الجمعة، 11 سبتمبر 2015


بدر الدين أبو غازي

           النهار ده بتمر الذكرى الاتنين وتلاتين لرحيل أبويا بدر الدين أبو غازي، وبأنشر هنا المادة اللي كتبتها عنه في موسوعة أعلام الثقافة العربية...
 
 
 كان بدر الدين أبو غازي ناقدًا فنيًا، ومؤرخًا للحركة التشكيلية في مصر الحديثة والمعاصرة، وخبيرًا في مجال التشريع المالي والضريبي،  وزيرًا للثقافة في مصر من نوفمبر 1970 إلى مايو 1971.
 ولد بدر الدين أبو غازي في 14 مايو سنة 1920م، بالقاهرة، وتوفي في 11 سبتمبر 1983 بمدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية.
كان ابنًا لأسرة من أصول ريفية من ناحية الأب والأم، حيث وفدا من محافظة الدقهلية وسط دلتا النيل إلى القاهرة في بدايات القرن العشرين، كان والده محمود أبو غازي مدرسًا للتاريخ بالمدارس الابتدائية، تنقل في عمله بين القاهرة وطنطا عاصمة محافظة الغربية من محافظات الوجه البحري، وكانت والدته حفيظة العيسوي شقيقة لرائد النحت الحديث في مصر محمود مختار.
 
 
 وهو الابن الثاني لأبوية، وله أربع أخوات.




 
 وكان لوفاة والده المبكرة أثرها في ارتباطه بخاله الذي تولى مسؤلية الأسرة، وقد تزوج بدر الدين أبو غازي في عام 1950 من فنانة تشكيلية ومدرسة للتربية الفنية هي السيدة رعاية الله حلمي وأنجابا ولدين وبنت.





 
درس بدر الدين أبو غازي في مراحل تعليمه المختلفة من رياض الأطفال إلى الإبتدائي فالثانوي بمدارس القاهرة،  ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول في العام الجامعي 1937/ 1938، وفيها تخرج سنة 1941م، وكان من بين أساتذته بعضًا من أبرز أساتذة القانون في مصر، من بينهم عبد الحكيم الرفاعي، ومحمد كامل مرسي باشا، والشيخ محمد أبو زهرة، وعبد الرزاق السنهوري، وغيرهم، كما كان يحرص على حضور محاضرات الدكتور طه حسين والدكتور محمد مندور والدكتور منصور فهمي كمستمع في كلية الآداب.


عمل في الحكومة المصرية بوزارة المالية بمصلحة الضرائب عقب تخرجه، وتنقل بين أجهزة الوزارة المختلفة، ثم تخصص في مطلع الستينات في مجال التشريع المالي والضريبي وعمل مديرًا للإدارة الجديدة التي حملت هذا الاسم، وكان لها دورًا مهمًا في التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها مصر في تلك المرحلة، وبدأ منذ عام 1960 في إصدار مجموعات التشريع المالي القانونية، التي واصلت الصدور بعد تركه الوزارة بسنوات، وقد أصبحت إدارة التشريع المالي والضريبي مدرسة تخرج منها أجيال من القانونيين المنشغلين بدراسة التشريعات المالية والضريبية وصياغتها، وقد انتشر أبناء هذه الإدارة المتميزة بوزارة المالية المصرية، والتي يرجع الفضل في إقامة دعائمها إلى بدر  الدين أبو غازي، في مختلف الأجهزة الحكومية والهيئات المصرية والعربية.





 وتدرج بدر الدين أبو غازي في الوظائف حتى عين سنة  1964م وكيلا للوزارة التي تغير مسماها الى وزارة الخزانة، ثم وكيلًا أولًا للوزارة سنة 1968، وظل يشغل هذا المنصب حتى نوفمبر من سنة 1970، عندما اختير وزيرًا للثقافة في وزارة الدكتور محمود فوزي الثانية (نوفمبر 1970– مايو 1971م)، وقد ترك الوزارة عند إعادة تشكيلها أثناء أحداث مايو 1971 التي أطلق عليها الرئيس محمد أنور السادات اسم ثورة التصحيح، عندما اعترض على ضم متحف محمد محمود خليل إلى منزل رئيس الجمهورية ليكون مقرًا لسكرتارية الرئاسة.
 
 


 وبعد خروجه من الوزارة بفترة عين مستشارًا للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم للشؤون الثقافية (1973-1977)، وخلال عمله في المنظمة شارك في تنظيم عدد من المؤتمرات والحلقات البحثية على المستوى العربي في مجالات السياسات الثقافية والمسرح والسينما والفنون التشكيلية وثقافة الطفل والترجمة والتراث الشعبي والآثار والمخطوطات وحقوق الملكية الفكرية والنهوض باللغة العربية وغيرها، ومثل المنظمة في عدد من الموتمرات الإقليمية والدولية، كما قام بإصدار مجلة الثقافة العربية وتولى رئاسة تحريرها لمدة خمس سنوات.
ثم اختير ليشغل منصب الأمين العام المساعد لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية (1977-1979)،  ثم قائمًا بعمل الأمين العام للمجلس في القاهرة من عام 1979 حتى قبيل وفاته في سبتمبر من سنة 1983، وشارك خلال ذلك في عدد من المؤتمرات الاقتصادية العربية والدولية.

وقد كان لبدر الدين أبو غازي إسهامًا واضحًا في نشاط المؤسسات الأهلية والثقافية والعلمية إلى جانب المسار الوظيفي الذي تدرج فيه في الحكومة المصرية والمنظمات العربية.
فخلال عمله بوزارة الخزانة كان ممثلًا للوزارة في مجالس إدارة عدد من الهيئات الثقافية والعلمية مثل: المجلس الأعلى لمصلحة الآثار المصرية، ودار الكتب المصرية، والأزهر الشريف، كذلك شارك على مدى ثلاثين عامًا في بعض اللجان التي شكلت للإعداد لاحتفاليات ومناسبات قومية أو لإنشاء مؤسسات ثقافية مختلفة، فكان عضوًا في لجنة الإعداد للاحتفال بألفية مدينة القاهرة، ولجنة الاحتفال بالذكرى الخمسين لرحيل محمود مختار، كما شارك في لجنة الإعداد لإنشاء متحف مختار في الخمسينيات، واللجنة التي أعدت مشروع قرار إنشاء المجلس الأعلى للثقافة أواخر السبعينيات، وساهم كذلك بدور بارز في تَأسيس نقابة الفنانين التشكيليين المصرية في السبعينيات، حيث تولى رئاسة اللجنة التي أعدت مشروع قانون النقابة وأشرفت على قيد الأعضاء المؤسسين وعلى إجراء أول انتخابات للنقيب ومجلس النقابة.
 كما كان عضوًا بلجان المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية منذ مطلع الستينيات، ثم مقررًا للجنة الفنون التشكيلية بالمجلس في السبعينيات من القرن العشرين، وعند تأسيس المجلس الأعلى للثقافة في عام 1980 تم تعينه عضوًا بالمجلس، ومقررًا للشعبة الفنون به، وانتخب عضوًا بهيئة مكتبه.


 
 وقد تم تعينه كذلك عضوًا بالمجلس القومي للثقافة والآداب والفنون  والإعلام التابع للمجالس القومية المتخصصة؛ حيث قام بإعداد وتحرير مجموعة من التقارير المتخصصة في مجالات الثقافة والفنون، تناقش مشكلات الواقع الثقافي المصري وتقدم مقترحات لحلول لها؛ كجزء من وظيفة المجلس باعتباره مجلسًا استشاريًا لرياسة الجمهورية.
 وانتخب لعضوية مجمع اللغة العربية عام 1975 خلفًا للأستاذ محمود تيمور، وشارك في أنشطة المجمع ولجانه المتخصصة، خاصة لجان: الفنون، وألفاظ الحضارة الحديثة، والقانون، والأدب، والتاريخ، والاقتصاد، فضلًا عن عضويته باللجنة الإدارية للمجمع، ومن خلال عمله في اللجان المتخصصة أسهم في صياغة عشرات المصطلحات خلال الدورات التسع للمجمع التي شارك فيها، وقد أشرف على إصدار معجم لمصطلحات الحضارة والفنون التي أقرها مؤتمر المجمع خلال سنوات عضويته به.


 كما كان رئيسا لجمعية محبي الفنون الجميلة لأكثر من عشر سنوات (1972-1983)،  وخلال تلك الفترة نجح في إعادة النشاط إلى الجمعية التي تعد واحدة من أعرق الجمعيات الثقافية والفنية في مصر؛ حيث يرجع تأسيسها إلى عام 1922، فأشرف على تنظيم دورات صالون القاهرة للفنون ومسابقة ومعرض الطلائع لشباب الفنانيين التشكليين، كما نظمت الجمعية عددًا من من المعارض التي كانت جديدة في وقتها على الساحة الفنية المصرية، مثل معرض المجموعات الخاصة ومعرض فن الميدالية، واجتذبت الجمعية كبار الفنانين التشكليين ليقيموا معارضهم فيها، كما بدأت الجمعية في تلك الفترة تنظم أنشطة ثقافية متنوعة إلى جانب اهتمامها بالفنون التشكيلية.














 
وكان بدر الدين أبو غازي عضوًا في مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (1979 – 1983)، ونائبًا لرئيس جمعية الصداقة المصرية السوفيتية، وشارك في تأسيس عدد من الجمعيات الأهلية من أبرزها جماعة الفنانين والكتاب (أتيليه القاهرة) في الخمسينيات والجمعية العلمية للآثار والتاريخ في أواخر السبعينيات وكان عضوًا بمجلس إداراتها، كما انضم لعضوية بعض من الجمعيات العلمية والثقافية مثل: الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء، وجمعية الضرائب المصرية والمجمع العلمي المصري والنادي الثقافي المصري والجمعية الأهلية للفنون والجمعية المصرية للأمم المتحدة ومنظمة باجواش للعلماء من أجل السلام وساهم بقوة في أنشطة أصدقاء الفن والحياة، وهي الجماعة التي أسسها الفنان الرائد حامد سعيد والتي كانت تسعى لأن تكون الحياة فن، أي وحدة متكاملة تنبض بالقيمة.




وانضم كذلك لعضوية الشعبة القومية المصرية للمجلس الدولي للمسرح، وشارك من خلال عضويته فيه في أنشطة المجلس الدولي للمسرح.
 وخلال السبعينيات تم اختياره عضوا في مجالس عدد من الجامعات والكليات في مصر، منها مجلس جامعة حلوان ومجلس كلية الآداب بجامعة المنيا لعدة دورات. كما قام بتدريس بعض المقررات الدراسية في كليتي الحقوق والإعلام بجامعة القاهرة، ومناقشة عدد من الرسائل الجامعية في كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية والتربية الفنية.
وعلى الصعيد العربي والإسلامي كان عضوا بالمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) التي أسسها الأمير الحسن بن طلال سنة 1980 واتخذ المجمع من العاصمة الأردنية عمان مقرًا لها، وقد نال عضويته منذ تأسيسه وشارك في مؤتمراته وأنشطته المختلفة حتى وفاته عام 1983.

كما شارك منذ الخمسينيات في كثير من لجان التحكيم في المسابقات المرتبطة بالفنون التشكيلية، ومن أبرز هذه اللجان لجان التحكيم لبينالي الإسكندرية لفنون البحر المتوسط.
    وقد نال بدر الدين أبو غازي عدة جوائز أولها جائزة مصر فرنسا سنة 1950 هو وجبرائيل بقطر عن كتابهما مختار ونهضة مصر الصادر بالفرنسية، كما حصل على جائزة النقد التشكيلي من وزارة الثقافة عام 1960، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى، عام 1978.
آثاره
 تتوزع آثار بدر الدين أبو غازي بين مجالين اثنين؛ مجال هوايته التي تحولت إلى عمل أحترفه أي مجال الثقافة والفنون، ومجال تخصصه الدراسي ومساره الوظيفي في العمل الحكومي، أي مجال الاقتصاد والإدارة والقانون.
وقد بدأ بدر الدين أبو غازي الكتابة في الصحف وهو في السادسة عشر من عمره، حيث نشرت له جريدة الأهرام القاهرية مقالًا في صفحتها الأولى في نوفمبر سنة 1936 عن الزعيم الوطني المصري محمد فريد في الذكرى الخامسة عشر لرحيله، وقد برز اسم بدر الدين أبو غازي كناقد تشكيلي من خلال كتاباته النقدية في الصحف والمجلات المصرية والعربية والتي بدأها منذ الأربعينيات واستمر فيها حتى وفاته في مطلع الثمانينيات، وقد تناول في تلك المقالات تاريخ الفن التشكيلي في العالم، والفنون في الحضارات المختلفة، والتعريف بالمدارس الفنية الحديثة والمعاصرة، فضلًا عن كتاباته في النقد التطبيقي والتي تناول فيها كثيرًا من أعمال الفنانين المحدثين والمعاصرين في مصر والعالم العربي والعالم، إلى جانب متابعاته للحركة التشكيلية. وقد بدأ كتاباته النقدية في مجلتي فصول وصوت الفنان في الأربعينات، ثم واصل الكتابة كناقد فني في جريدة الأخبار ومجلة روزاليوسف في الخمسينيات، لكن شهرته كناقد تشكيلي خلال سنوات الستينيات جاءت من خلال كتاباته المنتظمة في مجلة الهلال ومجلة المجلة، ثم من خلال مشاركاته النقدية في البرامج الإذاعية والتليفزيونية، كما نشر في مطلع الثمانينيات بمجلتي إبداع وفصول. ولم تقتصر كتاباته على المجلات والصحف المصرية، بل نشر في بعض الصحف والمجلات العربية، مثل: عالم الفكر والدوحة والثقافة العربية والرياض.
 وفي بداية الأربعينيات كان مدخله للكتابة في مجال النقد التشكيلي اهتمامه بأعمال خاله النحات المصري الرائد محمود مختار الذي كان قد توفي في عام 1934، فبدأ الصبي بدر الدين أبو غازي في تتبع ما يكتب عن خاله، ثم بعد ذلك في جمع تراثه الفني، كما بدأ مشروعه في تأليف كتاب عن حياة مختار وفنه، ذلك الكتاب الذي صدرت طبعته الاولى بالفعل في عام 1949، (مختار حياته وفنه، مطبعة مصر، القاهرة، 1949).
 
 ثم صدرت في  نهاية السنة نفسها نسخة فرنسية منقحة من الكتاب اشترك في تأليفها معه الناقد جبرائيل بقطر، وقدم لها الناقد الفرنسي جورج ريموند، وقد حصل هذا الكتاب على جائزة مصر فرنسا عام 1950.
(ABOU GHAZI, BADR & BOCTOR, GABRIL: MOUKTAR OU LE RÉVEIL DE L’ÉGYPTE, L’Imprimerie H. URWAND & FILS, Le Caire, 1949).

وفي عام 1964 صدرت الطبعة الأولى من الكتاب الثاني لبدر الدين أبو غازي عن مختار بعنوان "المثال مختار"، ويتضمن الكتاب توثيقًا دقيقًا لرحلة مختار مع فن النحت في مصر الحديثة، وعددًا من شهادات معاصرة عن مختار من مصريين وأجانب، ونماذج لكتابات اشتبكت مع أعمال مختار بالنقد الفني والشعر والكتابة الصحفية والأدبية، (المثال مختار، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1964).
 ولبدر الدين أبو غازي عدد من المؤلفات في مجالات النقد الفني وتاريخ الفن التشكيلي، منها كتابه عن الفنان المصور الرائد محمود سعيد والذي صدر سنة 1960، وكان قد بدأ بالاهتمام بمحمد سعيد عام 1951 عندما أقام معرضه الفردي الشامل، وخلال سنوات تواصل فيه مع الفنان الذي يعاد واحدًا من جيل الرواد أنهى كتابه الأول عنه والذي قدم له الناقد جبرائيل بقطر (محمود سعيد، مكتبة مصر، القاهرة، 1960)، وفي عام 1972 أصدر كتابه الثاني عن محمود سعيد (محمود سعيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972).
ويواصل بدر الدين أبو غازي التعريف بالفنانين المصريين من جيل الرواد والجيل التالي له بكتاب خمسة فنانين معاصرين (1963)، ثم كتاب جيل من الرواد الذي يستعرض فيه نشأة الحركة الفنية الحديثة في مصر ويؤرخ لها، ثم يترجم لسبعة من رواد الفن التشكيلي في مصر معرفًا بدورهم في الحياة الفنية والثقافية في مصر ( جيل من الرواد، جمعية محبي الفنون الجميلة، القاهرة، 1975)، وبعدها يكتب عن المصور الرائد يوسف كامل الذي ينتمي إلى الجيل الأول من خريجي مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة (يوسف كامل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1982)، ثم يؤلف كتابًا عن الفنان والناقد رمسيس يونان وقد تزاملا في الكتابة النقدية بمجلة الهلال القاهرية لسنوات (رمسيس يونان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1978)، وبعد وفاته بأشهر قليلة يصدر آخر كتبه عن الشخصيات الفنية في سلسلة وصف مصر بالفن التشكيلي، حيث يقدم مصورًا آخر من جيل الرواد هو الفنان راغب عياد الذي أسس لمدرسة في التصوير الفني تستلهم التراث الشعبي المصري وتعكس شخصية مصرية في الأسلوب والموضوع (راغب عياد، الهيئة المصرية العامة للاستعلامات، القاهرة، 1984).
ومن آثاره التي جمع فيها كتاباته النقدية المتناثرة في المجلات الثقافية المختلفة، كتابيه الفن في عالمنا (الفن في عالمنا، دار المعارف، القاهرة، 1973) ومن رواد الفن التشكيلي وقد صدر الأخير بعد وفاته (من رواد الفن التشكيلي، دار الهلال، القاهرة، 1985).
الى جانب هذه المؤلفات شارك بدر الدين أبو غازي في عدد من الأعمال الجماعية التي صدرت في الستينيات من القرن العشرين مثل محيط الفنون، والقاهرة في ألف عام، والموسوعة العربية الميسرة، وقد كان عضوًا في هيئة تحريرها، كما ساهم في كتاب جماعي عن الفنان عبد القادر رزق صدر في السبعينيات عن جمعية الفنون الجميلة وآخر عن الطابع القومي لفنونا المعاصرة كان في الأصل ندوة نظمتها لجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، كما أشرف على إعداد معجم ألفاظ الحضارة الحديثة ومصطلحات الفنون الصادر عن مجمع اللغة العربية عام 1980.
ولم تقتصر كتاباته على مجال الفنون التشكيلية، بل كانت له مساهمات في مجال عمله الحكومي الأساسي، فنشر عدة دراسات في مجال الضرائب والتشريع المالي والإدارة الحكومية ورسم السياسات الثقافية في عدد من الدوريات المتخصصة.
كما أشرف على القسم المتعلق بالثقافة في المشروع البحثي الكبير الذي قام به المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بعنوان المسح الاجتماعي لمصر 1952 – 1980،   وقد صدر أبحاث المشروع بعد وفاته بعدة أشهر.

قائمة بمؤلفاته:
·        مختار حياته وفنه، مطبعة مصر، القاهرة، 1949.
·        ABOU GHAZI, BADR & BOCTOR, GABRIL: MOUKTAR OU LE RÉVEIL DE L’ÉGYPTE, L’Imprimerie H. URWAND & FILS, Le Caire, 1949.
·        محمود سعيد، مكتبة مصر، القاهرة، 1960.
·        المثال مختار، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1964.
·        محمود سعيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972.
·        الفن في عالمنا، دار المعارف، القاهرة، 1973.
·        جيل من الرواد، جمعية محبي الفنون الجميلة، القاهرة، 1975.
·        رمسيس يونان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1978.
·        يوسف كامل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1982.
·        راغب عياد، الهيئة المصرية العامة للاستعلامات، القاهرة، 1984.
·        من رواد الفن التشكيلي، دار الهلال، القاهرة، 1985.

الأحد، 6 سبتمبر 2015


خارج الوطن...
عماد أبو غازي
 أجلس في استراحة مطار إسطنبول في انتظار اللحاق بطائرتي المتوجهة الي بوخارست بعد أن أمضيت ليلتي في فندق داخل المطار. سيصبح هذا طريق المعتاد إلى رومانيا بعد أن توقف الخط المباشر للخطوط الجوية الرومانية، استراحة مطار إسطنبول من أجمل استراحات المطارات التي زرتها، لكن مشكلة المطار الرئيسية في ارتباك الرحلات الدولية به؛ وأظن أن السبب في ذلك يرجع إلى حجم الحركة الذي يفوق طاقة ممرات الهبوط والانطلاق.
 جالت بخاطري في هذه اللحظات ذكريات السفر خلال تسع سنوات زرت فيها ما يقرب من عشرين دولة في قارات "العالم القديم" الثلاث، أفريقيا وآسيا وأوروبا، بعض هذه الدول زرته لأكثر من مرة، تذكرت مشاهداتي في السفر التي دونت بعضها من قبل لكن أغلبها لم أدونه.
 كانت أول رحلة لي إلى خارج البلاد بعد أن تجاوزت الثلاثين بأشهر قليلة إلى موسكو، كانت المرة الأولى التي تصورت وقتها أنها الأخيرة، فلم أعد للسفر مرة أخرى إلا بعد التجربة الأولى بما يقارب العشرين عامًا.
 
الطائرة الوحيدة التي ركبتها في صغري!!!
 الرحلة الأولى بعد سن الثلاثين، بين أبناء جيلي كان هذا أمرًا غريبًا، فمعظم أقراني سافروا إلى خارج البلاد قبل أن يكملوا العشرين، في رحلات صيفية الي أوروبا أو إلى بعض دول الجوار العربية؛ بهدف الفسحة أو العمل في أشهر الصيف في بعض الاعمال الصغيرة كغسيل الصحون وبيع الصحف، لتمويل رحلاتهم أو أحيانًا لتمويل دراستهم. 
 عرفت مصر هذه الظاهرة بعد هزيمة يونيو 1967 وانفجار الاحتجاجات الطلابية والعمالية ضد النظام في العام التالي. عام 1968. ذلك العام الفاصل في تاريخ العالم الحديث إذا جاز لنا أن نعتبر أن هناك أعوامًا فاصلة في التاريخ. إنه عام حركات الاحتجاج الكبرى التي اجتاحت دول العوالم الثلاثة وفتحت الطريق لإسقاط منظومة دولية بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية. 
 في مصر كان السفر الي الخارج مقيدًا منذ استتب الأمر لنظام يوليو 52. كان السفر خارج البلاد يحتاج تأشيرة خروج. أي تصريح بالسفر يحصل عليه المواطن من وزارة الداخلية! إنه أمر غريب بالنسبة لأبنائنا اليوم. لا أظن أنه من الممكن لهم أن يتصوروا هذا الأمر. الميزة الوحيدة لهذا النظام إذا كان يمكن أن نعتبر أن له ميزة؛ إن الممنوع من السفر كان يعرف هذا من مجمع التحرير دون أن يتكبد مشقة حجز تذكرة السفر والذهاب إلى المطار ثم يفاجأ هناك بأنه مدرج علي القوائم. كذلك كان من شبه المستحيل الحصول علي عملة أجنبية للسفر بها رغم أن سعر الدولار وقتها كان في حدود 39 قرشًا، لكنه غير مطروح في الأسواق للبيع. لم تكن هناك شركات الصرافة ولم يكن مسموحًا للبنوك أن تبيع العملة الأجنبية للمواطن إلا في أضيق الحدود. كما كان الاحتفاظ بالعملة الأجنبية بحوزة الأفراد جريمة يعاقب عليها القانون. ولم يكن مسموحًا لهم بفتح حساب بالعملة الأجنبية. أتذكر هنا أول مرة رأيت فيها شركة صرافة كانت في مدينة بور سعيد في أول زيارة لي للمدينة سنة 1963 وعمري ثمان سنوات ويبدو أن المدينة لأنها ميناء دولي ومدخل لقناة السويس كان مسموحًا فيها بشركات الصرافة. يومها وقفت مشدوها إمامًا واجهة الشركة أتطلع لأشكال عملات العالم المختلفة التي لم أكن قد رأيتها في حياتي. أتذكر كذلك أنه في عام 66 سافرت صغرى عمتي إلى كندا لمدة ثلاثة أشهر بمنحة من منظمة الصحة العالمية، وعندما عادت إلى القاهرة كان قد تبقي معها أربعون دولارًا من راتب المنحة، ولأنها مواطنة صالحة ولا تكذب أبدًا، فعندما سألها موظف الجمارك هل معكي عملات أجنبية أبلغته بالمبلغ الذي بحوزتها وسجلته في إقرارها الجمركي، فجاء لزيارتها في مساء اليوم الذي وصلت فيه اثنان من موظفي وزارة المالية، وتسلموا منها المبلغ وأعطوها إيصالًا به ومقابله بالجنيه المصري. 
 أتذكر كذلك كيف كان سفر أحد أفراد العائلة الكبيرة في مهمة رسمية للخارج تستغرق أيامًا قليلة يستدعي ذهاب جميع أفراد العائلة في قافلة من السيارات الخاصة وسيارات الأجرة لوداعه في المطار! 
وكان الذهاب الي المطار نزهة ممتعة بل إن استريو المطار كان أحد الأماكن التي يذهب إليها الشباب لقضاء سهراتهم فيها. 
 بعد هزيمة 67 وثورة الشباب بدأت الصورة تتغير تدريجيا؛ ففي محاولة من نظام عبد الناصر لامتصاص الغضب من الهزيمة، ومحاصرة جنوح الشباب نحو التمرد علي نظام أبوي متسلط، قدم النظام تنازلات عديدة، وخلافًا لما يمكن أن يحدث في دولة خرجت مهزومة من الحرب، شهدت البلاد انفراجه جزئية؛ كي لا يشعر الناس بوطأة الهزيمة. فمن ناحية غُض البصر عن تهريب السلع الأجنبية التي كانت قاصرة قبل الهزيمة علي ما يعرف بسوق غزة، لتنشأ في شوارع وسط المدينة ظاهرة جديدة، بوتيكات الملابس والسلع المستوردة المهربة، بدأت الظاهرة بشارع الشواربي الذي تحول إلى أشهر شارع في المدينة، لتمتد بعد ذلك إلى باقي شوارع وسط البلد، ووسط كل مدينة كبري. بل إن الدولة نفسها دخلت طرفًا في طرح السلع المستوردة في محال القطاع العام الكبرى، فأصبحت محلات مثل هانو وريفولي وشيكوريل تبيع شوكلاتة نسله وكادبوري، والصابون ومعاجين الأسنان الأجنبية مثل كامي وكولجيت التي لم يكن معظم أبناء جيلي قد رأوها في حياتهم. وفي هذا السياق تم تخفيف القيود علي السفر للخارج وعرفنا وقتها ما كان يسمي جواز سفر الطلاب، وكان جواز سفر مدة صلاحيته ستة أشهر فقط وعدد صفحاته 12 صفحة، يمنح للطلاب في مراحل التعليم المختلفة، ما عدا طلاب السنوات النهائية: الثانوية العامة والسنة النهائية في المعاهد والكليات، ذلك حتي لا يهربوا من التجنيد. كأن من يريد الهرب أو الهجرة سيمنعه أنه في سنة نهائية. وبالفعل خرج كثيرين من الشباب في جيلي ولم يعودوا. سافر زملائي وشقيقي الأكبر وشقيقتي الصغرى مرات إلى أوروبا في ذلك الزمن لكني لم أسافر أبدًا، كما لم أسافر بعدها مع أهلي، أو فيما عرض علي من فرص للدراسة بعد أن التحقت بالعمل بالجامعة.
لماذا؟
 لأنني كنت مصابًا برهاب من ركوب الطائرات، كنت أخفي هذا الأمر عن أهلي وأتعلل بحجج مختلفة لعدم السفر، لكن مع تكرار عروض السفر، وتكرار الرفض كان علي أن أصارح الجميع بحقيقة أمري.
 إذًا لماذا سافرت إلى موسكو؟
 هذه قصة أخرى...
مطار إسطنبول
7 نوفمبر 2013

السبت، 5 سبتمبر 2015


5 سبتمبر / يوم المسرح المصري
نشرت هذا المقال من عشر سنوات عقب حريق مسرح بني سويف...
 

مخربشات

كود الإهمال المصري

عماد أبو غازي

  بدأت نهاري يوم الثلاثاء الماضي بخبر مأساة الحريق المروع بمسرح الثقافة الجماهيرية ببني سويف، وإذا كانت الواقعة قد هزتني مثلما هزت مصر كلها، إلا أن في الحادث فجيعة خاصة لي ولعديدين من الأصدقاء، أخذت أتبينها ساعة بعد ساعة، فبين شهداء الحادث خمسة من الأصدقاء والمعارف المباشرين، نزار سمك وحازم شحاتة وبهائي الميرغني وصالح سعد ومحسن مصيلحي، بعضهم امتدت صداقتنا لأكثر من ثلاثين عاما منذ سنوات الدراسة الجامعية واتصلت طوال هذه السنوات بحلوها ومرها مثل نزار، وبعضهم انقطعت الصلات وظلت الأسماء والمواقف باقية في الذاكرة، والبعض الثالث تعرفت عليهم في السنوات الأخيرة وتوطدت علاقة العمل وتحولت لصداقة، وبينهم من عرفتهم من خلال ما قرأته لهم من كتابات صحفية ونقدية مثل أحمد عبد الحميد ومدحت أبو بكر، ومن خلال صفحات النعي وسرادقات العزاء اكتشفت أبناء وأقرباء لمعارف آخرين، من هنا كانت الفجيعة فجيعتين، فجيعتي الخاصة قبل الفجيعة العامة وفوقها.

 عندما يفقد المسرح المصري في حادث واحد أكثر من ثلاثين من مبدعيه ونقاده وشبابه الواعد فنحن أمام كارثة للثقافة المصرية بكل المعايير، كارثة ترقى إلى مستوى كارثة الرياضة المصرية في أواخر الخمسينات عندما فقدنا فريق الشيش المصري بالكامل في حادث طائرة، وترقى إلى مستوى كارثة العسكرية المصرية باستشهاد المشير أحمد بدوي ورفاقه من قادة القوات المسلحة في أواخر السبعينيات في حادث طائرة آخر، لكن الكارثة هذه المرة مركبة لأنها نتيجة للإهمال الجسيم ولعدم الاهتمام بمعايير الأمان والجودة، كارثة كان من الممكن تلافيها تمامًا أو على الأقل التخفيف من حجمها.

 إننا أمام قاعة غير مجهزة للعرض المسرحي تنظم فيها مسابقة قومية للمسرح، قاعة بلا أبواب للطوارئ، وديكور يسد الباب ولا أحد يبالي، موظف يغلق الباب على المشاهدين بالمفتاح ويختفي ولا أحد يهتم، مبنى بلا معدات للإطفاء، وقوات مطافئ تصل متأخرة، وسيارات إسعاف أكثر تأخيرًا في الوصول، عدم توافر الإمكانيات الطبية اللازمة لمواجهة الحالة، وقبل هذا عرض ديكوراته قابلة للاشتعال وتشكل الشموع المضاءة مشهدًا أساسيًا فيه ولا من معترض.

 ولكن ما الغريب في هذا إذا كنا نعيش في مجتمع تسود فيه ثقافة "خليها على الله"، ثقافة تتهاون مع  التدخين في المصاعد وفي محطات البنزين، وتتساهل مع البناء المخالف للمواصفات، وتغض البصر عن الارتفاع بالمباني  فوق ما تحتمل فتنهار فوق رؤوس سكانها، وكل ما يهمنا كيف نتهرب من القواعد التي نضعها، وكيف نخرق القوانين أو نتحايل عليها، إننا نعيش للأسف في ظل مبدأ كل واحد يعمل اللي في دماغه.

 لذلك وقع حادث قطار الصعيد منذ عامين وراح المئات ضحية له، وحادث مصعد العمارة الذي فقدت فيه مصر واحدًا من أطبائها وعلمائها البارزين منذ شهرين، وحادث قرية الدبلوماسيين منذ أسبوعين الذي فقدت فيه شابة مصرية مغتربة وأم لطفلين صغيرين حياتها، وسوف تقع حوادث أخرى كثيرة ما لم نغير سلوكنا ونأخذ أمور حياتنا بجدية أكثر.

بمجرد أن سمعت بحادث قصر ثقافة بن سويف قفزت إلى ذاكرتي وقائع المشاركة العربية في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، كان الجناح العربي يضم مسرحًا داخل خيمة منصوبة في الساحة الرئيسية لمبنى المعرض، وكانت تعليمات الأمن صارمة بضرورة الالتزام بأن تكون جميع مكونات الخيمة والمسرح من مواد غير قابلة للاشتعال أو معالجة بحيث لا تشتعل حتى لو تعرضت لنيران مباشرة، ولم يقتصر الأمر على التعليمات، بل حضرت رئيسة مطافئ مدينة فرانكفورت لتتأكد بنفسها من تنفيذ التعليمات بدقة، كانت تجري اختبارات إشعال النيران بولاعتها في الديكورات، ولم تصرح للزميل ناصر عبد المنعم المخرج المسرحي والمسئول عن خيمة المسرح بافتتاح الخيمة إلا بعد أن أطمئنت تمامًا إلى سلامة التنفيذ ودقة الالتزام بالقواعد والتعليمات الأمنية، ولم يشفع لنا كون العالم العربي ضيف الشرف في المعرض، فهناك للإنسان قيمته واحترامه، ولا مجال للمغامرة بأمنه وأمانه، ولا محل للإهمال وعدم الدقة في العمل، وهذا الفارق بينهم وبيننا، الفارق الذي جعلهم مجتمعات متقدمة وأبقانا في تخلفنا، لا نملك إلا التباهي بأمجاد الأجداد دونما صلة حقيقية بما أنجزوه، لقد شيد أبناء وادي النيل حضارتهم القديمة على قاعدة مراعاة معايير الجودة في كل شيء في حياتهم، على أسس من الدقة وإتقان العمل والإخلاص فيه، حتى أن الجنة الموعودة بعد البعث عند المصري القديم كانت عبارة عن حقول أوزير (أوزوريس) التي يباشر فيه الفلاح عمله بإتقان بعد رحلته إلى العالم الآخر، ليس من حقنا أن ننتسب لصناع تلك الحضارة العظيمة إلا إذا تخلينا عن كود الإهمال والتسيب والاستسهال، وعدنا متمسكين بكود الدقة والإتقان والأمانة في العمل.

إن الاعتذار الوحيد لشهداء الثقافة المصرية يأتي بمواجهة صارمة منا جميعًا لمظاهر الإهمال والفساد والاستسهال داخلنا وحولنا.

الخميس، 3 سبتمبر 2015

 
هل عبد المصريون النيل؟
عماد أبو غازي
 كان المصريون يرددون دائما حسبما قال المؤرخ الإغريقي هيردوت: "إن مصر هي هبة النيل"، وبقدر ما تحمل هذه المقولة من اعتراف بفضل النيل على هذا البلد بقدر ما تحمل من إنكار للذات من قبل المصريين؛ فإذا كان النيل مصدر الحياة على هذه الأرض فإن جهود المصريين وإبداعاتهم هي مصدر الحضارة المصرية العظيمة، والتي لم تقم حضارة مماثلة لها بطول النهر من منبعه حتى بلاد النوبة، كان النيل يفيض سنويا ليكون واديه ودلتاه من الغرين الذي يحمله معه من هضبة الحبشة، وليروي الحقول ويزيد من خصوبة التربة، وكان المصريون يعملون من أجل تحقيق أكبر استفادة من النهر العظيم ليشيدوا حضارتهم.
 
 وفي دراسة حديثة للباحث حمدي أبو كيلة عن التأثير المتبادل بين النيل والمصريين، جمع الباحث بعض أناشيد المصريين القدماء للنيل والتي تعبر عن تقديرهم لمصدر الحياة على أرض مصر أقتطع منها:
إن الخير الذي يجلبه النهر
أجل نفعا من الذهب والفضة
وأعلى من الجواهر
إن الناس لن تأكل الذهب
وإن كان خالصا
ولن تتغذى بالجواهر
ولو كانت حرة نقية...
ومادام الناس لا يأكلون اللازورد الحر فالشعير أحسن
وعندما نتحدث عن نهر النيل فنحن نتكلم عن واحد من الأنهار العظمى في العالم، إنه أطول أنهار الأرض، حيث يبلغ طوله ستة آلاف وخمسمائة كيلو متر، وهو أحدث الأنهار الكبرى في العالم تكوينًا حيث يرجع إلى الزمن الجيولوجي الرابع والأخير.
 يبدأ النهر رحلته من البحيرات العظمى فيما وراء خط الاستواء ليعبر مناطق الشلالات الاستوائية ثم يمر في شبكة من المجاري المائية المليئة بالأعشاب والحشائش الطويلة في جنوب السودان ليشق بعد ذلك السهول الواسعة والصحارى حتى يصل إلى مصر، وعند منطقة النوبة تبدأ رحلة النيل مع الحضارة العظيمة التي قامت على ضفتيه من هذه النقطة جنوبًا وحتى مصبه على شواطئ البحر المتوسط شمالً؛ تلك الحضارة التي بدأت بذورها الأولى قبل الميلاد ببضع آلاف من السنين، وفي نهاية رحلة النيل يُكوّن النهر أرض مصر على ضفتيه وفي دلتاه، تلك الأرض التي شيد المصريون عليها حضارتهم ، وقد لخص أحد شعراء مصر المعاصرين وهو الشاعر حسن طلب هذا المعنى في قصيدة له يقول فيها:
يا نيل أحكمت الخطط
فرشت لك الصحراء شر حصيرة
فرصدت كل صغيرة، ولم تنس قط
ومكرت بالمستنقعات
فسرت من بحر الغزال
عبرت مرتفعات دنقلة القديمة
في محاذاة الجبال
أدرت رأسك من بحيرات الجنوب إلى الشمال
ومررت من بين الجنادل، وانتصرت على التلال
وهدرت بالشلال
فانطوت الهضاب الصفر بين يديك
والوادي انبسط
حتى إذا ألقيت نفسك في بحيرات الرمال
دعوت ربك وانطلقت
شققت دربك بين صحراوين واخترت الوسط
وجعلت تبتكر التضاريس الجديدة:
إنها مصر التي انتظرتك
تنهض في ضباب الكون واحدة وحيدة
[ اكتملت بها...،...أو اكتملت بك ]
وكان المصريون القدماء يطلقون على النيل اسم إترو، ثم تطور النطق إلى أن أصبح إيور، وهذا اسم يطلق على أي نهر دائم الجريان، وهذه الكلمة في صيغة الجمع كانت ترمز لأفرع النيل في الدلتا وتنطق نا إيور. ويرى بعض علماء المصريات أن هذا النطق الأخير هو أصل كلمة نيلوس اليونانية والتي اشتق اسمه منها في كل اللغات الحية حتى الآن.
 
 وإذا كانت أفرع النيل عند منطقة المصب في الدلتا قد عرفت باسم نا إيور، فإن المجرى الجنوبي في الوادي قد ظل يعرف على ما يبدو وبالاسم القديم إترو مع إضافة كلمة عظيم المصرية القديمة إليه فأصبح يسمى إترو عا ومنها جاءت كلمة ترعة.
 أما اسم حابي أو حعبي فيدل على الروح الكامنة في النيل، وكان حابي من ضمن آلهة المصريين المقدسة، ومن الأناشيد الموجهة إليه:
"حعبي أبو الآلهة
 الذي يغذي ويطعم ويجلب المئونة لمصر كلها
 الذي يهب كل فرد الحياة في أسم قرينه
 ويأتي الخير في طريقه
 والغذاء عند بنانه
ويجلب مجيئه البهجة لكل انسان...
حعبي أنت الذي خلقت نفسك من نفسك دون أن يعرف أي فرد جوهرك
 غير أن كل إنسان يبتهج في اليوم الذي تخرج فيه من كهفك
إنك سيد الأسماك وإنك غني بحقول القمح..."
 
 لكن هل يعني ذلك أن المصريين القدماء قد عبدوا النيل، موضوع عبادة النيل في مصر القديمة من الموضوعات الملتبسة التي أثارت الكثير من الجدل بين علماء المصريات، والاتجاه السائد الآن في دراسات التاريخ والحضارة المصرية القديمة هو أن النيل لم يقم بدور أساسي في نطاق الديانة الرسمية، والأناشيد التي كانت توجه للنيل هي أناشيد تعبر عن الاهتمام بالنهر والامتنان له ولفضله والحفاظ عليه كنوع من أنواع إظهار التدين والورع وليس عبادة النهر في ذاته، كذلك يذهب الكثيرون من علماء المصريات إلى أن الديانة الحقيقية المتعلقة بعبادة النيل لم تتبلور بشكل واضح إلا في العصر اليوناني الروماني في مصر...
 كذلك فإن الأفكار السائدة حول علاقة الفرعون بفيضان النهر يبدو إنها غير دقيقة؛ فالفرعون لا يعد ساحرًا يتحكم في عملية الفيضان كما يجلب بعض السحرة سقوط الأمطار في بعض المعتقدات البدائية، وهو ليس وسيطًا مباشرًا بين الفلاحين والنيل، وتعد سنوات الجفاف مظهرًا من مظاهر الفوضى التي تنجم عن التدمير والجهل والإهمال، ويقتصر دور الفرعون أو الملك على تقديم القرابين للإله حعبي عند أسوان وعين شمس، كما يقوم باتخاذ الإجراءات النافعة من خلال حكومته أو رجال إدارته، وعليه أن يتقدم بالشكر للإله آمون عندما يفيض النيل بالشكل المرغوب، ولم تضمن القرابين المقدمة للنيل في أي عصر من عصور الحضارة المصرية قرابين بشرية أو عرائس للنيل مثلما هو شائع في الأسطورة الخرافية التي رددها المؤرخ العربي ابن عبد الحكم، إذا لم يقدس المصريون القدماء مجرى النهر في حد ذاته وإن كانوا قد أضفوا القدسية على الكائن الغامض المستتر تحت الأرض والذي تظهر قوته وفاعليته مرة كل عام عندما يرتفع منسوب المياه.
 
 والإله حابي أو حعبي هو روح النيل وجوهره الحركي، هو فيضان المياه النابعة من "نون" التي تجسد رقعة المياه الأزلية مترامية الأطراف التي أقصيت عند بداية الخليقة إلى حافة العالم وفقا للمعتقدات المصرية القديمة. وكان الفيضان هو مجئ حعبي، ومن هنا كان حعبي يشترك في الجوهر مع نون التي كانت المظهر العام لتجسيد الخصوبة، ويلتبس في بعض الأساطير مع أوزير الجسم الكوني الذي تسبب رطوبته ارتفاع المياه.
ويصور حعبي في شكل إنسان بدين مترهل الصدر طويل الشعر يرتدي ملابس صيادي الأسماك في المستنقعات، ويكون باللونين الأزرق والأخضر، واعتقد المصريون أن للإله حعبي كهف يسكن فيه عند أسوان وآخر عند رأس الدلتا بالقرب من موضع القاهرة حاليًا، وفي بعض المعتقدات المصرية المتأخرة كان الفيضان يأتي من هذين المسكنين، وعندهما كانت تقام طقوس عبادة حعبي الذي كان من الآلهة الثانوية في مصر، لذلك أقيمت مقاييس للنيل عند مساكنه في جزيرة إلفننين بأسوان وإلى الشمال من منف القديمة، ومن الطريف أن هذين الموضعين ظلا من مواضع مقاييس النيل الرئيسية عبر العصور، وعند مقياس الروضة الذي لا يزال قائمًا حتى الآن كانت تنطلق احتفالات وفاء النيل حتى عقود قليلة مضت.
 

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015


هوامش على حكاية عروس النيل

عماد أبو غازي


 شغل نهر النيل أذهان الناس منذ القدم وجذب اهتمامهم... وكيف لا، والنيل شريان الحياة الذي جعل من مصر واحة كبيرة وسط الصحراء، بل أكبر واحة على وجه الأرض، كان فيضان النيل الذي يأتي بالخير كل عام يثير دائما أذهان الناس وخيالهم، ويدفعهم إلى البحث عن سبب حدوثه، والسعي إلى الحفاظ على استمراره.
 وفي هذا السياق ترددت بين الناس قصة تقول: إن المصريين القدماء كانوا يزيِّنوُن في كل عام فتاة عذراء يختارونها من بين أجمل بنات مصر ويلقونها في النيل حتى لا ينقطع فيضانه، وتؤكد الحكاية أن المصريين لم يتوقفوا عن هذه العادة إلا عندما دخل المسلمون مصر في القرن السابع الميلادي فأبطلوا تقديم هذا القربان البشري للنهر.
 المصدر الأساسي لهذه القصة كتاب فتح مصر للمؤرخ ابن عبد الحكم المصري، الذي قام بتأليفه في القرن الثالث الهجري ـ التاسع الميلادي.
 فمن هو ابن عبد الحكم وما قصة كتابه؟
 إنه المؤرخ عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، أقدم مؤرخ مصري كتب بالعربية ووصلت إلينا مؤلفاته من العصر الإسلامي، ولد ابن عبد الحكم حوالي سنة 187هـ وتوفي في الفسطاط سنة 257هـ، المقابلة لسنة 871م، ودفن بجوار قبر الإمام الشافعي. كان الرجل ينتمي لأسرة من الفقهاء، كان أبوه من علماء الفقه والحديث البارزين في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين، وقد عاصر ابن عبد الحكم قيام الدولة الطولونية وعاش ثلاث سنوات بعد تأسيسها.
 وترجع أهمية ابن عبد الحكم إلى أنه صاحب أقدم كتاب عربي مؤلف في مصر يتناول تاريخ دخول العرب إلى مصر، ورغم أن ابن عبد الحكم لم يكن معاصرًا لتلك الحوادث إلا إنه جمع الروايات المختلفة التي دونها السابقون عليه، أو تلك التي سمعها تروى شفاهًا.
 إن السنوات التي عاشها ابن عبد الحكم تأتي في قلب فترة تعرف في تاريخ مصر الإسلامي بعصر الولاة، يمتد هذا العصر منذ دخول المسلمين إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص سنة 640م المقابلة لسنة 20 هـ حتى ضم الفاطميون مصر إلى دولتهم ونقلوا إليها مركز خلافتهم سنة 969م المقابلة لسنة 358هـ. خلال عصر الولاة كانت مصر تابعة لدولة الخلافة الإسلامية يحكمها ولاة يعينهم الخليفة ويفوضهم في إدارة شئون الولاية، وكان أول هؤلاء الولاة القائد عمرو بن العاص الذي ضم مصر إلى دولة الخلافة الإسلامية في عصر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.
 استمرت مصر ولاية تابعة لدولة الخلافة بقية عصر الخلفاء الراشدين، وطوال عصر الدولة الأموية، ولفترة من عصر الدولة العباسية، لكن مع اتجاه ولايات الدولة إلى الاستقلال الذاتي في إطار الخلافة العباسية تأسست في مصر الدولة الطولونية سنة 254هـ ـ التي عاصر ابن عبد الحكم تأسيسها ـ ومن بعدها قامت الدولة الإخشيدية سنة 323هـ.
 وخلال عصر الولاة بدأت بوادر تحول مصر إلى اللسان العربي، كما بدأ الأسلام ينتشر تدريجيًا في البلاد، وخلال ذلك العصر استوطنت في مصر عديد من القبائل العربية التي اختلطت بأهل البلاد فتمصرت مع مرور الزمن. كما هاجر إلى مصر أعداد من الصحابة والتابعين وعاشوا فيها، وانتقل إليها فقهاء وعلماء ومحدثون من مختلف أرجاء الدولة الإسلامية ليعيشوا فيها، حيث تأسست حلقات العلم والدرس في مدينة الفسطاط ومسجدها الجامع الذي شيده عمرو بن العاص. في هذا المناخ العلمي الذي ظهر فيه الإمام الليث بن سعد والإمام محمد بن إدريس الشافعي نشأ مؤرخنا عبد الرحمن بن عبد الحكم، واشتغل بجمع التواريخ وتدوينها.
 خصص ابن عبد الحكم جزءًا من كتابه للحديث عن النيل فذكر أهمية النهر لحياة مصر، وتحدث عن روايات السابقين عن النهر وعظمته. وأورد ابن عبد الحكم رواية استند إليها كثير من الناس في أسطورة عروس النيل، ومفاد هذه الرواية: إن المصريين أخبروا عمرو بن العاص بعد أن دخل مصر أن للنيل سنة لا يجري إلا بها، وطقوسًا لا يتحقق فيضان النهر إلا إذا مارسوها. ويمضي ابن عبد الحكم في روايته فينسب إلى المصريين أنهم أكدوا لعمرو بن العاص أن عليهم أن يختاروا بنتًا بكرًا في الليلة الثانية عشر من شهر بؤونه من شهور السنة المصرية، الذي يقابل شهر يونيو من الشهور الميلادية، ويعطوا لأبويها ديتها، ويضعوا عليها الحلى وأفضل الثياب، ثم يلقونها في النيل قربانًا حتى لا يتوقف عن الفيضان!!
 ووفقا لرواية ابن عبد الحكم رفض عمرو بن العاص بالطبع أن يمارس المصريون طقوس تقديم القرابين البشرية التي تخالف تعاليم الإسلام، ووفقًا للقصة الأسطورة استمر رفضه لمدة شهرين ونصف، لم يزد فيها النيل إصبعًا واحدًا. وعند هذا الحد أرسل عمرو بن العاص بكتاب إلى الخليفة عمر بن الخطاب، يخبره فيه بقصة النيل والمصريين. فأيد عمر موقف واليه على مصر وبعث إليه ببطاقة ليلقيها في النيل، يقول عمر في البطاقة وفقا لرواية ابن عبد الحكم:
 "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر
 أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك".
 فماذا حدث بعد ذلك؟
 يقول ابن عبد الحكم:
 "فألقى عمرو البطاقة في النيل وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها، لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعا في ليلة، وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر..."
 وقصة ابن عبد الحكم عن عروس النيل قصة من نسج الخيال، ومع ذلك فقد لاقت رواجًا واسعًا بين المؤرخين القدماء، كما أصبحت أسطورة عروس النيل من الأساطير التي يستلهمها الأدباء والشعراء والفنانين في أعمالهم.
 

 والقصة غير معقولة منطقًا لأن أهل مصر عندما دخلها عمرو كانوا يعتنقون المسيحية، وهي تحرم بالطبع القربان البشري، ومن هنا فمن غير المتصور أن يُقْدم  المصريون في القرن السابع الميلادي على إلقاء فتاة في النهر وتقديمها كقربان حتى يفيض، بعد مرور سبعة قرون على بداية انتقالهم إلى المسيحية، وبعد مرور أكثر من مائة عام على إغلاق أخر معابد الديانة المصرية القديمة في بلاد النوبة. لكن هل معنى هذا أن المصريين القدماء قبل اعتناقهم المسيحية اعتادوا تقديم عروس للنيل في كل عام؟

 في الحقيقة لا توجد أدلة أثرية أو تاريخية تؤكد قصة عروس النيل في مصر القديمة، كما أن المؤرخ الإغريقي هيردوت الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد لم يشر إلى مثل هذه الأسطورة، رغم أنه تحدث كثيرا عن النيل وفيضانه.

 والمعروف تاريخيًا، إن الحضارة المصرية القديمة لم تعرف في مرحلتها التاريخية تقديم القرابين البشرية، كان المصريون القدماء يلقون بالهدايا في النيل أثناء احتفالهم بوفائه، وكانت هذه الهدايا تضم ثمار الفاكهة والتمائم والتماثيل ربما يكون هذا مصدرًا للأسطورة.

 لكن رواية ابن عبد الحكم الأسطورية عن إلقاء فتاة حية في النيل ليس لها أساسًا من المنطق ولا سند من التاريخ...

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015


وفاء النيل

عماد أبو غازي
 قبل آلاف السنين انتقل المصريون ليعيشوا على ضفاف النهر في الوادي والدلتا ومنذ ذلك الحين ارتبطوا بالنيل وبفيضانه الذي يأتي بالخير ويجدد الحياة في كل عام، وقد عرف المصريون فضل النيل عليهم، واعترفوا له بهذا الفضل، فكان الاحتفال بوفاء النيل من أهم الأعياد القومية في مصر عبر عصور التاريخ.

 لقد استمر المصريون يحتفلون بالنهر ويحتفون به عند اكتمال فيضانه في كل عام، وتنوعت أشكال احتفالهم عبر العصور لكن جوهرها ظل دائمًا يحمل معنى الامتنان للنهر العظيم والابتهاج بالخير الذي أتى به. وكانت أعياد وفاء النيل احتفالات ضخمة تليق بالمناسبة العظيمة التي تحمل معها الحياة لمصر وشعبها، احتفالات تجمع بين الطابع الرسمي والطابع الشعبي يشترك فيها الحاكم والمحكومين؛ لقد كان يوم وفاء النيل من أيام البهجة والفرح في مصر عبر عصورها، ويعلق سفير جمهورية البندقية دومنيكو تريفشيان الذي زار مصر سنة 1512 في زمن السلطان قانصوة الغوري على هذه الاحتفالات التي شاهدها بنفسه قائلًا: "والواقع أن لهم الحق في كل ذلك، لأننا نستطيع أن نؤكد أن حياة مصر كلها تتوقف على فيضان النيل، وإليه مرجع الثروة الطائلة التي نشاهدها في مصر..".
 لقد لمس سفير جمهورية البندقية إلى مصر في أوائل القرن السادس عشر الحقيقة التي أدركها المصريون عبر آلاف السنين، حقيقة أن حياتهم مرتبطة بهذا النهر الخالد، وأن رخائهم رهن بفيضانه الذي يأتي في صيف كل عام حاملًا معه الطمي من الهضاب الأثيوبية.

 وكان المصري القديم يعلن الوفاء للنهر في احتفال مهيب يقام كل عام عند موضعين اعتقد أنهما مساكن حابي الذي كان يجسد النيل، أولهما في الجنوب عند أسوان والثاني بالقرب من أونو أو عين شمس. كذلك كان المصريون يقيمون الاحتفالات بفيضان النهر عند كل المواضع التي شيدت فيها مقاييس للنيل لرصد مقدم الفيضان، وكان الناس في تلك الاحتفالات في عصور الحضارة المصرية القديمة يقذفون إلى النهر بالكعك والفاكهة والتمائم، كما كانوا يقذفون كذلك بتماثيل كالإناث في النهر، ربما كانت هذه العادة وراء الخرافة التي روج لها المؤرخ ابن عبد الحكم في القرن الثالث الهجري حول عروس النيل.

 وفي العصور الوسطى كان كسر الخليج أو فتحه هو الإعلان الرسمي عن وفاء النيل، فإذا وصل ارتفاع الفيضان إلى ست عشرة ذراعًا أمر حاكم البلاد بكسر السدود إيذانًا بانطلاق المياه في الخلجان المتفرعة من النيل، ويبدو أن الاحتفالات طوال عصر الولاة كانت تقتصر على كسر الخليج، وربما تحرير وثيقة أو حجة شرعية تفيد وفاء النيل وكفاية مياهه للزراعة، وربما عادت الطقوس الاحتفالية الرسمية والشعبية بوفاء النيل مع حكم الفاطميين لمصر، فمصادر ذلك العصر تكشف لنا عن التطور السريع للاحتفال في عصرهم؛ فوقائع الاحتفال بكسر الخليج التي ذكرها المؤرخ المصري ابن زولاق الذي كان معاصرًا لدخول الفاطميين إلى مصر تؤكد أن احتفالًا جرى في زمن المعز لدين الله كان قاصرًا على موكب رسمي أمر فيه الخليفة بكسر سد الخليج؛ لكن سرعان ما نجد في روايات المؤرخين الذين عاشوا مراحل تطور الدولة الفاطمية في مصر من أمثال البطائحي وابن المأمون وصفًا تفصيليًا لاحتفالات رسمية وشعبيه حاشدة بمناسبة وفاء النيل، وقد حفظ لنا ابن منجب الصيرفي أحد كبار كتاب دولة الفاطميين في مصر نص وثيقة من وثائق وفاء النيل جاء فيها:
 "إن أولى ما تضاعف به الابتهاج والجذل، وانفتح فيه الرجاء واتسع الأمل، ما عم نفعه صامت الحيوان وناطقه، وأحدث لكل أحد اغتباطًا لزمه وآبى أن لا يفارقه، وذلك ما من الله به من وفاء النيل المبارك الذي تحيى به كل أرض موات، وتكتسي بعد اقشعرارها حلة النبات، ويكون سببًا لتوافر الأقوات، فإنه وفي المقدار الذي يحتاج اليه، فلتذع هذه المنة في القاصي والداني، لتستعمل الكافة بينهم ضروب البشائر والتهاني، إن شاء الله تعالى."

 وفي عصر سلاطين المماليك قدمت لنا المصادر التاريخية صورة متكاملة عن وقائع الاحتفال بوفاء النيل في كل عام؛ ففي فترة الفيضان خلال فصل الصيف كان صاحب مقياس الروضة يتابع عصر كل يوم مقدار الزيادة في ارتفاع مياه النيل، وفي الصباح ينادي المنادي في شوارع القاهرة وضواحيها بمقدار الأصابع التي ارتفعها النهر ليعرفها كافة الناس، في الوقت الذي يرفع فيه صاحب المقياس تقريرًا يوميًا مكتوبًا إلى أرباب الدولة، وكان هذا التقرير الرسمي يؤرخ بالتاريخين الهجري والقبطي ويتضمن مقدار زيادة النيل في نفس اليوم من العام السابق، ومقدار الفارق بين العامين. وإذا بلغ ارتفاع ماء النيل ستة عشرة ذراعًا علقت ستارة صفراء على الشباك الكبير بمقياس الروضة، وفي هذه الليلة يوقد سكان الفسطاط والروضة الشموع والقناديل ويستأجر الناس المراكب الصغيرة للنزهة في النيل حول جزيرة الروضة، أما الأمراء فيزينون مراكبهم بمختلف أنواع الزينات. وفي نفس الوقت يحضر إلى المقياس بعض كبار موظفي الدولة، وبعض المقرئين لتلاوة القرآن، كذلك يستمر الغناء حتى الصباح في دار المقياس.
 وفي اليوم التالي يباشر السلطان بنفسه أو من خلال من ينيبه عنه كسر الخليج في احتفال مهيب يشارك فيه كبار رجال الدولة وأفراد الشعب، ويبدأ الاحتفال بمد موائد الطعام العامرة بأنواع الشواء والحلوى والفاكهة، وعقب انتهاء الطعام يسبح صاحب المقياس في الفسقية التي تحيط بعمود قياس ارتفاع النهر ليدهن العمود بالزعفران، وبعد ذلك ينزل السلطان بنفسه ليسبح في النهر ثم يركب سفينته المزينة بالزينات ويتوجه بها وبصحبته سفن الأمراء وحولها مراكب الأهالي.

 وقد استمرت مواكب وفاء النيل يوم عيده تقليدًا راسخًا حتى سنوات قريبة مضت حيث كانت "العقبة" وهى السفينة الرسمية للاحتفال تجوب النهر مزينة بجريد النخل وسباطات البلح ما بين مقياس الروضة وميناء روض الفرج وباسوس بالقرب من القناطر الخيرية، كذلك استمر تقليد كتابه حجة وفاء النيل التي يحررها مفتي الديار المصرية، وهذا نص لحجة سنة 1958 ميلادية والتي وقعها فضيلة الشيخ حسن مأمون مفتي الجمهورية وجاء في مطلعها:
 "بعد حمد الله تعالى واستمداده المعونة والتوفيق، وبعد الصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
 انعقد المجلس الشرعي في تمام الساعة السابعة من مساء يوم الأربعاء الخامس من شهر صفر سنة 1378 هجرية، الموافق 20 من شهر أغسطس سنة 1958 ميلادية والرابع عشر من شهر مسرى سنة 1674 قبطية بسراي محافظة القاهرة بميدان الجمهورية برياسة السيد اللواء عبد العزيز صفوت محافظ القاهرة نائبًا عن السيد الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة، وبحضور حكمدار القاهرة وسكرتير عام المحافظة ووكلاء الحكمدارية وكبار الضباط والعلماء ورجال الصحافة والإذاعة والتجار والأعيان..."
وتقول الحجة بعد ذلك :
"وبعد الإقرار الصادر أمامنا من السيد المهندس فؤاد عبد العزيز زكي مدير مكتب وكيل وزارة الأشغال وهو الثقة المعين من قبل حكومة الجمهورية العربية المتحدة لقياس النيل بمقياس الروضة، وبعد الإطلاع على الكشف المحرر بتاريخ اليوم بمعرفة سيادته وسماع شهادة الشهود، المتضمن ذلك جميعه، أن النيل بلغ في هذا العام بمقياس الروضة اثنين وعشرين ذراعًا وتسعة عشر قيراطًا، وإقرارهم بأنه ببلوغ فيضان النيل هذا المقدار، يتوفر ري الأراضي المصرية، تحقق لدينا نحن حسن مأمون مفتي الجمهورية العربية المتحدة وفاء النيل المبارك في هذا العام، وبذلك وجبت جباية جميع أنواع الضرائب المقررة بمقتضى القوانين واللوائح والنظم المعمول بها، واستحقت كافة الأموال والمرتبات والمستندات للخزانة المصرية العامة، كما هو متبع في كل عام، وتمت نعمة الله تعالى على هذه البلاد بكمال فيض نيلها المبارك سبب نماء رزقها ومصدر حياتها، فحق علينا جميعا حمده سبحانه والثناء عليه بما هو أهله."

 إن حجة وفاء النيل امتداد تاريخي لتقاليد قديمة والملاحظ أن حجة عام 1958 تربط بين وفاء النيل وجباية الضرائب مثلما كان متبعًا في العصور القديمة عندما لم يكن في مقدور الفلاح أن يسدد ما عليه من ضرائب ما لم يفض النيل ويفي الماء باحتياجات الزراعة وفي العصر الحديث خاصة بعد بناء مشروعات الري العملاقة كالقناطر الخيرية وخزان أسوان ثم السد العالي وتحول معظم البلاد إلى نظام الري الدائم لم يعد لهذا الارتباط وجود لكن شكل صياغة الحجة ظل ثابت على ما كان عليه في العصور القديمة والوسطى، إلى أن بطلت الحجة وبطلت مظاهر الاحتفال الشعبي، فهل آن لنا أن نفكر في إعادتها لنحاول أن نعيد احترام الناس للنهر؟

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...