الأحد، 23 أغسطس 2015


النحاس في ذكراه
النهار ده 23 أغسطس بتمر خمسين سنة على رحيل الزعيم مصطفى النحاس، وكمان بتمر 88 سنة على رحيل قائد ثورة 1919 سعد زغلول، بالمناسبة دي أنشر صفحات قليلة من مذكرات مصطفى النحاس، أتمنى إني أنتهي من تحقيقها قبل نهاية السنة...
 
 
 وده رابط الصفحة اللي نشرتها في جريدة الشروق النهار ده...
 
صفحات من مذكرات الزعيم مصطفى
النحاس

عماد أبو غازي
 يوم 23 أغسطس تمر ذكرى رحيل الزعيمين الكبيرين سعد زغلول ومصطفى النحاس، هذا العام يصادف الذكرى الخمسين لرحيل مصطفى النحاس. ومصطفى النحاس زعيم وطني يستحق أن نحتفي به تخليدًا للقيم التي عاش وكافح من أجلها، واعتذارًا لهذا الرجل الذي تم تشويه تاريخه وحجب اسمه لسنوات؛ ينتمي مصطفى النحاس إلى الرعيل الأول من مؤسسي الوفد المصري الذين انضموا إلى سعد زغلول، وأصبح بسرعة من أقرب المقربين إليه، ونفي معه، ثم أصبح سكرتيرًا عامًا للوفد المصري.
 

 
 لقد لعب مصطفى النحاس دورًا مهمًا في السياسة المصرية على مدى نصف قرن، بداية من انتمائه لتيار الحزب الوطني في مطلع القرن العشرين، ثم انضمامه إلى الوفد المصري إلى جانب سعد زغلول، فتوليه زعامته بعد وفاته سنة 1927، وانتهى هذا الدور بعد يوليو 1952 بشهور قليلة مع حل الأحزاب السياسية، وظل النحاس معزولًا سياسيًا حتى وفاته في 23 أغسطس 1965. قدم النحاس الكثير لوطنه ولم يلق بعد الاحتفاء الذي يقابل ما أعطاه لمصر، كان مصطفى النحاس واحدًا من أبرز الزعماء التاريخيين لحركات الاستقلال الوطني ذات التوجه الديمقراطي التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، يقف اسمه بجداره إلى جانب أسماء عظيمة لعبت دورًا في تاريخ الإنسانية مثل: غاندي ونهرو في الهند وديفاليرا في أيرلندا وسعد زغلول في مصر، كان خليفة لسعد في نضاله مثلما كان نهرو خليفة لغاندي، وطول تاريخه السياسي قدم نموذجًا للتمسك بالمبادئ، والصمود في وجه العواصف العاتية.
 
 شارك مصطفى النحاس في أول حكومة وفدية تشكلت بناء على نتيجة أول انتخابات برلمانية أجريت على أساس دستور 1923، وقد تشكلت هذه الحكومة في 28 يناير 1924 برئاسة سعد زغلول، وتولى مصطفى النحاس فيها وزارة المواصلات، لكن تلك الوزارة لم تكمل العام واستقالت في نوفمبر 1924 احتجاجًا على العقوبات التي فرضتها بريطانيا على مصر بعد اغتيال السردار لي ستاك. وبعد وفاة سعد زغلول في 23 أغسطس 1927 انتخب الوفد مصطفى النحاس رئيسًا له في 23 سبتمبر وأقر الانتخاب رسميًا في اجتماع الهيئة البرلمانية الوفدية في 26 سبتمبر، وحل محله في سكرتارية الوفد مكرم عبيد، ومن يومها حمل مصطفى النحاس راية النضال الوطني والديمقراطي زعيمًا لحزب الأغلبية في ظروف حصار مستمر للحياة النيابية على يد الملك المستبد والسفارة البريطانية. وخلال الفترة من مارس 1928 إلى يناير 1952 تولى مصطفى النحاس رئاسة الوزارة سبع مرات، لكن مجموع ما قضاه النحاس في الحكم لا يتجاوز سبع سنوات وعدة أسابيع قليلة، فعادة ما كان حكمه ينتهي بانقلاب دستوري يدبره الملك بمباركة الإنجليز، وفي الوزارة الأخيرة التي أقالها فاروق في 27 يناير 1952، كانت مؤامرة حريق القاهرة المبرر لإقالة الوزارة.

لقد كان مصطفى النحاس تاريخًا من النضال من أجل مصر، دستورها واستقلالها ودولتها المدنية التي لا تعرف خلط الدين بالسياسة. وكان الاستفتاء الشعبي الحقيقي على مصطفى  النحاس يوم جنازته في أغسطس 1965، فرغم أنه كان بعيدًا عن السلطة والسلطان، ورغم ما تعرض له من عزل سياسي لسنوات قاربت الثلاثة عشر عامًا، ورغم أن اسمه لم يذكر منذ نهاية أزمة الديمقراطية في عام 1954، في وسائل الإعلام الرسمية ـ والتي لم يكن هناك غيرها ـ إلا مصحوبًا باللعنات وبالأكاذيب والمبالغات حول سيرته السياسية والشخصية، فإن الشعب كان له رأي آخر، حقا لقد أعقب الجنازة حملة اعتقالات قضى بعض ضحاياها شهورًا في المعتقلات، لكن الوداع الأخير للرجل كان كلمة الفصل في تقييم الشعب لزعيم أخلص لوطنه ولقضاياه.

 واليوم في ظلال الذكرى الخمسين لرحيل مصطفى النحاس أقدم صفحات من مذكرات الزعيم مصطفى النحاس التي تغطي فترة نفيه مع الزعيم سعد زغلول وبعض قادة الوفد إلى سيشل في ديسمبر 1921 لفترة قاربت العامين. وقد حصلت على هذه المذكرات التي سماها صاحبها "مذكرات النفي" من القطب الوفدي الكبير الأستاذ فؤاد بدراوي، وكانت هذه المذكرات ضمن الأوراق التي انتقلت إلى فؤاد باشا سراج الدين بعد وفاة السيدة زينب الوكيل وتسليم منزل النحاس باشا في جاردن سيتي إلى المالك، وقد عثر عليها الأستاذ فؤاد بدراوي منذ عدة شهور ودفع بها إليّ لتحقيقها، والمذكرات عبارة عن ثلاث كراسات متفاوتة في حجمها، الكراسة الأولى من 22 صفحة، والثانية وهي مسودة من 300 صفحة، أما الكراسة الأخيرة فتبلغ صفحاتها 85 صفحة. وتغطي المذكرات الفترة من 19 ديسمبر 1921 حتى 12 مارس 1923، وهناك بعض الفجوات في المذكرات، لكنها تقدم صورة واضحة ومفصلة عن فترة نفي سعد ورفاقه، رؤيتهم السياسية وتفاصيل حياتهم اليومية في المنفى، وعلاقتهم بالوطن، وقدرات عناصر الوفد في مصر على التواصل معهم وإمدادهم بالأخبار رغم قيود الرقابة. سأقدم هنا خمسة أيام متفرقة من "مذكرات النفي" التي كتبها الزعيم مصطفى النحاس بخط يده، هي مجرد نموذج لما تحويه هذه المذكرات من وقائع مهمة.

 


  اليوم الأول 19 ديسمبر 1921... بداية الأحداث

عهد العنف والشدة والإرهاب

كانت النتيجة الحتمية لتأليف بعثة رسمية للمفاوضة ضد إرادة الأمة وسفرها إلى لندرا على الرغم من الأمة، واستعمال وسائل القهر والخداع ضد الأمة لاختلاس ثقتها بالبعثة الرسمية، كانت نتيجة كل ذلك أطماع الإنجليز في حكم مصر بالقوة؛ لذلك زادوا مطامعهم إلى أبعد من مدى ظاهر مشروع وأعلنوا بكل قوة بكل جرأة أن مصر لازمة له، وإنهم باقون فيها إلى الأبد، وتهددوها بإخضاعها بالقوة إن لم ترضخ لهم بالسلم، ودفعوا مشروع كرزون إلى عدلي رئيس البعثة الرسمية، فلم يسعه الإجابة عليه إلا بأنه لا يمكن أن يؤدي إلى اتفاق تقبله الأمة، فتخطوا البعثة ورجعوا إلى السلطان، فرفعوا إليه بواسطة مندوبهم السامي مشروع كرزون ورد عدلي عليه ومذكرة من اللورد أللنبي معلنة نية الإنجليز نحو مصر وما عولوا عليه في الحاضر والمستقبل، مهددين باستعمال الشدة لقمع ما أسموه بالتهييج المبني على التعصب.
 عادت البعثة الرسمية إلى مصر وقوبلت أسوأ مقابلة، وقدمت تقريرًا للسلطان لينًا رخوًا، دل على أن البعثة لم تعمل شيئًا ولم تناضل عن حقوق مصر. وقدم عدلي استقالة الوزارة لأنه كما يقول لم يوفق إلى تحقيق برنامجه الذي أعلنه للأمة. لم تعلن الاستقالة وحصلت مساع لتأليف وزارة أخرى قبل إعلان الوزارة المستقيلة، وكانت المساعي متوجهة إلى إسناد الوزارة إلى بعض أعضاء الوزارة المستقيلة. وقد استمروا جميعًا في تأدية أعمالهم حتى تقبل الاستقالة. قامت احتجاجات من مختلف الطبقات ضد تشكيل أية وزارة ما دامت مذكرة أللنبي موجودة لأن قبول الوزارة في هذه الحالة معناه قبول السياسة الواردة في هذه المذكرة والعمل على معاونة الأجنبي على تمكين حكمه في البلاد.
 
 ودعا سعد باشا زغلول وكيل الأمة الأمين ورئيس الوفد المصري وجهاء القوم من مختلف الطبقات لاجتماع عام يعقد في ليلة الجمعة 23 ديسمبر في نادي "سيرو" بالقاهرة للنظر في الأحوال الحاضرة.
 فأصدر اللورد أللنبي في 19 ديسمبر أمرًا عسكريًا بإلغاء هذا الاجتماع بحجة المحافظة على الأمن العام، فاحتج سعد باشا على هذا المنع، وتوالت الاحتجاجات كذلك من جميع أنحاء القطر.


 وفي 19 ديسمبر وصل الأستاذ مكرم إلى الإسكندرية قادمًا من لندرا بعد جهاده العظيم الذي أظهر به للرأي العام الإنجليزي حقيقة موقف البعثة الرسمية من الأمة المصرية، وأدى ذلك إلى فشل البعثة الرسمية في مهمتها وعودتها خائبة. وقد استقبلته أنا وفخري بك عبد النور منتدبين من قبل الوفد، وتخلف عنا فتح الله باشا بركات ـ الذي كان منتدبًا معنا ـ لانحراف صحته. وأقام له الطلبة حفلة شاي في فندق ماجستيك تبودلت فيها الخطب الحماسية. وكذلك أقام له أعيان الإسكندرية وليمة عشاء في فندق كلاردج تبودلت فيه أيضا الخطب السياسية الحماسية. وكانت روح الخطب مقاطعة الإنجليز إلى النهاية، وعدنا معه إلى القاهرة ظهر اليوم التالي، وكان استقباله في جميع المحطات بالغًا منهاه، وكان الهتاف لمصر ولسعد وزملائه ومكرم وللاستقلال والإضراب والمقاطعة للنهاية. وكان الاستقبال في القاهرة يفوق الوصف، وكان في انتظارنا بالمحطة أعضاء الوفد وفي مقدمتهم الرئيس الجليل، وكان الركب شائعًا والاستقبال فخمًا على طول الطريق إلى بيت الأمة فكان هذا إعلانًا حيًا لقوة الروح المعنوية في الأمة وتمسكها ... والتفافها حول رمز أمانيها ومن يلذون به من زملائه المخلصين.
 كان مكرم قد وعد في خطبه السابقة بإذاعة أخبار المفاوضات بعد تقديم تقريره بها إلى الرئيس. وما كان للإنجليز ـ وقد قرروا استعمال الشدة ـ أن يمكنوه من ذلك. ففي نحو الساعة 11 صباح يوم الخميس 22 ديسمبر اتصل بعلم الرئيس أنه سيبلغ إليه اليوم أمر موجود الآن في قلم المطبوعات بأن يبرح هو وأعضاء الوفد القاهرة إلى محال إقامتهم بالريف. فتذاكرنا في الخطة التي يجب علينا اتخاذها عند وصول هذا الأمر إلينا وهي عدم إجابة هذا الأمر طوعًا.
 وقرب الظهر حضر إلى بيت الأمة المستر "تيل" وكيل الحكمدار، ومعه خطابات لكل من الرئيس وسينوت ومكرم وأنا من أعضاء الوفد، ولكل من فتح الله باشا بركات وعاطف بك بركات وصادق بك حنين وأمين أفندي عز العرب وجعفر بك فخري من غير أعضاء الوفد؛ فاستلم كل من الحاضرين وقتئذ خطابه، وعاد وكيل الحكمدار بخطابات الباقين الذين لم يكونوا حاضرين، وهم: الأستاذ مكرم وصادق حنين وجعفر فخري. وهذه الخطابات جميعها صادرة من الجنرال كلينتون مستشار وزارة الداخلية.

 وهذه ترجمة خطاب الرئيس:
 صاحب المعالي
 أتشرف بأن أخبركم أنه بناءً على تعليمات المارشال القائد العام أبلغ معاليكم الأمر الآتي:
 سعد باشا زغلول ممنوع بهذا تحت الأحكام العرفية من إلقاء (ص 5) الخطب، ومن حضور اجتماعات عامة، ومن استقبال وفود، ومن الكتابة إلى الجرائد، ومن الاشتراك في الشئون السياسية، وعليه أن يغادر القاهرة بلا توان، وأن يقيم في مسكنه بالريف تحت مراقبة مدير المديرية.
   الإمضاء أللنبي        الوكالة البريطانية
   القاهرة في 21 ديسمبر سنة 1921

              ولي الشرف أن أكون لمعاليكم الخادم المطيع

                                     الإمضاء
                                       كليتون بريجادر جنرال
                                       مستشار وزارة الداخلية

  وهذه ترجمة الخطاب لكل من الباقين:
   سيدي
 بناءً على تعليمات الفيلد مارشال القائد العام، أخبركم أنكم مأمورون بهذا تحت الأحكام العرفية أن تذهبوا بلا توان إلى محل إقامتكم بالريف، وأن تتجنبوا كل عمل سياسي، كما أخبركم أنكم ستوضعون تحت مراقبة مدير المديرية التي ستقيمون فيها.

 ولي الشرف يا سيدي أن أكون خادمكم المطيع.

                                     الإمضاء

                                       كليتون بريجادر  جنرال

                                       مستشار وزارة الداخلية

 اليوم الثاني الأحد 25 سبتمبر سنة 1921... في الطريق إلى المنفى...

 قابلنا الرئيس في الصباح، وكان سرورونا عظيمًا ومتبادلًا، وقصصنا عليه حكايتنا، وقص علينا حكايته، ومن ضروب القسوة التي استعملها معه الإنجليز، إنهم أخذوه من منزلة صباح يوم الجمعة 23 ديسمبر دون أن يعلموه بالجهة التي يأخذونه إليها، ودون أن يأخذ معه حوائجه ولا غذاء. ومع ذلك فإنهم قادوه مباشرة في الأتوموبيل إلى الصحراء في طريق السويس، ولم يرتبوا هم غذاء لع أثناء الطريق، ولا غطاء يدفئه ضد البرد، حتى استعان بكوفية الضابط المرافق له عن أذى البرد نوعًا ما. واستمروا في الطريق سبع ساعات إلى أن وصلوا إلى معسكر السويس، وقد احتمل هذه المتاعب بصبر وجلد جديرين بالرجل العظيم، وألقى الله على قلبه الهدوء والسكينة، ووقاه شر الأذى. وبات ليلته في خيمته ولم يكن عنده ملابس نوم، فبقى طول الليل مرتديًا ملابسه التي كان مرتديًا بها نهارًا. ولم تصل له أمتعته وعبد الله سائق أتوموبيله الذي تطوع لخدمته إلا في اليوم التالي بالقطار الذي وصل السويس في المساء. وكان الذي عينوه لخدمته عسكريًا لا يعرف شيئًا من الفرنسية ولا العربية، وكان التفاهم معه مستحيلًا إلا بالإشارة، فلما جاءه عبد الله وهو يعرف الإنجليزية فرّج عنه. تفسحنا معًا في الفناء المحيط بالخيام، وجلس الرئيس على مرتفع من الطين وجلسنا حوله، ومر بنا بعض الهنود الذين هم في هذا المعسكر، لإنه خاص بالهنود، واسمه المعسكر الهندي، أظهر واحد منهم عطفًا علينا، وميلًا إلينا، وقدم السجائر لنا، وجاء غيره، وكنا نحن نتحاشى الاسترسال معهم، وإذا بالصاغ أمبروز (القائم بأعمال القيادة العامة للمعسكر) قد حضر وطلب إلينا أن لا نبتعد عن الخيام.

اليوم الثالث... الأربعاء 5 يولية 1922... بعد ستة أشهر في المنفى...

 وصلت الجرائد لغاية 12 يونية، وبعض الخطابات لغاية الأسبوع الأول من يونية، وأخر خطابات وصلتني لغاية 3 يونية، مما سرني فيها تحسن صحة والدتي، التي أمكنها أن تمشي في البيت كيف شاءت.
  تصفحنا الجرائد على عجل، وأهم ما فيها تقرير لجنة الدستور الفرعية، تعليقًا على مشروع الدستور الذي قدمته اللجنة الكاملة، ومن أعظم المصائب أن هذه اللجنة صرفت كل همها في انتقاص حقوق الأمة وإعطائها للسلطة التنفيذية، حتى أنها قلبت مسئولية الوزارة إلى مسئولية البرلمان، فالمجلس الذي يبدي عدم ثقته بالوزارة يكون عرضه لأن يحله الملك، ولا يحدد القانون ميعادًا لانتخاب غيره فيه... إلخ إلخ. ولكن الأمة منتبهة؛ فقد حصل اجتماع حافل بالمنصورة تقرر فيه إبداء التعديلات الواجب إدخالها على القانون، واجتمع جميع أعضاء مجلس مديرية البحيرة ووقعوا على قرار بهذا المعنى، واحتجوا فيه على عدم تمكين المدير لهم من الاجتماع رسميًا رغم طلبهم القانوني.
 على أن الوزارة لا تزال تضرب بيد من حديد على المعارضة؛ حتى إنها صادرت نقدًا على مشروع لجنة الدستور بقلم عبد القادر حمزة بعد إعداده للطبع. وحتى أنها حظرت على الجرائد ذكر اسم زملاء سعد في المنفى وأعضاء الوفد بمصر، والتنويه إلى شيء من أعمالهم. بقطع النظر عن القضاء على حرية الاجتماع، ولكنها كلما زادت شدة كلما انفض أنصارها من حولها، واتحدت كلمة الأمة التي تطلب استقلالًا صحيحًا، لا عبودية مشروعة.
 وكتب مكرم تلغرافًا لوالده يبدي فيه قلقه من عدم استلامه خطابات منه، ويسأل عن صحة العائلة، وسلمه لفتح الله لتوصيله صباح الغد.
   اليوم الرابع... الجمعة أول ديسمبر سنة 1922... أخبار من لندن...
 ورد في تلغرفات روتر من لندن بتاريخ 29 نوفمبر الساعة 2:55 بعد الظهر من القاهرة أن وزارة ثروت باشا استقالت بناءً على عداء المعارضة، التي ترغب في تكوين وزارة جديدة لنهو مسائل مثل إلغاء الأحكام العرفية ومثل السيادة المصرية على السودان.
 فلم يبق في الأمر شك من أن الوزارة استقالت تحت ضغط الرأي العام، وإن السياسة العامة نحو مصر ستأخذ مجرى آخر.
 وقد قرأنا في جريدة الديلي هرالد الصادرة بتاريخ 26 أكتوبر البرنامج الرسمي لحزب العمال الذي أعلنوه للأمة إبان الانتخابات العامة [بيانًا] لسياستهم التي يجرون عليها بعد الانتخابات، وفي عن السياسة الخارجية: الاعتراف باستقلال مصر الحقيقي، والحكومة الذاتية للهند، والتصديق على معاهدة أيرلندا. وقد كانت نتيجة الانتخابات أن صار حزب العمال المعارضة الرسمي، وإن نوابهم يمثلون 4,356,000 منتخب، فيكون هذا العدد العظيم في إنجلترا من صفنا في الاعتراف باستقلالنا الحقيقي، لا الاستقلال الوهمي الذي كان نتيجة لخداع الثروتيين العدليين. وقد قضي على سياستهم الآن بسقوط وزارة ثروت التي كانت في الواقع استمرارًا لوزارة عدلي. نرجو الله أن يمدنا بعونه ويلحظنا برعايته حتى ننال حقوقنا كاملة، وتتعهدها الأمة بما يصونها من كل عبث ويأتي بثمرتها الطيبة إن شاء الله.
 اليوم الخامس... الخميس 15 فبراير 1923... تلغراف يبعث على التفاؤل...
 ورد التلغراف الآتي: القاهرة في 14 فبراير الساعة 2:40 مساءً
 بركات باشا بماهي سيشيل
 إن اجتماع الأمس المؤلف من مندوبي جميع المديريات والطبقات بمناسبة استقالة وزارة نسيم على أثر التهديدات البريطانية بخصوص حذف مواد السودان من الدستور قرر ما يأتي:
 أولًا: إن السودان ومصر كل لا يتجزأ، ويجب النص على ذلك في الدستور.
 ثانيًا: إن الأمة تعارض في تأليف أية وزارة تحت الحكم العرفي أو قبل عودة المنفيين وإطلاق سراح المسجونين من الزعماء المصريين.
 ثالثًا: الاحتجاج بشدة على التهديدات البريطانية الموجهة إلى العرش والوزارة بخصوص السودان، وعلى حكم الإرهاب الذي تستمر بريطانيا في فرضه على مصر.
 رابعًا: إبداء الإجلال والولاء لزغلول العظيم وزملائه النبلاء.

                                                                                             عن الوفد
المصري السعدي

 كشف لنا هذا التلغراف عن المعمى بخصوص الحالة في مصر، ودل على أن استقالة نسيم كانت استقالة شريفة لمصلحة البلاد؛ فلم يجار اللنبي في مطامعه على السودان، وأراد بالنص في الدستور على حقوق مصر عليه المحافظة فعلًا على حقوق مصر، فلم يرق ذلك في نظر السياسة الجشعة البريطانية، وكان ما كان من تهديد الوزارة والعرش؛ فاستقال نسيم، ولابد تكون الحالة الآن حرجة في مصر، ونحن في انتظار التطورات عن بعد بقدر ما يسمح به الرقيب بتوصيله إلينا.
  رعى الله مصر كنانته في أرضه بعين عنايته ونجاها من هذه الأزمات فائزة منصورة.
 
 أرسل مكرم تلغرافًا بتاريخ الغد لخطيبته بما يأتي: "خطاباك الرقيقان حركا قلبي فرحًا ومحبة، وكان لهما في نفس مصطفى حسن الأثر. محبة منا جميعًا للوالد وللعائلة وإني أقبلك.

مكرم"
 
 وأرسل سينوت تلغرافًا لوالدته بما يأتي: "إني سعيد بصحتكم جميعًا، محبة للجميع وأقبلك." وأرسل لأخيه راغب أيضًا التلغراف الآتي: "لم يصلني منك خطابات منذ مدة، أفدني تلغرافيًا بالصحة، محبة للجميع". ورد لمكرم خطاب من فرلوز بأنه وصله إخطار البنك الهندي ببنمباي باستلام خمسين جنيهًا لاسمه، وأن المبلغ أودع في الخزينة، ويصرف إليه بواقع خمسماية روبية كل شهر.

الجمعة، 7 أغسطس 2015


قناة السويس تاريخ من المغامرة (2)
ده الجزء التاني والأخير من مقالي في الكتاب اللي طلعه الأهرام عن قناة السويس
عماد أبو غازي
 لقد كان مشروع قناة السويس ـ في رأي الكثيرين ـ سببًا في وضع مصر في بؤرة الصراعات الدولية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فهل كان هذا أمرًا جديدًا بالنسبة لمصر؟ وهل كانت فكرة ربط البحرين الأبيض المتوسط والأحمر وليدة الفكر الأوروبي في العصر الحديث، في مرحلة الثورة الصناعية؟ أو لم يكن لمصر امتياز الموقع منذ عصور تاريخها القديم؟ أو لم يدرك المصريون قيمة موضع بلدهم وموقعها ويفكروا في استغلاله؟
 الواقع أنه منذ ظهر مفهوما النظام الإقليمي والنظام العالمي، أي منذ عرف الإنسان في  موطنه أنه جزء من منظومة أكبر، منذ ذلك الحين ومصر تحتل موقعًا محوريًا ضمن المنظومتين الإقليمية والعالمية بمعايير الإقليمية والعالمية في ذلك العصر البعيد، والتي كانت تتغير من عصر إلى عصر؛ فبعد عدة قرون من بدء الحضارة المصرية وتكوين الدولة الواحدة الموحدة في الوادي والدلتا أدرك المصريون أنهم يشكلون جزءًا من نظام أوسع يتخطى حدودهم، وبدء اتصالهم بالعالم المحيط بهم.
 وفي إطار ذلك العالم القديم الذي كان محددًا في البداية بمراكز أكثر تطورًا، تلك التي شهدت ميلاد الثورة الزراعية وشكلت مركزًا متقدمًا لهذا العالم، في مصر وبلاد الرافدين وآسيا الصغرى، وأطرافًا أقل تطورًا في المحيط الأوسع في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا وشرقها ووسط آسيا، كانت مصر تحتل موقعًا متوسطًا في ذلك العالم، وتعد نقطة ارتباط بين أطرافه، ومن هنا تولدت لدى المصريون أفكار حول ربط أطراف ذلك العالم بعضها ببعض.
 فما قصة تلك الأفكار؟ وهل تحولت إلى مشروعات في الواقع؟
 إننا نعرف جميعا قصة مشروع قناة السويس الحالية ودور دلسيبس فيها، كما نعرف أن فكرة ربط البحرين الأحمر والأبيض سابقة على دلسيبس، فقد جاء علماء حملة بونابرت على مصر  ومعهم مشروعًا لقناة تربط البحرين لكنهم أحجموا عن تنفيذ المشروع لخطأ الحسابات الناتج عن حجم المعرفة العلمية المتاحة وقتها من ناحية، ولما أصاب أوضاع الحملة في مصر من اضطراب من ناحية أخرى.
 
 
 كما نعرف كذلك أن مشروعًا آخر لشق القناة طرحه مهندسون أوروبيون من رجال الحركة السان سيمونية على محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن الباشا رفض المشروع لإحساسه بأنه سيضع مصر في بؤرة الصراعات الدولية.
 
 لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن المشروع الذي ظهر إلى الوجود في القرن الماضي كان في الأصل مشروعًا مصريًا قديمًا. ففكرة الربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط فكرة قديمة راودت المصريين قبل عشرات القرون، بل تحققت بالفعل في بعض عصور التاريخ المصري، فعندما حفر دلسيبس قناة السويس كان يحيي مشروعًا قديمًا للغاية، ففي زمن ما في الماضي البعيد كان البحر الأبيض المتوسط متصلًا بالبحر الأحمر عبر نهر النيل، فقد كان خليج السويس يصل إلى الموضع الحالي لمدينة الإسماعيلية، حيث كان يتصل هناك بأحد الفروع القديمة للنيل الذي كان يتجه من الدلتا نحو الشرق. وتؤكد الدراسات الـﭽيولوﭽية لتلك المناطق هذه الحقيقة، فقد تركت المياة المتراجعة أثرها في الأرض، وآخر هذه الآثار وادي الطميلات وبحيرة التمساح والبحيرات المرة.
 وقد أوحت المنخفضات الطبيعية التي تمتلئ بها المنطقة للمصري القديم بالمسار الذي يمكن له أن يحفر فيه قناة تصل ما بين نهر النيل وقمة خليج السويس، وقد كانت لدى المصريين القدماء دوافعهم لإعادة شق طريق مائي صناعي يحل محل المجرى الطبيعي الذي طُمر مع مرور الزمان.
 لقد ارتبطت مصر منذ أقدم العصور بعالم البحر الأحمر، فكان للمصريين تجارتهم المستمرة مع المناطق الجنوبية والشرقية، وقد سجلوا تفاصيل رحلاتهم تلك في النقوش على جدران المقابر والمعابد، وكان شق مثل تلك القناة يمكن أن يوفر عليهم رحلة شاقة في الصحراء الشرقية ثم في صحراء سيناء فجزيرة العرب، أو في الصحراء الشرقية إلى الموانئ المصرية الجنوبية على شاطئ البحر الأحمر، فعبر تلك القناة كان يمكن أن تنتقل سفن الأسطول المصري مباشرة من وادي النيل إلى البحر الأحمر.
 إذًا فلم يكن قصد المصريين القدماء من وراء شق هذه القناة هو ربط البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، بل مجرد ربط النيل بالبحر الأحمر وتوفير القدرة للأسطول المصري على أن يجوب البحر الأحمر منطلقًا من منف على رأس وادي النيل، لكن نتيجة هذا المشروع الضخم كانت تحقيق إمكانية الانتقال ما بين البحرين بسهولة ويسر، وربط طرق التجارة في العالم القديم بطريق بحري متصل.
 
 
 وتحفل المصادر التاريخية القديمة وكذلك النصوص الأدبية ـ سواءً في ذلك المصادر الإغريقية أو الفارسية أو الرومانية أو العربية ـ بالعديد من الروايات التي تغلفها كثير من الأساطير، وتلك الروايات مختلفة في تفاصيلها وإن اتفقت في مضمونها حول حفر هذه القناة ووجودها.
 ووفقًا لما تقوله تلك الروايات وما تحمله من قصص تجمع بين الحقيقة والخيال ترجع بعض المصادر الإغريقية حفر قناة تربط النيل بالبحر الأحمر إلى عصر الدولة الوسطى، وعلى وجه التحديد إلى عصر سونسرت الثالث المعروف لدى الإغريق باسم سيزوستريس، حيث يقول أرسطوطاليس في كتابه "علم الظواهر الطبيعية": "نحن نعتبر أقدم البشر هؤلاء المصريين الذين تظهر كل بلادهم قاطبة من عمل النيل ولا تعيش إلا به. وهذه الحقيقة تفرض نفسها على أي فرد يجوب هذه البلاد، ولدينا شاهد ظاهر نجده في إقليم البحر الأحمر، والواقع أن أحد الملوك شرع في القيام بحفر البرزخ لربط النيل بالبحر، وجعل هذا الممر صالحا للملاحة، وكان له فائدة عظيمة، والظاهر أن سيزوستريس هو أول الملوك القدامى الذين تبنوا هذا العمل ولكنه لاحظ أن مستوى الأراضي كان أكثر انخفاضًا عن مستوى البحر...".
 
سونسرت الثالث
 ولا تقتصر الروايات التي تعود بقصة حفر تلك القناة إلى زمن الدولة الوسطى على ما ذكره أرسطوطاليس، بل نجد لها أصداء في ملحمة الأوديسا التي تنسب إلى هوميروس، وعند الجغرافي إسترابون والمؤرخ الروماني بليني القديم، كذلك ترجع المصادر العربية بهذه القناة إلى نفس الفترة في تاريخنا المصري القديم.
 وبالرغم من أن هناك شواهد أثرية كثيرة تؤكد علاقة مصر بعالم البحر الأحمر منذ هذه العهود البعيدة إلا أنه لا توجد أدلة مؤكدة على حفر القناة الملاحية، لكن بعض علماء المصريات المحدثين يذهبون إلى أن العلاقات التجارية والحربية القوية بين مصر وشواطئ البحر الأحمر الشرقية والجنوبية، والتي ترجع إلى عصر الدولة الوسطى على الأقل، ما كان لها أن تقوم دون وسائل مواصلات مباشرة وسهلة، كما تشير الأدلة الأثرية إلى وجود أطلال لمدن يرجع بعضها إلى عصر الدولة القديمة في مواقع مختلفة بالمنطقة التي يفترض أن تلك القناة اخترقتها، ويستنتج هؤلاء العلماء احتمال وجود قناة تمد المناطق الواقعة شرق دلتا النيل بالماء العذب منذ عصر الإسرة الثانية عشرة في الدولة الوسطى. وتؤكد الشواهد الأثرية على وجود تلك القناة في وادي الطميلات زمن الدولة الحديثة إبان عصر رمسيس الثاني.
 أما الروايات شبه المؤكدة فترجع البدء في مشروع القناة الملاحية إلى العصر الصاوي، حوالي القرن السابع قبل الميلاد، حيث تؤكد رواية المؤرخ الإغريقي هيردوت الذي زار مصر في زمن الاحتلال الفارسي، أي في فترة قريبة من العصر الصاوي، على أن صاحب المشروع هو الفرعون المصري نخاو الثاني، أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، وقد حكم مصر في الفترة ما بين سنتي 610 و595 قبل الميلاد على الأرجح، ورغم أن الآثار المادية لهذا الفرعون قليلة إلا أن المصادر التاريخية القديمة والنصوص الدينية المتأخرة لليهود تحفل بالكثير عن عصره، فقد قام نخاو بهزيمة الملك يوشيا ملك يهوذا وسحق جيشه خلال إحدى حملاته الحربية التي قادها بنفسه في فلسطين، وسيطرت مصر في بداية عصره على مناطق واسعة من فلسطين وسوريا ولبنان، وحاول أن يتصدى للنفوذ البابلي الصاعد لكنه فشل في ذلك بعد هزيمته في موقعة قرقميش التي تراجعت مصر بعدها إلى حدودها الطبيعية، وتنسب إلى هذا الفرعون مشروعات ضخمة مثل الر حلة التي قام بها أسطول مصري فينيقي للدوران حول قارة أفريقيا بدء من البحر الأحمر بمحاذاة الساحل الشرقي للقارة حتى رأس الرجاء الصالح، ثم الصعود شمالًا بمحاذاة الساحل الغربي حتى المضيق المعروف الآن بمضيق جبل طارق والدخول عبره إلى البحر المتوسط للعودة إلى مصر مرة أخرى، كما ينسب إليه المؤرخ الإغريقي هيردوت الشروع في حفر القناة التي تصل بين النيل والبحر الأحمر، حيث يقول: "كان للملك بسماتيك ابن يدعى نخاو خلفه على العرش، وكان هو أول من بدأ حفر القناة التي تجري لتصب في البحر الأحمر، وكان دارا ملك الفرس ثاني ملك اهتم بها، وكان طولها أربعة أيام بالسفينة، وكانت تتسع لسير سفينتين فيها متحاذيتين، وكان ماؤها يخرج من النيل من فوق مدينة بوبسطة بمسافة قليلة، وتمر بمدينة باتوم، وتسير لتصب في البحر الأحمر، وهكذا فإن هذه القناة الطويلة التي تجري من الغرب إلى الشرق مخترقة الأودية الصغيرة حتى الخليج الغربي، وفي أثناء انشغال نخاو بالقناة المذكورة مات فيها مائة وعشرون ألف مصري، وقد أمر بوقف العمل بسبب ذلك، وكذلك نزل عليه وحي معترضًا سير العمل فيها قائلًا: إن همجيًا سينجزها".
 
نخاو الثاني
وقد انجزت هذه القناة أو ربما أعيد افتتحها في عهد الملك الفارسي دارا الأول حيث تشير إلى ذلك لوحة تذكارية ترجع إلى عام 518 قبل الميلاد. وقد كان الفرس أثناء احتلالهم لمصر يحتاجون إلى مثل هذه القناة لربط مصر بالعاصمة الفارسية بطريق بحري متصل.
 
دارا الأول
 وقد أعيد حفر تلك القناة عدة مرات في عصور البطالمة والرومان والعرب إلى أن طمر الجزء الأكبر منها في بداية عصر الدولة العباسية كما يذكر المقريزي، ولم يعد المشروع إلى الوجود إلا مع دلسيبس.
 ترى من هو الهمجي المقصود في نبوءة نخاو من هؤلاء الذين حفروا القناة؟
 ومشروع نخاو في ضوء رحلة الأسطولين المصري والفنيقي حول القارة الأفريقية كان يهدف بلا شك إلى ربط البحرين الأبيض والأحمر وليس النيل والبحر الأحمر فقط، وهكذا فعندما تم حفر قناة السويس التي تعد اليوم من أهم طرق الملاحة العالمية، كان ذلك إحياءً لمشروع مصري قديم عمره من عمر مصر.
 وإذا كانت مصر في عصورها القديمة قد عرفت مشروعات لربط البحرين الأبيض والأحمر عبر النيل، فإن هذه المشروعات قد تجددت مرة أخرى بعد دخول العرب إلى مصر في القرن السابع الميلادي، ومصدرنا عن هذه المشروعات كتابات المؤرخين العرب، التي تتحدث عن الخليج الذي كان يعرف باسم خليج أمير المؤمنين، وتعود تلك الكتابات بأصول المشروع إلى قناة سيزوستريس التي تذكرها المصادر الإغريقية، وترجع المصادر العربية بهذا المشروع إلى فترة مبكرة جدًا في الحقبة العربية من تاريخ مصر، إلى عصر أول الولاة العرب عمرو بن العاص.
 هذا وتحفل الروايات التاريخية العربية بكثير من الاضطراب فيما يتعلق بحفر القناة في عصور الحضارة المصرية القديمة، وربما أتى الاضطراب نتيجة انقطاع صلة المؤرخين العرب بالتراث المصري القديم، ورغم ما تحمله تلك الروايات من خلط بين الأساطير والخرافات والوقائع التاريخية فإنها روايات لا تخلو من دلالة على وجود هذه القناة وأهميتها في ربط مصر بجزيرة العرب تجاريًا منذ أقدم العصور، فماذا يقول تقي الدين المقريزي شيخ مؤرخي مصر في القرن الخامس عشر الميلادي عن هذه القناة؟
 في خططه المعروفة بـ"كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار" يتحدث المقريزي  عن الخليج المسمى بخليج أمير المؤمنين نسبة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فيقول: "هذا الخليج بظاهر القاهرة من جانبها الغربي فيما بينها وبين المقس"... والمقس منطقة تقع ما بين ميدان رمسيس وبولاق أبو العلا الآن، كانت بها إدارة جباية الرسوم الجمركية على البضائع الواردة للقاهرة، حيث كان ميناء بولاق يعد الميناء الشمالي للمدينة، وكلمة مقس أو مكس كلمة غير عربية تعني الضريبة وكانت تستخدم للرسوم الجمركية خاصة، ومن هنا يتكرر إطلاق اسم المكس على الأحياء المجاورة للموانئ، كما كانت كلمة مكس وجمعها مكوس تحمل معنًا آخر له دلالة سلبية حيث يشير بها الناس في العصور الوسطى إلى الضرائب غير الشرعية.
  ونعود مرة أخرى لشيخنا المقريزي الذي قال عن الخليج: "عرف في أول الإسلام باسم خليج أمير المؤمنين، ويسميه العامة الخليج الحاكمي وخليج اللؤلؤة، وهو خليج قديم أول من حفره طوطيس بن ماليا أحد ملوك مصر الذين سكنوا مدينة منف، وهو الذي قدم إبراهيم الخليل صلوات الله عليه في أيامه إلى مصر، وأخذ منه امرأته سارة وأخدمها هاجر أم إسماعيل صلوات الله عليهما، فلما أخرجها إبراهيم هي وابنها إسماعيل إلى مكة بعثت إلى طوطيس تعرفه أنها بمكان جدب وتستسقيه، فأمر بحفر هذا الخليج وبعث إليها فيه بالسفن تحمل الحنطة وغيرها إلى جدة، فأحيى بلد الحجاز".
 ومن المفترض أن ترجع وقائع تلك القصة إلى زمن يقابل عصر الدولة الوسطى في تاريخنا المصري القديم، الزمن الذي شهد وفود العديد من القبائل السامية من مناطق غرب آسيا إلى مصر، والتي تسجلها النقوش المصرية القديمة، خاصة نقوش مقابر بني حسن بالمنيا.
 
 
 
 جدارية من بني حسن تبين رحلة لمجموعة من القبائل السامية تطلب اللجوء لمصر
ويسترسل المقريزي في تتبع تاريخ القناة في العصر الروماني فيقول: "ثم أن أندرومانوس الذي يعرف بإيليا أحد ملوك الرومان بعد الإسكندر بن فيلبس المقدوني جدد حفر هذا الخليج، وسارت فيه السفن، وذلك قبل الهجرة النبوية بنيف وأربعمائة عام"، وينتقل بعد ذلك إلى مشروع تجديد القناة عقب دخول العرب إلى مصر قائلا: "ثم أن عمرو بن العاص رضي الله عنه جدد حفره لما فتح مصر، وأقام في حفره ستة أشهر وجرت فيه السفن تحمل الميرة إلى الحجاز، فسمي خليج أمير المؤمنين، فإنه هو الذي أشار بحفره، ولم تزل تجري فيه السفن من فسطاط مصر إلى مدينة القلزم (السويس الآن)، وكان يصب ماء النيل في البحر عند مدينة القلزم إلى أن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بطمه في سنة خمسين ومائة،  فطم وبقى منه ما هو موجود الآن"...
 ومن رواية المقريزي التي سعى فيها للتأصيل التاريخي لتلك القناة تبدو بوضوح محاولته للربط بين القناة التي حفرها ملك مصر لإمداد السيدة هاجر بالطعام وقناة أمير المؤمنين، فللقناتين نفس الهدف، إمداد الحجاز بقمح مصر وخيرتها، لكن الحقيقة أيضًا أن قناة أمير المؤمنين يفترض أن لها نفس دوافع قناة دارا الفارسي، أي ربط ولاية جديدة بمركز الإمبراطورية.
 الغريب في الأمر أن مصر في عصر المقريزي، أي القرن الخامس عشر الميلادي وفي ظل حكم المماليك الجراكسة كانت مركزًا رئيسيًا لطرق التجارة العالمية، وكانت تجارتها الخارجية مزدهرة، بل كانت عوائد تجارة المرور تشكل المصدر الثاني لموارد الدولة بعد الزراعة، وتشكل مصدرًا مهمًا لموارد سلاطين المماليك الشخصية في ظل سياسة الاحتكار التي اتبعوها منذ عصر السلطان الأشرف برسباي، وكان هناك تحالف استراتـجي بين سلطنة المماليك وجمهورية البندقية أساسه مصالحهم التجارية المشتركة في السيطرة على تجارة العالم القديم، ومواجهة التهديدات القادمة من الشرق ومن الغرب لمصالحهما المشتركة، فكان هناك العدو الواحد الذي بات يشكل تهديدًا لكلا الدولتين، أعني الدولة العثمانية الصاعدة، وكانت هناك من ناحية أخرى مهمة مواجهة طموح دول غرب أوروبا الصاعدة خاصة أسبانيا والبرتغال بكشوفهما الجغرافية الساعية للوصول إلى الشرق الأقصى عبر طريق بحري مباشر، يمكنهما من إنهاء الاحتكار المملوكي البندقي لتجارة الشرق.
 وكانت بقايا خليج أمير المؤمنين لا تزال موجودة، وتاريخ الخليج وفكرته معروفة، فلماذا لم تقم مصر المملوكية بمشروع لإعادة شق خليج أمير المؤمنين لتربط طرق التجارة بين الشرق والغرب، خاصة بعد أن بدأت الكشوف الجغرافية التي قام بها الأسبان والبرتغاليين تؤتي ثمارها في كشف طريق بحري مباشر إلى شرق آسيا بالدوران حول رأس الرجاء الصالح؟
 المتتبع لمشروعات ربط النيل بالبحر الأحمر بقناة صناعية يكتشف أن الفكرة لم تغب عن المصريين منذ زمن الدولة الوسطى على الأقل، وإن هذه المشروعات أدت بطريق غير مباشر إلى ربط البحرين الأبيض المتوسط والأحمر معًا عبر النيل.
 لكن الغريب في الأمر،  إنه بعد ردم خليج أمير المؤمنين في بدايات العصر العباسي لم تتكرر المحاولة مرة أخرى لإعادة حفر قناة جديدة، حتى في ظل عصور الاستقلال زمن الفاطميين والمماليك، رغم أهمية هذه القناة لمصر.
 كنت دائما أتساءل: لقد كانت بقايا خليج أمير المؤمنين لا تزال موجودة ومعروفة لدى الناس باسم الخليج الحاكمي، وتاريخ الخليج وفكرته معروفة ـ على الأقل ـ لدى النخبة المحيطة بالسلطة، كما نستنتج من رواية المقريزي، فلماذا لم تقم مصر المملوكية عندما واجهت الأخطار الناجمة عن كشوف الأسبان والبرتغاليين البحرية، والتي كانت معروفة أيضًا لدولة المماليك كما يتبين ذلك من قراءة ابن إياس المصري مؤرخ عصر سقوط دولة المماليك، بالتفكير في مشروع لإعادة شق خليج أمير المؤمنين لتربط طرق التجارة بين الشرق والغرب، ولتحبط مشروعات البرتغاليين والأسبان؟
 ولماذا لم تفكر جمهورية البندقية الحليف التجاري ـ القوي حتى ذلك الوقت ـ في ذلك المشروع؟
 إن المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة سواء المصرية منها أو الإيطالية تشير إلى سعي جمهورية البندقية لمواجهة منافسة دول جنوب غرب أوروبا من خلال شرح الموقف الصعب الذي تتعرض له المصالح المشتركة للطرفين بسبب نجاح البرتغاليون والأسبان في الوصول إلى الهند والشرق الأقصى، والضغط على سلطنة المماليك في مصر لتخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على التجارة التي تمر عبر الموانئ المصرية، ومناشدتهم التخفيف من العوائق التي يواجهها تجار البندقية في مصر، تلك العوائق الناتجة عن الفساد والبيروقراطية، كذلك طالب البنادقة من سلطان مصر مخاطبة حكام الهند المسلمين ومناشدتهم عدم التعامل مع البرتغاليون والأسبان، وشرح مخاطر هذا التعامل على مستقبل الهند، وكنت أتصور دائمًا أن أيًا من المصريين أو البنادقة لم يفكر في الحل الحاسم المتمثل في إعادة استكمال شق القناة الواصلة بين النيل والبحر الأحمر ليتصل بذلك الطريق مباشرة بين موانئ إيطاليا والهند عبر مصر، ويفقد بذلك كشف فاسكو دا جاما لطريق رأس الرجاء الصالح قيمته وأهميته.
 هل عجز المماليك والبنادقة عن الإمساك باللحظة التاريخية، ولم يفكروا في مواجهة الأخطار المحيطة بهما بأكثر الطرق مباشرة، بمشروع "ثوري" لربط البحرين الأبيض والأحمر، في أعلى لحظة احتياج لهذا المشروع؟
ظل هذا السؤال يلح عليّ لماذا لم يفعلوها أو حتى يفكروا فيها؟ إلى أن روى لي الصديق الدكتور أحمد يوسف المهتم بتاريخ القناة قصة اكتشاف لوحة تثبت أن البنادقة عرضوا على السلطان الغوري فكرة شق قناة تربط البحرين الأحمر والمتوسط.
 
 
 وكتب مقالًا في صفحة تراث وتاريخ بجريدة الشروق، يقول أحمد يوسف في هذا المقال: "في سبتمبر عام 2000 طلبت إدارة شركة السويس الفرنسية العالمية ـ ثالث أكبر شركة في صناعة الكهرباء والطاقة النووية في العالم، وهي شركة حفيدة للشركة العالمية لقناة السويس البحرية التي أممها جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956 ـ مني ومن آخرين إبداء الرأي في لوحة ثمينة تعرضها شركة سوسبي العالمية للمزادات في لندن، تعود اللوحة لعام 1869 لفنان إيطالي اسمه جولين كالين 1830 ـ 1887، وكانت المفاجأة ان اللوحة تمثل تجارًا أو سفراء من فينسيا يقدمون لسلطان مصر خريطة توضح بعناية أن الإيطاليين يعرضون على مصر مشروعًا لربط البحر الابيض بالبحر الأحمر.
 
 
فمن أين أتي كابلين بهذه الفكرة للوحاته التي رسمها ولا شك بمناسبة احتفالات افتتاح قناة السويس في نوفمبر 1869؟
 تروي الوثائق الفينيسية أن مصر أرسلت بعثة استطلاعية الى فينسيا 1506/1507 مكونة من 20 شخصية في مجالات العلم والتجارة والسياسة، وهو ما يروية السفير مارينز سانود ومن المؤكد أن مشروع تحديث النقل البحري والبري عبر المتوسط ثم السويس على البحر الأحمر تم تداوله في هذه الزيارة، فقد أرسلت البندقية واحدا من سفرائها الأسطوريين إلى مصر وهو دومينيكو تريفيزانو عام 1512 لمقابلة السلطان الغوري وبحث مشروع حفر قناة تربط البحرين الأحمر بالتوسط وهو ما يرويه تريفيزانو في مذكراته التي خصصها لرحلته في مصر والموجودة بالمكتبة الوطنية في باريس. 
 يبدو اذا ان الفنانين المصورين لديهم حاسة تاريخية حادة وهو ما جعل جوليو كارلين يرسم هذه اللوحة المرفقة ويمكن للقارئ أن يتخيل المذكرة التي رفعتها لشركة السويس طالبًا أن تشتري اللوحة بأي ثمن وهي اللوحة التي يجدها الزائر للمقر التاريخي لشركة السويس في قلب باريس اليوم."
 إلى هنا ينتهي كلام الدكتور أحمد يوسف.
 
 السلطان الغوري يستقبل سفراء البندقية
وأطرح هنا سؤالي، ماذا لو فعلها المصريون والبنادقة يومها؟
 لقد قال لي أساتذتي الذين علموني دراسة التاريخ دومًا: إن مثل هذه الأسئلة غير واردة في دراسة التاريخ، فالتاريخ بمفهومه التقليدي لا يعرف سؤال ماذا لو كان؟ التاريخ دراسة ما كان بالفعل فقط، وليس دراسة ما كان يمكن أن يحدث!
 لكن لعبة السيناريوهات الوهمية والأسئلة الافتراضية في التاريخ لعبة ممتعة، لا أستطيع مقاومتها.
 لنفكر معا لماذا لم يقم المماليك والبنادقة بمثل هذا المشروع؟
ربما كان ذلك بسبب الغزو العثماني للشام ومصر الذي أنهى دولة المماليك تمامًا بعد أقل من خمس سنوات على طرح الفكرة، لكن الحقيقة أن السنوات الخمس لم تشهد أي شروع جدي في تنفيذ الفكرة وتحويلها إلى واقع.
 أو ربما يرجع إلى الأزمة السكانية التي كانت تعيشها مصر، فقد فقدت البلاد أكثر من نصف سكانها في سلسلة من الأوبئة والمجاعات منذ الفناء الكبير في أواخر عصر دولة المماليك البحرية لم تعد هناك أيدي عاملة تكفي لزراعة الأرض، فما بالنا بحفر قناة مات في حفرها بعد أربعة قرون عشرات الآلاف، وربما يرجع إلى ضعف الإمكانيات المالية للدولة، وربما يرجع إلى أن الدولة كانت تعيش أزمة النهاية التي فقدت فيها طاقاتها الإبداعية ومثل هذا المشروع كان يحتاج لعقلية مغامرة لا تمتلكها دولة شاخت وهرمت، وما ينطبق على دولة المماليك ربما ينطبق بدرجة أو بأخرى على جمهورية البندقية، التي سرعان ما زال مجدها بعد سقوط دولة المماليك بفترة ليست بالكبيرة.
 لنطلق لخيالنا العنان ونتصور مصير العالم لو أنهم فعلوا ذلك، حقا لو فعلوها لتغير تاريخ مصر والمنطقة العربية بل وربما  تاريخ العالم! لكن التاريخ لا يعرف كلمة لو، التي "تفتح عمل الشيطان" حسب المأثور الديني، والتي هي "حرف شعلقه في الجو" حسب المأثور الشعبي.
 


الخميس، 6 أغسطس 2015


 
قناة السويس تاريخ من المغامرة (1)
ده الجزء الأول من مقالي في الكتاب الجديد اللي أصدره الأهرام عن قناة السويس

عماد أبو غازي
  في السادس والعشرين من يوليو من كل عام تحتفل مصر بذكرى قرار تأميم شركة قناة السويس، ذلك القرار الذي غير تاريخ مصر والمنطقة العربية، بل يمكن أن نقول بلا مبالغة أنه كان قرارًا مؤثرًا على المستوى العالمي، بحيث يمكن أن نعتبره حدثًا من أهم أحداث القرن العشرين، ومازالت آثار هذا القرار ماثلة بيننا إلى الآن.
 

 لقد منح قرار التأميم لعبد الناصر ـ صاحب القرار المغامرة ـ شعبية جارفة وشرعية جماهيرية لم تتحقق له قبل ذلك اليوم، فلم يلق إجراء من الإجراءات التي اتخذها مجلس قيادة الثورة أو الحكومات المتعاقبة التي توالت على مصر منذ وصلت حركة الضباط الأحرار إلى السلطة من التأييد مثلما لقي قرار تأميم قناة السويس. لقد حقق عبد الناصر بذلك القرار الحلم الذي ظل يراود المصريين قرابة تسعين عامًا، لذلك فقد رحب المصريون بالقرار رغم ما كان متوقعًا من سخط الدول الغربية على مصر بسببه، ورغم ما كان متوقعًا من أن يجلبه على البلاد من "عواقب وخيمة".
 
 
 وقد جاء رد الفعل الغربي بعد شهور قليلة عندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الغاشم ـ كما تعودنا أن نصفه في طفولتنا ـ ذلك العدوان الذي بدأ في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر من السنة نفسها باحتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء، وأعقبه احتلال إنجليزي فرنسي لمنطقة القناة بدعوى تأمين القناة والفصل بين الطرفين المتحاربين.
 
 

 نعود إلى قرار التأميم، ففي يوم 26 يوليو 1956، وبمناسبة الذكرى الرابعة لمغادرة الملك فاروق لمصر بعد تنازله عن العرش، تلك المناسبة التي كان قادة نظام يوليو يحتفلون بها في الإسكندرية التي غادر منها فاروق البلاد، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر في كلمات محددة ضمن خطابه الذي ألقاه في ميدان المنشية قرار تأميم شركة قناة السويس وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية.
 
 
وقد عبر الشعراء عن هذا الحدث المهم في تاريخنا الوطني بعشرات القصائد، بالنسبة لي أجملها ما عبر به الشاعر والفنان المبدع صلاح جاهين عن مشاعر الشعب الجياشة تجاه التأميم في قصيدته الطويلة "موال للقنال" قائلًا:

ياسايق الغليون

عدي القنال عدي

وقبل ما تعدي

خد مننا وأدي

ده اللي فحت بحر القنال جدي

بحر القنال يا كترها رماله

وجدنا ... فوق الكتاف شاله

بحر القنال اتبدلت حاله

وجدنا متهني بعياله

واحنا على الشطين

مفتحين العين

عارفين طريقنا منين

واللي صديقنا فين

يا سايق الغليون

دي أرضنا     وأرضنا لينا

ضرب الرصاص    للي يعادينا

دي أرضنا          وتربها أجددنا

ضرب الرصاص      للي يعاندنا

  لم يكن قرار تأميم شركة قناة السويس نهاية المطاف في قصة مصر مع القناة، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الكفاح دفاعًا عن القناة عاشها أبناء جيلنا كاملة وما زلنا نعيشها إلى اليوم، كما لم يكن بالطبع بداية القصة فتاريخنا مع القناة طويل ممتد، وكله تاريخ من المغامرة والمقامرة، كان الشعب المصري دائمًا بطلها.
 
 
 وقد عبرت المذكرة الإيضاحية لقرار التأميم عن هذا التاريخ الطويل مع القناة في عبارة موجزة جاء فيها: "بالدماء المصرية شُقت قناة السويس لتخدم الملاحة البحرية"، وهذه حقيقة تاريخية عادت المذكرة ففصلت ما أجملته لتبرهن عليها: "إنه من عام 1859 حتى عام 1864 مضت خمس سنوات سخر فيها المصريون دون أجر أو شكر لحفر القناة، وأن ستين ألفًا من المصريين كانوا يُخصصون شهريًا لهذه الخدمة في وقت لم يتجاوز فيه تعداد جميع المصريين أربعة ملايين، ولقد مات من هؤلاء العمال تحت الانهيارات الرملية ما يزيد على المئة ألف دون دفع أي تعويض عنهم أو جزاء، كما قامت الجهود المصرية في كل من ترسانة القاهرة وترسانة الإسكندرية بإعداد المشروعات اللازمة لإكمال حفر القناة، ووُضعت جميع وسائل النقل البري والنهري في خدمة الشركة بالمجان، ومنحتها الحكومة جميع الأراضي والمناجم اللازمة، ولم تكتف الحكومة المصرية بذلك، بل ساهمت مساهمة جبارة في تمويل عمليات حفر القناة، فقد بدأت الشركة برأس مال لا يتجاوز نصف مليون من الجنيهات، بينما تكلف إنشاء القناة ما يزيد على الستة عشر مليون جنيه، وتحملت مصر بهذا الفرق جميعه".
 لقد كانت تلك مبررات أوردتها المذكرة الإيضاحية لقرار التأميم الذي أيده الشعب رغم ما حمله من مخاطر وما كان واضحا فيه من روح المغامرة، فكيف تكون لدى المصريون الإحساس بأهمية هذا القرار وضرورته؟
 إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب العودة إلى الوراء أكثر إلى بداية مشروع القناة.


 لقد بدأت قصة مشروع قناة السويس في عهد سعيد باشا، عندما حصل المهندس الفرنسي فرديناند دليسبس في 30 نوفمبر 1854 على عقد امتياز تأسيس شركة عامة لحفر قناة السويس واستثمارها لمدة 99 سنة تبدأ من تاريخ افتتاح القناة للملاحة، وكانت شروط العقد مجحفة بمصر.

 ويروي دليسبس كيف حصل على امتياز القناة من صديقه القديم سعيد باشا عقب توليه حكم مصر، بعد شهر من تقديمه للمشروع، عندما عرض عليه الفكرة أثناء رحلة عبر الصحراء من الإسكندرية إلى القاهرة، فيقول: "بعد أن قبل سعيد باشا المشروع استدعى قواد جنده، ودعاهم إلى الجلوس أمامه، وقص عليهم الحديث الذي دار بيننا، وطلب منهم أن يبدوا رأيهم في مشروع صديقه، فلم يكن من هؤلاء المستشارين وقد فاجئهم هذا الاقتراح، وهم أقدر على إبداء الرأي في مناورات الخيل منهم في التكلم عن مشروع عظيم لا يستطيعون فهم مراميه، إلا أن نظروا إلي بملء أعينهم، كأنما يريدون إفهامي أن صديق مولاهم الذي رأوه يقفز على الحواجز ممتطيًا جواده بمهارة فائقة لا يمكن إلا أن يدلي إلا بآراء صائبة، وكانوا أثناء الحديث يرفعون أيديهم إلى رءوسهم بين آن وآخر".
 
 

 وكان دليسبس أثناء رحلته مع سعيد باشا من القاهرة إلى الإسكندرية قد أبدى مهارة في ركوب الخيل واجتياز الموانع الطبيعية في الصحراء وهو ممتطيًا جواده، مما أثار إعجاب حاشية سعيد باشا وقادة جيشه بالصديق الأجنبي لمولاهم.
 وفي موضع آخر يذكر دليسبس أثر إعجاب هؤلاء القادة بفروسيته على قرارهم بالموافقة على مشروعه، تلك الموافقة التي لم تستغرق سوى أسابيع قليلة من الدراسة، لم تصل إلى شهر، في بلد كانت تتميز بيروقراطيته ونخبته العسكرية بالبطء القاتل في اتخاذ القرار، فما سر هذه السرعة المذهلة؟
يقول دلسيبس: "جمع سعيد باشا قواد جنده، وشاورهم في الأمر، ولما كانوا على استعداد لتقدير من يجيد ركوب الخيل ويقفز بجواده على الحواجز والخنادق أكثر من تقديرهم للرجل العالم المثقف انحازوا إلى جانبي، ولما عرض عليهم الباشا المشروع بادروا إلى القول بأنه لا يصح أن يرفض مشروع صديقه، وكانت النتيجة أن منحني الباشا ذلك الامتياز العظيم".
 بهذه البساطة حصل دليسبس على امتياز شق القناة، بهذه البساطة كانت النخبة الحاكمة تتخذ قرارًا يحدد مصير الوطن لسنوات طويلة. رغم أنه نفس المشروع الذي رفضه محمد علي باشا قبلها بسنوات عندما عرضه عليه السان سيمونيون، وهم أتباع حركة إصلاحية ذات توجهات اجتماعية   استعان بهم الباشا في تحديث مصر وفي مشروعات إقامة البنية الأساسية الحديثة في البلاد، وكان مبرره في الرفض الخوف من أن تزيد القناة من المطامع الدولية في مصر، الأمر الذي تحقق بالفعل.
 وبعد انتهاء مرحلة الدراسات التمهيدية للمشروع التي استغرقت عامًا وبضع أسابيع تم تعديل عقد الامتياز في 5 يناير سنة 1856 بشروط أكثر إجحافًا بمصر.
 وفي 25 إبريل سنة 1859 توجه دليسبس بصحبة أعضاء مجلس إدارة الشركة إلى شاطئ البحر المتوسط بالقرب من الفرما، عند الموقع الذي أُنشئت فيه مدينة بورسعيد بعد ذلك، وفي احتفال كبير ضرب الرجل أول معول في الأرض إيذانا ببداية حفر قناة السويس، الحفر الذي استغرق  أكثر من عشر سنوات، ضرب فيها مئات الآلاف من الفلاحين المصريين ملايين المعاول، في ظروف عمل غير إنسانية وأوضاع قاسية، سقط عشرات الآلاف من الفلاحين، وتكبدت الخزانة المصرية أعباءً مالية جسيمة بلغت أكثر من ستة عشر مليون جنيه.
 
 
 بعد تلك السنوات العشر افتتح الخديوي إسماعيل قناة السويس في احتفال تاريخي بدأ من مدينة بورسعيد يوم 16 نوفمبر سنة 1869، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ مصر وعلاقاتها الدولية.
 

 لقد أعاد مشروع قناة السويس مصر مرة أخرى إلى قلب الصراع الدولي، فبعد أن كانت أمور البلاد قد استقرت في أعقاب معاهدة 1840، عادت مصر مرة أخرى مسرحًا للتنافس الاستعماري وصراع المصالح بين الدول الأوروبية الكبرى.
 وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من الساسة والمؤرخين المصريين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى القول بأن مشروع القناة كان نقمة على البلاد، بل أنه كان المسئول الأول عن أزمة الديون التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر.
 

 ومنذ الإعلان عن عقد الامتياز تنبه القنصل الإنجليزي في مصر مستر بروس إلى أن حفر القناة "سيؤدي إلى ازدياد المواصلات التجارية بين أوروبا وبلاد الشرق، وسيترتب على ذلك أن تنشأ مراكز قانونية للدول الأجنبية في هذه البلاد، وسيؤدي هذا الوضع إلى أن تحدث منازعات بين تلك المراكز وشعوب الشرق، وسوف تكون هذه المنازعات ذريعة تتيح للدول الأوروبية التدخل المسلح والاحتلال الدائم للبلاد...".
 وقد صدق بالفعل توقع القنصل الإنجليزي، فبدأ التنافس البريطاني الفرنسي على مصر من جديد، وبدأ التدخل الأجنبي في شئون البلاد، ذلك التدخل الذي انتهى بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882.

 بل إن القناة لعبت دورًا مهمًا في نجاح القوات البريطانية في احتلال مصر، فبعد الهزائم المتوالية التي تلقاها الجيش البريطاني على الجبهة الشمالية الغربية بين الإسكندرية وكفر الدوار، بدأ القائد البريطاني ولسلي يخطط للانقضاض على مصر من جهة الشرق، عبر قناة السويس، وكانت بريطانيا قد مهدت للهجوم من جبهة الشرق عندما تحججت بترميمات طابية الجميل بالقرب من بور سعيد لتقتحم إحدى سفن أسطولها القناة من جهة الشمال وتخترقها حتى بحيرة التمساح في الأسبوع الأخير من يوليو 1882، وبعدها بأيام كانت سفن الأسطول البريطاني القادمة من الهند قد بدأت تلقي مراسيها في السويس لتكمل احتلال المدينة في الثاني من أغسطس، تحتلها باسم الخديوي الخائن الذي باع البلد من أجل عرشه، لكن التحرك الكبير في اتجاه احتلال القناة بدأ مع توالي الهزائم في كفر الدوار، فخلال ثلاثة أيام من 20 إلى 22 أغسطس احتلت القوات البريطانية منطقة القناة بالكامل وأغلقتها أمام السفن التجارية، وسيطرت على السكة الحديد بين السويس والإسماعيلية وعلى الترعة التي تغذي المنطقة بالمياه العذبة. وبعد السيطرة على القناة لم يضع الإنجليز وقتًا، فبدأ زحفهم تجاه الغرب من يوم 23 أغسطس، وتساقطت المواقع المصرية بسرعة موقعًا بعد موقع، إلى أن تم احتلال القاهرة في 14 سبتمبر 1882.
وكان أحمد عرابي قد وقع في خطأ فادح بعدم قيامه بسد القناة أو إغلاقها وتعطيل الملاحة فيها، لقد صدق عرابي وعد ديلسيبس له بالحفاظ على حياد القناة وعدم السماح للقوات البريطانية بدخول مصر عبرها، ولم يأخذ عرابي بنصيحة معاونيه وأركان جيشه، ولو كان عرابي أغلق القناة لأعاق تقدم الجيوش البريطانية، ويقول جون نينيه رئيس الجالية السويسرية في مصر وصديق عرابي في كتابه "عرابي باشا": "إن بساطة عرابي جعلته يرتكب أغلاطًا كبيرة ظهرت عواقبها فيما بعد، فبمقدار ما بذل من الهمة في الدفاع عن الإسكندرية وتحصين خطوط الدفاع في كفر الدوار بحيث امتنعت على الإنجليز، قد أظهر منذ بداية المعارك غفلة بالغة إذ استمع إلى النصائح الكاذبة التي خدعه بها المسيو فردينان دلسبس حين زعم أن الإنجليز لا يمكن أن يتعرضوا للعمل الفرنسي، فامتنع عرابي عن سد القناة في الوقت المناسب واستمسك برأيه رغم ما كانت تحتمه الخطط الفنية الحربية، ورغم ما ارتآه زملاؤه وما ارتأيته أنا، وكررته عشر مرات، تارة بالقول القارس وطورًا بالكتابة في وجوب سد القناة، ورغم كل ذلك أصر عرابي على رأيه، فمهد للجنرال ولسلي نصرًا من أسهل ما عرف في تاريخ المعارك".


 وطوال سنوات الاحتلال التي جاوزت السبعين سنة، وخلال كل المفاوضات التي دارت بين الحكومات المصرية المتعاقبة والحكومة البريطانية كانت قناة السويس وحماية الملاحة الدولية فيها من القضايا الشائكة المعقدة التي تؤدي دومًا بالمفاوضات إلى طريق مسدود.
 لقد كان الوجود العسكري البريطاني حول قناة السويس بدعوى تأمينها أمرًا مرفوضًا من المصريين الذين رأوا دائمًا ـ محقين في ذلك ـ أنهم قادرون على حماية القناة والدفاع عنها، وكان المطلب المشروع الذي رفعته الحركة الوطنية في مصر: "أن تكون القناة لمصر لا أن تكون مصر للقناة"، الأمر الذي لم يتحقق إلا يوم التأميم.

يتبع...


الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...