الخميس، 28 يناير 2016


حامد عبد الله

قهوة المنيل ما زالت في مكانها

عماد أبو غازي

 "ما زالت قهوة المنيل في مكانها بين الحي العتيق والحي الجديد، وإن كانت قوائمها الخشبية قد وهنت مع مضي السنين، وما زال رواد المقهى يتبادلوننفس الأحاديث القديمة ويقرأون الكتب الصفراء ويرددون الشعر القديم، ولم يتغير حتى الآن نداء عم زينهم القهوجي الذي يظل يتردد في المكان موصيًا للزبائن بالطلبات، ولكن فتى من رواد المكان قد غاب عنه منذ سنين، غاب بعد أن خلف على كل موائد القهوة آثارًا من رسومه، وفي أذهان الرواد صدى من أحاديثه عن الفن".
قهوة المنيل 1939

 بهذه الكلمات قدم بدر الدين أبو غازي منذ قرابة خمسين عامًا الفنان الشاب حامد عبد الله وهو يستعد لرحلته الأولى لعرض أعماله الفنية في باريس، وجاء هذا التقديم ضمن مقال للناقد الراحل في مجلة الفصول التي كان يصدرها الأستاذ محمد زكي عبد القادر في أواخر الأربعينيات، وفتح صفحاتها أمام شباب الكتاب والنقاد والمبدعين الذين أصبحوا أعلامًا للفكر والفن في مصر بعدها بسنوات؛ مثل: نعمان عاشور ويوسف الشاروني وأحمد عباس صالح وبدر الديب ومحمود أمين العالم ومصطفى سويف وعادل ثابت وصقر خفاجة وأحمد بهاء الدين وعبد الرحمن الشرقاوي وفتحي غانم وغيرهم.
مؤنس حامد عبد الله مع بدر الدين أبو غازي وجمال العطيفي في افتتاح معرض حامد عبد الله بجمعية محبي الفنون الجميلة 1976

 وقد اقتبست هذه الكلمات لافتتح بها مخربشات اليوم بمناسبة مرور ثمانين عامًا على ميلاد الفنان حامد عبد الله الذي ولد في العاشر من أغسطس سنة 1917 ورحل عنل في اليوم الأخير من عام 1985، وطوال رحلة حامد عبد الله الفنية التي استمرت قرابة نصف قرن كان دائمًا فنانًا صاحب أسلوب متميز وطابع مصري خالص، سواء في موضوعاته أو أسلوبه الفني، وكانت البيئة المصرية الشعبية ثم التراث بعد ذلك مصادر إلهامه الأساسية.





 وحامد عبد الله من أصول صعيدية هاجرت أسرته إلى القاهرة لتشتغل بالزراعة في حي المنيل عندما كان قسم منه لا يزال مزارع وحقولًا، ودرس بإحدى المدارس الفنية الصناعية في أوائل الثلاثينيات، وكان دائم التمرد على أساليب تعليم الرسم في ذلك العصر؛ والتي كانت تهتم بقواعد المنظور والنقل الحرفي للأشكال ولا تهتم إطلاقًا بتفجير الطاقات الإبداعية لدى الدارسين، فأسس الشاب حامد عبد الله مرسمًا لتعليم الفن وفقًا لرؤيته المتجاوزة للتقليدية.


 عرض حامد عبد الله أعماله للمرة الأولى في صالون القاهرة عام 1938 وهو بعد لم يجاوز الحادية والعشرين من عمره، ولاقت لوحته التي صور فيها مقهى المنيل القديم إعجابًا من النقاد في حينها، وتوالى إشتراك حامد عبد الله في المعارض العامة كما أقام أول معرض خاص له في عام 1941 في القاهرة.


 وفي أواخر الأربعينيات بدأ حامد عبد الله يتطلع إلى الجانب الآخر من المتوسط، إلى باريس عاصمة الفن؛ فذهب إليها بأعماله للمرة الأولى في عام 1949، وخلال رحلة استمرت عدة شهور نجح حامد عبد الله في أن يعرض لوحاته في قاعة برينهم جين التي أقام فيها مختار في سنة 1930 معرضه الشامل، وقد استقبلت الأوساط الفنية في باريس معرض حامد عبد الله بالتقدير والإعجاب، فيكتب عنه فالدمار جورج، أحد كبار النقاد الفرنسيين، قائلًا:

 "إن أعمال حامد عبد الله تحدد نقطة البدء لمدرسة مصرية جديدة رنت إلى ينابيع الغرب اللاتيني، ولكنها مع ذلك تحتفظ بجوهر شخصيتها، وتحمل رسالة فنية أصيلة، وكل الدلائل تنبئ بذلك وتدعو إلى اعتقاده".


واستمر حامد عبد الله بعد عودته من باريس في تطوير إبداعه الفني والسعي إلى اختراق مجالات جديدة في فن التصوير وإلى تعميق الطابع المصري في إبداعه.

 وفي الخمسينيات ومع أفول الديمقراطية الليبرالية في مصر لم تتحمل روح الفنان الحرة قيود الحكم الاستبدادي المطلق، فانطلق إلى أوروبا ليستقر هناك سنوات طويلة لم تغب خلالها مصر أبدًا عن خاطره، ولا ابتعد في إبداعه الفني عن شرقيته، بل على العكس من ذلك ازداد التصاقًا بها من خلال اتجاهه إلى الحرف العربي كموضوع لأعماله، حتى أصبح يعتبر أبًا للحروفيين العرب.




كما كان شديد الحرص طوال سنوات غربته على زرع حب الوطن في أبنائه مؤنس وسمير وأنيسة، وأصر دائما على أن يحتفظوا بجنسيتهم المصرية ولا يحملوا غيرها إلى جانبها، رغم ما كانوا يتعرضون له من احتمالات الإبعاد عن فرنسا بعد أن أصبحوا في سن الشباب بسبب نشاطهم السياسي المناصر للقضايا العربية.
الصورة العليا مع الصديق زين العابدين فؤاد سمير حامد عبد الله والصورة الثانية مع أنيسة حامد عبد الله 


وخلال السبعينيات والثمانينيات تردد حامد عبد الله على مصر أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت إقامته بها تطول حتى كان الاستقرار الأخير في ترابها عندما عاد إليها جثمانًا مسجى.
السيدة كريستن عبد الله أرملة الفنان حامد عبد الله


 # مخربشاتي في صفحة "تراث الأمة"، الدستور القاهرية، الإصدار الأول، 3 سبتمبر 1997. أعيد نشرها بمناسبة معرض الفنان حامد عبد الله المقام حاليًا بقاعة أفق بمتحف محمد محمود خليل بالجيزة، واللي هيستمر لغاية 8 فبراير 2016.

الأحد، 24 يناير 2016

رابط مقالي الأول ببوابة العين الإخبارية
http://www.al-ain.net/article/51396


تقي الدين المقريزي

شيخ مؤرخي العصر الوسيط

عماد أبو غازي

  نقف اليوم عند عصر المماليك وعلى وجه التحديد في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الهجريين القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، تلك الفترة التي تعد قلب العصر الذهبى للكتابة التاريخية في مصر والشام في العصور الوسطى، حيث نبغ خلالها مجموعة من أبرز المؤرخين الذين عرفتهم الحضارة الإسلامية، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا: إن بعض هؤلاء المؤرخين تركوا بصماتهم واضحة على تطور التأريخ على المستوى العالمي؛ فقد شهد ذلك العصر تنوعًا واسعًا في المؤلفات التاريخية ما بين الحوليات، وكتب خطط المدن وتواريخها، والسير والتراجم، فضلًا عن المؤلفات الموسوعية الضخمة والرسائل التاريخية الصغيرة، لقد عاش في ذلك العصر من أعلام مؤرخي الحضارة الإسلامية في مصر: القلقشندى وابن خلدون والعيني وجمال الدين أبو المحاسن والصيرفي والمقريزي.
 وحديثنا عن أبرز مؤرخي ذلك العصر وأكثرهم نبوغًا تقي الدين أحمد بن على المقريزي، الذي جمع ما بين أنواع التأليف التاريخي المختلفة، والذي يكاد المتخصصون في تاريخ العصور الوسطى العربية يجمعون على أنه شيخ مؤرخي مصر وكبيرهم، وإن أعماله تمثل قمة النضج لمدرسة التأريخ عند العرب والمسلمين.
 لكن قبل أن نتعرف على مؤرخنا، فلنلق نظرة على مصر في ذلك العصر، لقد كانت مصر في تلك الحقبة تعيش لحظات تحول وانتقال في تاريخها؛ فقد خرجت من محنة الفناء الكبير أو الموت الأسود الذي خرب العالم القديم كله من مشرقه إلى مغربه في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وكانت البلاد تحاول أن تستعيد قواها مرة أخرى بعد أن أنهكها الوباء القاتل واستنزفها عندما حصد أرواح مئات الآلاف من البشر، ومن ناحية أخرى كانت الصراعات السياسية تعصف بكيان الدولة، دولة المماليك البحرية التي ظهرت إلى الوجود على أنقاض الدولة الأيوبية عقب معركة المنصورة التي انتصر فيها مماليك الصالح نجم الدين أيوب على لويس التاسع، وكان هذا الانتصار هو شهادة الميلاد للدولة الجديدة التي حملت أعباء القضاء على الوجود الصليبي في المشرق العربي، وبمجرد نجاح تلك الدولة في مهمتها التاريخية في عصر خليل بن قلاوون بدأت تفقد مبرر وجودها التاريخي، وبدأ الضعف يدب في كيانها، ونجح بالفعل أحد الأمراء الكبار وهو برقوق بن انص في الاستيلاء على السلطنة وإقامة دولة جديدة هي دولة المماليك الجراكسة التي تأسست في سنة 784 هجرية، ورغم أن السنوات الأولى لهذه الدولة قد شهدت دفعة قوية للبلاد على يد السلطان الجديد الظاهر برقوق، إلا أن الأمور سرعان ما عادت إلى التدهور المتسارع في عصر خلفائه ودخلت مصر في أزمة تاريخية خانقة لم تستطع منها فكاكًا رغم كل المحاولات الإصلاحية التي قام بها سلاطين من أمثال برسباي وقايتباي خلال القرن التاسع الهجري، وانتهى الأمر بسقوط مصر في براثن الاحتلال العثماني سنة 923 هجرية الموافقة لسنة 1517 ميلادية.
 في هذا الإطار التاريخي ظهر المقريزي؛ فمن هو؟ إنه تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي"، وهو مصري من أب من "أصل لبناني"، بلغة اليوم، وأم قاهرية، ولد في حارة برجوان ـ بقسم الجمالية الآن ـ في القاهرة القديمة والتي تنسب إلى أحد رجال الدولة الفاطمية في عصر الخليفة الحاكم بأمر الله، وكان مولد المقريزي في سنة 766هـجرية الموافقة لسنة 1364 ميلادية، وفي هذه الحارة نشأ وتربى وتعلم، وكان المقريزي يعتز بانتسابه إلى حارته، فيقول في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار": "وما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكان جميع حارات القاهرة"، ولا أعرف شخصيًا سبب هذه المفاخرة، ورغم حب المقريزي لمصر التي قال عنها: "كانت مصر هي مسقط رأسي وملعب أترابي ومجمع ناسي ومغنى عشيرتي وحاميتي وموطن خاصتي وعامتي وجوي الذي ربي جناحي في وكره وعش مأربي"، ورغم المناصب التي تقلدها في مصر فقد عاش قسمًا من حياته متنقلًا بين القاهرة ودمشق ومكة هربًا من الاضطراب السياسي أحيانًا وجريًا وراء سبل العيش أو جمع المعارف أحيانًا أخرى.

 وترجع أصول المقريزي وأسرته إلى مدينة بعلبك اللبنانية وتنسب أسرته إلى حارة المقارزة بها، وقد استقرت أسرته في مصر قبل مولده بسنوات قليلة، وينتمي المقريزي إلى أسرة اشتهرت بالاشتغال بالعلم في دمشق وبعلبك والقاهرة، وقد انتقل والده من مدينة بعلبك بلبنان إلى القاهرة حيث عمل بديوان الإنشاء، والذي  كان يعتبر من أهم دواوين الدولة في ذلك العصر؛ فقد كان الديوان المختص بمتابعة العلاقات الخارجية للدولة، كما كان يشرف على حماية أمنها الخارجي بتتبع جواسيس الدول الأجنبية في البلاد وملاحقتهم، وإرسال الجواسيس في نفس الوقت لنقل الأخبار إلى سلطنة المماليك، هذا فضلًا عن الوظيفة الأصلية لذلك الديوان، أعني تحرير الوثائق الرسمية للدولة والاحتفاظ بنسخ منها، ومن هذه الوظيفة اكتسب الديوان اسمه باعتباره يختص بإنشاء الوثائق.
 وقد كانت دراسة أحمد بن على المقريزي دراسة دينية مثل أهل العلم في عصره،وبعد أن درس المقريزي علوم الدين أصبح شافعي المذهب، بعد أن تنقل بين مذهبي جديه لأبيه وأمه، فقد كان جده لأبيه حنبليًا وجده لأمه حنفيًا وتتلمذ هو على يدي أبرز فقهاء المالكية في عصره عبد الرحمن ابن خلدون، لكنه في النهاية اختار الشافعية مذهبًا له وتفقه فيه باعتبارها المذهب السائد بين أهل مصر.
 وقد تولى الرجل مناصب التدريس والحسبة والقضاء والخطابة وكتابة الوثائق الرسمية للدولة، لكن دوره كمؤرخ كان الأهم والسبب وراء شهرته التي عبرت الزمان والمكان، فقد التحق كوالده بالعمل في ديوان الإنشاء كأحد الكتاب به، فأتصل من خلال عمله بكبار رجال الدولة، لكن المقريزي لم يستمر في وظيفة الكتابة بديوان الإنشاء طويلًا حيث انتقل للعمل في سلك القضاء فأصبح نائبًا من نواب قاضى القضاة الشافعي، كما تولى وظيفة محتسب القاهرة والوجه البحري في زمن السلطان الظاهر برقوق، وتنقل المقريزي ما بين القاهرة ودمشق ومكة، واشتغل بتدريس الحديث النبوي في المدرسة المؤيدية بالقاهرة والمدرستين الإقبالية والأشرفية بدمشق، كما تولى إقامة جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي بالقاهرة.

 والمقريزي أبرز تلاميذ مدرسة عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ ومؤسس علم العمران، علم الاجتماع بلغتنا المعاصرة، وكان المقريزي التلميذ الذي فاق أستاذه وتفوق عليه، لقد عاش الرجل في عصر وصلت فيه الكتابة التاريخية العربية في مصر والشام إلى قمتها، واتجه إلى الاشتغال بالكتابة التاريخية فئات متنوعة من المصريين، فنجد المؤرخين العساكر مثل الأمير بيبرس الدوادار، وهم مقاتلين من المماليك اتجهوا إلى تدوين التواريخ، ونجد المؤرخين "أولاد الناس" وهو المصطلح الذي كان يطلق على أبناء الأمراء المماليك، ومن أشهرهم ابن تغري بردي تلميذ المقريزي وابن إياس المصري الذي عاصر وقائع الاحتلال العثماني لمصر، وهناك كذلك المؤرخين الموظفين من رجال الإدارة الذين اتجهوا إلى التأليف التاريخي، ثم المؤرخين المشايخ أو الفقهاء وهم الأكثر غلبة وظهورًا في الكتابة التاريخية العربية منذ الطبري في العصر العباسي الثاني حتى الجبرتي الذي عاصر الحملة الفرنسية وعصر محمد علي، وأخيرا المؤرخين الشعبيين ومثلهم الحاضر في ذهني ابن زنبل الرمال قارئ الطالع في الرمل الذي أرخ في نص أدبي بديع لاحتلال سليم لمصر ومقاومة طومان باي آخر سلاطين المماليك له.

 وتوفى المقريزي بالقاهرة في حارة برجوان التي ولد بها، سنة 845 هجرية الموافقة لسنة 1442 ميلادية، وقد قارب على الثمانين من عمره الذي أفناه في الدرس والتأليف فيقول عنه أحد المؤرخين الذين عاشوا بعده وهو شمس الدين السخاوي:
"واشتغل كثيرًا وطاف على الشيوخ ولقي الكبار، وجالس الأئمة فأخذ عنهم....ونظر في عدة فنون، وشارك في الفضائل، وخط بخطه الكثير، وانتهى، وانتقى، وقال الشعر والنثر وأفاد... وبلغت مجلداته نحو المائة، وقد قرأت بخطه أن تصانيفه زادت على مائتي مجلد كبار، وأن شيخوخة بلغت ستمائة نفس. وكان حسن المذاكرة بالتاريخ... وكانت له معرفة قليلة بالفقه والحديث والنحو، واطلاع على أقوال السلف، وإلمام بمذاهب أهل الكتاب حتى كان يتردد إليه أفاضلهم للاستفادة منه، مع حسن الخلق وكرم العهد وكثرة التواضع، وعلو الهمة لمن يقصد...كل ذلك مع تبجيل الأكابر له،  إما مداراة له خوفًا من قلمه، أو لحسن مذاكرته"...
لقد تتلمذ تقي الدين المقريزي على يد المؤرخ العلامة عبد الرحمن بن خلدون، وتأثر بأفكاره ونظرياته في التاريخ والعمران البشرى، لكنه تفوق على أستاذه في تطبيق تلك النظريات على أحداث التاريخ، لقد ظهر نبوغ المقريزي كمؤرخ في مؤلفاته المتعددة والتي تراوحت بين الكتب الضخمة التي تتألف من عدة مجلدات، والرسائل الصغيرة التي لا تتجاوز بضع صفحات.
 وأول مؤلفاته التي تنتمي إلى الكتب الطويلة كتاب "إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع"، كتاب في السيرة النبوية أعتمد فيه على الاقتباس من كتب السيرة التي وضعها سابقوه، وقد نسخه في مكة وفقًا لرواية تلميذه جمال الدين أبو المحاسن، وعلى الأر جح أنه ألف في هذه المرحلة أيضًا إحدى رسائله الصغيرة التي حاول أن يطبق فيها نظرية أستاذه ابن خلدون عن العصبية القبلية على التاريخ العربي والإسلامي، وتعرف هذه الرسالة باسم كتاب "النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم"، وأثناء إقامته في مكة وضع المقريزي عدة مؤلفات صغيرة منها: "ضوء الساري في معرفة تميم الداري" و "التبر المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك"، و"وصف حضرموت العجيبة"، و"الإعلام بمن في أرض الحبشة من ملوك الإسلام".
 أما مؤلفاته الكبيرة فأهمها على الإطلاق كتاب "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" وكتاب "السلوك لمعرفة دول الملوك"؛ والكتاب الأول والذي اشتهر باسم خطط المقريزي قام فيه بدراسة مدينة القاهرة وضواحيها، بكل ما فيها من شوارع وحارات ودروب وأزقة ومنشآت دينية وتعليمية وتجارية، وقد تخللت الكتاب معلومات مهمة عن النظم السياسية والإدارية في مصر، مع تراجم موجزة لبعض الأعلام.
أما كتاب السلوك والذي وضعه في أربعة أجزاء ضخمة صدر كل منها في ثلاثة مجلدات، فيعتبر الكتاب العمدة في التأريخ لدولتي الأيوبيين والمماليك منذ نشأة الدولة الأيوبية في منتصف القرن السادس الهجري حتى وفاة المقريزي في منتصف القرن التاسع الهجري، وقد ختم به مؤلفاته الكبرى عن تاريخ مصر في العصر الإسلامي؛ فقد سبقه عملان كبيران: أحدهما مفقود "عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط"، وقد تناول فيه تاريخ مصر في عصر الولاة، والثاني "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الخلفا" والذي يؤرخ فيه للدولة الفاطمية في مصر.
أما رسائل المقريزي الصغيرة خاصة تلك التي ألفها في السنوات الأخيرة من حياته فهي متنوعة في موضوعاتها مابين الكتابة في التاريخ والاقتصاد والفنون وعلم الحيوان والمعادن، حتى النحل والعسل الأبيض كتب عنه مؤلفًا صغيرًا بعنوان "نحل عبر النحل"، ومن بين تلك الرسائل رسالة صغيرة تعرف بكتاب "إغاثة الأمة بكشف الغمة"، ويعد من الكتب العربية القليلة التي اهتمت بالناحيتين الاقتصادية والاجتماعية في التاريخ، وربطت بينهما بشكل علمي دقيق؛ وفى هذا الكتاب يؤرخ المقريزي لغلو الأسعار والمجاعات التي أصابت مصر منذ أقدم العصور حتى 808 هجرية، ثم يحاول تشخيص أسباب الأزمة الطاحنة التي كانت مصر تعيش في ظلها في أوائل القرن التاسع الهجري ويقترح الحلول العملية لها. ويحتاج هذا المؤلف الصغير في عدد صفحاته الكبير في قيمته إلى وقفه أخرى معه.
 كانت حياة المقريزي في زمن مضطرب، شهد انتقال السلطة من سلاطين دولة المماليك البحرية من أسرة قلاوون إلى السلاطين الجراكسة، وعاش الأزمة الاقتصادية الكبرى في مطلع القرن التاسع الهجري، وتنقل في أرجاء دولة المماليك بين مصر والشام والحجاز، وخالط العلماء، وأنتج عشرات من المؤلفات، ضاع أغلبها للأسف، لكن ما وصلنا يضعه بلا جدال في مصاف المبرزين من صناع الحضارة العربية الإسلامية.

الثلاثاء، 5 يناير 2016




طه حسين وحرية البحث العلمي
(مقال تاني لسه صالح لإعادة النشر)

عماد أبو غازي




 كانت مشكلة كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق سنة 1925  أول اختبار لليبرالية المصرية الناشئة، فيما يتعلق بقدرتها على تقبل مبدأً أساسيًا من مبادئ الفكر الحر، أعني حرية الفكر والاعتقاد والتعبير، ولم يكد يمضي عام حتى تفجرت أزمة جديدة كان بطلها هذه المرة المفكر الشاب والأستاذ الجامعي اللامع الدكتور طه حسين، وكان موضوعها ـ مثل الأزمة الأولى ـ كتاب صغير في حجمه تقل صفحاته عن مائتي صفحة، لكنه كبير في قيمته وسبقه بما حواه من مغامرة فكرية جريئة، كتاب رغم صغره هز الثوابت التي ظل الناس يجترونها جيلًا وراء جيل، إنه كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي صدر عن مطبعة دار الكتب في مارس سنة 1926، ورغم أن الكتاب يتناول قضية بحثية في تاريخ الأدب العربي ليس لها طابع سياسي كقضية الخلافة الإسلامية، إلا أن الضجة التي أعقبت صدور كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين فاقت تلك التي صاحبت صدور كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، ووصلت بصاحب الكتاب إلى المثول أمام النيابة العامة متهما، وظهرت الأبعاد السياسية للصراع حول الكتاب سريعًا مثلما ظهرت في قضية الإسلام وأصول الحكم، بالطبع كان هناك أمرًا مشتركًا آخر على المستوى السياسي بين القضيتين، فالبطل في كل منهما كان ينتمي إلى التيار الليبرالي الأصيل في الحركة الوطنية المصرية، تيار الأحرار الدستوريين.

 فما الذي جاء به طه حسين في كتابه من أفكار ساقته إلى النيابة العامة؟ وهل يمكن في أي مجتمع حر أن يؤدي بحث في تاريخ الأدب بصاحبه إلى النيابة ليحاسب على آرائه العلمية محاسبة قضائية بدلًا من أن يرد عليه المختلفون معه ردًا علميًا؟

الكتاب ببساطة يتناول الشعر الذي ينسب إلى عصر ما قبل الإسلام في جزيرة العرب، العصر الذي نسميه عادة العصر الجاهلي، ويشكك في صحة انتساب الكثير من هذا الشعر إلى ذلك العصر.

 ويتكون كتاب "في الشعر الجاهلي" من ثلاثة أقسام، وعبر هذه الأقسام الثلاثة سعى طه حسين إلى أثبات فكرته هذه، فبدأ في القسم الأول بتقديم منهجه في البحث الذي يقوم على الشك، الشك الذي يقود إلى الوصول ليقين علمي، ويؤكد في هذا القسم من الكتاب أنه يرفض التسليم بما قاله القدماء في قضايا الشعر والأدب دون مناقشة وتحليل ونقد، وينتهي إلى إعلان رأيه الذي توصل إليه والذي يتلخص في أن غالبية الشعر المنسوب إلى العصر الجاهلي يعود إلى عصر ما بعد الإسلام، وفي القسم الثاني من الكتاب يحدد أسباب انتحال الشعر من وجهة نظره ويقسمها إلى أسباب دينية وسياسية وأدبية، أما القسم الثالث فيتناول فيه بعض الشعراء المنسوبين إلى العصر الجاهلي مثل أمرؤ القيس وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد وغيرهم محاولًا التثبت من كونهم شخصيات تاريخية، أو تحديد التاريخي والأسطوري في سيرهم، وما الذي من أشعارهم فعلًا إذا كانت لهم أشعار أصلًا، وما المنتحل والمنسوب إليهم.

 ويؤكد طه حسين في كتابه أن الأخذ برأي الأغلبية يصلح في السياسة لكنه لا يصح في العلم، ويدلل بمثال بسيط واضح، فقد كانت الكثرة من العلماء تنكر كروية الأرض وحركتها، وظهر بعد ذلك أن الكثرة كانت مخطئة، وإن باحث هنا وباحث هناك امتلكوا الجرأة على الشك والبحث فوصلوا إلى الحقيقة وهدموا الوهم والأسطورة.

 لقد أكد طه حسين في التمهيد الذي بدأ به كتابه من أن الكتاب يبحث في تاريخ الشعر العربي بمنهج جديد لم يألفه الناس عندنا، وكان واثقًا من أن فريقًا من الناس سيلقون هذا الكتاب ساخطين، وفريق آخر سيزورّون عنه ازورارًا، وقال: "أنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين، فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد"، لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر بالساخطين والمزورّين إلى حد الدفع به إلى النيابة العامة.

 وإذا كانت أزمة الإسلام وأصول الحكم قد انتهت بعزل الشيخ علي عبد الرازق من القضاء الشرعي واستقالة وزراء حزب الأحرار من الحكومة، فإن أزمة "في الشعر الجاهلي" انتهت بحفظ التحقيق الذي أجرته النيابة العامة وصدور طبعة معدلة من الكتاب تحمل عنوان "في الأدب الجاهلي"، حذف منها طه حسين بعض العبارات التي استفزت التيارات المحافظة، لكنه تمسك فيها بمنهجه في التعامل مع الشعر الجاهلي

 وقد كشفت تلك الأزمات المبكرة في الحقبة الليبرالية في مصر عن عدة جوانب مهمة، أولها ضيق المجتمع بالجديد والجريء من الأفكار، وثانيها التأثير السلبي للصراعات السياسية على حرية الفكر والتعبير، واستغلال القوى السياسية الرجعية للمزاج المحافظ للشارع المصري في صراعاتها، وخضوع القوى التي ينتظر منها الدفاع عن حرية الرأي لابتزاز صندوق الانتخابات، فحزب الوفد صاحب الأغلبية الشعبية والذي يفترض فيه الدفاع عن قضايا حرية الرأي والتعبير، تخاذل في مواقفه خوفًا من تأثير أي موقف إيجابي يتخذه على نتائجه في الانتخابات، أما ثالث هذه الجوانب التي كشفت عنها قضية كتاب "في الشعر الجاهلي" فكانت مدى هشاشة حرية البحث العلمي في الجامعة المصرية الوليدة، وسهولة مصادرة هذه الحرية بتحريض من الرأي العام المحافظ، وهي أعراض مازلنا نعاني منها إلى يومنا هذا.
مخربشات 20 يوليو 2005 

الاثنين، 4 يناير 2016


الإسلام وأصول الحكم بعد ثمانين عاما

مقال قديم صالح لإعادة النشر

عماد أبو غازي

 في هذا العام تمر الذكرى الثمانين لواحدة من أهم المعارك الفكرية السياسية التي شهدتها مصر في القرن العشرين، معركة "الإسلام وأصول الحكم" التي فجرها صدور كتاب الشيخ علي عبد الرازق الذي يحمل هذا العنوان، والذي أصدره في أبريل عام 1925،  ليناقش فيه فكرة الخلافة الإسلامية وتطورها عبر التاريخ.

الشيخ علي عبد الرازق  
والشيخ علي عبد الرازق أزهري من أسرة مصرية عريقة، تنتمي إلى محافظة المنيا، لعبت أسرته دورًا مهما في الحركة الوطنية المصرية من خلال حزب الأحرار الدستوريين، الذي حمل اللواء الفكري لليبرالية المصرية بعد ثورة 1919 وكان امتدادًا لأفكار حزب الأمة الذي أسسه أحمد لطفي السيد.

 كان علي عبد الرازق في الثلاثينيات من عمره عندما نشر كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، والكتاب عبارة عن مقدمة وثلاثة أقسام، القسم الأول بعنوان "الخلافة في الإسلام" تناول فيه طبيعة الخلافة، وحكم الخلافة، والخلافة من الوجهة الاجتماعية، أما القسم الثاني فيدور حول "الحكومة والإسلام" وقد تناول فيه الشيخ علي عبد الرازق نظام الحكم في عصر النبوة، مميزًا بين الرسالة والحكم، طارحًا فيه فكرته عن الإسلام باعتباره "رسالة لا حكم ودين لا دولة"، أما القسم الثالث فيتتبع فيه "الخلافة والحكومة في التاريخ".

 والكتاب محاولة جريئة لمناقشة فكرة الخلافة، نشأتها وتطورها بمنهج علمي تاريخي، وقد قدم الشيخ في كتابه عددًا من الأفكار أهمها: إن الخلافة هي نظام دنيوي للحكم مثلها مثل أي نظام آخر، وإن الدين الإسلامي لم ينص عليها، بل ترك للمسلمين حرية اختيار النظام الذي يلائمهم، وناقش القائلين بالنص على الخلافة في الكتاب والسنة وفند آراءهم بالأدلة التاريخية والشرعية، وذهب إلى إننا لا نجد فيما وصل إلينا من أخبار من عصر البعثة النبوية شيئًا واضحًا يمكن أن يوصف بأنه نظام للحكومة النبوية، وينتهي إلى أن الخلافة تاريخيًا ارتبطت بالاستبداد في الحكم، وإن أمرها عبر التاريخ لم يحسم إلا بقوة السيف، كما رفض الفكرة القائلة بأن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على وجود خليفة للمسلمين، وهو قول كان شائعًا بشدة في ذلك الحين بعد إلغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة سنة 1924، واعتبر علي عبد الرازق أن تحديد الحكومة الصالحة للمسلمين بأنها الخلافة دون سواها وبمفهوم محدد للخلافة يجاوز الواقع والعقل والتاريخ، كما رفض تحويل الرابطة الإسلامية الدينية التي تربط المسلمين ببعضهم إلى رابطة سياسية ينتظم تحتها المسلمون في كيان سياسي واحد، ولم يوافق الشيخ كذلك على الفكرة القائلة بأن الإسلام جعل من العرب وحدة سياسية واحدة، كما اعتبر أن جزءًا كبيرًا من حروب الردة لم يدر إلا لحماية الدولة الجديدة الناشئة والملك الذي تولاه أبو بكر الصديق، وإنها كانت في كثير منها حربًا سياسية حسبها العامة دينية، ويخلص الرجل من دراسته إلى أن السلاطين هم المسئولون عن ترويج الفكرة الشائعة القائلة بأن الخلافة مقام ديني بهدف الحفاظ على عروشهم، وقد توصل علي عبد الرازق إلى هذه النتائج من خلال استعراض لوجهات النظر المختلفة حول الخلافة عبر العصور، ومن خلال البحث التاريخي في الأحداث والوقائع.

 لقد كانت أفكار الشيخ علي عبد الرازق جريئة لكنها مستندة إلى أدلة تاريخية وفقهية من وجهة نظره، وكان من الطبيعي أن تثير نقاشًا واسعًا على الساحتين الدينية والسياسية، لقد تصدى لهذه الأفكار عدد من المشايخ والكتاب بالفكر والبرهان مقابل الفكر والبرهان، وإزاء إصرار الرجل على موقفه وتمسكه برأيه، أطلت على الساحة قوى الظلام ممن لا يملكون الحجة ولا القدرة على النقاش أو الرغبة فيه، ممن ينصبون من أنفسهم أوصياء على عقول الناس، كانت لهؤلاء الغلبة في النهاية، فأصدر مشايخ الأزهر حكمهم بطرد الشيخ علي عبد الرازق من زمرة العلماء، الأمر الذي ترتب عليه فصله من عمله في القضاء الشرعي، وتبع ذلك انهيار الائتلاف الحاكم المكون من حزبي الاتحاد الموالي للملك والأحرار الدستوريين ذي التوجه الليبرالي، حيث رفض وزراء حزب الأحرار قرار رئيس الوزراء بعزل الشيخ علي عبد الرازق من منصبه واستقالوا جميعا من الحكومة احتجاجًا على الاعتداء الصارخ على حرية الفكر والاعتقاد.

 

زيور باشا
ولا شك أن الظروف السياسية التي صاحبت صدور الكتاب كان لها أثرها في اتساع ساحة المعركة واتخاذها تلك الأبعاد السياسية التي انتهت بسقوط الحكومة، فقد صدر هذا الكتاب في العام التالي لإلغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية في تركيا، في ظل شعور إسلامي عام بالغضب، وبأن الإسلام قد فقد ركنًا من أركانه، رغم أن الخلافة الفعلية كانت قد زالت بالفعل منذ مئات السنين، وفي وقت كان ملوك العرب يتطلعون، بل يتنافسون على منصب الخلافة، ومنهم فؤاد الأول الذي كان يحظى بدعم الإنجليز للحصول على هذا المنصب، فأصدر الأزهري الشاب علي عبد الرازق كتابه ملقيًا به حجرًا في مياه راكدة متعفنة، ومدمرًا حلم فؤاد بالحصول على لقب خليفة المسلمين، ومقدمًا رؤية جريئة لا زلنا في حاجة إليها إلى يومنا هذا.

مخربشات 13/7/2005

الأربعاء، 23 ديسمبر 2015






المولد النبوي في مصر من عصر لعصر

عماد أبو غازي

 الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من الاحتفالات التي ظهرت في مصر، ويجمع المؤرخون على أن بداية الاحتفال به كانت في العصر الفاطمي، وعلى وجه التحديد عقب انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر، فقد التقط الفاطميون روح الشعب المصري المحبة للفرح والبهجة؛ فأرسوا قواعد كثير من الاحتفالات بمناسبات دينية ودنيوية، كما حولوا بعض احتفالات المصريين الشعبية إلى احتفالات رسمية للدولة، ولم تفلح محاولات الأيوبيين في القضاء على هذه الأعياد والمناسبات في سياق جهودهم لطمس معالم الدولة الفاطمية في مصر.

 وعبر أكثر من ألف عام تطور احتفال المولد النبوي الشريف في مصر وتغيرت أشكال الاحتفاء بهذه المناسبة؛ لقد أصبح الاحتفال الرسمي قاصرًا على تلاوة القرآن الكريم وإلقاء بعض الخطب والمواعظ، وأحيانًا توزيع الجوائز على الفائزين في المسابقات الدينية، أو المكرمين من جانب الدولة من بين الدعاة ورجال الدين، ودائمًا تقديم بعض الوجوه الدينية المكررة، على قنوات التلفزيون المختلفة، وربما فيلم "فجر الإسلام" أو "الشيماء" أو غيرهما من الأفلام الدينية القديمة.

 لكن الناس احتفظوا ببعض مظاهر الاحتفال الشعبي، وحافظوا عليها، فظلت حلوى المولد وعرائسه أبرز مظاهر المولد إلى اليوم، كما استمر الريف المصري في بعض مناطقه يقيم مهرجانات المولد مثلما كان يفعل الأجداد.

 وأقدم اليوم لقطات متفرقة من الاحتفال بالمولد عبر عصور تاريخنا الممتدة:
 المشهد الأول: من العصر الفاطمي، حيث يصف المقريزي احتفالات الفاطميين بالموالد وفي مقدمتها المولد النبوي الشريف، وذلك نقلًا عن مؤرخي العصر الفاطمي، فيقول: "فإذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، تقدم الخليفة بأن يعمل في دار الفطرة عشرون قنطارًا من السكر اليابس، حلواء يابسة، وتعبأ في ثلاثمائة صينية من النحاس" ـ ودار الفطرة هي دار كانت تقع خارج قصر الخليفة، بناها العزيز بالله ثاني الخلفاء الفاطميين بمصر لتعد فيها الولائم وتوزع الهدايا والهبات في الأعياد ـ  وكانت تلك الصواني تفرق على الأمراء ورجال الدولة والقضاة والدعاة، ويستمر توزيع صواني الحلوى من أول النهار إلى الظهر، وبعدها يتوجه القضاة والدعاة وقراء القرآن وخطباء جوامع القاهرة والقائمون على مشاهد آل البيت بها إلى الجامع الأزهر ليختموا القرآن الكريم هناك، ثم يتوجهوا إلى قصر الخليفة ويقفوا تحت المنظرة ـ وهي الشرفة التي يجلس فيها الخليفة ـ في انتظار ظهوره من طاقة صغيرة ليؤدوا له التحية ويردها، ثم يبدأ الجزء الأخير من الاحتفال بتلاوة القرآن الكريم، ثم يتناوب خطباء المساجد الرئيسية بالقاهرة ليلقي كل منهم خطبته بحضرة الخليفة، ثم ينصرفون جميعًا، وفي ذلك اليوم تكنس شوارع القاهرة وترش بالماء.
المشهد الثاني: من عصر المماليك الجراكسة الذي يبدأ بتولي السلطان الظاهر برقوق لعرش مصر، وقد حرص برقوق على إحياء الاحتفالات الشعبية التي كان كثير منها قد اندثر، ومن الاحتفالات التي اهتم بها برقوق احتفال المولد النبوي، وتروي المصادر التاريخية وقائع الاحتفال بالمولد في سنة 785هـ الموافقة لسنة 1383م، يقول أحد المعاصرين: "لقد حضرت ليلة مولد سنة 785 عند الظاهر برقوق بقلعة الجبل، فرأيت ما هالني، فكان ما أنفق في تلك الليلة على القراء الحاضرين وغيرهم نحو عشرة آلاف مثقال من الذهب العين ما بين  خلع ومطعوم ومشروب ومسموع وغير ذلك بحيث لم ينزل واحد منهم إلا بنحو عشرين خلعة من السلطان والأمراء.

 وفي عصر قايتباي أعظم سلاطين المماليك الجراكسة، أمر السلطان بصناعة سرادق عظيم ينصب في الاحتفالات الرسمية، وأهمها احتفال المولد النبوي الشريف، وقام لصناعة هذا السرادق أمهر صناع الخيام في مصر، وصنعوه من القطن المزين بشرائح الأطلس الملون بالألوان الزاهية، والمحلى بالرسوم البديعة، وقد ظل هذا السرادق مستخدمًا حتى عصر السلطان الأشرف قانصوه الغوري، وعندما احتل العثمانيون مصر سنة 923هـ / 1517م باع سليم السرادق للتجار المغاربة، فقطعوه قطعًا وباعوها للناس ستائر ومفارش، وكان الاحتفال بالمولد سنة 923هـ من أسوأ الاحتفالات في تاريخ مصر، حيث يقول ابن إياس المصري مؤرخ ذلك الزمن: "فلم يشعر به أحد من الناس، وبطل ما كان يعمل في ليلة المولد من اجتماع العلماء والقضاة الأربعة والأمراء بالحوش السلطاني، كما بطلت الأسمطة التي كانت تمر في ذلك اليوم وألغي ما كان يعطى للقراء والوعاظ والفقراء من الخلع وأنواع الإنعام في تلك الليلة".
 المشهد الثالث: احتفال المولد في زمن الحملة الفرنسية، عقب نجاح جيوش بونابرت في احتلال مصر كان الناس في حالة من الغم والضيق فلم يعدوا للاحتفال بالمولد النبوي الشريف كما هي العادة، ويقول عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ ذلك العصر: إن بونابرت سأل عن سبب عدم عمل المولد كالعادة فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأعمال وتوقف الأحوال، فلم يقبل بونابرت الاعتذار وأصر على عمل المولد، وأعطى الشيخ البكري 300 ريال فرنسي معاونة من قيادة الحملة، وأمر بتعليق الزينات، واجتمعت فرق من الجيش الفرنسي أمام بيت البكري بالأزبكية لضرب الطبول وإطلاق الصواريخ، وفي ذلك اليوم تم تقليد الشيخ البكري نقيبًا للأشراف. وكان غرض بونابرت من ذلك محاولة امتصاص الرفض الشعبي للحملة.

المشهد الرابع: المولد في عصر محمد علي، يروي لنا إدوار وليم لين صاحب كتاب "المصريون المحدثون" مشاهداته في المولد النبوي الشريف سنة 1834م، فيقول: "في أول ربيع الأول يبدأ الاستعداد للاحتفال بمولد النبي، وأكبر ساحات هذا الاحتفال شأنًا الجزء الجنوبي الغربي لذلك الفضاء الواسع المعروف ببركة الأزبكية، وفي هذه الساحة أقيمت صيوانات كثيرة، جلها للدراويش، وفيها يجتمعون كل ليلة للقيام بحلقات الذكر، ما دام الاحتفال بالمولد، وبين هذه الصيونات ينصب صاري يثبت بالحبال، ويعلق فيه من القناديل أثنى عشر أو أكثر وحول هذا الصاري تقوم حلقة الذكر، وهي تتكون عادة من نحو خمسين أو ستين درويشًا، وفي أثناء النهار يتسلى الناس في الساحة الكبرى بالاستماع إلى الشعراء، وهم رواة قصة أبو زيد، وبالتفرج على الحواة والخلابيص وغيرهم، أما الغواني فقد أكرهتهم الحكومة من عهد قريب على التوبة، وترك مهنتهن من رقص ونحوه، فلا أثر لهن في احتفال هذه السنة، وكن في الموالد السابقة من أكثر العاملات في الاحتفال اجتذابًا للمتفرجين، وفي عدة أماكن من الشوارع المجاورة لساحة الاحتفال أقيمت مراجيح قليلة ومنصات لبيع الحلوى، أما في أثناء الليل فتضاء الشوارع المحيطة بساحة المولد بقناديل كثيرة تعلق غالبًا في فوانيس من الخشب، ومن دكاكين المأكولات ونصبات الحلوى ما يبيت مفتوحًا طوال الليل، وكذلك القهاوي التي قد يكون في بعضها وفي غيرها من الأماكن شعراء ومحدثون ينصت إليهم كل من أراد من المارة".

 المشهد الخامس: من أربعينيات القرن العشرين، المشهد يرويه حسن السندوبي مؤلف كتاب "تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول"، حيث يصف ليلة الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1364 هـ / 24 فبراير سنة 1945م، فيقول: "شهدت في ساحة المولد بصحراء قايتباي المعروفة عند العامة بصحراء الخفير معالم الزينة تأخذ بالألباب، ومظاهر الاحتفال التي بدت في شكل فخم ونظام جليل، وهناك في هذا الميدان المترامي الأطراف أقيم السرادق الملكي البديع، وضعت في رحابه الأرائك المحلاة بالذهب، ورفعت على سواريه الأعلام الملكية، وعلقت في مداخله المصابيح الباهرة الأنوار، الجاعلة الليل فيه كوضح النهار، ووفد على هذا السرادق وزراء الدولة وشيخ الأزهر وطوائف العلماء ووكلاء الوزارات ومديرو الإدارات ورؤساء المصالح وكبار الموظفين وقواد الجيوش وصفوف الضباط وكبراء الأمة وأعيان الناس من ذوي المراتب والألقاب، وجميع هؤلاء قد وقفوا في جلال ووقار انتظارًا لتشريف حضرة صاحب الجلالة". وبعد حضور الملك يبدأ الاحتفال بعرض عسكري لفرق تمثل الجيش المصري، ثم يأتي موكب الفرق الصوفية حاملين أعلامهم وبيارقهم، وبعد العرض تقدم صنوف الحلوى وأنواع المرطبات للحاضرين، وإلى جانب السرادق الملكي كانت تقام سرادقات لمختلف الوزارات وهيئات الدولة.

 وبعد فهذه صورة من احتفال المولد النبوي في مصر عبر العصور والذي كان ومازال أحد أهم الاحتفالات الشعبية في مصر رغم الحرب التي يشنها التيار السلفي ضد كل مظاهر البهجة في حياتنا...


الأحد، 29 نوفمبر 2015


ملخص بحثي في مؤتمر "السيرياليون المصريون من منظور عالمي". 

زمن السريالية في مصر

خلفية تاريخية

 عماد ابو غازي

 "يتجلى العدوان على الفن في البلاد الشمولية بأكثر السبل دناءة، ضد فن يصفه بالإنحلال، عسكريون شرسون تبوؤا مراتب السادة مطلقي السلطان، وهم أدعياء علم منحلون."
من اعمال فؤاد كامل في المرحلة السيريالية
من مقتنيات الدكتور محمد أبو الغار


 هذه الكلمات مقتطعة من البيان الذي يعد بمعنى من المعاني مانيفستو للحركة السيريالية المصرية، والذي حمل عنوان:

 "يحيا الفن المنحط".

 ظهرت الحركة السيريالية في مصر في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، ويؤرخ لظهورها بشكل أساسي بتأسيس جماعة الفن والحرية في يناير 1939، والتي كانت لها إرهاصاتها السابقة على تأسيسها.

 وتتمثل هذه الإرهاصات في تمرد عدد من مؤسسيها على التقاليد الفنية والأدبية السائدة آنذاك، وفي صدور بيانات تدعو لتحرير الإبداع منها إعلان الشرقيين الجدد سنة 1937، وفي تأسيس جماعات فنية تحدت تلك التقاليد أبرزها جماعة "الإسيست". وقد وقع الانشقاق في تلك الجماعة بسبب هجوم الشاعر جورج حنين على تواطؤ بعض المبدعين الإيطاليين مع الفاشية.

 وكان ظهور جماعات أدبية فنية يغلب عليها التوجه السريالي كجماعة الفن والحرية تعبيرًا عن احتكاك الحركة الفكرية والفنية في مصر بتيارات الثقافة العالمية، فإذا كان النصف الثاني من القرن التاسع عشر عصر الثورة على الكلاسيكية والرومانتيكية معًا، وإذا كانت التأثيرية بمثابة الطلقة الأولى في معركة الفن الحديث تمثل فيها تحرر  الفنان من قيود الأكاديمية التقليدية، فإن النصف الأول من القرن العشرين شهد موجة ثورية ثانية بدأت مع التكعيبية والمستقبلية والدادية، ووصلت ذروتها مع السيريالية بصدور (المانيفستو السريالي) سنة 1924.

وعندما أسس جورج حنين جماعة الفن والحرية كانت تعبيرًا مصريًا عن الدعوة التي حملها بيان المكسيك عام 1938 "من أجل فن ثوري حر".

 وربما كانت جماعة الفن والحرية أجلى تعبير عن السيريالية في مصر، وقد ضمت إلى جانب جورج حنين عددًا من المبدعين المصريين والأجانب المقيمين في مصر كان من أبرزهم كامل التلمساني ورمسيس يونان وأنور وفؤاد كامل وأنجلو دي ريز.

وقد نشرت جماعة الفن والحرية بيانها الشهير "يحيا الفن المنحط" دفاعًا عن حرية الفنان ضد اتجاهات الدول التسلطية لتوجيه الفن والعدوان عليه، وتقييد حرية المبدعين.

 وكانت معارض الجماعة التي بدأت منذ عام 1940 ثورة في مجال الفنون التشكيلية في مصر، وقد استمرت الجماعة حتى النصف الثاني من الأربعينيات، لتحل محلها لفترة قصيرة "جانح الرمال". ورغم أن الجماعة لم تستمر في الوجود إلا لسنوات قليلة، إلا أن الاتجاه السيريالي في الفن المصري تواصل كتيار من تيارات الحركة الفنية المصرية لسنوات بعدها، رغم تحول بعض رواده الى التجريد.

 حديثي في هذا المؤتمر يأتي من زاوية تخصصي في التاريخ، فلست ناقدا للفن التشكيلي، من هنا فاشتباكي مع موضوع السريالية عرض للخلفية التاريخية التي نشأت فيها الحركة السريالية وتطورت في مصر.

  لقد أعلنت الحركة السريالية المصرية عن نفسها في لحظة تاريخية فارقة ليس فقط في تاريخ مصر، بل في تاريخ العالم كله؛ فقد كانت النظم الشمولية: الستالينية في الاتحاد السوفيتي والنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والاستبدادية العسكرية في اليابان تزداد قوة.

 كانت الستالينية تواصل قمعها لشعوب الاتحاد السوفيتي بدعوى بناء الدولة الاشتراكية السوفيتية، في الوقت الذي كانت تشيد فيه حقيقية سلطة دولة بيروقراطية استبدادية.

 وكانت النظم الثلاثة، الأخيرة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية، تصعد من عدوانيتها ضد شعوبها ومن نزعتها التوسعية في محيطها الإقليمي الذي اعتبرته مجالا حيويا لتوسعها.

 كانت تدفع العالم إلى حافة حرب عالمية جديدة، حرب تصتدم فيها مع معسكر الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى قبلها بعقدين، فرنسا وبريطانيا العظمى، في صراع متجدد بين جناحي المعسكر الرأسمالي من أجل السيطرة على العالم.

 كانت غيوم الحرب تتجمع في الأفق، وكانت الحروب التمهيدية الصغيرة قد بدأت بالفعل في حرب إيطاليا والحبشة، والحرب الأهلية الأسبانية، والتوسع الياباني في الشرق الأقصى، والاعتداءات الألمانية المستمرة على دول الجوار.

 وبالفعل اشتعلت الحرب قبل أن ينتهي العام الذي تأسست فيه جماعة الفن والحرية.

 في نفس الوقت كانت هذه النظم الشمولية تفرض قيودًا متزايدة على حرية الإبداع الفني والأدبي، بدعاوى الالتزام بالقيم والأخلاق، أو دعاوى الالتزام بالتعبير عن "مصالح" الطبقة العاملة ورؤها، وتسعى لفرض أساليب فنية تعبوية على المبدعين.

 كانت حرية الفنان في خطر.

 كان المثقفون والمبدعون والفنانون التقدميون والأحرار حول العالم يتكاتفون معا، يدافعون عن مساحة الخيال الحر، ويقفون ضد العدوانية والعسكرة، وضد النظم الشمولية، وضد الحرب بوجه عام، يقفون مع حرية الإنسان وحرية المبدع.

  وكانت حركة الفن والحرية المصرية ذات التوجه السيريالي جزءا من هذا الحراك للأحرار من مثقفي العالم ومبدعيه.

 هذا عن الوضع الدولي، فماذا عن مصر؟

 في هذا الوقت، النصف الثاني من الثلاثينيات، كانت مصر تبدأ مرحلة جديدة في تاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي، جيل جديد من الساسة والمثقفين والمبدعين يدخل بقوة الى الساحة الى جانب الجيل الذي تصدر المشهد عقب ثورة ١٩١٩، وفي مواجهته أحيانا.

 كانت البلاد قد خرجت من الانقلاب الدستوري الأطول في الحقبة الليبرالية والذي استمر من عام 1930 إلى عام 1935، انقلاب فؤاد/صدقي، فقد الشعب دستوره الذي حصل عليه في أعقاب ثورة ١٩١٩، دستور ٢٣، ليحل محله دستور ٣٠، الذي وسع من سلطات الملك على حساب البرلمان، وصدرت في ظله أسوأ القوانين المقيدة للحريات، واصابت نيران هذا الانقلاب الدستوري الثقافة والفن والابداع، فتمت مصادرة الصحف وإغلاقها، وسجن العقاد، وفصل حافظ ابراهيم من عمله في دار الكتب، ونقل طه حسين من الجامعة الى ديوان وزارة المعارف، وأوقفت الحكومة تعاقدها مع المثال مختار لعمل التمثالين الميدانيين للزعيم سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية.

 كانت سنوات النصف الاول من الثلاثينيات سنوات من الحكم الاستبدادي صودرت فيها الحريات، لكنها كانت أيضا سنوات شهدت مقاومة مستمرة من القوى الديمقراطية، وحركة جماهيرية متواصلة، لعب فيها جيل جديد من الشباب دورا أساسيا، وظهرت من بين هذا الجيل أسماء تصدرت العمل السياسي والعمل العام او شاركت فيه لسنوات طويلة تالية، ففي هذا الحراك السياسي الثوري ظهرت اسماء جمال عبد الناصر وإبراهيم شكري وحكمت ابو زيد وسهير القلماوي ومحمد حسن الزيات ونور الدين طراف والدمرداش التوني وطلبة صقر، وهي اسماء برزت في مجالات السياسة والثقافة والبحث  والرياضة لسنوات.

 انتهت هذه السنوات بما يعرف تاريخيا بثورة الشباب عام ١٩٣٥، انتهت باستعادة دستور 1923، وعودة الوفد إلى الحكم على رأس حكومة أئتلافية تضم الأحزاب الرئيسية، وقعت هذه الحكومة تحت ضغط اجواء الحرب معاهدة حصلت مصر بمقتضاها على استقلال منقوص في عام 1936، حقا كانت خطوة الى الامام قياسا بتصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ الذي تأسست بمقتضاه المملكة المصرية، لكنها كانت اقل من طموح المصريين، وقد استتبع توقيع المعاهدة طموح لبداية عصر جديد في مصر، خاصة مع اتفاقية مونترو التي تم بمقتضاها إلغاء الامتيازات الأجنبية.

 لقد وصلت النخب السياسية التي قادت الثورة وبرزت في أعقابها الى غاية ما يمكنها الوصول اليه في ذلك الوقت، ولم يعد حلم الاستقلال التام قابلا للتحقيق بيد هذه النخبة، على الأقل لعدة سنوات. 

 وفي هذا السياق جاء صدور كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر"، الذي قدم فيه رؤية للتعليم والثقافة، وبقدر ما كان في هذا الكتاب من تصورات تقدمية متطلعة إلى التغيير، بقدر ما تكشف عن قدر من المحافظة والتردد في رؤى بعض أبناء هذا الجيل الذي تصدر المشهد الثقافي في أعقاب الثورة المصرية، ثورة 1919. الامر الذي نجده واضحا بدرجة أكبر في كتابات مفكر اخر من جيل طه حسين هو عباس محمود العقاد، فبخلاف مواقفه الثورية في مجال السياسية، تميزت مواقفه من الاتجاهات الجديدة في الفن والأدب بالمحافظة والجمود.

 بات واضحا ان الساحة الثقافية والفكرية مثلها مثل الساحة السياسية تحتاج إلى رؤى وأفكار مختلفة. 

 وكانت الجامعة المصرية قد خرجت حيناها أجيالًا جديدة من أبنائها يشاركون في الحياة المصرية، لكنها منذ تأسيسها لم تنجح في تغيير المجتمع المصري تغييرًا جذريًا. كانت تميل الى الحلول الوسط في كل مواقفها، وتتحاشى الصدام مع المجتمع.

لقد كانت اللحظة بحق من اللحظات الفارقة في التاريخ، اذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير. كانت لحظة محملة بالآمال وإمكانيات التغيير، لكنها كانت كذلك لحظة ضبابية غائمة، فيها من مكبلات النجاح بقدر ما فيها من عوامل الانطلاق.

 فإذا كان النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين كان محملًا بآمال واسعة لانطلاق مرحلة جديدة في بناء الوطن على أسس من الديمقراطية واحترام الدستور، إلا أن هذه الفترة شهدت أيضًا ظهور الأفكار الشمولية وانتشارها بين الشباب، فتأسست جماعة سياسية قومية متطرفة متأثره بالأفكار الفاشية والنازية، هي جماعة مصر الفتاة، التي أسسها سياسي شاب مولع بالنموذج الفاشي في مطلع الثلاثينيات هو احمد حسين، وشكلت الجماعة مليشياتها التي عرفت بالقمصان الخضر، واتخذت لنفسها شعارا "الله. الوطن. الملك.".

 أخذت الأفكار الفاشية تروج بين الشباب، ووصل الأمر بحزب الأغلبية، حزب الوفد، أن يشكل ميلشيات من شبابه ترتدي القمصان الزرق في مواجهة ميلشيات مصر الفتاة، القمصان الخضر. وفي نفس الوقت نمت جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست سنة 1928، بدعم مالي من شركة قناة السويس العالمية، وكانت الجماعة تتبنى منذ لحظة تأسيسها أفكارا مضادة لمبدأ المواطنة المصرية الذي قامت عليه ثورة ١٩١٩، وقد وجدت الجماعة في المناخ السائد فرصة للانتشار بين الشباب، وشكلت الجماعة كتائبها هي الأخرى تحت مسمى الجوالة.

 على المستوى الاجتماعي لم تحقق ثورة 1919 كما لم يحقق انتصار تيار الحفاظ على الدستور تحسن كيفي في أوضاع الطبقات الفقيرة في المجتمع، لم تتحسن كثيرًا أوضاع الفلاحين والعمال الزراعيين الذين كانوا يشكلون غالبية السكان، كما ساءت أحوال الطبقة العاملة الناشئة خاصة مع تأثر مصر بالأزمة الاقتصادية العالمية أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات.

 في هذا المناخ السياسي بدأت الحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية، فتشكلت حلقات من الماركسيين باتجاهتهم المختلفة، ضمت مجموعات من الأجانب والمصريين، وكانت هذه الحلقات نواة للتنظيمات الشيوعية التي تشكلت في بداية الأربعينيات وتواصل وجودها كتنظيمات سرية حتى منتصف الستينيات، ولعبت هذه التنظيمات دورا سياسيا مهما في سنوات ما بعد الحرب، وشاركت في قيادة الحراك الجماهيري الواسع الذي بدأ في أواخر عام ١٩٤٥ في الجامعات المصرية ووصل ذروته في عام ١٩٤٦، وتواكب مع ظهور هذه التنظيمات نشأة تيار جديد في الوفد المصري يميل ناحية اليسار ويتبنى قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية بمفاهيم جديدة، وكان على رأس هذا التيار الناقد والسياسي المجدد الدكتور محمد مندور.

  اذن كانت هذه لحظة الميلاد للسريالية المصرية، ولحظات تألقها، كانت الحركة السريالية المصرية محاولة جريئة لتحدي التقاليد البالية والثورة عليها، محاولة للالتحام بتيار عالمي يواجه الدولة الاستبدادية وتدخلها لتقييد حرية الإبداع وتنميط الفن والآداب، كانت محاولة لتحرير الإنسان بالإبداع الحر، واستمر تيار السيريالية المصرية متواصلًا حتى منتصف الستينيات رغم انتهاء جماعة الفن والحرية قبل أن تنقضي الأربعينيات، لتخبو تدريجيًا في لحظة تاريخية مغايرة، دوليًا ومحليًا.

 السؤال الملح هنا لماذا تراجعت السريالية تدريجيا في الخمسينيات والستينيات؟ لماذا تحول بعض روادها الى التجريد، ولماذا لم تتكرر محاولة انشاء كيان او جماعة جديدة مثل الفن والحريّة او جانح الرمال؟ هل يرجع السبب الى طبيعة النظام الجديد الذي قبض على الحكم بعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢؟ 

 رغم أن السيريالية في مصر ظلت محصورة في إطار مجموعة من المبدعين من الأدباء والفنانيين التشكيلين، إلا إنها شكلت بلا شك جزءًا مهمًا من الحركة الفكرية والثقافية في مصر منذ أواخر الثلاثينيات حتى منتصف الستينيات من القرن الماضي، كما ارتبطت بالحركات السياسية التقدمية في هذه الحقبة، وكانت أحد أشكال التفاعل بين مفكرينا ومبدعينا والتيارات الفكرية في العالم.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...