الأربعاء، 13 مايو 2015


الأمير العاشق

عماد أبو غازي

 لقد كان لعصر أسرة محمد علي جوانبه السلبية، كما كانت له كذلك جوانبه الإيجابية، ومثلما كان بين حكام هذه الأسرة وأمرائها طغاة وفاسدون، كان بينهم مصلحون ومحبون لمصر، ومن بين من ينتمون للفريق الثاني الأمير يوسف كمال أحد عشاق هذا الوطن، صاحب الإسهامات المتعددة في الحياة العلمية والثقافية والفنية في مصر في النصف الأول من القرن الماضي.

 لقد كان الأمير متعدد الاهتمامات واسع الثقافة نهمًا للمعرفة العلمية، وكانت الرحلات والكشوف الجغرافية أحد أهم هذه الاهتمامات، وقد قام الأمير بعدد من الرحلات في صحارى مصر، درس فيها عادات السكان في تلك المناطق، وجمع العديد من المنتجات البيئية واكتشف عشرات من القطع الأثرية أهداها للمتحفين المصري والإسلامي. كما كان الأمير من رعاة الجمعية الجغرافية المصرية الذين دعموا أنشطتها العلمية، ووهب قصره بالمطرية ليكون مقرًا لمعهد بحوث الصحراء.

 هذا ولم تقتصر اهتمامات الأمير يوسف كمال على الجغرافيا والرحلات، بل امتدت إلى دعم الثقافة والفنون، فالأمير يوسف كمال هو مؤسس أول مدرسة للفنون الجميلة بمصر، وكان مقرها بقصر له يقع في حي درب الجماميز بالقاهرة خصصه للمدرسة، واستقدم لها أساتذة من أوروبا على نفقته للتدريس لطلابها، وقد فتحت هذه المدرسة أبوابها للطلاب في مايو 1908، وكان من بين الدفعة الأولى من الطلاب الذين التحقوا بها، وتخرجوا منها بعد ثلاث سنوات، نحات مصر الأول محمود مختار، والمصورون الرواد راغب عياد ويوسف كامل ومحمد حسن.
 ولم تقف رعاية الأمير للفنون الجميلة في مصر عند إنشائه للمدرسة واستقدامه للمدرسين من أوروبا للتدريس فيها، بل امتدت إلى رعاية خريجها، فقد أوفد مختار في بعثة لدراسة الفنون في باريس على نفقته الخاصة.

 مختار في باريس في حفل مرقص الفنون الأربعة
كذلك كان الأمير يوسف كمال أحد الرواد في تأسيس الجمعيات الفنية والثقافية في مصر، حيث كان أول رئيس لجمعية محبي الفنون الجميلة التي تأسست في مطلع العشرينيات من القرن الماضي ومازالت تمارس دورها في الحركة الفنية والثقافية إلى يومنا هذا كأقدم جمعية فنية في مصر.

 أحد قصور الأمير
ولا يقف دور أميرنا عند النشاط العلمي والثقافي، بل يمتد إلى ساحة العمل الوطني، فقد كان أحد ستة أمراء أصدروا نداء إلى الأمة في 3 يناير سنة 1920 أثناء أحداث المرحلة الثانية من ثورة 1919، وجاء فيه:
 "حيث أن الأمة المصرية الشريفة التي هي سبب عظمتنا وشوكتنا وفخارنا، قد قامت بالواجب عليها قيامًا يجعل لها ولنا أعظم منزلة نتفاخر بها في العالم بأسره، وبما إنه لم يتبق من جميع طبقات أمتنا العزيزة طبقة إلا نادت بأعظم صراحة وأجلى بيان مطالبة بحقوقها الشرعية المقدسة والحقة، فقد جئنا نحن أولاد محمد علي لا لنشارك أمتنا في أمانيها ومقاصدها فقط، بل لنضم صدورنا إلي صدور أفرادها، ونجعل أيدينا في أيديهم، حيث أننا لسنا إلا روحًا واحدة، حتى نكون جسمًا لا يبتر، وقوة لا تقهر، فنطالب بحقوق وطننا، نطالب بحقوق أمتنا، نطالب بحقوقها الشرعية، نطالب باستقلال مصرنا استقلالًا تامًا مطلقًا بلا قيد ولا شرط."
 وقد وقع على هذا البيان الأمراء كمال الدين حسين وعمر طوسون ومحمد علي إبراهيم وإسماعيل داود ويوسف كمال.
 وقد أرسل الأمراء الستة في نفس اليوم مذكرة إلى اللورد ملنر رئيس اللجنة الشهيرة التي عرفت باسمه، والتي جاءت إلى مصر لتقصي الحقائق والتحقيق في مطالب الأمة بالاستقلال، وقاطعتها الحركة الوطنية، وصارت مقاطعة المصريين للجنة مضرب الأمثال، فعندما يقاطع شخص شخصا آخر مقاطعة شديدة، يقول الناس "ده مقاطعه مقاطعة لجنة ملنر". وقد جاءت رسالة الأمراء الستة إلى اللجنة مؤيدة في نصها وفحواها للموقف الوطني المقاطع للجنة، ذلك الموقف الذي أجمعت عليه غالبية الأمة بأحزابها وطبقاتها المختلفة.
 كما شارك الأمير يوسف كمال مرة ثالثة في نوفمبر 1925 مع مجموعة من أمراء أسرة محمد علي في توجيه رسالة إلى الملك أحمد فؤاد أثناء الأزمة الدستورية التي نشبت بين الملك والأمة، في واحد من الانقلابات الدستورية الشهيرة التي عرفتها البلاد في عهد فؤاد، عندما تعدى الملك على الدستور وعطله وحل البرلمان، وقد طالب الأمراء الملك في هذه الرسالة بإعادة النظام النيابي إلى البلاد مرة أخرى، وجاء في الرسالة:
 "يا صاحب الجلالة، لما تراءى لنا أن الحالة السياسية قد بلغت في وطننا مبلغًا من الخطورة، وإنه يجب الاهتمام بصفة خاصة، جئنا نلتمس من جلالتكم إعادة النظام النيابي إلى البلاد طبقا لنص الدستور".
وقد وقع على هذه الرسالة أربعة عشر أميرًا، كان من بينهم الأمير يوسف كمال، ليعلن هؤلاء الأمراء انحيازهم إلى الشعب، وإلى جانب الديمقراطية واحترام الدستور والحياة النيابية.

 
 هذه قصة الأمير الذي عشق مصر وأعطى لها الكثير، أما أهم ما قدمه الأمير فكان عمله الموسوعي المعروف باسم "المجموعة الكمالية في جغرافية مصر والقارة الإفريقية"، ولهذا العمل قصة أُخرى.

الثلاثاء، 12 مايو 2015


 

مدرسة الفنون الجميلة

عماد أبو غازي

 شهد عام 1908 حدثين مهمين على في مجال الثقافة والفكر وفي مجال المبادرة الأهلية؛ ففي ذلك العام تم افتتاح الجامعة المصرية، التي شيدها المصريون بأموالهم وتبرعاتهم، وكانت نموذجًا لقدرة المجتمع على بناء مؤسساته الثقافية والتعليمية بمعزل عن الحكومة، وقبل افتتاح الجامعة المصرية بأكثر من ستة شهور عاشت مصر حدثًا مهمًا أخر في مجال التعليم والثقافة، ففي شهر مايو من عام 1908 وعلى وجه التحديد في 12 مايو، أعلن عن افتتاح مدرسة للفنون الجميلة بحي درب الجماميز بالقاهرة، وإذا كانت الجامعة المصرية قد قامت بتضافر جهود المصريين من خلال الاكتتاب وتبرعات الأغنياء فإن شخصًا واحدًا حمل على كاهله عبء تأسيس مدرسة الفنون الجميلة في قصر كان يملكه، وقام باستحضار الأساتذة من أوروبا للتدريس فيها، بل والإنفاق على بعثاتها الأولى من ماله الخاص، إنه الأمير يوسف كمال حفيد إبراهيم باشا، الذي كان من أبرز المتبرعين لإنشاء الجامعة المصرية، والذي ساهم في دعم عدد من المؤسسات العلمية والثقافية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين فضلًا عن إنفاقه على ترجمة عدد من الكتب المهمة، وقيامه هو نفسه بتأليف موسوعة جغرافية عن مصر وأفريقيا تعرف بالموسوعة الكمالية.

الأمير يوسف كمال 


مرسم في مدرسة الفنون الجميلة

 ولم يأت إنشاء مدرسة الفنون الجميلة سنة 1908 من فراغ، فالرأي العام في مصر كان مهيأً للحدث، بل ربما مترقبًا له، فكان عصر محمد علي قد شهد إنشاء مدرسة العمليات سنة 1839، تلك المدرسة التي تغير اسمها فيما بعد إلى الفنون والصنايع، التي تعد سلفًا لكلية الفنون التطبيقية القائمة الآن، كما عرف عصر محمد علي أيضًا كتابات رفاعة الطهطاوي رائد النهضة الحديثة في مصر، الذي قدم من خلالها وصفًا للمتاحف ودور الآثار التي شاهدها في باريس.

 رفاعة الطهطاوي
 وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر أعيد تخطيط المدن المصرية على النسق الأوروبي، وأصبحت التماثيل مكونًا أساسيًا للثقافة البصرية للمصريين، من خلال تماثيل الميادين التي جلب إسماعيل باشا فنانين أوروبيين لإقامتها في ميادين القاهرة ولإسكندرية، وكانت تلك التماثيل تجسد شخصيات من الأسرة العلوية الحاكمة مثل محمد علي باشا وإبراهيم باشا ثم الخديوي إسماعيل نفسه، وبعض كبار رجال الدولة مثل سليمان باشا الفرنساوي ومحمد بك لاظوغلي ونوبار باشا، وظهرت التماثيل في الحدائق العامة، كما زُينت واجهات بعض المباني العامة كذلك بالتماثيل والجداريات النحتية البارزة والغائرة، وأصبحت اللوحات الفنية جزءًا أساسيًا من ثقافة الطبقات العليا في المجتمع، أما الثقافة الشعبية فلم يغب عنها أبدًا العمل الفني التشكيلي، بل ظل دومًا وفي كل العصور مكونًا أساسيًا من مكوناتها.
 ومع مطلع القرن الجديد ـ القرن العشرين ـ بدأت الدعوة للاهتمام بالفنون الجملية تتردد في أوساط المفكرين المصريين، وكان في مقدمتهم الإمام محمد عبده الذي كتب عن الفنون الجميلة "إن الرسم ضرب من الشعر الذي يُرى ولا يُسمع، وإذا نظرت إلى الرسم فإنك تجد الحقيقة بارزة لك تتمتع بها نفسك"... كان هذا فارق بين زمانهم الذي يدعو فيه مفتي الديار المصرية للفن الجميل ويروج له وهذا الزمان الذي تصدر فيه الفتاوى بتحريم الفن.

الإمام محمد عبده
 وعندما مات مصطفى كامل في 10 فبراير 1908، كان من بين خطط تكريمه بل في مقدمتها إقامة تمثال له اكتتب أنصار الحزب الوطني لإقامته، وقد حُبس التمثال في مدرسة مصطفى كامل إلى أن أفرج عنه مع تمثالي سعد للمثال مختار لتحتل التماثيل الثلاثة منذ أواخر الثلاثينات مكانها في أبرز ميادين القاهرة والإسكندرية.
 إذًا فالأرض كانت ممهدة لافتتاح كلية للفنون والمجتمع كان مستعدًا لاستقبال الكيان الجديد، وقد تأثر الأمير يوسف كمال بهذه الآراء والأفكار كما أقنعه صديقه المثال الفرنسي لابلاني بأهمية إنشاء مثل هذه المدرسة، فتحمس الرجل للمشروع وقام به وحده.
 وقد استعان الأمير بعدد من الفنانين الأوروبيين المقيمين بمصر لوضع مناهج الدراسة ونظمها، وللقيام بالتدريس أيضًا.

 وكان الالتحاق بالمدرسة مجانيًا، دون تقيد بسن أو جنسية أو مؤهل دراسي، والتحق بالمدرسة مع افتتاحها أربعمائة طالب، ويقول الناقد بدر الدين أبو غازي في كتابه مختار حياته وفنه: "في البدء تلقت مدرسة الفنون الجميلة خليطًا عجيبًا من سكان القاهرة، خليطًا تفاوت في كل شيء... في الجنس والسن والبيئة والثقافة، وفي مدى الاستعداد، تلقتهم المدرسة في كرم، وفتحت لهم أبوابها، ولكن الأساتذة لابلاني وفورشيللا وبيررون استطاعوا أن يلتقطوا أشعة المواهب التائهة وسط هذه الجموع، وما لبث الفضليون أن انصرفوا عن المعهد وبقى أكثر من مائة طالب بينهم فئة كان يلوح منها النبوغ، وهؤلاء لقوا الأيدي التي رعتهم وكشفت عن مواهبهم، ورفعتهم إلى سماء جديدة فمضوا مبهورين بحب الفن وأصبح له في نفوسهم قداسة العبادة... من هذه القلة النادرة محمود مختار ومحمد حسن ويوسف كامل وراغب عياد".

مختار
 وكانت مدرسة الفنون تضم أربعة أقسام: قسم التصوير وقسم النحت وقسم الزخرفة وقسم العمارة؛ لقد كانت مدرسة الفنون الجميلة التي افتتحت في 12 مايو 1908 فاتحة لعصر جديد في تاريخ الفن المصري.

 ابن البلد من أعمال مختار
 محمد حسن من أعمال مختار
مختار بريشة يوسف كامل
 مختار بريشة محمد حسن
 المتسول من أعمال مختار
رأس زنجية من أعمال مختار
 وقد تخرجت الدفعة الأولى من الكلية سنة 1911 وأقام طلاب الكلية أول معرض عام لهم في نادي الأوتومبيل المصري. وأوفد الأمير يوسف كمال محمود مختار للدراسة على نفقته في فرنسا، فالتحق هناك بمدرسة الفنون الجميلة بباريس.

 معرض طلاب مدرسة الفنون الجميلة
 وقد فكر الأمير في ضم المدرسة إلى الجامعة بعد افتتاحها بعدة سنوات، لكنه تراجع عن ذلك وعاد ليسلمها لوزارة المعارف، وقد تنقلت المدرسة بين أكثر من موقع إلى أن استقرت في مقرها الحالي بفيلا عبود باشا بالزمالك، وقد أرخ لهذه المدرسة الدكتور عبد المنعم الجميعي في بعض صفحات من كتابه الوثائقي الشيق: "مدارس عليا ساهمت في إنشاء الجامعات المصرية" الذي صدر في العام الماضي. كما أصدرت الكلية كتابًا تذكاريًا عام 2008 احتفالًا بمؤيتها الأولى.
 
مختار في مرسمه بمدرسة الفنون الجميلة

الاثنين، 11 مايو 2015


الأمة وثوابتها


بمناسبة مقال الأمس اللي نشرته عن سعد زغلول ومختار في ذكرى ميلاد مختار واتكلمت فيه عن التمثال الكاريكاتيري اللي سخر فيه مختار من سعد، افتكرت المقال ده اللي نشرته في الدستور في الأسبوع الأول من إبريل 2005، بمناسبة إهداء التمثال لمتحف مختار...



 

مخربشات


..... الأمة وثوابتها


عماد أبو غازي


 يوم 27 مارس يصادف ذكرى وفاة نحات مصر الكبير محمود مختار، وفي احتفال صغير سلمت تمثالا مجهولا من تماثيل مختار ليودع في متحفه بعد ثمانين عاما على نحته له، وهو تمثال كاريكاتوري يسخر فيه الفنان من زعيم الأمة سعد زغلول، والتمثال يُعرض للمرة الأولى، وإن كنت قد عرضت صورا له في ندوة أقيمت بالمتحف أثناء الاحتفال بالمئوية الأولى لميلاد مختار عام 1991، ونشرت بعض هذه الصور في مقال بمجلة الهلال وآخر بجريدة الدستور.
 في أعقاب إزاحة الستار عن التمثال الصغير بدأت تعليقات الحضور، أكثر ما لفت انتباهي فيها تعليق الأستاذ محمود مرسي مدرس التربية الفنية، الذي اعترض على عرض التمثال بالمتحف، وقال: إنه لا يستطيع أن يأتي مع تلاميذه إلى المتحف ويريهم هذا التمثال، لما يراه فيه من إساءة لمختار ولسعد، لأنه عمل ضد التقاليد والقيم والأخلاق القويمة !!

 تذكرت على الفور الضجة التي أثيرت منذ أسابيع بسبب فيديو كليب للمنلوجست سعد الصغير، و لم أكن قد رأيته حتى ذلك الحين، ووصلت الأمور إلى حد اتهامه بالإساءة لتاريخنا الوطني، والسخرية من رموزنا القومية والتطاول على ثوابت الأمة، وكل ذلك لأن فكرة الكليب تعتمد على الخلط بين شخصية الزعيم سعد زغلول والمنلوجست سعد الصغير اعتمادا على اشتراكهما في الاسم الأول سعد، وحاولت مشاهدة الكليب على أي من القنوات التليفزيونية لأعرف مقدار الجرم الذي ارتكبه الصغير، ولكني لم أصادفه أبدا، إلى أن شاهدته ذات مرة على شاشة عرض بمحطة من محطات مترو الأنفاق، ولم أجد فيه ما يستدعي حملة التجريم التي شنها بعض الكتاب على تلك الأغنية الخفيفة، قد يعجب بها البعض منا وقد لا يستسيغها ولا يتذوقها البعض الأخر، لكن الأمر لا يمكن أن يصل إلى هذا الحد من الضيق بالفكاهة والنكتة.
  وفي لحظات تداعت على ذهني خواطر متوالية حول هالات التقديس التي أصبحنا نضفيها على شخصيات لعبت دورا في تاريخنا السياسي أو الثقافي أو الفني، أو على أحداث أو حتى أماكن، فأصبح الاقتراب من هذه المناطق أحد المحرمات في حياتنا.
 منذ أسابيع قليلة عندما أثارت الدكتورة رتيبة الحفني موضوع زواج مصطفى أمين من أم كلثوم، تعرضت للهجوم كأنها اتهمتهما ـ لا سمح الله ـ بارتكاب عمل مشين وليس زواجا على سنة الله ورسوله، وبغض النظر عن صحة الواقعة أو عدم صحتها، فالأمر لا يستدعي تلك الحالة الهيستيرية من الهجوم على الدكتورة، وقبلها قامت الدنيا ولم تقعد لأن الممثل محمد سعد غنى أغنية من أغنيات أم كلثوم بأداء كوميدي، وهاجمه الكتاب في الصحف وضيوف البرامج التلفزيونية باعتباره يدمر تراثنا الفني ويسيء إليه، لماذا هذه الضجة؟  ... قبل محمد سعد بأربعين سنة قدم كوميديانات كبار مثل إسماعيل يس وفؤاد المهندس مشاهد في أفلامهم ومسرحياتهم استخدموا فيها مقاطع من أغاني لأم كلثوم ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ قاموا بأدائها بصورة ساخرة، لم نسمع أن أم كلثوم اعترضت، ولم يؤد ذلك إلى تدمير تراثها الغنائي الذي عاش وسيعيش دون هذا الدفاع المتشنج عنه والذي يحوله إلى مقدس ديني يعلو فوق النقد وفوق أي تعامل إنساني معه، تذكرت عشرات من الحالات المماثلة في السنوات الأخيرة كلها تعكس حالة ضيق الصدر بالسخرية وبالنقد اللاذع التي أصبح يعيشها مجتمعنا، والتي هي نتاج لضيق أفق شديد، اتسعت بسببه "ثوابت الأمة" وامتدت من ثوابت الدين إلى السياسة لتصل اليوم الغناء.
 قطعت شريط أفكاري فقد كان علي أن أرد على الأستاذ محمود مرسي، وقلت له: إن سعد زغلول الذي سخر منه مختار هذه السخرية في تمثاله، وأكثر منها في رسومه الكاريكاتورية التي أطلق عليها اسم "الزغلوليات"، لم يتهم مختار بالخيانة، ولم يصدر أمرا باعتقاله وهو على رأس السلطة، ولم يقاضيه أو يتهمه بالسب والقذف، بل بمجرد أن التقيا مصادفة تصافحا، وزار سعد مختار في موقع العمل بتمثال نهضة مصر قبل إزاحة الستار عنه، وهكذا يكون سلوك الكبار وسلوك الزعماء، فمادام سعد قد تصدى للعمل العام فعليه أن يقبل النقد والسخرية من شخصه العام، مهما كانت هذه السخرية لاذعة وقاسية.

  إن سعد وأم كلثوم وغيرهما من صناع تاريخنا وحضارتنا ومن رموز ثقافتنا قدموا إسهامات مهمة لهذا البلد، ولكنهم بشر يجوز لنا أن ننتقدهم في حياتهم وبعد موتهم، كما يحق لنا وللأجيال من بعدنا أن نعيد استخدام بعض من تراثهم في شكل ساخر، فالشعوب القادرة على السخرية من نفسها ومن موروثها هي الشعوب القابلة للحياة السليمة وللتطور، وليس من حق كائن من كان أن ينصب نفسه حارسا للقيم أو قيما على الناس باسم الدفاع عن ثوابت الأمة وحمايتها، فالناس قادرون على تمييز الغث من الثمين، والثوابت ـ لو كانت ثوابت بالفعل ـ لن تهتز من مونولوج أو فيلم سينمائي أو مقال أو كتاب.
 يا ناس شوية تسامح، وشوية قبول للآخر المختلف، وشوية تقبل للنقد والسخرية، فنحن أبناء حضارة اخترعت السخرية منذ آلاف السنيين، وظلت تمارسها عبر تاريخها، ولم تؤد هذه السخرية مهما كانت لاذعة إلى تقويض حضارتنا أو تدمير قيمنا أو تشويه ثقافتنا بل على العكس زادتها قوة.
  وأقول لأخوانا بتوع "الثوابت" أن السخرية اللاذعة هي ثابت الثوابت في تاريخ مصر!!!

*****

بالمناسبة التمثال فضل في المخازن خمس سنين من غير ما يتعرض بسبب الخوف من ردود فعل زي رد فعل الأستاذ مرسي... وما اتعرضش غير في 2010...

الأحد، 10 مايو 2015

  النهار ده 10 مايو  ذكرى ميلاد مختار رائد النحت المصري الحديث، بالمناسبة دي بأعيد نشر مقال كنت نشرته في مجلة الهلال سنة 1992.
الفنان والزعيم
تمثال مجهول للزعيم سعد زغلول

                                                                     عماد بدر الدين أبو غازي
يعرف الناس عن علاقة المثال محمود مختار بسعد زغلول، أن مختار هو مبدع تمثالي الميدان للزعيم في القاهرة والإسكندرية، وهما التمثالان اللذان شيدهما مختار بطلب من الحكومة المصرية في إطار حملة تخليد ذكرى سعد، بعد رحيله في 23 أغسطس 1927، وكانا إسهامًا من مختار في الاحتفاء بذكرى الزعيم، فمختار هو القائل:  "إن في وجدان كل مصري ـ ولو لم يكن فنانًا ـ تمثالاً لسعد زغلول".


من خلال تمثالى سعد بالقاهرة والإسكندرية سجل مختار مجموعة من القيم والمفاهيم السياسية والوطنية، فلم يكن التمثالان مجرد تجسيد لشكل الزعيم وملامحه الشخصية، ولم يكونا مجرد تمثالى ميدان كغيرهما من التماثيل التى جمّلت ميادين القاهرة منذ القرن 19. لقد كانت المرة الأولى التى يحول فيها فنان مصري تمثال الميدان الشخصى إلى ملحمة تٌعبر عن ثورة شعب وطموحاته وأهدافه وآمانيه القومية، فقاعدة تمثال الإسكندرية قامت على مشاهد تسجيلية لأحداث ثورة 1919.

 
 ورمزين مجسمين للوجهين البحري والقبلي.

 
 وحين صور مختار العدالة والدستور والإستقلال على قاعدة تمثال القاهرة كان يسجل أهدافا يسعى الشعب المصرى إلى تحقيقها من خلال نضاله الوطني.



وحين صور أصحاب الحرف ومشاهد العمل في الريف وعلى صفحة النهر كان يخلد أبناء هذا الشعب الذين ثاروا سنة 1919 في نحت جداري ميداني لأول مرة.
 
 
 
 
لقد كان بناء قاعدة تمثال سعد الجرانيتية فى القاهرة تشكيلًا متكاملًا مع تمثال الزعيم الذى يعلوها، إنها ليست مجرد قاعدة ترفع التمثال ولكنها تحمل إشارة واضحة إلى أن القاعدة بما فيها من بشر وقيم وأهداف هى التى رفعت الزعيم وحملته ليحتل مكانه البارز فى وجدان وتاريخ الأمة.

كذلك يشاهد زوار متحف مختار بالجزيرة تمثالًا نصفيا لسعد وتمثالًا آخر لرأس سعد ـ مأخوذًا عن تمثال سعد الميدانى بالقاهرة ـ وهو واحد من أروع أعمال مختار فى فن التمثال الشخص.


وإذا كانت ثورة 1919 التي فجرها نفى سعد وصحبه هي البداية تفجر مختار وانطلاقه الفني في طريق إرساء ملامح مدرسة مصرية حديثة في فن النحت، فقد كانت الثورة بداية لمرحلة جديدة في حياة مصر الفكرية والفنية مثلما كانت بداية مرحلة جديدة في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وإذا كان مختار هو واحد من مشيدي أروع الرموز الفنية لتخليد ثورة 1919 وزعيمها، فإن ما لا يعرفه الناس عن علاقة الفنان بالزعيم، هو أن هذه العلاقة لم تسر دائمًا في اتجاه التأييد والتمجيد من الفنان للزعيم بل مرت بمرحلة من الجفوة والمعارضة.
في سياق الثورة كان لقاء مختار الأول بالوفد المصري وزعيمه سعد، فعندما كان مختار في باريس أشترك في حركة الطلاب المصريين في دعم الوفد المصري في مفاوضات السلام، وهناك كان إسهامه الأساسي فى التعبير الفني عن الثورة من خلال النموذج الأول لتمثال النهضة الذى عرضه في صالون باريس 1920. وأرسل سعد خطابا لمختار في 6 مايو 1920 يشيد بالتمثال قال فيه:
"حضرة المصور الماهر مختار.
شاهدت المثّال الذى رمزت به لنهضة مصر فوجدته أبلغ رمز للحقيقة وأنهض حجة على صحتها فأهنيك على هذا الخيال الواسع وهذا الذوق السليم وهذا الفن الساحر وأهنئ مصر بأنك من أبنائها العاملين على إعادة مجدها وأرجو الله أن يعين هذه النهضة حتى تبلغ كمالها فتشفع مثال النهضة بمثال الإستقلال والسلام."
                                                          سعد زغلول

                                                          باريس 6 مايو سنة 1920

 

 

ويتحمس بعض أعضاء الوفد للتمثال وتبدأ الدعوة في جريدة الأخبار لاكتتاب شعبي لإقامة التمثال في مصر..( ويعود مختار إلى مصر بطلا من أبطال نهضتها.. فتمثاله رمز للنهضة وعلامة من علامات الثورة والبعث فهو أول أثر فنى يقيمه مصري.. ويقيمه في عهد "السلاطين" ولكنه لا يرمز للنهضة بالحاكم وإنما يرمز لها بالشعب ويجعل الفلاحة في الميدان العام رمزا لمصر" وبدأ العمل في التمثال اعتمادا على التبرعات الشعبية وعلى الدعم الحكومي الذى قدمته وزارة عبد الخالق ثروت ومقداره 3000 جنيه وعقب صدور دستور 23 وتشكيل أول برلمان وطني انبرى ويصاواصف للدفاع عن التمثال وضرورة توفير الاعتمادات الكافية لإنجاز  واستجاب زغلول وكان على رأس الوزارة لهذه الدعوة إذ رأى أن حكومة النهضة يجب أن تتكفل بتمثالها.
وفي هذه المرحلة التى أعقبت قيام الحكم البرلمانى وما شهدته من صراعات سياسية وفكرية وانشقاقات خرجت عن الوفد المصرى، تعارضت نظرة مختار إلى سعد رئيس الحكومة ورئيس البرلمان والسياسى الذى يصارع على الساحة السياسية فى الداخل مع نظرته لسعد زعيم الأمة وقائد الثورة، ووقف مختار فى كثير من الأحيان فى مواجهة مع سعد ومواقفه وقدم من خلال مجلة " الكشكول " مجموعة من الرسوم الكاريكاتورية عرفت باسم " الزغلوليات " أنتقد فيها بعض مواقف سعد وسخر منها، كما قدم كذلك رسوما كاريكاتورية ساخرة فى " السياسة الأسبوعية " ، ومن اللافت للنظر أن كثيرا من الأدباء والمفكرين ذوى الميول الليبرالية والديمقراطية قد أنحازوا فى هذه الفترة إلى جانب حزب الأحرار الدستوريين أو التفوا حول جريدته الأسبوعية التى كانت فى تلك المرحلة من العشرينات أحد أهم المنابر الثقافية فى مصر. وربما يرجع ذلك إلى أن حزب الأحرار كان منحازا بالكامل إلى جانب حرية الفكر في بعض  القضايالتى أثيرت فى تلك الفترة، بينما كان الوفد متحفظا إلى حد ما ومتبنيا لمواقف أقل حسما، مثلما حدث عند إثارة قضيتى " السلام وأصول الحكم" و " الشعر الجاهلى".
كذلك كان موقف سعد من معارضيه وموقفهم الحاد منهم مجالا لإنتقاد مختار له.
ولم تقتصر إنتقادات مختار لسعد على الرسوم الكاريكاتورية، فقد نحت تمثالا لسعد يعد من أعمال النحت الكاريكاتورى النادر مثل فيه سعدا مرتديا ملابس فقراء الهنود وجالسا فى جلسة التأمل فى اليوجا ومرتديا فى نفس الوقت ياقة منشاة ورابطة عنق ( بابيون) فى إشارة إلى التعارض بين المواقف والأقوال، مع تضخيم الأذنين بشكل مبالغ فيه تلميحا إلى أن سعد يستمع إلى الوشايات التى تنقل إليه لقد حاول مختار أن يلخص فى هذا التمثال الساخر رأيه الناقد لسعد فى مرحلة من مراحل حياته السياسة.

وقد ظل هذا التمثال مجهولا لعشرات السنين إلى أن كشف عنه فى محاضرة ألقيت بمتحف مختار أثناء الإحتفال بالعيد المئوى لميلاد مختار، ولا يزال التمثال فى حوزة أسرة مختار إلى الآن (قمت بإهداء التمثال للمتحف عام 2005) والتمثال قد صب فى الجبس ويمثل مع مجموعة آخرى من التماثيل الساخرة أحد جوانب فن مختار. التى لم يلق عليها الضوء الكافى بعد ومن هذه التماثيل الساخرة تمثالا صديقى مختار حسين رجب ومحمد شفيق، ولعل أشهرها تمثال ابن البلد، والذى يرجع إلى مرحلة دراسة مختار فى مدرسة الفنون بالقاهرة.

وقد أثارت رسوم مختار وانتقاداته حفيظة سعد عليه وأدت إلى قطيعة بينهما دامت سنوات إلى أن التقيا مصادفة فى فندق ميناهاوس وتصافيا وتصالحا، ثم قام بعدها سعد بزيارته الشهيرة لموقع العمل فى تمثال النهضة بصحبة جماعة من الساسة والأدباء والصحفيين، وقد أحتفى مختار بسعد إحتفاء بالغا فى تلك الزيارة التى كانت من أيام الوداع فى حياة سعد فلم يمهل القدر مختارا حتى يحظى بمشاركة سعد فى حفل إزاحة الستار عن تمثال النهضة بسبب مماطلات الحكومة التى أجلت الحفل لشهور طوال كان سعد قد فارق الحياة.



 لقد إنقضت بذهاب سعد تفاصيل الخلافات العابرة والإنتقادات الساخرة ولم يبق إلا الرمز الذى خلفه كزعيم للأمة واستوحاه مختار فى تمثاليه الميدانيين لسعد، هذان التمثالان اللذان تسببا فيما لاقاه مختار من عنت وإضطهاد فى سنواته الأخيرة ورحل قبل أن يراهما قائمين فى مكانيهما، مثلما رحل سيد درويش قبل أن يستمع إلى الجماهير وهى تنشد لحنه فى إستقبال سعد عند عودته من منفاه فى المرة الثانية.
مصرنا وطنا                سعدها أملنا
كلنا جميعا         للوطن ضحية

 

الأحد، 3 مايو 2015


 في اليوم العالمي لحرية الصحافة

حكاية حرية الصحافة في مصر... مقال قديم جديد

عماد أبو غازي

 عرفت مصر الجريدة أو الجرنال مع الحملة الفرنسية، وبعد خروج الحملة وتولي محمد علي الحكم أمر بإصدار أول جريدة مصرية، جريدة "الوقائع المصرية" التي تصدر إلى الآن، وكانت وقتها تنشر الأخبار والمقالات إلى جانب اللوائح والقوانين والقرارات، وقد تولى أمرها رفاعة الطهطاوي لفترة، وربما كانت كتاباته فيها أحد أسباب إبعاده إلى السودان في عصر عباس الأول. وكانت الوقائع جريدة حكومية، واستمرت وحدها على الساحة حتى عصر إسماعيل وعلى وجه التحديد سنة 1865 عندما صدرت مجلة اليعسوب.
 ثم توالى صدور الصحف والمجلات، وشهد عصر إسماعيل موجة من الصحف السياسية واكبت صعود الحركة الوطنية المصرية، ربما كان أولها صحيفة وادي النيل التي أنشأها الشاعر عبد الله أبو السعود سنة 1867، وقد أوقفتها الحكومة سنة 1872، وكان الخديوي إسماعيل قد عطل قبلها جريدة نزهة الأفكار الأسبوعية التي أصدرها إبراهيم المويلحي بعد صدور عددين فقط من أعدادها، بناء على نصيحة شاهين باشا ناظر الجهادية، وكانت المصادرة مصيرا لعدد من الصحف التي صدرت في عصر إسماعيل وتبنت خطا وطنيا معارضا.
 وكانت الصحيفتان اللتان أصدرهما يعقوب صنوع أهم الصحف السياسية المعارضة التي صدرت في عصر إسماعيل، الأولى "مرآة الأحوال" التي أصدرها في لندن سنة، 1876، والثانية "أبو نضارة" التي صدرت في القاهرة سنة 1877 وأصبح اسمها اسما لمحررها، ويقول عبد الرحمن الرافعي في كتابه "عصر إسماعيل" عن صنوع وصحفه: "كان الشيخ يعقوب صنوع مصريا إسرائيليا (أي يهودي الديانة)، متعلقا بالصحافة، يميل إلى الدعابة في كتاباته، واتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني، وقيل إنه هو أوعز إليه إصدار جريدته لانتقاد سياسة إسماعيل فأصدرها، وكانت أول جريدة هزلية سياسية صدرت في مصر". وقد تسببت انتقادات صنوع لسياسة إسماعيل في صدور قرار بنفيه من مصر، لكن النفي لم يفت في عضد يعقوب صنوع فاستأنف من منفاه في باريس إصدار جريدته بأسماء مختلفة، واستمر في نقد سياسات الخديوي بالكلمة والكاريكاتير، وكانت صحفه تهرب إلى مصر، وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر استمر الرجل في معارضته حتى توفي سنة 1912.
 وقد شهدت السنوات الأخيرة من حكم إسماعيل قبل نفيه إلى إيطاليا اتساعا لهامش حرية الصحافة، فقد كانت خطة الخديوي تقوم على توظيف الصحافة الوطنية في معركته ضد تدخل إنجلترا وفرنسا في شئون مصر، إلا أن الخط الأحمر الذي لم يسمح إسماعيل بتجاوزه أبدا كان توجيه النقد لشخصه.
 بعد نفي إسماعيل وتولي ابنه توفيق تصاعد المد الوطني وقامت الثورة العربية وكان خطيبها وكاتبها ولسان حالها الصحفي هو عبد الله النديم، ففي صيف سنة 1881 أصدر الرجل صحيفة أسبوعية أسماها "التنكيت والتبكيت"، انتهجت خطا وطنيا واضحا وأسلوبا أدبيا ساخرا، وكان عبد الله نديم مهموما في صحيفته بقضية وحدة الوطن واستنهاض همة أبنائه للارتفاع بشأن البلاد، وقد وجد العرابيون فيه سندا لهم بكتاباته الوطنية الحماسية، فانتقل النديم إلى القاهرة ليكون في قلب الأحداث، والتقى بأحمد عرابي زعيم الثورة، حيث طلب منه أن تكون صحيفته لسان حال الثورة، بشرط أن يغير اسمها إلى اسم أكثر وقارا، فأصدر عبد الله نديم صحيفة "اللطائف" من القاهرة لتحل محل "التبكيت والتنكيت" ولتصبح لسان حال الثورة، وخلال أسابيع قليلة أضحت الطائف أهم الصحف المصرية على الإطلاق، وبعد هزيمة الثورة واحتلال مصر صدر الحكم على النديم غيابيا بالنفي من البلاد عقابا له على مقالاته المحرضة على الثورة، إلا أن النديم ظل هاربا يجوب أنحاء مصر تسع سنوات، إلى أن وقع في قبضة السلطات، ورفع وكيل الداخلية مذكرة لخص فيها رحلة النديم مع الهرب وانتهى فيها إلى أنه: "حيث إن عبد الله نديم المذكور نظرا لما هو معلوم من ارتكابه بث الفتن بخطاباته التي أقلقت الأفكار مدة الثورة، أرى وجوب تبعيده عملا بالأمر العالي الصادر في شأنه".
وبالفعل نفي عبد الله نديم إلى يافا في فلسطين، لكنه عاد إلى مصر عقب وفاة توفيق وتولي عباس حلمي الثاني الحكم، ورغم أن عودته كانت مشروطة بابتعاده عن السياسة إلا أن الرجل لم يستطع التخلي عن مبادئه ولم يقبل بالصمت، فأصدر صحيفة "الأستاذ"، وجعلها صوتا للوطنية في مواجهة الاحتلال، ولم يتحمل اللورد كرومر ما يكتبه النديم فسعى إلى نفيه مرة ثانية.
وفي منفاه في استنبول دخل في معارك سياسية عديدة ضد الفساد والاستبداد، وألف أخر كتبه "المسامير" الذي يفضح فيه فساد الصدر الأعظم (رئيس وزراء الدولة العثمانية)، وقضى سنواته الأخيرة بعيدا عن الوطن الذي أحبه وأخلص له وضحى من أجله، وتوفي في 11 أكتوبر سنة 1896 في الآستانة حيث دفن هناك في غربته.
 وفي العقد الأول من القرن العشرين تعرضت حرية الصحافة لحملة من الحملات العاتية في ظل التصالح والتهدئة بين عباس حلمي وسلطات الاحتلال البريطاني، ففي أعقاب المد الوطني الذي نتج عن حادث دنشواي شهدت مصر حملة حكومية شرسة ضد الحركة الوطنية المتصاعدة، فقد دفع تصاعد الحركة الوطنية بالخديوي عباس حلمي الثاني الحاكم الشرعي لمصر بعيدا عنها وعن مواقفها، خاصة مع اتجاه الحركة الوطنية نحو التنظيم، والتفاف قطاعات أوسع من الشعب حولها، وربطها بين المطالبة بالجلاء والمطالبة بالدستور، واتجه الخديوي إلى التحالف مع سلطات الاحتلال في مصر ممثلة في السير إلدون جورست، وكانت الساحة الأساسية  للمواجهة ساحة حرية الصحافة.
 بين عامي 1908 و1910 أصدرت حكومة بطرس باشا غالي ومن بعدها حكومة محمد باشا سعيد مجموعة من التشريعات المقيدة للحريات العامة، وقد وجهت تلك التشريعات ضربات قاسية للحريات في مجالات الصحافة والمسرح والشعر، بهدف محاصرة الحركة الوطنية المتصاعدة بعد حادثة دنشواي، فقد أدركت سلطات الاحتلال والخديوي والحكومة مدى تأثير الصحافة في التحريض السياسي ضد الاحتلال وسياسته وضد الحكومة المنفذة لتعليماته وضد المواقف الجديدة للخديوي عباس حلمي الثاني الذي تحول من مصادمة الاحتلال إلى التحالف معه، كما لمس الجميع دور الفن والأدب في شحن الوجدان الوطني، ومن هنا كان إصدار الحكومة لتشريعات رقابية تقيد حرية الإبداع، وإحياء قوانين مهجورة للمطبوعات تسمح للحكومة بحبس الصحفيين، وتعديل مواد في قانون العقوبات تحاسب الناس على نواياهم.
 جاءت المواجهة الأولى في صيف 1908 فيما عرف بقضية الكاملين، والكاملين بلدة في السودان شهدت انتفاضة شعبية في عام 1908، وبعد أن قمعت قوات الجيش الانتفاضة، تمت محاكمة زعماء الحركة أمام المحكمة المدنية الكبرى التي أصدرت أحكاما بالإعدام والسجن ومصادرة الأملاك على المتهمين ، وتكتمت الحكومة أخبار القضية كي لا تعيد إلى الأذهان ذكرى دنشواي، إلا أن جريدة اللواء لسان حال الحزب الوطني نشرت الخبر مع كثير من المبالغة، فقد رفعت عدد المحكوم عليهم بالإعدام من 12 إلى 70 شخصا، وعندها اضطرت وزارة الحربية إلى إعلان الحقيقة ونشرت اللواء بيان الحربية مع تعليق يحمل التشكيك فيه، عندها أقامت الحكومة الدعوى ضد الشيخ عبد العزيز جاويش رئيس تحرير اللواء بتهمة إهانة وزارة الحربية ونشر أخبار مثيرة للخواطر، وقد انتهت القضية إلى براءة الشيخ عبد العزيز جاويش من التهمتين.
 وفي نوفمبر 1908 استقالت حكومة مصطفى باشا فهمي التي استمرت في الحكم 13 عاما، وتشكلت حكومة جديدة برئاسة بطرس باشا غالي، ضمت وجوها جديدة، وقد استقبل رئيس الحزب الوطني محمد فريد الحكومة الجديدة مستبشرا بها خيرا، لكن أمل محمد فريد سرعان ما خاب ففي 25 مارس 1909 أعاد مجلس الوزراء العمل بقانون المطبوعات الصادر سنة 1881، أثناء الثورة العرابية، وكان العمل بهذا القانون قد توقف منذ عام 1894، وكان هذا القانون يمنح لوزارة الداخلية حق إنذار الصحف وتعطيلها مؤقتا أو نهائيا دون حكم قضائي، وكانت حجة الحكومة في عودة العمل بهذا القانون بعد توقف دام قرابة 14 عاما، رغبة أبدتها الجمعية العمومية سنة 1902، وأخرى أبدها مجلس شورى القوانين سنة 1904، بوضع حد للقدح في الأعراض الذي ينشر في بعض الصحف.
ولم تمض أسابيع قليلة على إعادة قانون المطبوعات إلى الحياة إلا وكانت الحكومة قد بدأت في ملاحقة الصحف والصحفيين بالمحاكمة والحبس والتعطيل والإغلاق، وكان النصيب الأكبر بالطبع لصحف الحزب الوطني وصحفيها، ومنهم عبد العزيز جاويش ومحمد فريد نفسه، وفي يوليو من نفس العام صدر قانون النفي الإداري الذي كان يجعل من حق السلطة الإدارية نفي من تره خطرا على الأمن العام إلى جهات نائية بالقطر المصري.
 وعندما تشكلت وزارة محمد باشا سعيد في فبراير 1910 عقب جريمة اغتيال بطرس باشا غالي، واصلت إصدار التشريعات المعادية للحريات، فأصدرت في يوم  16 يونيو من نفس العام قانونا يقضي بإحالة قضايا الصحافة إلى محاكم الجنايات بعد أن كانت من اختصاص محاكم الجنح، لأن الحكومة رأت أن محاكم الجنح تتهاون مع الصحفيين في أحكامها، كما أن التعديل كان يسلب الصحفي حقه في درجة من درجات التقاضي، مما يسهل مهمة الحكومة في ملاحقة الصحافة الوطنية.
 كما أصدرت في نفس اليوم قانونا آخر بتعديل قانون العقوبات يقضي بمعاقبة المتهمين بالاتفاق الجنائي حتى ولو لم يتوافر فيه ركن الاشتراك في ارتكاب الجريمة، أي أنها شرعت محاكمة الناس على نواياهم وضمائرهم، الأمر الذي وصفه عبد الخالق باشا ثروت في إحدى مرافعاته قائلا: "كان شديدا علينا يوم أن جر على البلاد ما فعله السفهاء من ضرورة سن قانون الاتفاقات الجنائية، ذلك القانون الاستثنائي الذي في وجوده سبة على أمن الديار، وحجة دائمة على أننا دائما تحت خطر الاضطراب والهياج"، كما فرضت التعديلات قيودا على حرية الصحف في نشر المرافعات في القضايا الجنائية، وأقرت للمرة الأولى المسئولية الجنائية على مديري الصحف بالنسبة لما ينشر فيها، حتى لو لم تتوافر أركان الاتفاق الجنائي في وقائع النشر، وأضاف التعديل عقوبة جديدة لجريمة من أغرب الجرائم أسماها التهديد بالكتابة أو بالقول ولو لم يكن مقرونا بطلب، ويرى المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي أن الغرض الحقيقي من وراء هذا التعديل الأخير كان معاقبة الشبان الوطنيين الذين كانوا يطوفون على أعضاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، لدعوتهم لمناصرة الأمة في مطالبها.
 كما وضعت الحكومة قانونا جديدا يقضي بإحالة تهم الصحافة إلى محكمة الجنايات بدلا من الجنح، كما عدلت نصوص قانون العقوبات لمعاقبة من ينشر المرافعات في القضايا الجنائية، واعتبرت مديري الصحف مسئولين بالاشتراك الجنائي عما ينشر في صحفهم، وأكملت الحكومة تقييدها للحريات بوضع لائحة للمسارح تجرم تمثيل الروايات التي تدعو للحرية والاستقلال.
 وقد تصدى دعاة الحرية لتلك التشريعات والقوانين بالقول والفعل، وكان من المدافعين عن الحرية بقلمه شاعر القطرين خليل مطران الذي كتب في المجلة المصرية:
 "في مصر وفي الآستانة العلية خطتان رسمتا للتضييق على الصحافة يراد بهما أن تصدر الجريدة كما يخرج الكلب العقور من بيت صاحبه وفي فكه كمامة، على أنه ليس في العزائم أدل من هذه العزيمة على رسوخ الداء الشرقي القديم في قلوب أولياء الأمور منا، داء الخوف من النقد. وبديهي أن هذا الخوف يكون عادة نتيجة حالتين: الكبرياء وهي أخصهما، وسوء السيرة أو الطمع في الراتب وهو أعمهما".
 كما تبقى في الذاكرة دائما أبيات مطران دفاعا عن حرية الرأي والتعبير، التي قال فيها:

شردوا أخيارها برا وبحرا         واقتلوا أحرارها حرا فحرا

إنما الصالح يبقى صالحــــــا  آخــــر الدهر ويبقى الشر شرا

كسروا الأقلام هل تكسيرها     يمنع الأيدي أن تنقش صخرا

قطعوا الأيدي هل تقطيعها       يمنع الأعين أن تنظر شـزرا

أطفئوا الأعين هل إطفاؤها      يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا

اخمدوا الأنفاس هذا جهدكم      وبه منجــــــــاتنا منكم فشكرا

 توالت القضايا ضد صحف الحزب الوطني وتعرضت للإنذار وللإغلاق الإداري أكثر من مرة، كما سجن أكثر من كاتب وصحفي من كتابها، لكن الحزب استمر والحركة الوطنية تصاعدت، فبدأ التخطيط لتوجيه ضربة مباشرة لرئيس الحزب محمد فريد، وجاءت الفرصة مع صدور ديوان وطنيتي للشاعر علي الغاياتي، ففي شهر يوليو عام 1910 صدر ديوان وطنيتي للشيخ علي الغاياتي المحرر بجريدة اللواء، أول ديوان شعر يتسبب في صدور أحكام بحبس ثلاثة من ساسة مصر وصحفيها، الشيخ على الغاياتي نفسه، والشيخ عبد العزيز جاويش رئيس تحرير جريدة اللواء والزعيم محمد فريد رئيس الحزب الوطني، والذي صدر الحكم ضده بالحبس ستة أشهر بتهمة أنه "حسّن كتاب وطنيتي وامتدحه"، بسبب تقديمه للديوان.
 والغريب في الأمر أن قصائد الديوان لم تكن جديدة بل إنها جميعا سبق أن نشرت على مدار عامين في الصحف، ولم يحاسب أحد الشيخ الغاياتي ولا أي من رؤساء تحرير الصحف التي نشرت قصائده.
  تمت محاكمة الشاعر علي الغاياتي والشيخ جاويش في أغسطس 1910 وصدر الحكم غيابيا بحبس الغاياتي سنة مع الشغل، وحضوريا بحبس الشيخ جاويش ثلاثة أشهر، أما محمد فريد فكان في أوروبا، وأمامه فرصة كاملة للبقاء هناك هربا من المحاكمة، لكنه قرر العودة ومواجهة الموقف، ويذكر المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي أن ابنة فريد أرسلت له خطابا تدعوه إلى العودة لمواجهة المحاكمة قالت فيه:
 "ولنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكم به على الشيخ عبد العزيز جاويش، فذلك أشرف من أن يقال بأنكم هربتم، وما تحملتم الهوان في سبيل وطنكم ... وأختم جوابي بالتوسل إليكم باسم الوطنية والحرية، التي تضحون بكل عزيز في سبيل نصرتها أن تعودوا وتتحملوا آلام السجن"
  في يناير 1911 تمت محاكمة فريد وحكم عليه بستة أشهر أمضاها كاملة في سجن الاستئناف بباب الخلق من 23 يناير إلى 17 يوليو لأنه حبذ الوطنية.
 وعندما خرج محمد فريد من السجن فجر يوم 18 يوليو كتب يوم خروجه مقالا بعنوان "من سجن إلى سجن"، جاء فيه:
 "مضى عليّ ستة أشهر في غيابات السجن، ولم أشعر أبدا بالضيق إلا عند اقتراب أجل خروجي، لعلمي أني خارج إلى سجن آخر، هو سجن الأمة المصرية، الذي تحده سلطة الفرد ويحرسه الاحتلال ... حقيقة لم أشعر بأي انشراح عند حلول أجل مفارقتي لهذه الغرفة الضيقة التي قضيت بها ستة أشهر قمرية ... لعلمي أني خارج إلى سجن أضيق، ومعاملة أشد، إذ أصبح مهددا قانون المطبوعات، ومحكمة الجنايات، محروما من الضمانات التي منحها القانون العام للقتلة وقطاع الطريق، فلا أثق أني أعود لعائلتي إن صدر مني ما يؤلم الحكومة من الانتقاد، بل ربما أوخذ من محل عملي إلى النيابة، فالسجن الاحتياطي، فمحكمة الجنايات فالسجن النهائي، وستبقى حالتنا كذلك حتى نسترد الدستور."
 جاءت الموجة التالية من موجات العدوان على حرية الصحافة في العصر الليبرالي في ظل حكومات إسماعيل صدقي، ففي الانقلاب الدستوري سنة 1930 تعرضت حرية الصحافة، بل الحريات الديمقراطية كلها لمحنة شديدة، كان ممن نالهم نصيب منها الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، فقد تصدى قادة الرأي والفكر للملك فؤاد ولرئيس حكومته صدقي، وكان منهم العقاد الذي كتب سلسلة من المقالات هاجم فيه الملك هجوما شديدا، ومما قاله فيها: "فليعلم المصريون جميعا أن مصيبة الرجعية على هذا البلد أكبر من مصيبة الاحتلال، وإنها هي التي مهدت له واستعانت به، وأوقعت البلاد في البلاء الذي يعانيه. فلولا كراهة الدستور القديمة في نفوس هؤلاء الرجعيين، ولولا التكبر عن الاعتراف للفلاحين العبيد بالحرية والحكومة العصرية، لما حدثت في مصر تلك الأحداث التي نعاني من جرائرها إلى اليوم ... فالرجعية هي السوس الناخر في أبدان الأمة من قديم الزمن، والرجعية هي أصل المصاب وسبب الاحتلال، وهي العدو الأكبر الذي يجب أن يبرز على حقيقته ليكون الجميع على بينه من أمره." وواضح طبعا أن العقاد كان يقصد بحديثه عن الرجعية الملك وأسلافه من أسرة محمد علي، وكان رد الحكومة القبض على العقاد وإحالته هو وصاحب امتياز جريدة المؤيد التي نشرت مقالته للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، وصدر الحكم بحبس صاحب الامتياز 6 أشهر وحبس العقاد تسعة أشهر، ويوم خروجه من السجن توجه إلى ضريح سعد زغلول قبل أن يذهب إلى بيته وألقى قصيدته الشهيرة التي تعهد فيها بمواصلة النضال من أجل الدستور وقال في مطلعها:
 "كنت جنين السجن تسعة أشهر".
 وفي حكومة إسماعيل صدقي الثانية سنة 1946 شن حملة واسعة على الصحافة الوطنية والتقدمية فيما عرف بقضية الشيوعية الكبرى التي انتهت على فاشوش، والتي تضمنت إغلاق عديد من الصحف واعتقال عدد من الصحفيين كان من بينهم الكاتب الكبير محمد زكي عبد القادر والدكتور محمد مندور.
 وفي أعقاب انقلاب يوليو تراجعت حرية الصحافة تراجعا كبيرا وصار ثوار يوليو على نهج إسماعيل صدقي باشا فتعرضت الصحف للمصادرة والإغلاق، وتعرض الصحفيون للاعتقال خاصة في أزمة مارس 1954، ومع تأميم الصحافة فقدت حريتها بشكل عام ولم تعد السلطة في حاجة قوية إلى الاعتداءات الفجة، إلا في لحظات استثنائية مثل فصل المثقفين والكتاب والصحفيين الذين أيدوا الحركة الطلابية في مطلع السبعينيات من الاتحاد الاشتراكي ومنعهم من الكتابة، وفي مقدمتهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة.
 لكن عودة الحياة الحزبية المقيدة في منتصف السبعينيات، ثم السماح بإصدار الصحف المستقلة أعاد "الحاجة" مرة أخرى إلى الاعتداءات على الصحف، فصودرت جريدة الأهالي لأسابيع متوالية بقرارات قضائية، ثم كانت الضربة الكبرى في سبتمبر 1981 بإغلاق مجموعة من الصحف واعتقال عدد من الصحفيين والكتاب، وإبعاد آخرين عن مؤسساتهم الصحفية.
 وبعد سقوط قانون تقييد الصحافة الذي صدر في تسعينيات القرن الماضي بدأنا نشهد في السنوات الأخيرة قضايا "الحسبة" السياسية ضد الكتاب والصحفيين.
 إنه تاريخ للصحافة المصرية يمتد قرابة قرن ونصف، تاريخ من الصراع من أجل الحرية حرية الصحافة التي هي من حرية الوطن وحرية الإنسان.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...