الحاكم والمحكومين، كما أنها لا تضع أي التزام على الحاكم أو قيدًا عليه، فضلًا عن أن واقع ممارسة الديوان تؤكد أنه كان في أفضل الأحوال هيئة تتولى رفع مظالم الناس لقادة الحملة وتقديم الرجاء لهم لحلها، الأمر الذي تكشف عنه مجموعات وثائق الحملة الفرنسية المحفوظة في جامعة القاهرة، والكراسات التي دونها الشيخ إسماعيل الخشاب كاتب الديوان، ونشرها من عدة سنوات البروفسيور أندريه ريمون والدكتور محمد عفيفي، ربما تكون الخبرة الوحيدة التي قدمتها تجربة الديوان للمصريين تتمثل في التعرف على نظام الانتخاب في شغل المناصب العامة.


 وحتى لو قبلنا تجاوزًا وصف الدكتور لويس عوض لفرمان الشروط بأنه "دستور"، فلا يمكن أن نعتبره الأول، فمن ناحية نجد أن حجة 1795 التي نتجت عن انتفاضة شعبية أقرب لفكرة الدساتير من حيث تقيدها لتصرفات الحاكم، ومن ناحية أخرى فإن مصر قد عرفت اللوائح التي تنظم عمل الدولة منذ قرون سابقة، على الأقل منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، من خلال قانون قايتباي، ثم قانون نامه مصر في القرن السادس عشر بعد الاحتلال العثماني بسنوات قليلة.

 لكن الأمر المؤكد أن مواجهة المصريين للحملة الفرنسية ومقاومتهم لها من ناحية، واحتكاك قطاع من النخبة بقيادة الحملة من ناحية أخرى، أسهما في تطور وعي المصريين بحقوقهم ومطالبتهم بها...


الأربعاء، 20 أبريل 2016


رحلة مع حكاية المصريين والدستور (1)

 امبارح كانت ذكرى اليوم اللي صدر فيه دستور 1923، ونشرت تدوينه طويلة عنه، النهاردة هبتدي مجموعة مقالات كنت باحضرها من 3 سنين تكون كتاب عن حكاية الدستور المصري، أصل المقالات مكتوب بين سنة 1996 و2013 وعدت صياغتها تاني...
ده المقال الأولاني...

البداية

ثورة يوليو 1795 والماجنا كارتا المصرية

عماد أبو غازي

 للشعب المصري تاريخ طويل مع النضال من أجل دستور يحقق طموح المصريين في وطن ينعمون فيه بالحرية والكرامة ويتمكنون من الرقابة على الحكومة التي يفوضونها في إدارة أمورهم.  فإذا كان الدستور ببساطة عقد بين أطراف المجتمع، ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم، ويقيد السلطات المطلقة للحاكم التي عرفتها المجتمعات الإنسانية في العصور الوسطى، ويحدد العلاقة بين سلطات الدولة ومؤسساتها، فإن رحلة المصريين مع الدستور يمكن أن ترجع إلى آواخر القرن الثامن عشر، فالشعب المصري نجح للمرة الأولى في وضع قيود على السلطة المطلقة لحكامه في انتفاضته التي قام بها في يوليو سنة 1795 ضد مظالم بكوات المماليك، وتكررت المحاولة عقب ثورة 1805 التي أتت بمحمد علي إلى الحكم، ومن يومها لم يتوقف نضال المصريين من أجل الحصول على دستور يليق بهم وبتضحياتهم المتوالية.

***** 
نرجع إلى البداية، مصر في أواخر القرن الثامن عشر بعد مرور قرابة ثلاثة قرون على الاحتلال العثماني للبلاد، في هذه الفترة كانت مصر تعيش لحظات مخاض لميلاد عصر جديد، فكان النظام الذى وضعه العثمانيون لحكم البلاد قد أصابه الخلل والضعف، وأصبح عدم الاستقرار السمة السائدة فى مصر وغيرها من الولايات التابعة للدولة العثمانية، وصارت الاضطرابات وحركات التمرد والصراعات المسلحة جزءًا من الحياة اليومية للناس.
 لقد وضع العثمانيون عند احتلالهم للمشرق العربي نظامًا للحكم يقوم على أساس توازن دقيق بين مجموعة من السلطات لضمان استمرار سيطرتهم على البلاد، فقد وزعت السلطة ما بين الباشا العثماني والحامية العسكرية التى تحتل الولاية والحكام السابقين للبلاد، وفي مصر كان المماليك الجراكسة هم حكام البلاد عندما احتلها العثمانيون، فأشركهم السلطان العثماني، في إدارة شئون الولاية، فتحولوا من سلاطين يسيطرون على مقدرات مصر والشام، إلى وسطاء يديرون مصر لحساب الحاكم الجديد، فعادوا إلى سيرتهم الأولى أتباعًا للحاكم الأعلى، وأصبح جزء أساسي من فائض ما تنتجه مصر ينزح إلى الخارج، حيث عاصمة الإمبراطورية إسطنبول على مضيق البسفور، ويوجه جزء منه إلى الحجاز، بينما يزداد الفلاح المصري فقرًا.
 لكن المماليك الذين اعتدوا الانفراد بحكم البلاد لم يقبلوا الوضع الجديد بسهولة، فتكررت تمرداتهم، وأغراهم  وضع مصر المتميز وإمكانياتها الكامنة، كما أغرى بعض الباشوات العثمانيين بمحاولات الاستقلال بالبلاد، وكلما تدهورت الأوضاع وازداد الاستغلال تصاعدت حركات الرفض والتمرد وامتدت إلى العرب والفلاحين، فتوالت الحركات الشعبية ضد الحكم العثماني والاستغلال المملوكي في القاهرة وحركات العصيان والهجر الجماعي للقرى في الريف.
 وإذا كانت  تلك الحركات لم تصل إلى حد إنهاء الحكم العثماني إلا أنها نجحت بقيادة أحد شيوخ الهوارة وهو الشيخ همام بن يوسف  الهواري فى السيطرة الكاملة على الصعيد لعدة سنوات.
 أما طموحات المماليك في استعادة سلطانهم فقد تحققت عندما نجح علي بك الكبير (1755- 1772) في القرن الثامن عشر في الاستقلال بمصر وضم أجزاء من الشام إليها.
 لقد خرجت مصر فى الربع الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي من تجربة لم يقدر لها النجاح، فقد انتهت محاولة علي بك الكبير للنهوض بمصر والاستقلال عن الدولة العثمانية بهزيمته بسبب خيانة أقرب معاونيه، محمد بك أبو الدهب، وإذا كان العثمانيون قد استعادوا سيطرتهم على البلاد بعد أن هزموا علي بك الكبير، إلا أن نفوذ بكوات المماليك خرج عن السيطرة فأصبح محمد بك أبو الدهب، ومن بعده مراد بك وإبراهيم بك هم الحكام الفعليين للبلاد.
 وتزايدت في تلك الفترة المظالم يومًا بعد يوم ولم يعد في قدرة المصريين احتمالها؛ ويصف الدكتور لويس عوض فى دراسته عن تاريخ الفكر المصري تلك الحقبه فيقول:
 "وتاريخ مصر فى هذه الحقبه يتلخص في سلسلة من المظالم، وفى سلسلة من الاحتجاجات على المظالم تتراوح بين الاضطرابات والمظاهرات وبين أعمال الشغب الحقيقية، ومع كل ذلك مناوشات لا تنتهي بين الأمراء المصريين كما يسميهم الجبرتى وهم "المماليك المتمصرون"، وبين المماليك الجدد تحت الحكم الثنائى، حكم مراد بك ـ إبراهيم بك. وقد استمر هذا الوضع حتى مجئ الحملة الفرنسية. وكان واضحًا أن الأزهر كان طوال هذه الفترة هو ملاذ المظلومين ونقطة تجمع أكثر حركات الاحتجاج على الظلم. كما كان واضحًا أيضا أن بعض كبار العلماء من المصريين كانوا يقومون بدور واضح في الحياة العامة، فيؤخذ رأيهم بصفة استشارية، وقد يلجأ إليهم الباشا العثماني والمماليك للتوسط فيما بينهم من الخلافات الداخلية أو لتهدئة خواطر الشعب المظلوم، كما كان أبناء الشعب يلجأون إليهم للتوسط بينهم وبين الحكومة لرفع الظلامات بل ولقيادتهم في حركات الاحتجاج".
 وفي يوليو سنة 1795 وصلت حالة السخط عند الشعب إلى ذروتها وأدى السخط إلى انفجار الثورة ضد بكوات المماليك، الذين كانوا يشاركون الباشا العثماني في مصر إدارة البلاد، وكان السبب وراء تفجر الأحداث كما يذكر المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، الجبايات التي فرضها الأمير محمد بك الألفي وأتباعه على قرية من قرى الشرقية فتوجه أهالي القرية إلى الشيخ الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر وشكوا له.

الشيخ الشرقاوي
 وعندما عرض الشيخ الشرقاوي الأمر على مراد بك وإبراهيم بك، وكانا في ذلك الوقت يتحكمان في أمر الديار المصرية لم يبديا حراكًا، فغضب الشيخ وجمع مشايخ الأزهر وطلابه داخل الجامع وأغلق أبوابه واعتصم به، وفي اليوم التالي أغلقت الأسواق والمحال التجارية أبوابها وتجمع أهالي القاهرة في مظاهرات صاخبة في الشوارع، واستمرت ثورة القاهرة ثلاثة أيام بلياليها، وكانت مطالب الثائرين وزعمائهم من المشايخ، إبطال الضرائب غير الشرعية، والتي كانت تعرف باسم المكوس، ورفع الظلم والجور عن البلاد، وعزل الكشاف الجائرين وصرف الجوامك والجرايات والعلوفات المتأخرة وهي رواتب المشايخ والمستحقين في الأوقاف والطلاب الدارسين في الأزهر.

مراد بك
وقد أسفرت ثورة يوليو سنة 1795 في القاهرة بقيادة المشايخ والفقهاء وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ المشايخ بالجامع الأزهر الشريف عن خضوع أمراء المماليك لمعظم مطالب الثوار، بل لقد أرغم المشايخ الأمراء على التوقيع على وثيقة يتعهدون فيها برفع المظالم، وعدم العودة إليها مرة أخرى، وقد وصف بعض الباحثين تلك الوثيقة بأنها "ماجنا كارتا" مصرية تشبيهًا لها بالعهد الأعظم الذي فرض على ملوك إنجلترا الإلتزام بنظام دستوري.
 وقد وصلتنا هذه الوثيقة التي حررت في 27 من ذي الحجة سنة 1209 هجرية الموافق 15 يوليو سنة 1795 ميلادية مسجلة في سجلات الديوان العالي وجاء فيها:
 "توافق كل من ساداتنا أرباب السجاجيد وساداتنا علماء الإسلام مصابيح الظلام، متع الله بوجودهم الأنام، مع كامل الأمراء الكرام على تنزيل جوامك المسلمين المطلوبة من المال الميري، وإجراء جرايات المستحقين، وعلوفات الفقراء والمساكين وإجراء منورية الجامع الأزهر، ومحفل العلم الشريف الأنور، وجراياته، من وقفه الخاص به ولا يؤخذ له شيء من المكوس والمظالم ومنع التفاريد على البلاد والرعايا والفقراء، ومنع ترك الكشاف الجائرة في بلاد الله التي خربوها ونهبوها ودمروها، وأن ترفع المكوس الجارية في البنادر والموارد وما جعل على المآكل والمشارب، وإزالة جميع الحوادث والمظالم من جميع الأقطار المصرية، والتزموا أن لا يتعرض أحد منهم إلى السادة الأشراف القاطنين بجميع البلاد لا بشكوى ولا بأذية، ولا بضرر ولا بوجه من الوجوه، وأن ينتهي أمرهم في حوادثهم الخاصة بهم إلى أفنديهم ونقيبهم في سائر الأقطار والأزمان، وأن لا يتعرض أحد منهم لنواب الشريعة المحمدية بوجه يضر بهم، وأن ينتهي أمرهم في كامل حوادثهم المتعلقة بهم، إلى أفنديهم مولانا شيخ الإسلام قاضي عسكر أفندي بمصر في جميع الأزمان، فأجابوا حضرة الأمراء الكرام بالسمع والطاعة وعدم مخالفة الجماعة، وأن يبطلوا هذه المظالم الحادثة، التي أضرت بالإسلام والمسلمين وأبادت أموال الفقراء والمساكين وحصل فيها الضعف والجور المبين، وامتثلوا جميعاً ما طلب منهم وأشير له عليهم وعاهدوا الله سبحانه وتعالى على أن لا يعودوا إلى تلك الأفعال، وكل من خالف ذلك، أو سعى في إبطال شيء من ذلك، فيكون على ساداتنا أرباب السجاجيد وعلماء الإسلام والأمراء قهره واستخلاص كامل ما هو مطلوب منه لأربابه  كائن من كان."
 رغم بساطة هذه الحجة الشرعية وبعدها عن الأسلوب التقليدي للدساتير الحديثة، التي تصاغ في شكل مواد متتابعة، ورغم أن المفجر للثورة والدافع لتحرير الوثيقة مطالب اقتصادية تتعلق بمعاش الناس، أو ما نسميه بلغة اليوم: مطالب فئوية، إلا أن هذه الوثيقة تتضمن عدة أمور دفعت بعض المؤرخين إلى التعامل معها باعتبارها تحمل الإرهاصات الأولى لفكرة التزام الحاكم أمام المحكومين، وهذا جوهر فكرة الدستور؛ فقد صيغت الحجة الشرعية أو الوثيقة كعقد اتفاق بين المشايخ باعتبارهم ممثلين للشعب وبين كبار الأمراء الذين يديرون أمور البلاد، ودونت لدى أعلى سلطة قضائية إدارية في ذلك الوقت، وتضمنت الوثيقة كذلك تعهدات من الأمراء بإنهاء أسباب الشكوى، وعدم تكرارها مرة أخرى، كما جعلت من العلماء والمشايخ رقباء على التزام الحكام بهذه الشروط وأشركتهم في المسئولية عن استخلاص حقوق الناس.

 ورغم أن المظالم عادت مرة أخرى، إلا أن المصريين كانوا قد اكتسبوا خبرة جديدة في مواجهتهم لحكامهم، فشهدت السنوات الخمس الأولى من القرن التاسع عشر حالة من الثورة المستمرة ضد الباشاوات العثمانيين والأمراء من المماليك، وانتهت هذه الحالة بانتزاع المصريين، ولو لمرة واحدة لعشرات السنين، حقهم في اختيار حاكمهم، وفرضوا على السلطان العثماني اختيارهم لمحمد علي حاكما لولاية مصر، كما ألزموا الباشا الجديد بشروط كان عليه أن يلتزم بها في إدارة أمور البلاد، حقا إن هذه التجربة المبكرة في فرض الشعب لشروطه على حكامه، وتدوين هذه الشروط في وثائق مكتوبة، لم يقدر لها النجاح، إلا أنها كانت تجربة مبكرة في النضال الدستوري، وكانت الخطوة الأولى في طريق طويل لم ينته بعد.

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

الأمة مصدر السلطات
عماد أبو غازي

"إن الدستور في روحه وفي مجموع نصوصه هو النظام الذي يكفل للشعب حكم نفسه بنفسه بإرادته واختياره، ويكفل لأفراده تمتعهم بحقوقهم الشخصيةوالسياسية، فالدستور هو المرادف للديمقراطية، والحكم المطلق هو قيام حكومات تفرض على الشعب فرضا، وتلجأ لكي تبقى على غير إرادته، إلى إهدار حقوقه وكبت حريته."
عبد الرحمن الرافعي

 في العاشرة والنصف من مساء يوم 19 أبريل سنة 1923 في سراي عابدين وقع الملك أحمد فؤاد الأول الدستور المصري المعروف بدستور 23، وتلاه في التوقيع جميع أعضاء مجلس الوزراء، وبذلك صار لمصر دستورا مكتملا بعد مائة وخمسة وثلاثين عاما من نضال الشعب المصري من أجل حقه في إدارة أموره بنفسه.


الطريق إلى دستور الثورة... دستور 1923

 عقب الثورات دائما تكتب الشعوب دساتيرها، هذا ما حدث في مصر؛ فعقب الثورة العرابية صدر دستور 1882 الذي أعاد الحياة النيابية للبلاد وألغته سلطات الاحتلال، وفي أعقاب ثورة 1919 وبعد أن انتهت الموجة الثورية عادت المطالبة بالدستور لتتصدر المشهد إلى جانب المطالبة بجلاء قوات الاحتلال.


 لقد ظهرت الدعوة إلى تشكيل حكومة تقود البلاد إلى نظام دستوري تستند إليه في المفاوضات مع بريطانيا من أجل الجلاء في المراسلات بين سعد وعدلي في فبراير ومارس 1920، وبدأت المطالبة بالدستور تتصاعد في صيف عام 1920، فقد تضمن مشروع الوفد المصري لاستقلال مصر الذي قدمه للورد ملنر يوم 17 يوليو 1920 تشكيل جمعية وطنية تضع الدستور المصري ويكون من مهامها التصديق على معاهدة استقلال مصر، وقد أكد سعد زغلول هذه الدعوة في بيانه الموجه للأمة في 22 أغسطس من نفس العام.
 وعندما كلف السلطان فؤاد عدلي باشا يكن بتأليف الحكومة في مارس سنة 1921 قدم برنامج حكومته، ونص في هذا البرنامج على تشكيل جمعية وطنية تفصل في أمر أي معاهدة سياسية توقع مع بريطانيا، وإن هذه الجمعية الوطنية ستقوم بمهمة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وفقا للأنظمة الدستورية الحديثة.

عدلي باشا يكن

 وبعد استقالة وزارة عدلي باشا يكن في ديسمبر 1921، وضع عبد الخالق ثروت شروطا لقبول الوزارة كان في مقدمتها إعادة البرلمان، لكن الخطوات الحقيقية لوضع دستور للبلاد بدأت بعد صدور تصريح 28 فبراير 1922 الذي منحت فيه بريطانيا من جانب واحد استقلالا منقوصا لمصر، فتحولت مصر بمقتضى التصريح إلى مملكة دستورية.


عبد الخالق باشا ثروت

 كانت الحركة الوطنية المصرية تطمح إلى تشكيل جمعية تأسيسية منتخبة تصوغ الدستور، لكن حكومة عبد الخالق باشا ثروت سارت على نهج آخر؛ ففي 3 أبريل سنة 1922 شكلت الحكومة لجنة لوضع مشروع الدستور وقانون الانتخابات، وكلفت حسين باشا رشدي رئيس الوزراء السابق برئاسة اللجنة، كما تم تعيين أحمد حشمت باشا نائبا لرئيس اللجنة، وتشكلت اللجنة من ثلاثين عضوا بخلاف الرئيس ونائبه، وضمت في عضويتها قانونيين وساسة ورجال دين، بالإضافة إلى بعض الأعيان ورجال المال والتجارة. وقد قاطع الوفد والحزب الوطني اللجنة ووصفوفها بلجنة الأشقياء وهاجموا أسلوب تكوينها واعتبروه مصادرة على حق الشعب في كتابة دستوره.


حسين باشا رشدي

  انتهت اللجنة من عملها بعد أقل من سبعة أشهر، وقدمت مشروع الدستور إلى رئيس الوزراء عبد الخالق باشا ثروت في 21 أكتوبر سنة 1922، وبعدها بأيام قدمت مشروع قانون الانتخابات، فقام ثروت باشا برفعهما إلى الملك فؤاد لإصدارهما. لكن الملك لم يكن راغبا في إصدار الدستور الذي رأى فيه تقليصا كبيرا لسلطاته.


 بدأ الملك يخطط للتخلص من عبد الخالق ثروت ليتخلص من دستوره، فدبر لإحراجه بخروج مظاهرات من الأزهر تهتف بسقوط حكومة ثروت، وكان الموعد المحدد عقب صلاة الجمعة يوم 1 ديسمبر 1922، وكان مقررا أن يحضر الملك ورئيس وزرائه الصلاة بالجامع الأزهر، وتسرب الخبر إلى ثروت باشا فبادر بتقديم استقالته في 29 نوفمبر فقبلها الملك على الفور، وفي خطاب الاستقالة عدد عبد الخالق باشا ثروت إنجازات وزارته، وفي مقدمتها مشروع الدستور الذي لم يصدره الملك.
 وعقب استقالة عبد الخالق ثروت تولى محمد توفيق نسيم باشا رئاسة الوزارة وبدأ في تنفيذ خطة الملك فؤاد في تشويه الدستور، وقد أدخل نسيم باشا عشر تعديلات على مشروع الدستور تمت في تكتم شديد؛ أولها حذف النص على أن الأمة مصدر السلطات، وثانيها أنه جعل منح الرتب والنياشين من سلطة الملك وحده، وثالثها منح الملك حق حل مجلسي البرلمان، هذا الحق الذي تكرر استخدامه في عهدي فؤاد وفاروق، ورابعها جعل نصف عدد أعضاء مجلس الشيوخ بالتعيين، وخامسها انفراد الملك بتعيين رئيس مجلس الشيوخ دون مشاركة من الوزارة، وسادسها منح الملك حق إصدار مراسيم بقوانين في وجود البرلمان، وسابعها إخراج بعض المعاهدات التجارية من رقابة البرلمان، وثامنها تقييد سلطة البرلمان في مناقشة الميزانية، وتاسعها تأكيد سلطة الملك على معاهد التعليم الديني والأوقاف، وآخرها زيادة النصاب المطلوب لتنقيح الدستور وتدخل الملك فيه، كانت جميع هذه التعديلات تصب في اتجاه منح سلطات إضافية للملك، فقد شجعت هذه التعديلات الحكومة البريطانية على التدخل هي الأخرى في صياغة دستور البلاد وطالبت بحذف النصوص التي تؤكدعلى وحدة وادي النيل، وقد وافق نسيم باشا على إدخال هذه التعديلات أيضا قبل أن تستقيل في 5 فبراير 1923 بعد شهرين وخمسة أيام من تشكيلها أفسدت خلالهما مشروع الدستور، وكانت كل إجراءاتها تتم في سرية كاملة.
 قررت وزارة يحيى باشا إبراهيم استكمال مسيرة وزارة نسيم باشا في تشويه مشروع الدستور لكن أمرها افتضح، وتعرضت لهجوم حاد أحرجها أمام الرأي العام، وكان في مقدمة المهاجمين عبد العزيز بك فهمي. ونجح الهجوم في وقف التلاعب في مشروع الدستور الذي عطل الملك فؤاد صدوره لستة أشهر.
 وفي مساء يوم 19 أبريل سنة 1923 رضخ الملك لضغوط الشعب وأصدر دستور البلاد، دستور 1923 الذي ظل رغم ما أصابه من تشويه من أهم الدساتير المصرية.
 لقد نجحت المعارضة لمحاولات حكومات توفيق نسيم ويحيى إبراهيم في غل أيديهما عن تشويه الدستور، فخرج في أقرب صورة لما صاغته اللجنة التي رأسها حسين باشا رشدي. ورغم اعتراض الوفد المصري والحزب الوطني، الحزبان الرئيسيان القائمان وقتها، على لجنة صياغة الدستور ووصفهما لها بلجنة الأشقياء، إلا أن الدستور الذي صدر في 170 مادة كان من خير الدساتير؛ "فقد أُسس في مجموعه على أحدث المبادئ الدستورية، فوضع نظاما دستوريا للحكم، وقرر في ذات الوقت حقوق المصريين وكفلها لهم"، كما وصفه عبد الرحمن الرافعي عضو الحزب الوطني وأحد المعارضين للجنة الدستور. أما الوفد المصري قد تحول إلى مدافع دائم عن هذا الدستور حتى إلغائه عقب إنقلاب يوليو 1952.



 رغم أن الملك هو الذي أصدر الدستور، ورغم أن من صاغ الدستور لجنة معينة وليست جمعية تأسيسية منتخبة، فإن دستور 23 أقر بشكل واضح لا يحتمل اللبس أن الأمة مصدر السلطات، حيث نصت المادة الثالثة والعشرين من الدستور على أن "جميع السلطات مصدرها الأمة"، ويعبر هذا النص عن انتصار الإرادة الشعبية خاصة وقد نصت المادة الخامسة والعشرين على أنه: "لا يصدر قانون إلا إذا قرره البرلمان وصدق عليه الملك"، وقد جعل الدستور للبرلمان حق إصدار القوانين التي يرفض الملك التصديق عليها بأغلبية الثلثين، فإذا لم تتحقق صدر بالأغلبية المطلقة في دور الانعقاد التالي.
 وقد نصت المادة الأولى من الدستور على أن "مصر دولة ذات سيادة وهي حرة مستقلة، ملكها لا يجزأ ولا ينزل على شيء منه وحكومته ملكية وراثية وشكلها نيابي."
 ونص الدستور على اختصاص المصريين وحدهم بتولي الوظائف العامة المدنية والعسكرية، كما أكد على أن لا يلي الوزارة إلا مصري، وعلى عدم جواز تولي أفراد الأسرة المالكة مناصب وزارية، وعدم جواز انتخابهم بالبرلمان.
  وحدد الدستور مخصصات الملك بمبلغ 150 ألف جنيه مصري، ومخصصات البيت المالك بمبلغ 111512 جنيه مصري، وجعل للبرلمان سلطة زيادتها.
 ونص الدستور في الفصل الخاص بالسلطة القضائية على أن "القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون وليس لأية سلطة في الحكومة التدخل في القضايا".
 وفي الباب السادس من أبواب الدستور السبعة والذي يحمل عنوان أحكام عامة، نصت المادة 149 على أن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية". وقد أثارت هذه المادة جدلا واسعا داخل لجنة الدستور حيث رفضها بعض الأعضاء إنطلاقا من أن الدول لا تدين بدين محدد لكن أغلبية أفراد الشعب هم الذين يدينون بالإسلام، لكن اللجنة انتهت إلى هذه الصياغة.
 بينما تضمن الباب الثاني المكون من 21 مادة حقوق المصريين وواجباتهم، فأقر لأول مرة في تاريخ الدساتير المصريةالمساواة وعدم التمييز بين المصريين بسبب الأصل أو اللغة أو الدين، ونص الدستور أيضا على أن التعليم الأولي إلزامي ومجاني للبنين والبنات. كما نص بشكل قاطع على أن "الحرية الشخصية مكفولة" (المادة 4)، وعلى إلغاء النفي كعقوبة؛ حيث حيث "لا يجوز إبعاد مصري عن الديار المصرية" (المادة 7)، وعلى أن "حرية الاعتقاد مطلقة" (المادة 12)، كما نصت المادة 13 على أن الدولة تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية في الديار المصرية على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب، ونصت المادة 16 على أنه "لا يسوغ تقييد حرية أحد في استعمالة أية لغة أراد في المعاملات الخاصة أو التجارية، أو في الأمور الدينية، أو في الصحف والمطبوعات أيا كان نوعها، أو في الاجتماعات العامة."
 ومن الحقوق التي قررها الدستور حق الاجتماع وتكوين الجمعيات، وحرية الصحافة وحظر الرقابة على الصحف، وحرية الرأي والتعبير؛ على أن أهم ما يؤخذ على هذا الباب أنه علق بعض الحريات على نصوص القوانين، الأمر الذي صار تقليدا في كل الدساتير التالية، وقد عجلت الحكومة بعد صدور الدستور وقبل انتخاب البرلمان بإصدار قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات وقانون الأحكام العرفية لتقييد الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور.
 وكما قال عبد الرحمن الرافعي في عام 1947 بعد ربع قرن على التجربة الدستورية المصرية الجديدة: "إن الحياة الدستورية في حاجة إلى جهاد المؤمنين بحقوق هذا الشعب وتعاونهم، لكي تستقر وتتغلب على العقبات التي تعترضها، ومن الواجب على الذين ينظرون بعين الرعاية والاعتبار إلى مصالح الوطن العليا، أن لا يترددوا في بذل ما يستطيعون من جهود للدفاع عن الحقوق العامة التي تتميز بها الشعوب الحرة عن الشعوب المستعبدة، فعلينا جميعا أن نؤدي هذا الواجب، إذا أردنا لهذا الشعب أن يأخذ مكانه بين الأمم الحرة المستقلة، ويساير ركب الحضارة والديمقراطية".

 لقد شهدت السنوات الثلاثين بين صدور دستور 23 وإلغائه سلسلة من الانقلابات الدستورية ومحاولات السرايا والسلطات البريطانية الالتفاف على الدستور ووقف العمل به بل وإسقاطه تماما، إنها سنوات النضال بين الحكم المطلق والشرعية الدستورية؛ وهذه حكاية أخرى من حكايات نضال المصريين من أجل حقوقهم.

الأحد، 10 أبريل 2016

قصة تنازل المماليك عن جزيرة قبرص
عماد أبو غازي
 فى القرن الخامس عشر الميلادى كانت مصر تتعرض لأخطار خارجية متعاظمة، كما كان إقتصادها يعاني من أزمة طويلة ممتدة، كان المماليك الجراكسة يحكمون مصر منذ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، عندما أستولى الأمير سيف الدين برقوق بن أنص على الحكم وأصبح سلطانًا للبلاد، وقد حاول برقوق بعد أن أصبح سلطانًا إعادة تنظيم أمور البلاد لإخراجها من حالة الفوضى والإضطراب التى سادت في أواخر عصر سلاطين أسرة قلاوون؛ فقد تولى بعض هؤلاء السلاطين الحكم وهم أطفال صغار، وعاشت البلاد في ظل حكمهم صراعات طاحنة بين الأمراء، أنتهت بها إلى حالة من الفوضى والإضطراب.
 لكن هل نجحت جهود السلطان برقوق في إعادة الإستقرار إلى سلطنة المماليك؟
 رغم أن جهود برقوق قد أعادت إلى مصر بعض الإستقرار والحيوية، إلا أن الأحوال سرعان ما تدهورت مرة أخرى وبسرعة، فتعرضت دولة المماليك لموجه جديدة من الهجمات التترية بقيادة تيمور لنك الذي نجح في إحتلال جزء كبير من الشام، كما مرت البلاد بمجاعة طاحنة بسبب القحط ونقص الفيضان تضافرت تلك المجاعة مع الفساد السياسي والإداري والمالي، فأدخلت المجتمع في أزمة شاملة لا فكاك منها أستمرت حتى سقطت دولة المماليك الجراكسة على يد العثمانيين.
 وإذا كان المماليك قد نجحوا في هزيمة تيمور لنك وتحرير الشام من سيطرته، فإن أخطارًا جديدة تتابعت على البلاد، فقد دفع التنافس التجاري بين الشرق والغرب الأوروبيين إلى تصعيد غاراتهم على الموانئ المصرية والسورية لضرب سيطرة المماليك على تجارة الشرق، وكانت رودس بفرسانها وقبرص بأسرتها الحاكمة الفرنسية الأصل والتي تدعي ملكية بيت المقدس، هما مكمن الخطر على السواحل المصرية والشامية، وقد تلقى المحاربون والقراصنة فى رودس وقبرص دعمًا ماديًا ومعنويًا من فرنسا والبابوية في روما.
 ولم يكن لمصر حلفاء في أوروبا سوى جمهورية البندقية (فينسيا) التي كانت تربطها بمصر علاقات وثيقة، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، لقد قام حلف تجاري بين مصر والبندقية حيث سيطرت الدولتان معًا على طرق تجارة الشرق، وتحكمتا في جزء كبير من التجارة الدولية، ولم تستطع كل محاولات الدول الأوروبية المعادية لسلطنة المماليك فصم عرى هذا التحالف.


 ظلت قبرص هي مصدر القلق الأساسي لسلاطين مصر، فقد كان حكامها يعتبرون مصر العدو الأساسي لهم، وعندما إزدادت إعتداءات القبارصة على السواحل المصرية والسورية، قرر سلطان مصر الأشرف برسباي إستئصال الخطر من جذوره؛ فقامت أساطيل المماليك بحملة بحرية على جزيرة قبرص إنتهت بالإستيلاء على الجزيرة في عام 1426 ميلادية وأسر ملكها يانوس وفرض الجزية عليه، ورغم خضوع حكام قبرص للسيادة المصرية، فقد ظل الأمل يراودهم في التخلص من سيطرة المماليك، ولم يجد القبارصة قوة أوروبية يمكن أن تساندهم سوى البندقية، فتوجهوا إليها طلبًا للدعم المالي لمحاربة مصر، لكن البنادقة رفضوا التخلي عن حلفائهم المماليك ولم يقدموا لقبرص الدعم المطلوب، واتجه ملوك قبرص إلى التفكير في إسلوب جديد لكسب تاييد جمهورية البندقية، حيث تزوج جاك لوزينان الثاني ملك قبرص من نبيلة بندقية، وفي سنة 1469 ميلادية وضع الملك القبرصي جزيرته تحت حماية البندقية بمقتضى معاهدة سياسية، وبمقتضى ذلك الإتفاق تعهدت جمهورية البندقية بحماية ملك قبرص ضد أعدائه، لكنها أستثنت منهم سلطان مصر، وبذلك أستمرت سيادة مصر من الناحية الرسمية على قبرص، فقد أعطت البندقية الأولوية لمصالحها التجارية الإقتصادية، وقدمتها على الإنتماء الديني.

 واستمر الحال على ذلك لسنوات، لكن سلطنة المماليك في مصر كانت تسير من سيئ إلى أسوأ، وأوضاعها العسكرية والاقتصادية في تراجع مستمر، وكان ظهور الأتراك العثمانيين على ساحة الصراع السياسي والعسكري في عالم البحر المتوسط عنصر تحول في موازين القوة في المنطقة، فقد حقق العثمانيون ما فشل التحالف الأوروبي فيه من قطع طرق إمداد مصر بالمماليك والأخشاب فأخذت سلطنة المماليك تختنق رويدًا رويدًا، ومن ناحية أخرى أدى دخول التحالف الأوروبي في حروب متوالية ضد الأتراك العثمانيين، إلى تراجع الهجمات الأوروبية على مصر، كما أدى أيضًا إلى خفوت المطالب القبرصية بالتخلص من السيادة المصرية، حيث سعى الجميع إلى إرضاء مصر ليتفرغوا لمواجهة الخطر العثماني.


 وفي أواخر السبعينيات من القرن الخامس عشر طلبت البندقية من أرملة جاك لوزينيان الثاني ملك قبرص دفع الجزية لسلطان مصر والعمل على إرضائه بكل الوسائل، لكن العقد التاسع من ذلك القرن شهد تحولات خطيرة في المنطقة، حيث توالت إنتصارات الأتراك في أوروبا من ناحية، واتجهوا إلى محاربة سلطنة المماليك في مصر والشام من ناحية أخرى، وأعاد البنادقة حساباتهم في ضؤ الأوضاع الجديدة فقرروا الإستفادة من الصراع المملوكي العثماني لصالحهم، فوضع البنادقة سيادتهم على قبرص ورفعوا أعلامهم عليها، وأرسلوا في نفس الوقت سفيرًا لمقابلة سلطان مصر الأشرف قايتباي لتبرير عملهم هذا لديه، وأعطى دوق البندقية أغسطينوس بارباديجو تعليمات واضحة لسفيره إلى مصر حدد له فيها ما ينبغي أن يقوله للسلطان، وقد أحتفظ أرشيف فينسيا بهذه التعليمات ضمن وثائقه، وقام بنشرها وترجمتها إلى العربية المؤرخ الراحل توفيق أسكندر، وتقول التعليمات:
 " إذا سمعت أن عظمة السلطان غاضب مما حدث في قبرص، نأمرك أن تطرق الموضوع بالصورة والعبارة التي تهديك إليها مهارتك وكياستك، وتوضح له أننا اضطررنا للمحافظة على الجزيرة، حتى لا تظل دون حاكم وتحت رحمة السلطان التركي عدو عظمة السلطان، أو تحت رحمة غيره، وقد أمرنا برفع شعارنا وأعلامنا حتى يعرف العالم كله أننا وضعنا قبرص تحت حمايتنا، عازمين الدفاع عنها ضد أيًا كان، وإذا كانت جلالة ملكة قبرص قد أرادت بهذا وبكل وسيلة ممكنة حماية الجزيرة ومملكتها من أعداء السلطان المصري، فليس هناك سبب يبعث على التألم منها أو منا، طالما أن عظمته متأكد تمام التأكيد أن الجزيرة المذكورة في حراستنا، وفي أيدي أصدقاء لعظمته من أهل السلم، لا في أيدي قراصنة أعتادوا القرصنة."

 وبغض النظر عن مدى إقتناع السلطان قايتباي بالدوافع والمبررات التي قدمها له بييروديبدو سفير البندقية إليه، فإنه أدار المعركة الدبلوماسية بحكمة بالغة، فقد كانت مصر في تلك اللحظات في صراع عسكري عنيف مع الأتراك العثمانيين، ولا تملك القدرة على دفع جزء من جيشها إلى قبرص لفرض السيطرة عليها مرة أخرى، كما كانت جمهورية البندقية الحليف التاريخي لمصر في أوروبا، ومن هنا فإن الصدام معها كان سيسبب خسارة فادحة للمصالح المصرية، فوصل السلطان قايتباي إلى إتفاق يقضي بتنازل مصر عن قبرص مع إستمرار الأخيرة في دفع جزية سنوية لمصر، وقد تم توقيع المعاهدة في 9 مارس سنة 1490م ، وللأسف فقد نصها العربي، وبقى فقط النص اللاتيني المحفوظ في أرشيف فنيسيا.
 تقول المعاهدة:
 "يدفع إلى خزينة السلطان المعظم مما تدين به قبرص مبلغ أربعة آلاف دوقة، وتدفع جماعة التجار البنادقة بدمشق لأمر السلطان 6 آلاف دوقة، ويرسل في هذا العام من البندقية سلع مختلفة بمبلغ ستة آلاف دوقة، ويراجع حساب الدفعات المتأخرة، ويرسل منه في كل عام دفعة من قبرص مع الدفعة الجديدة، وفي مقابل ذلك يوافق عظمة السلطان على أن دولة البندقية تؤمن وتحكم بالخير والعدل جزيرة قبرص ومدنها وسكانها وأهلها دون أن تظلم أحدًا منهم،  كما أن السلطان يرغب أن يعطى الحرية للدولة البندقية إلى الأبد في أن ترسل حكامًا يحكمون ويأمرون في قبرص، وعملاء حسب المتبع مع الملوك السابقين..."

 هكذا انتهى الحكم المصري لقبرص الذي استمر حوالي 65 عاما.

الثلاثاء، 5 أبريل 2016

من أوراق بدر الدين أبو غازي (3)



  انتبهت من بوست للصديق سعد نعمان عاشور إن النهاردة يوافق الذكرى 29 لرحيل أبوه الكاتب المسرحي المبدع نعمان عاشور، امبارح لقيت في أوراق أبويا مسودة رسالة كان كتبها لصديقه نعمان عاشور، ومعاها مسودة مقالة قصيرة عنوانها "كورنيش المعادي... كورنيش الموت"، تاريخ الرسالة بيرجع لسنة 1979، بعد شهور من وفاة أخويا الكبير مختار بسبب حادثة عربية على كورنيش المعادي في يناير سنة 79، أما مسودة المقالة فأظن أنه مكتوب بعدها بفترة.


  رسالة إلى نعمان عاشور


 عزيزي الأستاذ نعمان عاشور

  قرأت مقالك الأخير في جولة الفكر؛ فأثار عندي شجونًا لم تهدأ، وقلب في النفس مواجعًا.

 لقد أصبت يا صديقي عندما قلت أن ما يحدث على طريق المعادي هو نوع من القتل مع سبق الإصرار والترصد، وليس مجرد إهمال أو تقصير.

 ولقد اعتدنا نحن سكان الأحياء القائمة على امتداد هذا الطريق أن نسميه طريق الموت، وحقًا كم ذهب ضحية هذا الطريق من شباب وشيوخ وأطفال.

 منذ شهور قليلة فقدت إبني الشاب في طريق عودته إلى البيت... راح ضحية هذا الإظلام الدامس الذي تضطرب فيه الرؤى وتغشى الأبصار من أضواء كشافات السيارات المضادة التي يحاول كل منها أن يستعين على الظلام بضوئه الخاص.

 راح كما راحت ضحايا هي دليل على امتهان قيمة الإنسان، ونظل نحن نتكلم فيما بيننا بلا حراك، لنواجه مصائد الموت تنصب لنا في هذا الطريق، ولكنك قلتها عالية في عمودك المنيربأضواء فكرك.

 ولقد آن لنا أن نواجه هذه الأمور بشجاعة وإصرار، فإن ما أصاب غيرنا قد يصيبنا إذا استمرت هذه الحال.

 إتها أزمة صدق وأزمة خلق قبل كل شيئ، فلقد تفشت ظاهرة التستر وإخفاء الحقيقة ولو كان ثمنها حياة الناس.

 يمر كبير على الطريق ففي لمح البصر تستر عوراته، وترمم مطباته، وتزال قمماته؛ فإذا ما انتهى الموكب عادت الحال إلى أسوأ مما كان.

 وفي مثل حوادث هذا الطريق لا ينبه أحد إلى مصدر الخطر وأسبابه... ولقد طالعت في محضر حادث ابني الذي يثبت أن "الإضاءة في الطريق جيدة". وبذلك قيدت الحادثة عوارض برقم كذا، وضاعت الحقيقة في أزمة صدق يعانيها مجتمعنا.

 لو أن المسئولين في كل مرة أثبتوا انقطاع الإضاءة في هذا الطريق وبينوا سوء حالة، ولو أنهم تنبهوا إلى أن عشرات الحوادث وقعت أمام أكشاك الشرطةالنيلون التي تزين الطريق، بل أمام مستشفى المعادي دون أن يتحرك أحد لدماء تنزف ونفوس تحتضر... ولو أن شيئًا من صحوة الضمير يستوقف النظر لكان في ذلك كله بادرة من بوادر الإصلاح.






كورنيش المعادي... كورنيش الموت

 لا يكاد يمضي ليلة دون أن تقع على كورنيش المعادي فاجعة تذهب ضحيتها أرواح بريئة، وتتحطم على الطريق سيارات تمثل جزءًا من ثروة البلاد.

 ولو كانت الدولة قد وفرت الأمان لهذا الطريق؛ لقلنا أنه خطأ السائقين، ولكن إهمالًا شديدًا يؤدي إلى كثير من الحوادثالتي تكاد أن تتكرر في مواقع محددة منها: كوبري الكورنيش ـ الطريق الجانبي المؤدي إلى مبانس شركات الملاحة ـ مدخل مستشفى المعادي.

 ومعظم هذه الحوادث ترجع إلى:

(1)              عدم وجود إشارات ضوئية في هذه المواقع، فضلًا عن أن أضواء الكورنيش إما مطفأة إهمالًا أو أو خافتة الضوء تضلل السائقين، بينما نجد أضواءً تغشي الأبصار من كثرتها في شوارع أخرى.

(2)              سوء رصف الكورنيش وما يؤدي إليه من حوادث دامية في ساعات المطر.

(3)              وثالثة الأسافي أن ضحايا الطريق من السيارات تترك في مواقعها أيامًا وليال مستعرضة الطريق، وكأنها شراك نصبت لتحطم السيارات القادمة.

وبالأمس فقط وقع حادث مؤسف على الطريق أودى بحياة برئ بسبب سيارة مازوت تركت وسط كوبري المعاديمنذ ثلاثة أيام دون علامة أو إشارة ضوئية.




 إلى متى هذا الاستهتار بأرواح المواطنين، وهل ثمة أمل في أن يدرك المسئولون عن هذه الشئون واجبهم؟


الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...