الخميس، 24 مارس 2016


من أوراق بدر الدين أبو غازي (2)


 وجدت في أوراق بدر الدين أبو غازي أربع صفحات صغيرة منزوعة من "بلوك نوت" كتب عليها خواطر بلا عنوان، أظنه كتبها في منتصف السبعينيات أثناء عمله مستشارًا بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم...





 "من التجارب تعلمت أن تصاريف الحياة فوق إرادة البشر... ولكن يبقى بعد ذلك حرية الإنسان في أن ينظم مساره ويحدد مصيره ويوائم بين إرادته ورغباته، وبين تصاريف الحياة، وهذا سر من أسرار النجاح إذا ما تحقق هذا الوفاق.

 لقد كنت في صباي مولعًا بالفن والأدب، وددت لو وقفت عليهماكل حياتي، ولكني اتجهت لدراسة القانون... وكان صراعًا ضاريًا في نفسي بين الانصراف عن الدراسة والتفرغ للأدب والفن، وبين محاولة الجمع بينهما... وقد كاد هذا الصراع في وقت من الأوقات يؤثر في مستقبلي؛ حين انصرفت عامًا دراسيًا إلى دراسة مجموعة من الآثار الأدبية ونحيت كتب القانون جانبًا...

 ولكن في حياة الإنسان لحظات من التنوير واستجماع الإرادة تعين على ترسم الطريق، وجاءت هذه اللحظات قبل نهاية العام وعزمت أمري على الجمع بين ما كنت أحسبه نقيضًا للآخر، وركزت على دراسة القانون لأدرك ما فاتني، ولمست فيه أفقًا من الفكر والفن.

 ومنذ هذه اللحظة تحقق الوفاق بين الاتجاهين، وخضت حياتي ممارسًا للقانون ولجانب تشريعي قد يبدو جافًا هو جانب التشريعات المالية والضريبية، وهاويًا للفن والأدب، أمارس النقد الفني في ساعات الفراغ، وأعطي الحياة الثقافية جزءًا من نفسي.





 ومضت رحلة هذا الوفاق قرابة ثلاثين عامًا، بعض الناس يعرف فيها جانبًا واحدًا مني هو جانب الكاتب والناقد الفني، وبعضهم يعرف الجانب الآخر، وهو جانب المسؤول في قطاع هام من قطاعات المال والاقتصاد... أما من يعرف الجانبين معًا فقد كان يدهشه أن تجتمع صفة الكاتب والفنان مع منصب وكيل وزارة المالية في شخص واحد.

 ومع ذلك فقد كان العطاء في المجالين وفيرًا بفضل تجربة هزتني، وخرجت منها عاقد العزم على أن أجمع النقيضين أو ما يبدوان كذلك في حياتي.

 ولقد خلصت من ذلك بأن دراسة القانون وصياغة الفكر القانوني أغنت تجربتي الأدبية والفنية، كما أن الأدب والفن كانا لهما انعكاسهما على اتساع آفاق فكري القانوني.

 وفي خاتمة المطاف توليت مسؤوليات الثقافة في مصر، فأصبح العمل الثقافي هو مسؤوليتي الرسمية.


 ولكني الآن بعد استعراض أبعاد هذه التجربة أرى أنها كانت كسبًا لحياتي... واليوم أتولى مسؤوليات ثقافية على مستوى الوطن العربي، بينما يظل اتصالي بشؤون التشريع والشؤون المالية قائمًا من خلال اللجان والمؤتمرات والكتابات. وأصبح كل رصيد التجر بة مجتمعًا في اتساق يتيح لي أن أعطي منه تطوعًا ومحبة.

الأربعاء، 23 مارس 2016


من أوراق بدر الدين أبو غازي (1)



  عندما توفي أبي بعد مرض قصير في سبتمبر 1983 ترك مجموعة ضخمة من الأوراق، بعضها مسودات مقالاته وكتبه، وبعضها الآخر رسائل تلقاها من أصدقاء أو من وزملاء له في العمل، والبعض منها يتعلق بالمجالات المختلفة التي أسهم فيها خلال سني عمره، والبعض منها مجرد خواطر عنت له دونها على قصاصات من الورق، هذا بالإضافة إلى مئات من الصور الفوتوغرافية المتنوعة.

 أوراق وصور ومقتنيات متنوعة نسقت جزء منها أمي بعد رحيله، وسلمتني أجزاء منها على دفعات، كلما استخرجت مجموعة من الأوراق ورتبتها أعطتني إياها، منذ أسابيع عدت لأقلب في هذه التركة الثمينة لاستعين بها في استئناف العمل في كتاب بدأت فيه منذ عشر سنوات وتعثرت بسبب مشاغل العمل العام، كتاب بعنوان "التاريخ العادي" أتناول فيه تحولات المجتمع المصري على مدى قرن ونصف من خلال حكاية ستة أجيال من أسرة ريفية متوسطة انتقلت إلى المدينة وأشتغل عدد من أفرادها بالعمل العام، كتاب أجمع فيه شذرات من حياة أهلي وأجدادي، تتداخل فيه الأصوات، وتتمازج الكلمة مع الصورة.


 وأثناء بحثي فيها وترتيبي لها عثرت على قصاصتين من الورق دون فيهما أبي خواطر جالت بذهنه ونحن نحتفل بعيد ميلاد أمي في سنة 1981؛ وأترك المجال له ليبوح:

 24 ديسمبر 1981

عيد الميلاد...

 كنا خمسة تنفتح عيوننا على صباح الأمل، نهمس بكلمات الأماني، ويلفنا مرح الروح بنور داخلي عميق يصاحب النهار والليل، وحول الشموع نطفئ عامًا ونستقبل عامًا جديدًا على أمل أن يبقى خمستنا، بل قد نزيد...


 صباح الأمل أصابته عتمة، وغابت نشوة المرح العميق، وسكبت الشمعة دمعة وهي تنطفئ، صار الخمسة أربعة... رحل الفارس الشاب؛ وبرحيله المختار سكنت بيتنا الأحزان..

 ومع الأحزان عشش القلق؛ الفارس الثاني يخوض معاركه، ويركب طريقًا صعبًا من أجل الحرية والعدالة والقيم، ويدفع ثمن أفكاره قيودًا وسدودًا.

 كان الطارق الليلي نذيرًا للموت، ولكنه تجسم مرة أخرى نذيرًا بالسجن، ضرباته مع الظلام تثير الفزع والهلع.

 انتزع العماد؛ فاقتحمت حياتنا مفردات غريبة.. الليمان.. السيارة الرمادية المعتمة بطاقاتها الكئيبة تحمل شبانًا من السجن إلى مكاتب التحقيق.. زيارات السلك الكبيسة.. مذكرات دفتر السجن تتسرب سطورها إلى بيتنا.

 "أنا والموت وجهان"

نلتقي بعد قليل

ومضت تبحث خلف البحر عن معنى جديد للحقيقة...

 أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وأعشق عمري

لأني إذا مت أخجل من دمع أمي

آه من دمع أمي

خذيني أمي

إذا عدت يومًا وشاحًا لهدبك"



بين رحلة الموت ورحلة السجن تسرب إلى أيامنا الحزن والخوف، ها نحن ثلاثتنا نحيط برعايتنا، وتأتي نهلة نسمة من روح مختار تطفئ شمعة بصوت صامت، وعماد العائد مرة أخرى من عالم السدود تتفاعل في نفسه مشاعر شتى، فرحتنا بعودته يشوبها قلق واهتزاز، وحين تخفت أناشيد عيد الميلاد، عيد السلام والمحبة الذي ولدت فيه رعاية، يدير شريطًا كان بدء أن يكون صوته إليها ومشاركته لها عيد هذا العام لو بقى حبيس الليمان حتى العيد، إنه لا يملك من وراء القضبان إلا أن يبعث بهذه الكلمات التي تعلو فوق الأسوار، وتسبح في الأثير لتحمل صوتًا من الحب والأشجان...

 كلمات الشاعر محمود درويش يؤديها بصوت مارسيل خليفة، أوتاره يحركها نبض القلب وأحزان الشجن...

 جلسنا أربعة

 رعاية وعماد ونادية وأنا

نستمع إليها

وكأننا نستمع إلى همس مختار يتخفى وراء صوت مارسيل



أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وأعشق عمري

لأني إذا مت أخجل من دمع أمي

خذيني أمي

إذا عدت يومًا

وشاحًا لهدبك

وفي لحظة من ذروة النغم الحزين عدنا خمسة تلفنا غلالة من الدموع...


السبت، 12 مارس 2016

حكاية القاضى والشاعر والسلطان
عماد أبو غازى
  لقد تعاقب على مصر الحكم الأجنبي لقرون طويلة منذ احتلها الفرس في القرن السادس قبل الميلاد، وكانت معاناة المصريين الشديدة من ظلم الحكام الأجانب فتوالت ثوراتهم جيلًا بعد جيل، وعادة كانت تلك الثورات وحركات التمرد ضد الحكام الأجانب وطغيانهم تنتهي إلى الفشل أمام قوة الحاكم وجبروته، لكن سلاحًا آخر ظل عبر العصور سلاح المصريين الماضي والذي لم يستطع حاكم أو محتل مهما بلغت قوته أن يقضى عليه، إنه سلاح النكتة والسخرية والتعبير عن رفض الظلم والطغيان من خلال الأدب.
 لقد حرص الحكام الأجانب الذين استولوا على حكم مصر منذ الاحتلال الفارسي سنة 526 ق.م. على حرمان المصريين من حقهم في حمل السلاح وتجريدهم باستمرار من أية وسائل للدفاع عن أنفسهم ولم يقتصر الأمر في ذلك على فترات الاحتلال الأجنبي  وتحول مصر إلى ولاية تابعة لدولة أخرى مثلما كان عليه الحال فى العصور الفارسية والرومانية والبيزنطية والعثمانية مثلًا، بل امتد أيضا إلى الفترات التى كانت مصر فيها دولة مستقلة لكن يحكمها حكامًا أجانب وليس من المصريين مثلما كان الحال فى زمن البطالمة والطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك، فقد حرم المصري طوال تلك العصور من شرف الدفاع عن الوطن وبالتالي من حق حمل السلاح، ولم يستعد هذا الحق إلا في القرن التاسع عشر عندما أسس محمد علي الجيش الحديث، ومن هنا فقد كانت فرص نجاح ثورات المصريين محدودة، وطوال تلك العصور كان سلاح النكتة والسخرية والتعبير عن رفض الظلم والطغيان من خلال الأشكال الفنية والأدبية أقصى سلاح في يد المصري؛ فقد واجه المصريون ظالميهم بالسخرية منهم.
وسلاح السخرية عند المصري قديم قدم الحضارة المصرية، فقد عرفت مصر القديمة أقدم الرسوم الساخرة في التاريخ، والتي وصلتنا ملونة على أوراق البردي، كما لجأ المصري منذ أقدم العصور إلى التعبير عن شكاواه من خلال الأنواع الأدبية والفنية المختلفة من قصة وشعر وغناء.
 وحكايتنا اليوم من عصر المماليك الجراكسة الذين حكموا مصر منذ أواخر القرن الثامن الهجري حتى أوائل القرن العاشر، واستمر حكمهم قرابة مائة وأربعين عامًا، وقد ذاق المصريون شتى أنواع المظالم في عصر الجراكسة وتكاتفت عليهم ظروف الطبيعة القاسية من قحط ومجاعة مع نهم المماليك لجمع الأموال ومبالغتهم في استغلال المصريين ونهب ثروات البلاد؛ وربما كان السلطان الأشرف قانصوه الغوري أكثر حكام ذلك العصر ظلمًا وجورًا وقد أمتد حكمه من سنة 906 إلى 922 هـ.


 وعنه يقول المؤرخ محمد بن أحمد بن إياس المصري في ترجمته له بعد وفاته:
 "كان ملكًا مهيبًا جليلًا مبجلًا في المواكب، ملئ العيون في المنظر، ولولا ظلمه وكثرة مصادراته للرعية وحبه لجمع الأموال لكان خيار ملوك الجراكسة، بل وخيار ملوك مصر قاطبة، وأما ما عد من مساوئه فإنها كثيرة لا تحصى، منها أنه أحدث في أيام دولته من أنواع المظالم ما لا حدثت في سائر الدول من قبله، ومنها معاملته في الذهب والفضة والفلوس الجدد أنحس المعاملات، جميعها زنك ونحاس وغش ولا يحل صرفها، واستمر الغش في معاملته في مدة دولته إلى أن مات، ومن مساوئه أنه كان يضع يده على أموال التركات الأهلية ويأخذ مال الأيتام ظلمًا، ولو شرحنا مساوئه كلها لطال الشرح في ذلك".
 ومع كل هذه المساوئ التي عددها المؤرخ المصري محمد بن أحمد بن إياس فإن الغوري يعتبر من أشهر سلاطين عصره ليس فقط لطول فترة حكمه لكن أيضًا لسقوطه في ميدان المعركة دفاعًا عن البلاد ضد الغزو العثماني رغم كبر سنه، كذلك فإن كثرة المنشآت التي خلفها الغوري وأشهرها مجموعته المعمارية القائمة إلى الآن فى منطقة الغورية بالقاهرة الفاطمية أدت إلى ذيوع صيته عبر العصور؛ لكن حتى هذه المجموعة المعمارية المهمة لم تخل من القيل والقال؛ فقد كانت أرضها ورخامها بل وحتى أوقافها من المصادرات، وقد شيد الغوري هذه المنشآت ومنها الوكالة والمدرسة والمسجد والخانقاه والسبيل وهو يضع في اعتباره أن يدفن في إحداها وهي المدرسة، وفى ذلك يقول ابن إياس:
"ومن العجائب إنه لم يدفن فى مدرسته التى أصرف عليها نحو مائة ألف دينار، فصار مرميًا في البراري وقد تناهشته الذئاب والنمورة، فمات وله من العمر نحو ثمانى وسبعين سنة، ومن العجائب والغرائب أن الطواشي مختص، الذي كان بنى أساس مدرسة الغوري أولًا، وأخذها منه غصبًا في المصادرة، سأل الغوري من ذلك، فمنع الله تعالى الغوري من الدفن في مدرسته، وصار لا يعرف له مكان قبر، فعد ذلك من العبر"
وإذا كان ابن إياس قد أستخلص هذه العبرة بعد موت الغورى فإن المصريين قد سخروا من هذه المنشآت فى حياة السلطان، فقد أطلق الناس على مسجد السلطان الغوري اسم "المسجد الحرام" ولم يقصد المصريون بذلك بالطبع أن يشبهوا مسجده بالكعبة المشرفة، إنما كان قصدهم نوعًا من التورية الساخرة؛ فقد رأى المصريون أن الأموال التي شيد بها المسجد أموال مصادرة بغير حق، ورخامه مسروق من مساجد أخرى، وأرضه قام السلطان بالاستيلاء عليها دون سند، والأوقاف التي أوقفها عليه استولى عليها بغير حق، ومن هنا اعتبروا أنه مسجد بنى من مال حرام.


 وبالطبع لم يكن الغورى يستطيع أن يمارس كل هذه المظالم دون مساندة أعوان السوء وفى مقدمتهم القضاة الفاسدون الذين سهلوا له مصادرة أموال الأيتام وحل الأوقاف والاستيلاء عليها؛ ومن أشهر هؤلاء القضاة قاض اسمه عبد البر ابن الشحنة الحنفي وأصله من أسرة حلبية اشتغلت بالفقه والقضاء، وقد ذاع صيت عبر البر هذا في زمن السلطان الغوري وكان مقربًا إليه ساعده في كثير من مظالمه باستخدام الغش والتدليس والحيلة.
وقد أدرك المصريون مفاسد القاضي عبد البر بن الشحنة وتندروا بها، وقد حفظ لنا التاريخ أجزاء من قصيدة من قصائد الهجاء اللاذع هجا فيها جمال الدين السلاموني أحد شعراء ذلك العصر الشيخ عبد البر، حيث أوردها مؤرخ ذلك العصر ابن إياس المصري في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، ويصف ابن إياس القصيدة بأنها "قصيدة مطولة فيها ألفاظ فاحشة إلى الغاية وإساءة مفرطة لا ينبغي أن تذكر"، ولكنها أورد منها بعض أبيات على سبيل الاختصار، قال بعدها: "وأنا أستغفر الله العظيم وأتوب إليه"، فقد كان ابن إياس يرى أنه بترديد هذه الأبيات يرتكب معصية كبيرة.
ومن الأبيات التي وصلتنا قول الشاعر:
فشا الزور في مصر وفي جنباتها
ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها
أيُنكرُ في الأحكام زورٌ وباطلٌ
وأحكامُهُ فيها بمختلفاتها
إذ جاءه الدينار من وجه رشوة
يرى أنه حلٌ على شبهاتها
فإسلام عبد البر ليس يرى سوى
بعمته، والكفر فى سنماتها
ألست ترى الأوقاف كيف تبدلت
وكانت على تقديرها وثباتها
فإن كان فى الأوقاف ثم بقية
تكذبنى فيما أقول، فهاتها
ولابد من بيع الجوامع، تارك
الجماعات منها، مبطل جُمَعاتها
ولابد أن يستبدل الناس أعبُدًا
بأحرارها بيعًا لنفس ذواتها
ولو أمكنته كعبة الله باعها
وأبطل منها الحج مع عمراتها
ومصداق قولي أنه كان مغريًا
ليحيى بن سبع في خراب جهاتها
وقد كان ذئبًا لابن سبع وقومه
يطالع بالأخبار قبل رواتها
ولو يعط دينارًا وطاوعه الورى
لأسقط عنها صومها وصلاتها
شكت ملة الإسلام مما ينالها
بأفعاله يا هل تزيل شكاتها
فلا تخش إثمًا أن تخوض بعرضه
فغيبته للناس خير لغاتها
فماذا على الإسلام حَلَّ من الرد!
بأيام عبد البر مع سنواتها
 وترجع هذه القصيدة إلى عام 913 هجرية، لهذه القصيدة قصة ترجع إلى أحداث وقعت قبلها بعامين؛ فقد كان الشاعر جمال الدين السلاموني من أشهر شعراء عصره، وكان محبوبًا من المصريين يعبر عن همومهم من خلال الشعر، كما كان في ذات الوقت محببًا للسلطان يحرضه على هجاء من يغضب عليه، وكان قد عرف عنه الهجاء اللاذع.
 وقد عاين السلاموني المظالم التى أرتكبها أحد كبار موظفي الدولة وهو معين الدين بن شمس وكيل بيت المال فهجاه بقصيده قاسية، فاشتكى وكيل بيت المال إلى السلطان الغوري، فقال له: "إن وجب عليه شيىء بالشرع أدبه"، فنزل معين الدين من عند السلطان ووضع الشاعر السلاموني في الحديد ودفع به إلى بيت قاضي القضاة الحنفي عبد البر بن الشحنة وأقام الدعوى عليه، فما كان من القاضي إلا أن أمر بضرب السلاموني وتجريسه على حمار وهو مكشوف الرأس، وعندما علم السلطان بذلك، وبأن معين الدين ادعى أن السلطان الغوري سمح له بتجريس السلاموني، أمر السلطان باعتقال معين الدين وظل قيد الاعتقال لفترة طويلة.
 لكن السلاموني لم ينس ما فعله به قاضي القضاة عبد البر بن الشحنة؛ فكتب فيه قصيدته تلك التي أوردت أجزاءً منها، ولما كان عبد البر قاضيًا مكروهًا من الناس بسبب ما اشتهر به من الظلم والفساد، فقد تناقل الناس القصيدة وانتشرت بسرعة في القاهرة وضواحيها وسارت حديث المجالس والأسواق، فغضب عبد البر، وكان مقربًا للسلطان فانتهز فرصة صعوده للقلعة في مطلع العام الهجرى الجديد عام 913 لتهنئة السلطان بهذه المناسبة وشكا له من السلامونى، فأمر السلطان باستعاء السلاموني ووبخه وقال له: "أتهجو شيخ الإسلام بهذا الهجو الفاحش"، فأنكر السلموني وقال للسلطان: "أنا ما قلت فيه هذا كله"، فلما قامت عليه البينه بمجلس السلطان أن القصيدة له، أمر الغوري بتسليمه للقاضي لمحاكمته.

 وعندما انعقد مجلس القضاء بالمدرسة الصالحية النجمية، قرر القضاه جلد السلاموني وتجريسه في القاهرة لإدانته بسب قاضي القضاة، فتجمهر الناس بساحة المدرسة الصالحية وقد جمعوا الحجارة في أكمامهم، وأخذوا يرجمون القضاة بالحجارة وكادوا يقتلون عبد البر، فما كان من قاضي القضاة عبد البر إلا أن أعفا عن السلاموني من عقوبتي الجلد والتجريس لينقذ نفسه وقضاته من غضب الناس، لكن القضاة أصروا على سجنه، وكان السلطان الغورى قد خشى على هيبته خاصة وإن القصيدة تضمنت تلميحًا لسكوته عن مظالم عبد البر فسكت عن حبسه، واستمر السلاموني في السجن عدة شهور إلى أن أمر السلطان الغوري بإطلاق سراحه في رمضان من نفس العام.

الجمعة، 11 مارس 2016


ثلاثة مشاهد من وقائع الديوان

عماد أبو غازي

 في 2 أكتوبر سنة 1800 قرر مينو ثالث قادة الحملة الفرنسية على مصر إعادة تشكيل الديوان الذي كان بونابرت قد شكله عقب احتلاله لمصر، وقد تشكل ديوان مينو من تسعة من مشايخ الأزهر الكبار برئاسة الشيخ عبد الله الشرقاوي وأمانة سر الشيخ محمد المهدي وكان من بين أعضائه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي والحاج علي الرشيدي صهر مينو، وشغل إسماعيل الخشاب منصب كاتب الديوان، ومن خلال وظيفته تلك قدم لنا ملخصًا لجلسات ووقائع اجتماعات الديوان.
الشيخ عبد الله الشرقاوي


المشهد الأول: جلسة إجراءات

 ويذكر الخشاب في عرضه لوقائع الجلسة الأولى من جلسات الديوان كيف تم اختيار رئيس الديوان وكاتم سره بالانتخاب الذي يسميه القرعة، فيقول: "وبدأ بذلك في اليوم المبارك الموافق لاثني عشر شهر برومير الثاني من أشهر السنة التاسعة من المشيخة الفرنساوية، الموافق لخامس عشر شهر جماد الثاني سنة خمس عشر ومائتين وألف، وانعقد الاجماع في ذلك المجلس المنيف وحفل الديوان الشريف على أن يكون العلامة الشيخ عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان، والعلامة الشيخ محمد المهدي كاتم سر الديوان، وأن يكون الشيخ الفاضل عبد العال جاويشًا للديوان المرقوم، كل ذلك بالقرعة على جاري العادة في ذلك، بحضرة الوكيل واحتماع كلمة مدبرين الديوان بالقرعة على ذلك، ولما تم الحال على هذا المنوال، إلتمس حضرة الكمساري وكيل الديوان من رؤساء الديوان وأهله أن يكتبوا بذلك عرضًا إلى حضرة ساري العسكر يعلموه بذلك، ووقع التوافق في ذلك المجلس على أن يكون الديوان في كل ثلاثة أيام مبدأها يوم تاريخه، وأن يكون الحضور قبل الظهر بثلاث ساعات، وأن تكون مدة الجلوس بحسب الداعي، وطلب منهم أن يكتبوا كذلك إلى حضرة الجنلار ـ يقصد الجنرال ـ الكبير والهمام الذي ليس في همته وشجاعته نظير، ساري العسكر بونابارته، ذو الهمة العالية، ومدبر جمهور العساكر الفرنساوية، يهنوه فيه بالنصر على سائر القرانات، ويهدون إليه فيه صالح الدعوات، فأجابوه إلى ذلك".

المشهد الثاني: رسالة أهل الديوان إلى ساري عسكر بونابارته

  تأجل تحرير رسالة الديوان إلى بونابرت حتى الجلسة الرابعة التي انعقدت يوم الأربعاء 24 جماد آخر سنة 1215، الموافق 21 برومير سنة 9 وفقًا لتقويم الثورة الفرنسية، ففي تلك الجلسة وضع الشيخ محمد المهدي لنفسه كرسيًا بوسط الديوان وجلس عليه ليقرأ على الأعضاء نص الخطاب الذي صاغه بناء على تكليفهم ليرسلوه باسمهم وباسم شعب مصر إلى "حضرة عزيز المقام المشهور بين الخاص والعام عضيم العظماء والكبراء ... الجناب المهاب الأعظم، والمخصوص بالرأي التام بين الأمم، أمير الجيوش الفرنساوية على الإطلاق، والمنظور إليه في جميع الأقطار الآفاق، حضرة الجنلار بونابارته"، وبعد الديباجة الطويلة التي تحوي ألفاظ التفخيم والتعظيم والدعاء لبونابرت بالنصر وبلوغ الآمال، يبدأ نص الرسالة الذي يتشوق فيه مشايخ الديوان لرؤية طلعة بونابرت البهية في مصر مرة أخرى فتقول الرسالة: "وبعد مزيد الأشواق برؤياكم وتمني التلاقي بمحاسنكم ومزاياكم، فإن جنابكم أيها الأمير الجزيل شرفًا، الجميل لطفه وظرفه، أوعدتمونا مرارًا عديدة وفرحتونا بأقوالكم السديدة وألفاظكم السعيدة، بأن عينيك دائمًا ملاحظان لهذه البلاد، ونحن نتحقق وفاء وعدكم، إن الله لا يخلف الميعاد، خصوصا وأن الله سبحانه وتعالى أراد تمام كلما تقولونه على الإجمال".
الشيخ المهدي

 وينتقل مشايخنا الأجلاء لمخاطبة بونابرت باسم الشعب المصري كله: "كل سكان القطر المصري من أمراء وأعيان ومن سائر أحبابنا الذين يعز علينا نجاحهم ونحبهم من الإخوان، وأهل أنواع التجارة، وأرباب الصنائع في جميع مدائنهم والبنادر، أصحاب الفضائل والعلوم، وأرباب المحامد والمفاخر، والمشتغلين بالفلاحة والزراعة، وسائر النساء التي صان الله عرضهن على يديكم الشهيرة بالفروسية والشجاعة، وكامل الفقراء والمساكين، وجميع الشباب والشيوخ من الأغنياء والمقترين هم باتفاق واحد بنا إليكم متوسلين، وعلينا في مخاطبتكم معولين وبنا مستعينين، لكونهم يفهمون خطابنا ونفهم خطابهم، وجعلتونا حين كنتم عندنا واسطة بينكم وبينهم ونحن وإياهم جميعًا مبتهلون، وإلى الله راغبون طالبين من فضل رب العالمين أن تكونوا دائمًا على أعدائكم منتصرين ظافرين ولفعل الخيرات متعطفين محبًا وعضدًا للفقراء والمساكين، موقرًا مكرمًا ومعضدًا لديننا الأمجد الأجل، من حيث أنك قدمت فأعطيت لسانًا أكمل للوقار والاعتبار لحريمنا، إذ أنه أمر مهم من بعد الدين لا يوجد عندنا أعز منه..... قد عاملتنا وقت افتتاحك مصر وانتصارك معاملة أناس كأنهم اختاروك عليهم مع قوتك واقتدارك .... فنشكرك ونحمد الله حيث أنك تصدرت لمنع كامل الأضرار والأوصاب التي كان يمكن حدوثها علينا، وعاقبت فاعليها في أوقات الاضطراب، والفرنسيس طبعهم لا يميل، ولم يسرعوا وراء المظالم ".

 ويؤكد رجال الديوان مرة أخرى على رغبتهم في عودة بونابرت إلى مصر: "وأنتم سترجعون للقطر المصري، إنشاء الله أمنين، وأنت ظهرت عندنا لمحة نظير برق لامع من قبل الله الحق، وغبت عنا بغتة كأسرع ما يكون البرق، إذ أخبرتنا بأن موضوعًا آخر يدعوك إليه، وأنت تتوجه إلى حيث ما تكون رشيدًا مفيدًا منصورًا مؤيدًا بعون الله، معتمدًا عليه، وقد بلغنا الفرنساوية أحبابنا الذين سرورنا يسرهم وسرورهم يسرنا، فرّحونا بأنكم توجهتم وقصدتم الحصول على نصرة عظيمة جدًا ... وها قد غلبتم فحمدنا الله على نصرتكم ونجاح مقصدكم ... والآن نخبركم من خالص الطوية تصديقًا لمقالنا بأن الطائفتين المصرية والفرنساوية لا يعدان الآن سوى رعية واحدة، مع وفور المحبة وصدق النية، ولا زال هذا الاتحاد يشتد يومًا فيومًا في سائر الأوقات وذلك باعتناء محبنا وعزيزنا عبد الله مينو الجزيل إكرامه بين المخلوقات... فنحمد الله على أنه اشتاقكم لأن تحكموه وتقرروه وتختاروه على أن يسوسنا ويلاحظنا ويحفظنا ويرعانا ويقوم بحقوقنا وحقوق فقرائنا، ويجعلنا عباد الله إخوانا."

 ويختم المشايخ رسالتهم بقولهم: "ونؤمل بأنكم لا تنسونا كون القطر المصري بلدتكم العظيمة... وإن كامل سكانها يحبونكك ويعزونك، ثم هم مشتاقون إليك يترجونك وينتظرونك، وديننا الذي أنت محب له يدعوك ويراك بالقلب والعين لأنك وعدته، والوعد عند الحر دين، وذلك اليوم الذي به اتحاد الطائفتين، قد تعين بين العباد فلا بد عن كمال هذا الاتحاد، لأن الله هكذا شاء وإذا أراد قضى المراد والسلام". هكذا تحدث مشايخ الأمة وممثلوها... لكن الأمة نفسها كان لها رأي آخر!

المشهد الثالث: وحانت ساعة الرحيل

 لم تمض إلا  شهور قليلة وكان قد تم توقيع الاتفاق بين الإنجليز والأتراك والفرنسيين على رحيل الحملة من مصر، وعقد الديوان جلسته الأخيرة وهي "الديوان الحادي والثلاثون"، حيث كان الخشاب يطلق على كل جلسة ديوانًا، وقد انعقدت تلك الجلسة يوم الاثنين أربعة وعشرون صفر سنة ألف ومائتين وستة عشر الموافق لسابع عشر مسيدور من السنة التاسعة من المشيخة الفرنسية، وبدأت الجلسة في الثانية، وقد دعي لحضور الجلسة جمع غفير من مشايخ أروقة الأزهر الشريف وحسين أفندي الروزنامجي المشرف على الإدارة المالية وعدد من معاونيه، وبعض رجال الأوجاقات، وطائفة من التجار المصريين، وغيرهم من أهل البلد، فقد كان مقررًا أن تشهد الجلسة حدثًا جلالًا؛ الإعلان عن خروج الجيوش الفرنسية من مصر وعودة العثمانيين مرة أخرى، وفي هذه الجلسة حضر من الجانب الفرنسي ستيف المسئول المالي للحملة والذي كان المصريون يسمونه خازندار عام، كما حضر وكيل الديوان والتراجمة كالعادة.

 جاء وكيل الديوان الفرنسي حاملًا معه رسالة من مينو قائد الحملة إلى أعضاء الديوان، فسلمها للشيخ الشرقاوي رئيس الديوان، وطلب منه أن يفتحها ليقرأها الترجمان على الحاضرين، وللأسف يذكر الخشاب مختصرًا للرسالة، جاء فيه: "نخبركم أنا علمنا بكثرة الانبساط أنكم تهدؤوا بكثرة الحكمة والإنصاف في الوضع، والتنظيم لأهالي البلد بالهدى والطاعة الموجبة لحكومة الفرنساوي، وأخبرنا المقدام الجسور بونابارته عن كل ما فعلتم حكمًا نافعًا، بوصاية لأجلكم سارة واستراحة لتلك الفعال الجيدة، وعرفني عن قرب يرسل لكم جواب إلى جميع مكاتيبكم."

 ثم يوصي مينو رجال الديوان على ولده وزوجته زبيدة الرشيدية، ويحمل الديوان تعازيه للست نفيسة في وفاة زوجها مراد بيك، وينهي الرسالة بأمره للمشايخ بملازمة وظائفهم.
مراد بك

 وخلال تلك الجلسة يتحدث جيرار وكيل الديوان الفرنسي طويلًا عن حب بونابرت للمصريين، ويؤكد ثانية على أن رده على رسالة الديوان سيصل خلال أيام، ثم يلتفت إلى الشيخ الشرقاوي، ويسأله: "تشهد بما أقول أن حضرة سر العسكر بونابارته عزم على أن يتوجه معك إلى البيمارستان لينظر في مصالح الضعفاء؟ فرد الشيخ الشرقاوي قائلًا: وكان أخبرنا أنه يريد يبني مسجد. فقال: لم يعقه عن هذا إلا توجهه إلى الشام."

 وألقى القس رفاييل كبير التراجمة كلمة تحية لأعضاء الديوان أشاد فيها بجهودهم وتعاونهم مع الفرنسيين، ويختم كلمته بقوله: "نحن نشترك معكم إن كان في السعودات أو في النحوسات، ونسأله نجاح الرعايا وخصوصًا رعية مصر ذات العذوبة والحلاوة، التي يستحق أن تكون مساسة بحكام ذوي حكمة، من حيث أننا عشنا معهم بالسوية مدة مديدة كأننا عائلة واحدة."

 أما ستيف فقد ختم الجلسة بكلمة طويلة تحدث فيها عن ما قامت به الحملة في مصر، وختمها بقوله: "فلم نحتاج نعرفكم الذي تعرفوه، ويكفينا أننا نحقق لكم من عند حضرة القنصل الأول، ومن سر عسكر مينو المحبة والشفقة الصادقة، وهذه المحبة والعشم لم تنقطع بسبب سفر جانب من الجيش، وهلبت أن يصادف يوم إننا نرجع إلى عندكم لأجل تمام الخير الذي يصدر من حكم الفرنساوي، والذي لم أمكننا نتمه، فلم تتوهوا يا مشايخ وعلماء لأن فراقنا لم يقع إلا عن مدة، وذلك محقق عندي، ولابد أن دولتينا يربطوا ثانيًا في مدة قريبة المحبة القديمة التي كانت بينهم، وهلبت أن دولة العثمنلي لما تصير على الجرف الخالي الذي عملة الإنجليز، يروا أن الفرنساوية في طلبة الديار المصرية لم له إلا يربط بزيادة في المحبة صحبتهم لأجل كسر نفس الإنجليز، الذي مراده نهب جميع البحور ومتاجر الدنيا".


 وانصرف المشايخ والحاضرون وكان هذا آخر دواوين الجمهور الفرنساوي وفق ما ذكره الشيخ إسماعيل الخشاب.

الخميس، 10 مارس 2016

9 مارس يوم لكرامة الجامعة واستقلالها
استقالة مدير الجامعة بسبب طه حسين
عماد أبو غازي
(نشرت هذا المقال في جريدة الدستور ـ صفحة تراث الأمة ـ في مارس 1996)
 عندما وقع الانقلاب الدستوري في مصر سنة 1930 أطاحت حكومة إسماعيل صدقي بالمؤسسات الديمقراطية في مصر، واعتدت على الحريات العامة في البلاد، وكانت الجامعة من بين الجهات التي تعرضت لبطش حكومة صدقي، أما الضحية في الجامعة فهو عميد كلية الآداب في ذلك الوقت طه حسين الذي صدر قرار من وزير المعارف بنقله إلى وظيفة إدارية في الوزارة وإبعاده عن عمادة كلية الآداب وعن الجامعة، وإذا كان المؤرخون لم يتفقوا على الأسباب المباشرة لإبعاد طه حسين عن الجامعة؛ إلا أن الأمر الذي لا شك فيه أن هذا الإبعاد كان تعديًا صارخًا على استقلال الجامعة وعلى كرامة أساتذتها وعلى حرية البحث العلمي فيها، الأمر الذي استثار المجتمع الجامعي طلابًا وأساتذةً، وأسفر عن استقالة مدير الجامعة آنذاك أحمد لطفي السيد باشا.
أحمد لطفي السيد مع طلاب الجامعة
 ومنذ سنوات قليلة دعا أحد شباب جامعة القاهرة، وهو الصديق والزميل هاني الحسيني المدرس بكلية العلوم إلى الاحتفاء باليوم الذي استقال فيه أحمد لطفي السيد من رئاسة الجامعة تضامنا مع أحد أبرز أساتذتها، وطالب بأن يكون يوم 9 مارس "عيدًا للجامعة وأساتذتها" و"يومًا للأستاذ الجامعي"، وأعاد نشر خطاب استقالة أحمد لطفي السيد باشا.

 وصفحة تراث الأمة تعيد اليوم مرة أخرى نشر هذه الوثيقة المهمة تأكيدًا لمعاني الدفاع عن استقلال الجامعات وعن كرامة أساتذتها.
 "هليوبوليس في 9 مارس سنة 1932
 إلى حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية
 أتشرف بإخبار معاليكم أني أسفت لنقل الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب إلى وزارة المعارف، لأن هذا الأستاذ لا يستطاع فيما أعلم أن يعوض الآن على الأقل في الدروس التي يلقيها على الطلبة، ولا في محاضراته العامة للجمهور، ولا في جهة هذه البنية العلمية التي خلقها حوله وبث فيها روح البحث الأدبي وهدى إلى طرائقه.
 أسفت أيضًا على هذا النقل الفجائي لأن الدكتور طه حسين أستاذ في كلية الآداب تنفيذًا للعقد الذي تم بين وزير المعارف وبين الجامعة القديمة، ثم أسفت أشد من ذلك كله لأن نقله على الصورة التي عليها وبدون رضاه وبدون رضا الجامعة كما جرت عليه التقاليد المطردة منذ نشأتها فيما أعرف؟ كل ذلك يودي بالسكينة والاطمئنان الضروريين لإجراء البحوث العلمية، وهذا بلا شك يفوت على أجل غرض قصدت إليه خدمة الجامعة.
 من أجل ذلك قصدت يوم الجمعة الماضي إلى حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء واستعنته على هذا الحادث الجامعي، واقترحت عليه تلافيًا للضرر من ناحية واحترامًا لقرار الوزير من ناحية أخرى، أن يرجع الدكتور طه حسين إلى الجامعة أستاذًا لا عميدًا، خصوصًا وأنه نفسه قد ألح علي في أن يتخلى عن العمادة منذ أكثر من شهر فلم أقبل.
 تقبل دولة رئيس الوزراء هذا الاقتراح بقبول حسن وأكد أنه سيشتغل منذ الغد بهذه المسألة، وفعلًا قد اشتغل بها، ومازال الأخذ والرد فيها حتى علمت الآن أن اقتراحي غير مقبول، وأن قرار النقل نافذ بجملته وعلى إطلاقه.
 ومن حيث إني لا أستطيع أن أقر الوزارة على هذا التصرف الذي أخشى أن يكون سنة تذهب بكل الفروق بين التعاليم الجامعية وأغيارها.
 أتشرف بأن أقدم بهذا إلى معاليكم استقالتي من وظيفتي، أرجو قبولها، كما أرجو أن تتقبلوا شكري على ما أبديتم من حسن المجاملة الشخصية مدة اشتراكنا في العمل وأن تتقبلوا فائق احترامي.
مدير الجامعة المصرية

أحمد لطفي السيد"

الأربعاء، 2 مارس 2016


التاريخ المسلسل
في
حوادث الزمان ووقايع الديوان

عماد أبو غازي

"بسم الله الرحمن الرحيم"
 "الحمد لله الكفيل بحسن العواقب، الرافع من عمل صالحا إلي أرفع المراقي والمراتب، المرشد من عدل في أحكامه إلي أحسن المذاهب ..."

  بهذه الصيغة التقليدية التي نصادف عبارات مثيله لها دائما في فواتح كتب التراث العربي في العصور الوسطى، استهل إسماعيل الخشاب نصًا غير تقليدي بين المخطوطات العربية، يعود تاريخه إلي مطلع القرن التاسع عشر، نص سجل فيه وقائع جلسات أخر دواوين القاهرة في زمن الحملة الفرنسية، وهو الديوان الذي أصدر مينو ـ ثالث قادة الحملة في مصر ـ قرارًا بتشكيله في 2 أكتوبر سنة 1800، وبدأ أعماله في الثالث من نوفمبر من السنة نفسها، واستمرت جلساته بانتظام حتى السادس من يوليو سنة 1801، قبيل رحيل الحملة عن مصر مباشرة.


 وكان بونابرت قد تبني عند قدومه إلي مصر في صيف 1798 سياسة تقوم على إشراك مجموعة من أعيان المصريين في إدارة أمور البلاد في ظل الاحتلال الفرنسي، وفي هذا السياق شكل بونابرت ديوانه الأول في 25 يوليو سنة 1798 من بعض كبار مشايخ الأزهر الذين برزوا في الحياة العامة في السنوات السابقة على مقدم الحملة الفرنسية إلي مصر، وقد مر الديوان بمراحل متعددة وتوقف أكثر من مرة بسبب ثورة القاهرة الأولي في أكتوبر 1798، ثم مقتل كليبر القائد الثاني للحملة في يونيو 1800.

 وبعد شهور من تولي مينو قيادة الحملة في مصر، ومع اتجاهه إلي استمرار الاحتلال الفرنسي للبلاد، قرر إعادة إنشاء الديوان ليلعب دورًا أساسيًا في مشروعه السياسي، وكان هذا الديوان يضم تسعة أعضاء من المسلمين وأربعة عشر عضوًا شرفيًا، وقد تولي الشيخ عبد الله الشرقاوي رئاسة هذا الديوان، وقام الشيخ محمد المهدي بعمل السكرتير أو كاتم السر كما تسميه الوثائق الرسمية العربية للديوان، وكان من بين أعضاء هذا الديوان المؤرخ المصري الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، كما كان للديوان وكيلًا فرنسيًا وهيكلًا إداريًا يضم كُتابًا ومترجمين، وكان الديوان يجتمع بشكل دوري منتظم، بمعدل ثلاث مرات كل عشرة أيام.

 وقد صدر منذ عدة سنوات عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة كتابًا محققًا جديدًا في سلسلة "نصوص عربية ودراسات إسلامية" يحمل عنوان: "التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان"، والكتاب يضم نصين منفصلين، لكنهما نصان مترابطان كل منهما يكمل الآخر، وهما عبارة عن مخطوطتين، الأولي كانت معروفة منذ فترة طويلة، وتتكون من 44ورقة، وهي من مقتنيات المكتبة الوطنية الفرنسية، وتحتوى وقائع ديوان مينو في شهره الأخير، وهي وقائع الجلسات التي تغطي الفترة من 6 يونيو إلي 6 يوليو سنة 1801، وتحمل الأرقام من 21 إلي 31 من دواوين الوكيل الثاني ـ جيرار ـ الذي تولي هذا المنصب في 10 إبريل سنة 1801، أي المخطوطة تغطي وقائع الجلسات الإحدى عشرة الأخيرة للديوان.


   أما المخطوطة الثانية، فقد اكتشفت في عام 1998 ضمن بعض الأوراق القديمة في مخزن بأحد المنازل القديمة في بار لو دوك، في منطقة ميز بفرنسا، وقد استقرت هي الأخرى ـ الآن ـ بالمكتبة الوطنية بباريس، وهي عبارة عن 265 صفحة تضم الجلسات العشرين الأولي للديوان، والتي تغطي الفترة من 3 نوفمبر إلي 30 ديسمبر سنة 1800.

  ومن هنا، فإن المخطوطتين جزءان من عمل واحد: وقائع جلسات الديوان في مرحلته الأخيرة، وقد قام على تحقيق المخطوطتين وتحليلهما والتعليق عليهما بعد جمعهما في كتاب واحد اثنان من المتخصصين البارزين في الدراسات العثمانية، ينتميان إلي جيلين مختلفين، أولهما المؤرخ الفرنسي الكبير أندريه ريمون الأستاذ بجامعة بروفانس، وأحد ألمع الأسماء  على مستوي العالم في دراسة تاريخ مصر والمشرق العربي في العصر العثماني، وقد قضى ما يزيد على نصف قرن من العمل العلمي الجاد والدؤوب في هذا الحقل، قدم خلال تلك الفترة عشرات الأبحاث والكتب المهمة والمتميزة التي أثرت مكتبة الدراسات العثمانية.


وثانيهما محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الذي يعد أبرز أبناء جيله في مجال الدراسات العثمانية في مصر، وقد اتجه إلي هذا المجال الدراسي منذ أكثر من عشرين عامًا قدم خلالها عددًا من الدراسات المهمة والرائدة حول تاريخ مصر في العصر العثماني.


 والنصان اللذان يحملان عنوان: "التاريخ المسلسل في حوادث الزمان ووقايع الديوان" منسوبان إلي إسماعيل الخشاب، الذي شغل وظيفة كاتب الديوان، أي أنه شاهد عيان مشارك في وقائع تلك المرحلة الأخيرة من عمل الديوان التي سجلها بقلمه.


نعود مرة أخرى إلى كتاب التاريخ المسلسل، يبدأ هذا النص الفريد بعد الافتتاح التقليدي بالإشارة إلى تشكيل الديوان وتحديد أعضائه، ثم يذكر الخشاب وقائع جلسات الديوان بداية من الجلسة الأولى التي تم فيها اختيار الشيخ الشرقاوي رئيسًا للديوان والشيخ محمد المهدي كاتمًا للسر، وهي الجلسة التي تم فيها كذلك الاتفاق على دورية انعقاد الجلسات ونظام العمل فيه، ويؤرخ الخشاب جلسات الديوان بالتقويم الهجري وتقويم الجمهوري الفرنسي معًا، ويسمي كل جلسة من الجلسات ديوانًا، ويسرد في كل ديوان ملخصًا لما جرى من مناقشات حول الموضوعات المطروحة على الأعضاء، وما صدر عنه من توصيات وقرارات.


 ومن القراءة المدققة التي قام بها المحققان تبين لهما أن النص كتب في فترة تالية للوقائع التي يسجلها، كما أن اختلاف الرسم الإملائي بين المخطوطتين يؤكد من ناحية أخرى أن هناك ناسخ مختلف لكل جزء من جزئي الكتاب.

 وجلسات الديوان تقدم تفاصيل دقيقة لجوانب متنوعة من حياة المصريين، خاصة القاهريين منهم في الأشهر الأخيرة للحملة الفرنسية في مصر، وهي جوانب تغفلها المصادر التاريخية التقليدية عادة، وتدور كثير من القضايا التي يناقشها الديوان حول شكاوى الناس الذين يلجئون إلى الديوان كوسيط بينهم وبين سلطة الاحتلال لرفع الظلم الواقع عليهم، وكان الديوان يبادر برفع الشكاوى إلى قائد الحملة (صارى عسكر) أو وكيله، هذا وتحتفظ مكتبة جامعة القاهرة بأصول بعض الالتماسات المرفوعة لقيادة الحملة ضمن مجموعة وثائق الحملة الفرنسية بقسم المخطوطات بالمكتبة.

 ويتضمن الكتاب الذي نحن بصدد عرضه النصوص المحققة باللغة العربية، مع كشاف للأماكن وآخر للأعلام، ودراسة تحليلية لعمل الديوان باللغة الفرنسية قام بها المحققان، إلى جانب مقدمتهما وتصديرهما للعمل، ثم تقديم جان فرنسوا كليمنت مكتشف المخطوطة التي تضم وقائع الجلسات العشرين الأولى، ويحكي فيه قصة هذه المخطوطة في ثلاثة عناصر موجزة يتناول فيها: ظروف اكتشاف المخطوطة، وخصائصها، وبعض الافتراضات حول أصلها، كما تقدم ماري جنيفياف جيدون أمينة القسم العربي في قسم المخطوطات الشرقية بالمكتبة الوطنية بباريس نبذة عن المخطوطتين، وكل ذلك باللغتين العربية والفرنسية.

 ويعتبر هذا العمل إضافة مهمة إلى المصادر المتاحة عن فترة الحملة الفرنسية على مصر والشام، حيث يغطي جانبًا جديدًا من جوانب تاريخ مصر في تلك المرحلة، خاصة أن كاتب هذا النص هو أحد المعاصرين للأحداث والمشاركين فيها، ومن هنا فإن النص يرقى إلى مصاف المصادر الأصلية، أو ما يسمى بمصادر الدرجة الأولى، إذ إننا إذا سجل حافل بتفاصيل الحياة اليومية للناس من ناحية، وما يشبه المضبطة لوقائع هيئة شبه تمثيلية تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ مصر الحديث من ناحية ثانية.

 لكن تبقى نقطة مثيرة للتفكير في هذا النص المكون من جزئين، فالمفترض أن يكون هذا الديوان قد عقد ما يزيد عن ثمانين جلسة، بينما لا يضم النص سوى وقائع الجلسات العشرين الأولى، والجلسات الأحدى عشرة الأخيرة، وبينهما فجوة زمنية تبلغ خمسة شهور؛ أي أن أكثر من نصف الجلسات غير مضمن في هذا العمل، واللافت للنظر أن النص يبدو مكتملًا من الناحية الشكلية فالجلسات مسلسلة في الجزء الأول من الجلسة الأولى إلى الجلسة العشرين، وينتهي بعبارة: "نجز الجزء الأول بحمد الله وعونه"، فنحن إذًا أمام نص مكتمل، بينما يبدأ الجزء الثاني بالبسملة وعبارة الدعاء، ثم رقم الجلسة، وقد حدده الناسخ بأنه "الديوان الحادي والعشرون من دواوين الوكيل الثاني".


 وقد ذهب المحققان إلى احتمال أن تكون باقي المحاضر قد فقدت من الخشاب خلال الفترة ما بين عمله في الديوان وجمعه لهذا النص، أو أنه استبعدها لسبب رآه هو ولا نعرفه، لكن يبقى هناك احتمال ثالث يشي به ترقيم جلسات الجزء الثاني، الذي يبدأ بالديوان الحادي والعشرين من دواوين الوكيل الثاني، فربما قسم الخشاب عمله إلى قسمين كبيرين وفقًا لمدة ولاية كل وكيل من وكيلي المجلس، وإن كل قسم يتكون من جزئين أو أكثر، بمعنى آخر فإن هناك نصًا مفقودًا يضم باقي أعمال الديوان في عهد وكيله الأول جون جوزيف فورييه، في جزء أو أكثر، كما أن هناك جزء أول مفقود أيضًا، يضم وقائع الجلسات العشرين الأولى من أعمال الديوان في فترة وكيله الثاني، إنها مجرد محاولة لتفسير الفجوة في محاضر الجلسات، قد تكشف الأيام صوابها، وقد تكون مجرد شطحة من شطحات الخيال.
رابط المقال في موقع العين
http://www.al-ain.net/article/77126

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...