الأربعاء، 11 فبراير 2015


حكايات المخلوعين

عماد أبو غازي

 اليوم 11 فبراير  تمر أربعة أعوام كاملة على خلع الرئيس السابق حسني مبارك بعض أن أمضى قرابة ثلاثين عامًا في رئاسة الدولة متفوقًا على كل من حكموا مصر على مدى القرنين الماضيين في عصور الباشوية والخديوية والسلطنة والملكية والجمهورية، ما عدا محمد علي باشا الذي جاوزت فترة حكمه الأربعين سنة بسنوات قليلة.
 
 
 

 وعلى مدى تاريخ مصر الحديث الممتد منذ تولي محمد علي الحكم سنة 1805 بعد ثورة شعبية خلعت الباشا العثماني خورشيد وأرغمت السلطان على إسناد باشوية مصر إلى محمد علي، توالى على حكم مصر أربعة باشاوات، وثلاثة خديويين، وسلطانيين أصبح ثانيهما أول ملوك مصر في العصر الحديث، وثلاثة ملوك، وستة رؤساء للجمهورية ورئيسان مؤقتان؛ من بين هؤلاء الحكام تم اغتيال اثنين منهم، وخلع سبعة كان أخرهم محمد مرسي، ورحل الباقون بالوفاة بأسباب طبيعية، ونحكي اليوم حكايات المخلوعين من خورشيد باشا إلى محمد نجيب، أما حكاية مبارك ومرسي فعشناها وما زلنا نعيش فيها.

 

 حكاية خورشيد أول المخلوعين... عندما اختار المصريون حاكمهم لأول مرة

 عاشت مصر في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر لحظات تحول شكلت مسار التاريخ المصري الحديث، لقد كانت مصر في تلك السنوات مسرحًا لصراع بين ثلاث قوى تسعى كل منها إلى فرض سيطرتها على البلاد والانفراد بحكمها؛ الأتراك العثمانيون، وأمراء المماليك الجراكسة الذين اقتسموا خيرات البلاد مع العثمانيين، وأصبحوا معاونين لهم منذ سقطت دولتهم، وإنجلترا التي انتبهت إلى أهمية موقع مصر وخطورته الاستراتجية عندما احتل الفرنسيون البلاد. لكن غاب عن هذه القوى المتصارعة أن هناك عنصرًا جديدًا ظهر على الساحة مجددًا هو الشعب المصري، بدأت قوته في الظهور من جديد في السنوات السابقة على مقدم الحملة الفرنسية من خلال حركات الاحتجاج المتكررة ضد طغيان المماليك وأعوانهم، وكانت أهم تلك الحركات ثورة يوليو 1795 التي قادها مشايخ الأزهر، ونجحت في إرغام إبراهيم بك ومراد بك، قائدا المماليك على توقيع وثيقة التزاما فيها بعدم فرض ضرائب جديدة على الناس، وخلال سنوات الحملة الفرنسية على مصر انخرط المصريون في النضال من أجل تحرير بلادهم، فثارت القاهرة ثورتين كبيرتين، وحمل المصريون في الدلتا والصعيد السلاح في وجه قوات الحملة الفرنسية، واستمرت مقاومتهم لها إلى أن رحلت.

 وخلال حركة المقاومة تبلورت قيادة شعبية جديدة من بعض مشايخ الأزهر وكبار التجار وشيوخ الطوائف الحرفية، وانضم إلى هذه القيادة السيد عمر مكرم نقيب الأشراف بمصر والذي كانت له مكانة كبيرة لدى المصريين. 
 السيد عمر مكرم
 منذ رحلت الحملة الفرنسية عن مصر في سبتمبر من سنة 1801 لم يعد الاستقرار إلى البلاد مرة أخرى، ولم يتمكن العثمانيون من استعادة سطوتهم الكاملة على مصر، ففي أربع سنوات تولى باشوية مصر من قبل السلطان العثماني خمسة باشاوات انتهى حكمهم معزولين أو مقتولين، كان أولهم خسرو باشا الذي ثار المماليك والجنود عليه ففر من البلاد وعزله السلطان العثماني، ليحل محله طاهر باشا الذي قتل بعد عشرين يوما من توليه، ليحل محله أحمد باشا لفترة قصيرة انتهت بطرده، فعين السلطان علي باشا الجزائرلي في مكانه لينتهي مقتولًا بعد شهور قليلة، ليأتي خامسهم خورشيد باشا الذي خلعه الشعب المصري بعد أربعة عشر شهرًا من توليه.

 خلال تلك السنوات الأربع أخذت أحوال البلاد تسير من سيئ إلى أسوأ وازدادت معاناة المصريين بسبب مظالم المماليك والأتراك وتدخل القوى الأوروبية في شئون البلاد، فارتفعت الأسعار واختفت السلع من الأسواق وزادت الضرائب وغاب الأمن ففاض الكيل بالمصريين، خصوصًا بعد أن اعتمد الباشا العثماني الذي كان يحكم مصر باسم السلطان على فرقة الجنود الدلاة المعروفين بقسوتهم وشراستهم في قمع حركات التمرد والاحتجاج بدلًا من أن يسعى لحل مشاكل الناس.

  وفي يوم الأربعاء أول مايو سنة 1805 بدأت الأحداث تتصاعد عندما اعتدى الدلاة على أهالي مصر القديمة التي كانت معقلًا من معاقل التمرد على الباشا العثماني، وأخرجوهم من بيوتهم ونهبوا مساكنهم وقتلوا البعض منهم، فكانت هذه شرارة الثورة التي أطاحت بالباشا العثماني، وفرضت إرادة المصريين على السلطان، فخرج سكان القاهرة وضواحيها إلى الشوارع في تحد واضح للجيش العثماني، مطالبين بإخلاء المدينة من الجند الدلاة ومحاسبة قادتهم على ما ارتكبوه من مذابح، وأعطى زعماء الشعب مهلة للباشا العثماني تنتهي يوم السبت 11 مايو لتنفيذ مطالبهم، لكنه لم يصدق أن الإنذار حقيقي واغتر بقوته العسكرية ولم يستجب لهم. وفي اليوم التالي لانتهاء المهلة ركب المشايخ  إلى بيت القاضي، واجتمع به الكثير من المتعممين والعامة والأطفال، حتى امتلأ المكان بالناس، وتعالت الهتافات "يا رب يا متجلي اهلك العثملي"، وطلب المجتمعون من القاضي أن يستدعي رجال الدولة لتقديم عرضحال لهم بطلبات الشعب لتقديمه للباشا، فقدموه له وأخذه ووعدوهم بالرد في اليوم التالي.

 وحاول الباشا العثماني المماطلة فأرسل إلى القاضي والعلماء يطلب حضورهم للقلعة للتشاور معهم في أحوال البلاد، وأحس زعماء الشعب بسوء النية، وبدلًا عن الصعود للقلعة يوم الاثنين، اتخذوا خطوة غير مسبوقة في تاريخ مصر، فتوجهوا وحولهم جموع المتظاهرين إلى محمد على، وعرضوا عليه حكم مصر بشروطهم، فتمنع في البداية لكنه قبل في آخر الأمر، فنصبه السيد عمر مكرم والشيخ عبد الله الشرقاوي حاكمًا لمصر ضاربين عرض الحائط بالسلطان العثماني وبنائبه في القلعة وبقوته التي كانت تحتل مصر، وكان ذلك عصر يوم الاثنين 13 مايو 1805، وأعلن الخبر في القاهرة وفي أنحاء البلاد في الليلة نفسها.

 إن ما حدث كان تحولًا مهمًا في التاريخ المصري، تحولًا توج مرحلة من النضال الشعبي امتدت لأكثر من عشر سنوات، حاول خلالها المصريون أن يستعيدوا أمر بلادهم بأيديهم، ففي ذلك اليوم نجح المصريون لأول مرة في خلع الحاكم واختيار بديل له يتولى شئونهم، كما نجحوا في وضع الشروط التي يولونه الحكم على أساسها، وقد رأى المصريون في ذلك الحين أن محمد علي هو الشخصية التي تصلح لتولي الأمر، بعد أن ظل طوال أربع سنوات يتقرب منهم ويتودد إليهم، لكن الأمور سارت في مسار آخر، فتخلص محمد علي من قادة الشعب الذين نصبوه حاكمًا بالنفي أو شراء الذمة أو القتل، وأسس نمطًا جديدًا من الاستبداد.

الخديوي إسماعيل الطموح والانكسار

 حكم إسماعيل باشا بن إبراهيم باشا بن محمد علي مصر في الفترة من يناير 1863 إلى يونيو 1879، وهو الخامس من أفراد الأسرة العلوية الذين تولوا حكم مصر، وقد تولى الحكم وقد بلغ من العمر 32 عاما، فهو من مواليد 31 ديسمبر 1830، وكان من تلاميذ البعثات التي أوفدها جده محمد علي إلى باريس، ويعد عصره من أهم عصور التحول في تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، كان الرجل صاحب مشروع لتحديث مصر على النمط الأوروبي، ولجأ للتوسع في الاستدانة لتحقيق مشروعاته، فأوقع مصر في قبضة القوى الاستعمارية الأوروبية التي سعت إلى عزله في النهاية، كان في ذات الوقت متمسكًا بالسلطات الاستبدادية للحاكم، الأمر الذي أدى إلى تكرار الصدام بينه وبين الحركة الوطنية الصاعدة في تلك الفترة، لكن عصره شهد ظهور النظام النيابي والنظام الوزاري كما شهد ظهور الأحزاب السياسية في مصر لأول مرة.
 ويلخص المؤرخ عبد الرحمن الرافعي عصره في كلمات موجزة، فيقول: "عصر له أثره النافع كما له أثره الضار في تطور الحركة القومية، ذلك لما تفتحت فيه من آمال، وما قام فيه من حضارة وعمران، وما تخلله واقترن به من أخطاء وأرزاء أفضت إلى تدخل الدول الأجنبية في شؤون مصر، وتصدع لها بناء الاستقلال المالي ثم السياسي. بهذه الكلمة الوجيزة يمكننا أن نلخص عصر إسماعيل، فهو يمثل من ناحية عهد تقدم وعمران، ويعد من ناحية أخرى عهد القروض المشؤومة والأغلاط المتلاحقة التي عصفت بالبلاد."

 لقد سعى إسماعيل منذ توليه باشوية مصر إلى الحصول على وضع مميز للولاية، فحصل على عدة فرمانات من السلطنة العثمانية منحته سلطات أكبر في إدارة أمور البلاد، وحاز لقب خديوي له ولأبنائه الذين حول وراثة الحكم إليهم من بعده، كما جعل لمصر علمًا مختلفًا عن علم الدولة العثمانية، وفي عهده شهدت مصر نهضة ثقافية وفنية وتعليمية، ولجأ إليها كثيرين من الشوام فرارًا من عسف العثمانيين، فأسهموا في بناء النهضة المصرية، لكن عصره شهد أيضًا محاولات للتضييق على الحريات ومصادرة الصحف ونفي المعارضين، كان عصر تحول وصراع. ونجحت الحركة الوطنية في انتزاع نظام نيابي ولائحة وطنية، أو دستور لإدارة البلاد، وكانت سنوات السبعينيات من القرن التاسع عشر مرحلة صراع بين الحركة الوطنية والخديوي، كما كانت سنوات للدفاع عن البلاد في مواجهة التدخل الأوروبي في شؤون البلاد، التدخل الذي فتحت قروض الخديوي الباب أمامه، كما كانت سنوات من الضغط المستمر من القوى الاستعمارية الأوروبية على الخديوي إسماعيل.

 وعندما اتجه الخديوي إسماعيل إلى استخدام الحركة الوطنية الصاعدة في مواجهة التدخل في شؤون مصر المالية والسياسية، قررت الدول الأوروبية عزله عن خديوية مصر. كانت الدول الأوروبية قد فرضت على إسماعيل نظامًا للرقابة الثنائية الأنجلو ـ فرنسية على اقتصاد البلاد، ثم حل محل هذا النظام تعيين وزيرين أوروبيين في الحكومة المصرية لمراقبة الموارد والمصروفات والسيطرة عليها.
 وعندما استجاب الخديوي إسماعيل في إبريل سنة 1879 إلى اللائحة الوطنية التي وضعها ممثلو الأمة، فيما يتعلق بتسوية الديون وتشكيل حكومة وطنية مسئولة أمام المجلس النيابي، وأصدر الخديوي مرسوما بتسوية الدين معلنا في ديباجته أنه أصدره بناء على ما عرضته الأمة، وكلف شريف باشا بتشكيل حكومة وطنية استبعد منها الوزيرين الأوروبيين، عندها أحست القوى الاستعمارية الأوروبية بخطورة النهضة الوطنية، ومخاطر تحالف الخديوي مع الحركة الوطنية أو رضوخه لها، قررت الدول الأوروبية أن تتحالف من أجل خلع الخديوي إسماعيل.


 شريف باشا
وخلال شهري مايو ويونيو توالى تقديم قناصل الدول الأوروبية في مصر لاحتجاجهم الرسمي على قرارات إسماعيل والحكومة الوطنية، وفي نفس الوقت سعت إنجلترا وفرنسا لدى الأستانة لعزل إسماعيل عن حكم مصر، الأمر الذي لقي هوى لدى السلطان العثماني ظنًا منه أن في ذلك استعادة لسلطته المفقودة على مصر.
 وفي 24 يونيو وردت الأخبار من اسطنبول باتجاه السلطان لعزل إسماعيل فذهب إليه بعد منتصف الليل قناصل فرنسا وإنجلترا وألمانيا يناشدونه التنازل عن العرش لكنه رفض، وبعد يومين، في 26 يونيو 1879، صدر قرار عزل إسماعيل وتعيين ابنه توفيق خديوي لمصر، وقد حمل شريف باشا البرقية التي جاءت من اسطنبول إلى الخديوي إسماعيل، فطلب منه استدعاء ابنه توفيق، وبمجرد دخوله عليه خاطبه بلقب أفندينا، وأبلغه بالقرار، وفي مساء نفس اليوم أقيمت حفلة تنصيب توفيق ثاني خديوي لمصر، وسادس حاكم من أسرة محمد علي.

 أما إسماعيل فقد اختار إيطاليا منفى يقضي فيه بقية عمره، وغادر الخديوي المخلوع سراي عابدين في موكب رسمي إلى محطة مصر يصحبه ابنه الخديوي الجديد، وهناك استقل القطار إلى الإسكندرية، حيث غادرها إلى نابولي في اليخت المحروسة، الذي استقله حفيده فاروق بعد خلعه في 26 يوليو 1952 متوجهًا إلى إيطاليا كذلك.
  وظل إسماعيل يسعى للعودة إلى عرش مصر مرة أخرى دون جدوى وتنقل بين مدن أوروبا إلى أن استقر في اسطنبول عام 1888، وتوفي يوم 2 مارس سنة 1895، ونقل جثمانه إلى مصر ليدفن بمسجد الرفاعي بالقاهرة.

عباس حلمي الثاني الرهان الخاسر

  عباس حلمي الثاني السابع من حكام مصر من أسرة محمد علي، تولى منصب الخديوية عقب وفاة والده توفيق وهو في الأربعين من عمره، بعد إصابته بالأنفلونزا في يناير من عام 1892، ولم يكن عباس حلمي قد أكمل عامه الثامن عشر بالتقويم الميلادي فتم تنصيبه وفقا للتقويم الهجري، وكان الخديوي الشاب يدرس في فيينا فقطع دراسته وعاد للبلاد ليتولى مهام منصبه، وقد اعتبرت الصحف البريطانية في ذلك الوقت أن الاحتلال البريطاني لمصر أصبح أكثر ضرورة بوفاة توفيق، فالخديوي الجديد شاب صغير عديم الخبرة، وإنه لا يجوز منذ الآن الحديث عن الجلاء.

عباس حلمي
 لكن الخديوي الشاب سار في طريق مخالف للطريق الذي سار فيه والده، كان توفيق مواليًا لسلطات الاحتلال، بل هو الذي مهد لها الطريق، أما عباس حلمي الثاني فقد سعى إلى استعادة سلطاته واصطدم باللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر والحاكم بأمره لسنوات طويلة، واتجه عباس لمؤازرة زعيم شاب بزغ نجمه في ذلك الوقت هو الزعيم مصطفى كامل الذي كان يصغر الخديوي بشهر واحد. واستمرت الصدامات بين عباس حلمي وكرومر حتى رحيل الأخير عن البلاد عقب حادثة دنشواي، فبدأت العلاقات تتحسن تدريجيا بين الخديوي وسلطات الاحتلال، وكان من الممكن أن يستمر عباس حلمي الثاني في حكم مصر حتى نهاية حياته، لكنه اختار في الحرب العالمية الأولى الولاء العثماني فكانت نهايته كحاكم لمصر وهو في الأربعين من عمره. ففي 1914 نشبت الحرب في أوروبا بين معسكرين، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا في جانب، وألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا ثم تركيا في الجانب الآخر، بدأت المعارك في أغسطس بعد اعتداء ألمانيا على بلجيكا، وتصاعدت المعارك بطول أوروبا وعرضها، وامتدت إلى منطقة المشرق العربي والمستعمرات، كانت أول حرب في تاريخ الإنسانية تمتد بهذا الاتساع.

 كانت مصر بين ناريين في هذه الحرب فعلى أرضها قوات الاحتلال البريطاني منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وفي نفس الوقت هي ولاية تابعة لتركيا من الناحية الرسمية، وتنازع رجال السياسة في مصر اتجاهين: الأول يراهن على انتصار ألمانيا واهمًا أن هذا الانتصار سيقود إلى استقلال مصر، أما الاتجاه الثاني فكان يؤمن بانتصار الحلفاء ويرى في بريطانيا شرًا أهون من شر، كما كان هؤلاء يتصورون أن مساندة مصر لبريطانيا العظمى في الحرب سيؤدي إلى منح مصر استقلالها. مع بداية الحرب في أغسطس 1914 أعلن مجلس النظار منع التعامل مع ألمانيا ورعاياها، ومنع السفن المصرية من الاتصال بالموانئ الألمانية واحتجاز السفن الألمانية في الثغور المصرية، ومنح القوات البريطانية حقوق الحرب في الأراضي والمياه المصرية. وفي 2 نوفمبر 1914 أعلن الجنرال مكسويل قائد جيش الاحتلال في مصر وضع القطر المصري تحت الحكم العسكري، وفرضت الرقابة على الصحف كنتيجة لإعلان الأحكام العرفية.
 يوم 11 نوفمبر 1914 أعلن الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي لم يعد من أجازته الصيفية في اسطنبول، منشورًا إلى الأمة بإعلان الدستور الكامل في مصر، بناء على نصيحة الزعيم محمد فريد، والحقيقة أن الإعلان كان يهدف إلى حشد الشعب المصري خلف الدولة العثمانية ومحاولة الحصول على تأييد المصريين للزحف التركي على البلاد.


السلطان حسين كامل
 وفي 18 ديسمبر 1914 أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وأنهت علاقتها بالدولة العثمانية، وعزلت الخديوي عباس حلمي الثاني، وحولت مصر إلى سلطنة، وعينت السلطان حسين كامل سلطانًا على البلاد تحت الحماية البريطانية.

 وقضى عباس حلمي بقية حياته منفيًا يدبر المؤامرات من أجل استعادة عرشه دون جدوى.                                       

فاروق الأول والأخير

ترك السلطة دون مقاومة حتى لا يراق دم مصري واحد

 تولى فاروق العرش تحت إشراف مجلس الوصاية على العرش وهو فتى في السادسة عشر من عمره، فقد ولد فاروق في عام 1920، وتوفي والده الملك أحمد فؤاد في أبريل عام 1936، فقطع دراسته في إنجلترا وعاد ليتولى حكم البلاد، وقد دار صراع سياسي بعد عودته حول الموعد الذي يتسلم فيه حكم البلاد دون مجلس وصاية، حيث سعى الأمير محمد علي توفيق إلى رفع السن القانونية إلى 25 عامًا حتى يتمكن الملك الشاب من إكمال تعليمه، وفي حقيقة الأمر كان يسعى للاستمرار في إدارة البلاد كوصي على العرش، بينما ظهر اتجاه آخر يرى أن تكون سن 21 هي السن القانونية لتولي العرش، لكن الأمور حسمت في النهاية واستلم فاروق عرش أبيه عندما أكمل 18 عامًا هجرية في سنة 1937 مثل ابن عمه عباس حلمي.
 

 كانت الظروف مهيأة ليفتتح فاروق صفحة جديدة في حكم الأسرة العلوية، فقد أحبه الشعب في البداية، كما استلم العرش بعد انتهاء الأزمة الدستورية التي استمرت من عام 30 إلى نهاية عام 35، في وقت كانت الأمة متوحدة والأحزاب مؤتلفة خلف قيادة الوفد من أجل الوصول إلى معاهدة مع بريطانيا العظمى، كل ما كان مطلوبًا من الملك الشاب أن يحترم الدستور ويحترم إرادة الأمة ويبتعد عن سياسة أبيه في تدبير الانقلابات الدستورية المتوالية، ويتحول إلى ملك دستوري. لكن الملك فاروق سرعان ما سار على درب أبيه، وناصب حزب الوفد ـ حزب الأغلبية العداء ـ واصطدم بالحركة الوطنية المرة تلو المرة، وأساء إدارة أمور البلاد، وبدأت شعبيته تتراجع بقوة في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وازداد الملك في لهوه في حياته الخاصة ولهوه بدستور البلاد، مرددًا مقولته المعبرة عن يأسه من استمرار ملكه: "لن يبقى في العالم إلا خمسة ملوك، ملك إنجلترا وأربعة ملوك الكوتشينة". ووصلت الأمور في مصر إلى حالة غير مسبوقة من التردي والتأزم عقب حريق القاهرة في 26 يناير 1952، الذي ما زال الفاعل فيه مجهولًا إلى يومنا هذا بعد مرور أكثر من ستين عامًا على وقوعه، استغل فاروق الحريق ليطيح بوزارة الوفد ويعطل البرلمان، وتوالت على مصر عدة حكومات في ستة أشهر، لم يستمر بعضها سوى ساعات قليلة.


 وفي 23 يوليو 1952 قام الضباط الأحرار بانقلابهم العسكري، وبعد ثلاثة أيام  وفي يوم 26 يوليو توجه القائد العام وبصحبته البكباشي أنور السادات إلى المقر الصيفي للحكومة ببولكلي بالإسكندرية، وقابلا علي باشا ماهر رئيس الوزراء، وسلماه إنذار للملك فاروق موقع من محمد نجيب جاء فيه: "إنه نظرًا لما لاقته البلاد في الفترة الأخيرة من فوضى شاملة عمت جميع المرافق نتيجة سوء تصرفكم وعبثكم بالدستور وامتهانكم لإرادة الشعب حتى أصبح كل فرد من أفراده لا يطمئن على حياته أو ماله أو كرامته...." ويواصل الإنذار تعديد مثالب عصر فاروق لينتهي إلى: "لذلك قد فوضني الجيش الممثل لقوة الشعب أن أطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لسمو ولي عهدكم الأمير أحمد فؤاد على أن يتم ذلك في موعد غايته الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم، ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة من مساء اليوم نفسه، والجيش يحمل جلالتكم كل ما يترتب على عدم النزول على رغبة الشغب من نتائج".

 وقع فاروق وثيقة التنازل عن عرش مصر لابنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني، غادر فاروق الأول ملك مصر والسودان البلاد منفيًا إلى إيطاليا على ظهر اليخت المحروسة مثل جده إسماعيل، مفضلًا أن يترك عرشه على أن يراق دم إنسان مصري واحد من أجل التمسك بالسلطة، وعاش هناك إلى أن توفي في مارس 1965 في ظروف غامضة.
 

أحمد فؤاد الثاني الملك المخلوع الذي لم يحكم

 يختلف المؤرخون حول تصنيف أحمد فؤاد الثاني ضمن حكام مصر، لكن واقع الحال أن الضباط الأحرار عندما طلبوا من الملك فاروق التنازل عن العرش يوم 26 يوليو 1952، طلبوا منه التنازل لابنه أحمد فؤاد الذي كان عمره لم يتجاوز الأشهر السبعة، وهذا ما حدث بالفعل لتدار البلاد من خلال مجلس قيادة الثورة والحكومة التي كان يتولاه حتى سبتمبر علي باشا ماهر، ومجلس الوصاية على العرش الذي تشكل في 30 يوليو من الأمير محمد عبد المنعم وبهي الدين بركات والقائممقام محمد رشاد مهنا.

 لكن الأمور كانت تسير في اتجاه آخر، فقبل مرور عام على نجاح الضباط الأحرار قرر مجلس قيادة الثورة في يوم 18 يونيو عام 1953 إعلان الجمهورية وإنهاء حكم أسرة محمد علي وتعيين اللواء محمد نجيب كأول رئيس للجمهورية.
 وجاء في هذا القرار: "لما كانت الثورة عند قيامها تستهدف القضاء على الاستعمار وأعوانه، فقد بادرت في 26 يوليو سنة 1952 إلى مطالبة الملك السابق فاروق بالتنازل عن العرش لأنه كان يمثل حجر الزاوية الذي يستند إليه الاستعمار، ولكن منذ هذا التاريخ، ومنذ إلغاء الأحزاب، وجدت بعض العناصر الرجعية فرصة حياتها ووجودها مستمدة من النظام الملكي الذي أجمعت الأمة على المطالبة بالقضاء عليه قضاء لا رجعة فيه."

 وبعد أن يذكر القرار مسالب أسرة محمد علي خاصة إسماعيل وتوفيق وفاروق، انتهى إلى أن يعلن باسم الشعب:
 "أولا: إلغاء النظام الملكي وإنهاء حكم أسرة محمد علي مع إلغاء الألقاب من أفراد هذه الأسرة.

ثانيا: إعلان الجمهورية ويتولى الرئيس اللواء أركان الحرب محمد نجيب قائد الثورة رياسة الجمهورية مع احتفاظه بسلطاته الحالية في ظل الدستور المؤقت.

ثالثا: يستمر هذا النظام طول فترة الانتقال ويكون للشعب الكلمة الأخيرة في نوع الجمهورية واختيار شخص الرئيس عند الإقرار بالدستور الجديد".

محمد نجيب الرئيس الأول

 كان اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية المصرية، وقد تسلم الرئاسة في 18 يونيو 1953، لكن الرئيس نجيب عزل من منصبه بقرار من مجلس قيادة الثورة في 14 نوفمبر سنة 1954، وجاء هذا في سياق ما يعرف في التاريخ المصري بأزمة مارس 54، رغم أن هذه الأزمة امتدت من فبراير إلى نوفمبر.
 
 كانت أزمة بين اتجاهين، اتجاه يرى عودة الحياة الديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته، واتجاه يتمسك بإدارة الضباط الأحرار لشئون البلاد حتى النهاية.
  كان النظام الجديد قد بدأ منذ مطلع عام 1953 سلسلة من الإجراءات التي صادر فيها الحريات؛ فحل الأحزاب السياسية في يناير 1953 وصادر أموالها باستثناء جماعة الإخوان المسلمين، وتم اعتقال عدد من قادة الأحزاب وأعضائها، وأعلن عن فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات. وبعد عام بدأ الصدام بين مجلس الثورة والإخوان وصدر قرار حل الجماعة في يناير 1954.

 وفي فبراير 1954 بدأت الخلافات تدب داخل صفوف الضباط الأحرار فأعلن الرئيس محمد نجيب استقالته من مناصبه في 25 فبراير، وبدا في البيان الصادر في ذلك اليوم أن هناك صراعًا خفيًا منذ اللحظة الأولى بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر القائد الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار وفقا للبيان، وانتهى البيان إلى قبول استقالة نجيب وتعيين جمال عبد الناصر رئيسا للوزارة، بالإضافة إلى قيادة لمجلس قيادة الثورة. لكن الوسطاء نجحوا في تقريب وجهات النظر وعاد نجيب عن استقالته وعاد لمنصبه في 27 فبراير، وفي اليوم التالي خرجت المظاهرات الطلابية تطالب بالديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته وانتهت المظاهرات باشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين في ميدان قصر النيل وما حوله، وفي اليوم التالي تم وقف الدراسة في الجامعات، وتم القبض على عدد من الطلاب من الإخوان والاشتراكيين والوفديين والشيوعيين.

 وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي أعلن جمال عبد الناصر رئيس الوزراء عن قرارات اتخذها مجلس الوزراء في 5 مارس تتضمن اتخاذ إجراءات عقد جمعية تأسيسية منتخبة تجتمع في يوليو 1954 لتناقش مشروع الدستور الجديد وتقوم بعمل البرلمان لحين انتخابه، أي اختصار الفترة الانتقالية، وتقرر إلغاء الأحكام العرفية قبل الانتخابات بشهر، وإلغاء الرقابة على الصحف ابتداء من 6 مارس.

 لكن أيًا من هذه القرارات لم ينفذ، ما عدا رفع الرقابة عن الصحف، فلم تنتخب الجمعية التأسيسية ولم تجتمع إلى الآن، وعادت الأحكام العرفية، ولم تلغ طوال 60 سنة إلا لمدد متفرقة لا تتجاوز ست سنوات. وفي يوم 25 مارس قرر مجلس قيادة الثورة السماح بقيام الأحزاب، وحل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو سنة 1954 أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. كان الصراع واضحًا بين جناح يقوده محمد نجيب ومعه خالد محيي الدين وعدد من ضباط سلاح الفرسان، ينحاز إلى الديمقراطية، وجناح يقوده جمال عبد الناصر وباقي أعضاء مجلس الثورة يسعى إلى عدم تخلي الضباط الأحرار عن الحكم.

 وخلال أيام قليلة تم التراجع عن قرارات 5 و25 مارس لصالح استمرار الضباط الأحرار في الحكم، بعد تحرك الضباط في عدد من الأسلحة لمساندة جمال عبد الناصر ومجموعته، وبعد دفع بعض العناصر النقابية لتحويل المظاهرات العمالية من تأييد الديمقراطية إلى دعم الاستبداد والديكتاتورية. وفي الأسابيع التالية توالت قرارات الانقلاب على الديمقراطية، فتم حرمان الوزراء الحزبيين السابقين من الحقوق السياسية، وتم حل مجلس نقابة الصحفيين في منتصف أبريل، وقبل نهاية العام كان قد تم حل مجلس نقابة المحامين، كما اتسعت حملات الاعتقالات في صفوف الطلاب والعمال والسياسيين، وتمت إحالة عدد من ضباط الجيش للمحاكمات.

 وفي 26 أكتوبر 1954 تعرض جمال عبد الناصر لمحاولة اغتيال أثناء إلقاء خطاب في ميدان المنشية، تم في أعقابها اعتقال عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وتقديمهم للمحاكمة وإصدار عدد من أحكام الإعدام ضد بعضهم، وتم اتهام الرئيس نجيب بأنه كان على صلة بالإخوان وصدر قرار عزله من منصبه كرئيس للجمهورية وتم تحديد إقامته، وحذف اسمه كأول رئيس للجمهورية من المناهج الدراسية ووسائل الإعلام، إلى أن رفع الرئيس أنور السادات الإقامة الجبرية عنه بعد توليه الرئاسة.
 

الأربعاء، 28 يناير 2015


 دي مجموعة مقالات قصيرة نشرتها مع بعض في صفحة تراث وتاريخ في جرنال الشروق في يناير 2012، بعد سنة من الثورة:

حكايات ميدان التحرير

عماد أبو غازي

 في يناير من العام الماضي أصبح ميدان التحرير اسمًا يتصدر نشرات الأخبار في العالم، ورمزًا لثورات الشعوب ضد طغيان الحكام واستبدادهم، ودخلت كلمة "تحرير" العربية لغات العالم المختلفة، وأضحت جزءًا من قاموس الشعوب الثائرة المتطلعة إلى التحرر، لم يعد ميدان التحرير مجرد ميدانًا في قلب القاهرة بل غطت ميادين التحرير مدن مصر ومدن العالم شرقًا وغربًا.

 ميدان التحرير الذي شهد ثورة الشعب المصري على مدى ثمانية عشر يوما من 25 يناير إلى 11 فبراير 2011، والذي لا يزال ساحة للتطلع إلى تحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والحرية لشعب مصر، له حكاية ممتدة ترجع بدايتها إلى عصر الخديوي إسماعيل (1863 ـ 1879) عندما أطلق مشروعه لتحديث القاهرة وتحويل الكيمان والتلال والخرائب في غرب المدينة القديمة إلى حي حديث على طراز الأحياء الجديدة في المدن الأوروبية، حي أطلق عليه القاهرة الإسماعيلية وعندما أضيفت له منطقة التوفيقية صار يعرف بالقاهرة الخديوية، تمييزًا لها عن القاهرة الفاطمية وقاهرة المماليك، حي به شوارع مستقيمة متقاطعة ومتوازية تصب في ميادين متسعة، كان من بينها هذا الميدان الذي أصبح ميدان التحرير منذ يناير 1953، ثم تغيير اسمه رسميًا إلى ميدان أنور السادات بعد اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر 1981، لكن أحدًا لم يشعر بهذا التغيير أو يعترف به.

 ميدان التحرير يذكره علي باشا مبارك في الجزء الثالث من خططه المعروفة بالخطط التوفيقية الجديدة ضمن الميادين المستجدة في عصر الخديوي إسماعيل، ويذكره باسم ميدان الكوبري ويحدده بأنه الميدان الذي يقع تجاه كوبري قصر النيل وسراي الإسماعيلية، وهي من السرايات التي بناها الخديوي إسماعيل وموضعها الآن وفقًا لما ذكره عبد الرحمن زكي في موسوعة مدينة القاهرة، مجمع التحرير.

 فكرة الميادين في المدن الحديثة ترتبط بتحولات المجتمعات في تلك الحقبة من الزمن، ولم يكن إنشاء الميادين مجرد تعبير عن رؤية جمالية، أو تلبية لاحتياجات ترتبط بالتخطيط العمراني للمدن الحديثة، بل كانت الميادين ساحات مفتوحة للتعبير أمام الشعوب.

 وفي مصر كانت الميادين الجديدة ساحات للتظاهر والاحتجاج خاصة إذا كان قصر الحاكم يطل عليها، مثل ميدان عابدين الذي ظل منذ الثورة العرابية سنة 1881، مقصدًا للمتظاهرين والمحتجين. أما ميداننا ميدان التحرير، فقد عرف أول حدث سياسي كبير بعد إنشائه بسنوات قليلة، عندما وقعت به مظاهرة قصر النيل التي قادها الضابط محمد عبيد لتحرير عرابي وزملائه الذين كانوا يحاكمون أمام مجلس عسكري.

 وفي السنوات التي تلت الاحتلال البريطاني تراجعت مكانة ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا) كساحة للمظاهرات الشعبية، كان معبرًا للمظاهرات مثلما حدث مع تلك المتجه إلى بيت الأمة وقصر عابدين في نوفمبر 1935، حتى شهد واحدة من أكبر المظاهرات في تاريخ مصر، في 21 فبراير 1946، وأعقبتها بعد خمس سنوات مليونية دعم المقاومة الشعبية في القناة، ومع صحوة الحركة الطلابية المصرية في أواخر الستينات ومطلع السبعينات كان ميدان التحرير المقصد والهدف لكل المحتجين، مثلما كان شهر يناير موعدًا لتجدد النضال من أجل حرية هذا الوطن.





 وقد خلد أمل دنقل اعتصام ميدان التحرير في يناير 1972 في قصيدته الشهيرة "الكعكة الحجرية"، مثلما خلد أحمد فؤاد نجم شهر يناير شهر الثورات بقصيدته "كل ما تهل البشاير من يناير"، ومثلما عبر عبد الرحمن الأبنودي عن ثورة 25 يناير بقصيدته "الميدان".

 


أمل دنقل
مظاهرة قصر النيل

فبراير 1881

في يناير 1881 كانت البداية الأولى للثورة العرابية التي اكتملت بمظاهرة عابدين في 9 سبتمبر من نفس العام، ففي منتصف يناير صعّد عثمان باشا رفقي ناظر الجهادية من اضطهاده للضباط المصريين في الجيش لصالح الضباط من ذوي الأصول التركية والجركسية، فأصدر في 16 يناير عدة قرارات بإبعاد عبد العال بك حلمي من قيادة آلاي طره ونقله إلى ديوان الجهادية وفصل أحمد بك عبد الغفار قائمقام آلاي الفرسان، وعين مكانهما ضباطًا جراكسة، وعندما علم أحمد عرابي بالخبر اجتمع في تلك الليلة بعدد من الضباط الوطنيين بمنزله واتفقوا على مقاومة إجراءات عثمان رفقي، واختار المجتمعون عرابي قائدًا لهم وأقسموا بحمايته على السيف والمصحف.

 وفي اليوم التالي 17 يناير 1881 توجه الأميرالاي أحمد عرابي والأميرالاي علي فهمي والأميرالاي عبد العال حلمي إلى رياض باشا في نظارة الداخلية وقدموا له عريضة يطالبون فيها بعزل رفقي باشا.

 في 31 يناير جاء الرد على العريضة في اجتماع مجلس النظار برئاسة الخديوي توفيق حيث صدر القرار بالقبض على الضباط الثلاثة ومحاكمتهم أمام مجلس عسكري، دون النظر إلى معارضة رياض باشا وتحفظه خوفًا من إثارة الفتن.

 ورغم إصرار رفقي باشا على عزل الضباط الثلاثة والقبض عليهم ومحاكمتهم، إلا أنه كان أضعف من أن يواجههم مباشرة، فأرسل لثلاثتهم استدعاء للحضور إلى الديوان بمعسكر قصر النيل بدعوى المداولة معهم في ترتيب الاحتفال بزفاف الأميرة جميلة هانم شقيقة الخديوي؛ وفي الموعد المحدد صباح الأول من فبراير توجه الضباط الثلاثة إلى قصر النيل بصحبتهم مجموعة من ضباط آلاي الحرس الذي كان مقره قشلاق عابدين لمراقبة الموقف عن بعد، والتصرف في حالة تعرض عرابي ورفيقيه لمكروه.

 وبمجرد وصول عرابي وحلمي وفهمي لقصر النيل تم تجريدهم من سيوفهم والقبض عليهم تمهيدًا لمحاكمتهم أمام المجلس العسكري برئاسة الجنرال استون باشا رئيس أركان حرب الجيش المصري. وفي طريقهم إلى السجن بقصر النيل مروا بين صفين من الضباط الجراكسة يسبونهم. وعين رفقي باشا ثلاثة من الضباط الجراكسة ليحلوا محلهم.

 لكن الضباط المرافقين لهم أسرعوا إلى قشلاق عابدين وأبلغوا زملاءهم من الضباط المصريين، فتصدى البكباشي محمد عبيد أفندي لقيادة الضباط والجنود، وعندما حاول قائممقام الآلاي خورشيد بك منعه أمر الجنود باعتراضه، ورفض الضباط استدعاء الخديوي لهم، وتحركوا فورًا بمظاهرة عسكرية إلى الميدان، وحاصروا ثكنات قصر النيل، واقتحموها شاهرين أسلحتهم وحرروا عرابي وزميليه، وفر من فر من الضباط الأتراك والجراكسة واعتقل من اعتقل، أما عثمان باشا رفقي ناظر الجهادية فهرب النافذة لينجوا بجلده.

 وعادت المظاهرة ميدان من قصر النيل إلى ميدان عابدين حيث قصر الخديوي، وهناك لحق بها آلاي طره بقيادة البكباشي خضر أفندي خضر. وانتهت المظاهرة العسكرية بعزل رفقي باشا وتعيين محمود سامي البارودي ناظرًا للجهادية، وكان البارودي رغم أصوله غير المصرية مناصرًا للضباط المصريين، ومشاركًا في الثورة حتى نهايتها.

 فكان هذا أول انتصار للثورة العرابية.

يوم الجلاء

الميدان في 21 فبراير 1946

 من أهم الأحداث في الميدان مظاهرة "يوم الجلاء" التي دعت إليها اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، والتي تشكلت عقب قمع مظاهرات الجامعة يومي 9 و10 فبراير 1946، وكانت تضم عناصر من الوفديين والشيوعيين وغيرهم من القوى الوطنية والديمقراطية، وأصدرت اللجنة ميثاقًا وطنيًا حددت فيه أهداف الشعب وعلى رأسها الجلاء التام عن مصر والسودان، ودعت إلى إضراب عام في البلاد يوم 21 فبراير، وأسمته يوم الجلاء، وابتكرت الحركة أساليب جديدة في الدعاية، فصممت شارات معدنية طليت بالمينا عليها عبارات تدعو للجلاء ووحدة وادي النيل، مع بعض الرسوم المعبرة عن الكفاح الوطني، وكان المصريون رجالا ونساء يعلقون تلك الشارات الصغيرة على صدورهم، وكانت حكومة إسماعيل صدقي باشا قد قررت عدم منع المظاهرات أو التصدي لها، بل إن صدقي استقبل وفدًا من قادة اللجنة.

 لطيفة الزيات من قيادة الحركة الطلابية 1946
وفي يوم الخميس 21 فبراير 1946 أضربت مصر كلها وخرجت المظاهرات تطوف الشوارع، وفي القاهرة خرجت مظاهرة غير مسبوقة من حيث عدد المشاركين فيها ومن حيث تنظيمها، وطافت المظاهرة شوارع وسط القاهرة دون أن تتعرض لها قوات البوليس بناء على تعليمات رئيس الوزراء، لكن ما أن وصلت المظاهرة إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير) حيث ثكنات الجيش البريطاني حتى اقتحمت السيارات العسكرية البريطانية المظاهرة، فدهست من دهست وأطلق الجنود النار على من أطلقوا، فسقط في المظاهرة 23 شهيدًا و121 جريحًا.

 رغم أن المظاهرات لم تسفر عن إنهاء الاحتلال إلا أنها أرغمت بريطانيا على سحب قواتها من المدن المصرية ما عدا مدن منطقة القناة، وبدأ الانسحاب في 4 يوليو بالجلاء عن القلعة وتسليمها للجيش المصري، أما صدقي باشا فحظي بدعم من أحزاب الأقلية وجماعة الإخوان المسلمين من خلال اللجنة القومية التي تشكلت في مواجهة اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وكان الرجل يمهد سرًا للمفاوضات مع بريطانيا، فشن أكبر حملة اعتقالات عرفتها مصر في الحقبة الليبرالية في يوم 10 يوليو عشية احتفال القوى الوطنية بذكرى الاحتلال البريطاني لمصر، وقد عرفت هذه الحملة بقضية الشيوعية الكبرى واعتقل فيها العشرات من الطلاب والعمال والكّتاب والصحفيين، وكان الكثيرون منهم بعيدين تمامًا عن الشيوعية، مثل سلامة موسى والكاتب الصحفي محمد زكي عبد القادر، كما أغلق عدة صحف ودور نشر وطنية، وكان واضحًا أن هدف الحملة تمرير ما يصل إليه صدقي من اتفاقات مع الإنجليز، وبالفعل توصل في أكتوبر إلى التوقيع بالأحرف الأولى على معاهدة مع وزير خارجية بريطانيا بيفن، إلا أن الشعب رفض الاتفاقية، فسقطت ومعها حكومة صدقي في ديسمبر 46.

14 نوفمبر 1954

 وقد شهد الميدان بعد خمس سنوات، في نوفمبر 1951، مليونية غير مسبوقة في تاريخ مصر، فبعد شهر من إعلان رئيس الوزراء مصطفى النحاس إلغاء معاهدة 1936 من جانب واحد، دعت القوى الوطنية على اختلاف أطيافها إلى الخروج في مظاهرة تحدد لها يوم الأربعاء الرابع عشر من نوفمبر 1951،  وكان للمظاهرة مطلب واحد، رحيل المحتل البريطاني، كما كانت المظاهرة في الوقت نفسه تسعى لتخليد ذكرى شهداء المقاومة الشعبية في القناة. وكانت مظاهرة 14 نوفمبر 1951 واحدة أكبر المظاهرات الشعبية في تاريخ مصر.

الصورتان من مجموعة الصديق أحمد كمالي (أيام مصرية)
 
يا عم حمزة رجعوا التلامذة

 مثلما شهد عام 2011 ثورات وانتفاضات شعبية وميادين تحرير غطت العالم كله، كان عام 1968 عامًا للطلاب والشباب ففي ذلك العام شهدت بلدان العالم انتفاضات طلابية كانت إيذانًا بميلاد عصر جديد، من الشرق الأقصى إلى الولايات المتحدة مرورًا بألمانيا وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا، خرج طلاب العالم ثائرين على الأوضاع، مطالبين بالتغيير وبالإصلاحات داخل الجامعات، رافعين شعارات الديمقراطية الحقيقية والإصلاح الاجتماعي في بلدانهم، منادين بالسلام والعدل على الصعيد العالمي، كانت تلك الحركات الطلابية التي غلب عليها الطابع اليساري تنبئ بميلاد يسار جديد مختلف ومستقل وبعيد عن الأحزاب اليسارية التقليدية، وخلقت الحركة الطلابية الجديدة جسورًا من التواصل مع مجموعات من المثقفين المستقلين أثروا فيها وتأثروا بها. وبلغت تلك الحركات الذروة في شهر مايو 1968، في حركة الطلاب الفرنسيين التي أسقطت الجنرال ديجول وهو من هو عن رئاسة فرنسا قبل أن تنتهي مدته الدستورية.

 ولم تكن مصر بعيدة عن كل هذا، بل كان لطلابها السبق في مظاهرات عام 1968 على مستوى العالم، وكانت هذه هي المفاجأة التي جاءت بعد سنوات صمت طويلة للحركة الطلابية المصرية. فمع وصول الضباط الأحرار للحكم في يوليو 1952 تعرضت الجامعة مثل غيرها من مؤسسات الدولة لما سمي بالتطهير ففقدت مجموعة من خيرة أساتذتها، وأهم من ذلك فقدت استقلالها، كما جرم النظام الجديد التظاهر وصادر حق الطلاب في تكوين تنظيماتهم الطلابية المستقلة، واكتملت سيطرة النظام على الجامعات بعد انتصار عبد الناصر وجناحه في أزمة مارس 1954 على محمد نجيب وأنصاره الذين كانوا يدعون إلى عودة الحياة الديمقراطية، وحاصر النظام النشاط السياسي للطلاب إلا ما تم منه داخل الأطر السياسية لتنظيمات النظام.

 ثم كانت هزيمة يونيو 1967 لطمة أفاقت قوى المجتمع الحية، لقد ارتبطت الحركة الطلابية منذ ميلادها بالنضال من أجل الاستقلال، فكانت القضية الوطنية دوما عصب النضال الطلابي في مصر، من هنا فقد كان من الطبيعي أن تعود الروح للحركة الطلابية بعد الهزيمة واحتلال الأرض، وجاءت البداية مع عام 1968، فكانت مظاهرات طلاب وعمال مصر في القاهرة والجيزة والإسكندرية في فبراير 1968.

 لقد بدأت الأحداث بمظاهرات عمال حلوان احتجاجًا على الأحكام التي صدرت ضد قادة الطيران الذين اتهموا بالمسئولية عن النكسة واعتبرها العمال أحكامًا هينة، وأدى التصدي العنيف للمظاهرات من جانب قوات الشرطة إلى انتقال الاحتجاج إلى الجامعة، وكان اليوم يوافق 21 فبراير، الذي يحيه العالم كله في ذكرى طلاب مصر الذين استشهدوا في عام 1946، وإذا كانت المظاهرات العمالية وشعاراتها قد تمحورت حول ضرورة محاسبة المسئولين عن النكسة، فإن الحركة الطلابية رفعت شعارات تتعلق بالديمقراطية. وبقدر ما كانت هزيمة يونيو صدمة لمصر كلها كانت مظاهرات الطلاب والعمال في فبراير 1968 صدمة للنظام الذي كان يتصور أنه نجح في تدجين الشعب.

كان الزمن في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات زمن رجوع التلامذة إلى صادرة المواجهة مع النظام من أجل الديمقراطية وإزالة آثار الهزيمة، رجع التلامذة في فبراير 1968، واستمروا في الساحة لقرابة عشر سنوات.

 وكان عام 71/1972 بداية لموجة جديدة في الحركة الطلابية المصرية استمرت على مدار عامين دراسيين، وامتدت آثارها حتى عام 1977،  وتركزت مطالب تلك الحركة على قضيتين: الديمقراطية وإنهاء حالة اللا سلم واللا حرب التي عاشتها مصر منذ قبِل عبد الناصر مبادرة روجرز، واستقطبت الحركة الطلابية كل القوى الحية في المجتمع، كذلك عرفت تلك السنوات تصاعدًا للحركة العمالية أعاد إلى الأذهان السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والتي تشكلت فيها اللجنة الوطنية للعمال والطلبة.

  كان العام الدراسي قد بدأ باعتصام طلاب كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة، للمطالبة ببدل العدوى للأطباء البيطريين. وبدأت الحركة من خلال مجلات الحائط التي ابتكرتها الحركة الطلابية في تلك المرحلة، وحلقات النقاش والاجتماعات، ومن خلال نشاط الأسر والجماعات الطلابية التي أصبحت ظاهرة في تلك المرحلة.

أحمد عبد الله رئيس اللجنة الوطنية
 أما الانتفاضة السياسية الواسعة فقد بدأت في يناير 1972، وكان السبب الذي فجرها خطاب الضباب الشهير للرئيس السادات، الذي أعلن فيه تأجيل عام الحسم بسبب "الضباب السياسي" الذي تسببت فيه الحرب الهندية الباكستانية؛ فشكل الطلاب لجان وطنية على مستوى الكليات والجامعات ثم لجنة وطنية عليا لقيادة عملهم، ورفع الطلاب شعارًا سياسيًا واضحًا لحركتهم، "كل الديمقراطية للشعب... كل التفاني للوطن".

 وتوالت المؤتمرات السياسية داخل الجامعات طوال شهر يناير 1972 انتهت باعتصامات طلابية، وتوجه وفد من الطلاب إلى مجلس الشعب، وبعد أن تم الاتفاق على نشر بيان الطلاب في الصحف بعد إدخال بعض التعديلات عليه، تراجع النظام ولم يطق صبرًا على الطلاب، فاقتحمت قوات الأمن الجامعات واعتقلت الطلاب المعتصمين، فخرجت المظاهرات إلى الشوارع واحتل الطلاب ميدان التحرير في مشهد لم تعرفه مصر لسنوات طويلة سابقة، إنه المشهد الذي خلده الشاعر الكبير أمل دنقل بقصيدته الكعكة الحجرية إشارة إلى قاعدة التمثال الجرانيتية الخالية التي ظلت تميز الميدان، وأزيلت أثناء أعمال الحفر لمشروع الخط الأول لمترو الأنفاق، ولم تعد إلى الآن.

 في العام الدراسي التالي بدء النشاط الطلابي من خلال مجلات الحائط وحلقات النقاش، وبدأت الأزمة الأولى مع إحالة إدارة كلية طب القاهرة عدد من الطلاب للتحقيق بسبب مجلات الحائط، فتصاعدت الاحتجاجات بين طلاب الجامعة تضامنًا مع زملائهم، وشكل الطلاب لجان الدفاع عن الديمقراطية، وتصاعدت أنشطتهم السياسية داخل أسوار الجامعات وانضم إليهم عددًا من الفنانين والكتاب والمثقفين من خلال الأنشطة الثقافية والفنية والسياسية التي نظمتها الأسر الطلابية ذات التوجه اليساري في مختلف كليات الجامعة وتحولت المؤتمرات السياسية إلى اعتصام متصاعد.

 وكان للحركة الطلابية أصداء واسعة في المجتمع، كانت أملًا يتفتح في بناء مجتمع حر جديد، بعد أن عاشت مصر عشرين عامًا في ظل حكم صادر حريات المواطنين ومبادرتهم الشعبية، كانت مظاهرات الطلاب تعيد حنينًا إلى ماض صار بعيدًا، لقد فقد المجتمع المصري تنظيماته المستقلة ومبادرته الشعبية لسنوات طويلة، فكانت الحركة الطلابية الجديدة بمثابة "عودة الروح" و"عودة الوعي" لمصر، فأيدها أبرز مثقفي مصر ومبدعيها وفي مقدمتهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ من خلال بيان ساندوا فيه مطالب الحركة الطلابية.

 وفي الأيام الأخيرة من عام 1972 فقد النظام صبره بعد امتداد الحركة إلى كل الجامعات المصرية، فشن حملة اعتقالات واسعة على القيادات الطلابية بعد خطاب للرئيس السادات، أكد فيه تمسكه بالحرية والممارسة الديمقراطية، مع تحذير "اليسار المغامر" و"اليمين الرجعي" و"القلة المندسة"، تلك المصطلحات التي احترف النظام ترديدها لتبرير اعتداءاته المتكررة على الحريات.

 عندما اكتشف الطلاب اعتقال زملائهم خرجت المظاهرات تجوب الجامعات المصرية وتهتف: "يوم الخميس قال لنا حرية ... وأخد اخواتنا في الفجرية"، "قال هنمارس قال هنمارس... حط في بيتنا مخبر حارس"، وتحولت المؤتمرات والمظاهرات إلى اعتصام مفتوح، وفي جامعة القاهرة احتل الطلاب قاعة الاحتفالات الكبرى، واستمرت حالة الغضب تتصاعد إلى أن خرج آلاف الطلاب صباح يوم الأربعاء  3 يناير 1973 في مظاهرات كان ميدان التحرير هدفها لكن قوات الأمن حاصرتها، فغابت عن ميدان التحرير أربعين عامًا إلا قليل.
 
 
 

الثلاثاء، 27 يناير 2015


شهادة على هامش: المثقف الانتقالي لشيرين أبو النجا

عماد أبو غازي
(مقالي في العدد الجديد من عالم الكتاب، أول الأعداد التي يرأس تحريرها الصديق محمد شعير)

  يعد كتاب شرين أبو النجا "المثقف الانتقالي من الاستبداد إلى التمرد" بحق واحدًا من الكتب المهمة التي صدرت في سنوات ما بعد الثورة متناولة حال الثقافة في مصر، ويجمع الكتاب بين جهد نظري واضح لشرين أبو النجا الباحثة الأكاديمية المتميزة، وتجربة معاشة وشهادة لشرين أبو النجا المثقفة الفاعلة في الحياة الثقافية المصرية على مدار ربع القرن الأخير، فيضيف هذا البعد المزدوج قيمة كبيرة للكتاب.
 وسأحاول في هذه السطور أن أشتبك مع هذا العمل الذي أره قادرًا على إثارة نقاش حي في الساحة الثقافية المصرية، واخترت أن يكون اشتباكي مع الكتاب من خلال نص قصير يجمع ما بين محاولة البحث في التاريخ مهنتي التي أعمل بها، وشهادة الممارس الفاعل في العمل الثقافي الأهلي والرسمي على مدار أربعين عامًا.
 بداية أزعم أننا لو خرجنا من اللحظة التاريخية التي نحن فيها، ونظرنا إلى مصر من أعلى، سنكتشف أننا نعيش في زمن انتقالي منذ قرنين، ونشهد موجات ثورية وانتفاضات شعبية متوالية منذ نهاية القرن الثامن عشر، ما بين انتفاضات في مواجهة استبداد السلطة، وثورات في مواجهة المحتل الأجنبي؛ فمصر في حراك لم ينتهي منذ أواخر القرن الثامن عشر، حراك تتخلله فترات من الجمود الظاهري، والثقافة و"المثقف" ميدان أساسي من ميادين هذا الحراك.
 لقد عرفت مصر المؤسسات الثقافية الحديثة مثل: المطبعة والمكتبة والأرشيف والمتحف؛ ثم الأوبرا والمسارح في القرن التاسع عشر، ومنذ البداية سار العمل الثقافي في ثلاثة مسارات متوازية ومتفاعلة في آن واحد: المسار الحكومي والمسار الأهلي والمسار الخاص الربحي المرتبط بالصناعات الثقافية؛ ففي القرن التاسع عشر بدأت مصر تعرف الصناعات الثقافية الحديثة، مثلما عرفت المؤسسات الحكومية الثقافية الكبرى، وفيه أيضا ظهرت الجمعيات الأهلية العاملة في المجال الثقافي. وإلى جانب هذه القطاعات الثلاثة العاملة في المجال الثقافي: القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع الأهلي، هناك أيضا جماعات المصالح من نقابات واتحادات وغرف صناعة والتي تعبر عن العاملين في الحقل الثقافي وتدافع عن مصالحهم.
 ورغم أن العمل الثقافي ظل دومًا قائمًا على هذه القطاعات مجتمعة إلا أن المرحلة الشمولية شهدت سيطرة للدولة على كل القطاعات من خلال بنية تشريعية تخضع كل هذه المؤسسات لأشكال متعددة من رقابة الدولة وقدرتها على التدخل في عملها. فبعد نجاح حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 وسيطرتها الكاملة في أعقاب أزمة مارس 1954 بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر السياسي انعكست بشكل واضح على الساحة الثقافية، فتعاظم دور الدولة في العمل الثقافي وتراجع دور العمل الأهلي على الأقل في العقدين الأولين من هذه الحقبة، كما تأثرت الصناعات الثقافية وخضع الكثير منها لسيطرة الدولة.
 وقد عرفت مصر وزارة الثقافة تحت هذا المسمى لأول مرة عام 1958، لتكون بذلك أول وزارة للثقافة في العالم العربي والقارة الإفريقية بل ومن أوليات وزارات الثقافة على مستوى العالم. وكان النظام الجديد بعد يوليو 1952 قد أنشأ وزارة باسم وزارة الإرشاد القومي تولاها عند تأسيسها في نوفمبر 1952 السياسي المخضرم فتحي رضوان مؤسس الحزب الوطني الجديد، والذي كان قد شارك في الثلاثينات في تأسيس مصر الفتاة، ويبدو أن فكرة وزارة الإرشاد القومي جاءت باقتراح منه، والاسم الذي حملته الوزارة يحمل دلالة مهمة، فهي وزارة تتولى مسئولية التوجيه وصياغة العقل المصري، وتدريجيًا تم تأسيس مؤسسات حكومية جديدة للعمل الثقافي أضيفت لما سبق تأسيسه منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، فتأسست مصلحة الفنون ثم المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وفي أكتوبر عام 1958 أصبح مسمى الوزارة وزارة الثقافة والإرشاد القومي، وتولاها أحد ضباط يوليو الدكتور ثروت عكاشة الذي يعتبر بحق الأب المؤسس لوزارة الثقافة ومؤسساتها في مصر، وخلال مرحلة الستينيات تناوب على الوزارة شخصيتان من أصول عسكرية تبنى كل منهما سياسة مختلفة عن الآخر: الدكتور ثروت عكاشة والدكتور عبد القادر حاتم، ففي الوقت الذي تعامل فيه الأول مع الثقافة باعتبارها صناعة ثقيلة ينبغي أن توليها الدولة اهتمامًا واضحًا، كان تركيز الثاني على مجال الإعلام، وقد حرص في أغلب فترات توليه للوزارة أن يجمع بين الإعلام والثقافة تحت مظلة واحدة. وطوال تلك الفترة كانت الدولة تقوم برسم السياسة الثقافية وتشرف على تنفيذها، وتراجع النشاط الأهلي حيث خضعت الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخاصة لقيود مشددة من الدولة، كما تراجعت الصناعات الثقافية الخاصة مع موجة التأميمات في مطلع الستينيات، حيث طال التأميم كثير من دور النشر الكبرى وشركات الإنتاج السينمائي، ودخلت الدولة بقوة في مجال الصناعات الثقافية من خلال وزارة الثقافة، لكن هذا لا يعني أن الدولة نجحت نجاحًا كاملًا في استخدام الثقافة في السيطرة على العقول، فقد كانت هذه مهمة الإعلام بالدرجة الأولى، لكن وزارة الثقافة نجحت في استيعاب أعدادًا من المثقفين والمبدعين من مختلف الاتجاهات داخل مؤسساتها، الأمر الذي لم يكن جديدًا على الدولة المصرية الحديثة منذ نشأتها.

 بالنسبة لجيلي الذي تفتح وعيه السياسي على لحظة مروعة في تاريخ مصر الحديث، أعني هزيمة يونيو 1967، كان الخروج الجماهيري إلى الشارع في مواجهة السلطة في مظاهرات فبراير 68 الطلابية العمالية لأول مرة منذ استقر الحكم الشمولي في 1954 إيذانًا ببداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر، أو هكذا كان يبدو الأمر وقتها. كانت تلك اللحظة بداية لخروج قطاع من المثقفين من تحت سيطرة الدولة، بدأت بتكوين كيانات ثقافية مستقلة عن السلطة، وإصدارات مستقلة، وهنا كانت تجربة "جاليري 68" التي لم تعش طويلًا تجربة رائدة بحق، كذلك تشكلت جمعية كُتّاب الغد التي قام عليها مجموعة من الأدباء والكتاب اليساريين ـ معظمهم من الشباب وقتها ـ كانوا يحملون رؤية وحلم بمصر مختلفة، شكلوا نواة لتيار جديد مستقل في الثقافة المصرية يستقل عن مؤسسات الدولة ويختلف عن اليسار التقليدي الذي انخرط في تلك المؤسسات، وبدأت "كُتّاب الغد" تدخل مجال النشر بإصدارتها التي لم تستمر طويلًا لكنها كانت محاولة لكسر احتكار الدولة في النشر للمثقفين الشبان.

 كانت التجربتان، تجربة جاليري 68 وتجربة كُتّاب الغد، مصدر إلهام لجيلنا في تخطي قيود النشر الحكومي، أتذكر هنا تجربة طبع الديوان الأول للشاعر حلمي سالم، "حبيبتي مزروعة في دماء الأرض"، الذي صدر عام 1974، كنا وقتها طلابًا في جامعة القاهرة، وكان زميلنا حلمي سالم شاعرًا واعدًا يشارك إلى جانب شعراء من أجيال أكبر منه في الندوات التي ننظمها في الجامعة، وقرر أن يجمع قصائده في ديوان، كانت منافذ النشر الحكومي مغلقة أمامه، فاتفقنا على الاكتتاب بشراء نسخ الديوان مقدمًا، مقابل إيصالات طبعها حلمي نتسلم بها النسخ بعد صدور الديوان، وقد كان، وكانت بالنسبة لنا تجربة مهمة في شبابنا المبكر، أدركنا معها قدرتنا على أن نفعل بعيدًا عن السلطة الثقافية.

 ومما دعم هذا الاتجاه نحو الاستقلال عن المؤسسة الثقافية الرسمية، التغير الواضح الذي شهدته حقبة السبعينيات في اتجاهات العمل بوزارة الثقافة، فمن ناحية غلب الميل لاتجاه الإعلام على حساب الثقافة، ومن ناحية أخرى اتسعت الفجوة بين قطاع من النخبة المثقفة ومؤسسات الدولة الثقافية، حيث تم تدريجيًا استبعاد المبدعين والمثقفين المنتمين لليسار بمختلف اتجاهاته من مؤسسات الوزارة منذ مايو 1971، وفي نفس الوقت تراجع دور الدولة في العمل الثقافي لتنتهي تلك المرحلة بإلغاء وزارة الثقافة ليحل محلها المجلس الأعلى للثقافة مع الإبقاء على هيئة الآثار وهيئة الكتاب وتحويل تبعية قصور الثقافة للمحليات، وتحول وزير الثقافة إلى وزير دولة للثقافة والإعلام، وقد جاء ذلك في سياق سياسة جديدة للدولة لإلغاء الوزارات الخدمية وتحويلها إلى وزارات دولة، وتولي المحليات جزءًا أساسيًا من مسئولية القطاع الخدمي. وكان لهذ الاتجاه وجهه الإيجابي حيث دعم اتجاهًا متصاعدًا لظهور تيار ثقافي مستقل يعمل بعيدًا عن مؤسسات الدولة وفي مواجهتها أحيانًا، فعرفت الساحة الثقافية ظاهرة نشرات ومجلات الماستر التي استمرت حتى منتصف الثمانينيات، والتي اعتمدت على التطور في تقنيات الطباعة والتصوير، فأصبح في مقدور مجموعات المثقفين بجنيهات قليلة إصدار مجلات تحمل مسمى نشرة غير دورية أو كتاب غير دوري لتهرب من قيود قانون الصحافة، يقومون فيها بنشر رؤاهم وإبداعاتهم، واتجه كثير من العاملين في الحقل الثقافي إلى العمل الأهلي الذي أتاح مجالًا للنشاط رغم القيود القانونية، كذلك اتخذت مجموعات من المثقفين اليساريين من الأجيال الجديدة موقفًا معارضًا للانخراط في اتحاد الكُتّاب الذي يحظى برعاية الدولة ورفعوا لسنوات شعار "من أجل اتحاد ديمقراطي مستقل للكُتّاب".

 وربما كان تشكيل لجنة الدفاع عن الثقافة القومية أبرز تجليات صدام قطاع مهم من المثقفين مع السلطة السياسية في أواخر السبعينيات، فقد تشكلت اللجنة ككيان معارض للتطبيع الثقافي مع إسرائيل وتواصل عملها الثقافي والبحثي ونشاطها الجماهيري في الشارع حتى أواخر الثمانينيات، عندما بدأت تتراجع تدريجيًا بعد أن تبنت وزارة الثقافة موقفًا رسميًا ضد التطبيع الثقافي مع إسرائيل منذ أواخر عام 1987 عندما تولى فاروق حسني منصب وزير الثقافة.

 ومع السنوات الأولى للثمانينيات وعقب اغتيال الرئيس أنور السادات بدأت سياسة ثقافية جديدة للدولة، قامت على استخدام الثقافة كمدخل لاستعادة وجود مصر في العالم العربي بعد المقاطعة التي بدأت مع كامب ديفيد، وعلى مستوى الداخل السعي نحو "التصالح" مع المثقفين بمختلف اتجاهاتهم والعمل على استعادتهم لمؤسسات الدولة الثقافية، وقد تصاعد هذا الاتجاه بشكل واضح منذ أواخر الثمانينيات، ودفع هذا بكثير من المثقفين إلى العودة لأحضان وزارة الثقافة والسعي للعمل من خلال مؤسساتها، فهدأت وتيرة العمل الثقافي خارج مؤسسات الدولة، وتراجعت الإصدارات المستقلة، فمجلات الدولة الثقافية تفتح أبوابها للجميع، ومؤسساتها ترحب بالاختلاف، والخلاف حول الموقف من التطبيع زال، وتواكب هذا مع تصاعد موجة أعمال العنف والإرهاب، والترويج لمقولة المواجهة الثقافية للفكر الذي يقف وراء الإرهاب.

 وبدأت مجموعات من النخبة الثقافية تقنع نفسها بإمكانيات متاحة لمحاولة الإصلاح من الداخل، فبدأنا نجد أسماء من الجماعة الثقافية من أجيال مختلفة ظلت لسنوات تُحسب على الثقافة المستقلة أو المعارضة الثقافية تندمج في عمل المؤسسات الثقافية الرسمية، بل وتتولى مناصب قيادية فيها، وكنت منهم.

 ومن اللافت للنظر أنه منذ تسعينيات والقرن الماضي صعدت إلى السطح من جديد الجماعات المستقلة في مجال الثقافة، كما ظهرت أشكال جديدة من التجمعات الثقافية في شكل منظمات مجتمع مدني وشركات ومؤسسات خاصة لعبت دورًا مؤثرًا في الواقع الثقافي، وشهدت السنوات السابقة على الثورة عودة الانقسام إلى الساحة الثقافية ونمو تيار الثقافة المستقلة.

لقد شهدت السنوات التي سبقت ثورة 25 يناير 2011 ظواهر ثقافية كانت بمثابة التمهيد للثورة وشق الطريق أمامها؛ فمنذ عام 2005 عرفت مصر تغيرًا واضحًا في ثقافة المجتمع السياسية، ومهد الطريق للثورة السلوك الاحتجاجي في الشارع وظهور حركات معارضة لمشروع التوريث والتمديد ومواجهة الفساد والدعوة للتغيير، وقد شارك في هذه الحركات وأنشطتها المختلفة رموز ثقافية وإبداعية بارزة، وكان جزء من حركتهم موجها ضد السياسة الثقافية للدولة.

 كما اتسع نشاط الجماعات الثقافية المستقلة وأضحت ظاهرة من ظواهر الحراك العام في المجتمع، وسعت لتقديم ثقافة بديلة للثقافة الرسمية، وظهرت ساحات جديدة للنشاط الثقافي نجحت في جذب قطاعات متزايدة من الجمهور رغم الحصار الأمني.

 وعلى مستوى الإبداع ظهرت في السنوات السابقة على الثورة أعمال عديدة فضحت فساد النظام وحرضت على الثورة عليه، سواء في مجال السينما أو المسرح أو الغناء والموسيقى أو الأنواع الأدبية المختلفة، لقد كان هناك تغيير في الحالة الإبداعية قبل الثورة. كما أخذ التدوين كظاهرة ونوع إبداعي جديد يحتل مكانًا ومساحة، ويكتسب قدرة متزايدة على التأثير.

 لقد انتهت المرحلة السابقة على الثورة وهناك مجموعة من المشكلات الخطيرة على الساحة الثقافية: انتهت بحالة من الانقسام في الجماعة الثقافية المصرية حول السياسات الثقافية للدولة، وبوضع يشوبه قدر كبير من عدم الثقة بين وزارة الثقافة وقطاع مهم من المثقفين والمبدعين؛ انتهت بوزارة تدعم الأنشطة الثقافية المستقلة، لكن دون رؤية واضحة أو منهج محدد أو سياسة ثابتة مستقرة؛ انتهت بموازنة ضعيفة للثقافة، أغلبها موجه للأجور، وأقلها للأنشطة الثقافية، ويتم توزيع هذا القسم المخصص للأنشطة الثقافية بشكل غير عادل على مستوى الوطن، حيث تبتلع أنشطة العاصمة الجزء الأكبر منها؛ انتهت بوزارة متضخمة بجهاز بيروقراطي يضم عشرات الآلاف من العاملين، الكثير منهم غير مؤهلين للعمل بالأجهزة الثقافية؛ انتهت ببنية أساسية تشمل مئات المواقع الثقافية على مستوى مصر، لكن ما يقرب من نصفها متوقف عن العمل، والبعض منها يقوم على إدارته عناصر غير مؤهلة، أو معادية للثقافة والإبداع، وبمشروعات للتوسع في هذه البنية الأساسية لكنها مشروعات أكبر من الموازنات المعتمدة مما أدى إلى استمرار العمل فيها لسنوات دون انجاز.

 ومع أول حكومة تشكلت بعد نجاح الثورة في إسقاط رأس النظام تم تكليفي بحقيبة وزارة الثقافة، هل كنت أصلح لهذا المنصب بعد أن عملت في مناصب قيادية داخل وزارة الثقافة لمدة اثنتي عشر عامًا في ظل النظام القديم؟ لا أملك إجابة قاطعة، ربما جاء اختياري لأني محل قبول من قطاع من الدولة وقطاع من الشارع الثقافي وقطاع من الثوار، بمعنى ما، وزير توافقي، عمومًا كان قراري منذ قامت الثورة أن علاقتي بالعمل الثقافي الرسمي لابد أن تنتهي مع نهاية المرحلة الانتقالية، إن لم يكن قبل ذلك، لأن الأوان قد آن ليتولى جيل جديد مختلف دفة الأمور، وما حاولت أن أفعله خلال الشهور الثمانية التي أمضيتها حتى استقالتي أن أمهد لهذا التغيير.

هل يمكن أن يحدث التغيير بضربة واحدة؟ هذا ما يراه البعض، لكن محاولاتي كانت تتسم بالإصلاحية، ربما كان هذا خطأ، لكن هذه كانت حدود طاقتي، لذلك وصفت نفسي في حديث صحفي أثناء الوزارة، بأني إصلاحي في زمن ثوري.

كان المنطلق الأول أن وزارة الثقافة ليست وزارة للمثقفين، وأن هذا المفهوم لابد أن يتغير، فوزارة الثقافة وزارة لكل المواطنين، وأن الوظيفة الأساسية للدولة في مجال الثقافة في النظم الديمقراطية تتلخص في ثلاثة أهداف أساسية:

الأول: حماية التراث الثقافي المادي واللامادي بما فيه من آثار ومخطوطات ووثائق وموروث ثقافي شعبي تراكم عبر الزمن، بالإضافة إلى التراث الفني الحديث بتنويعاته المختلفة، وتشمل وسائل الحماية إقامة مؤسسة لجمع هذا التراث وحفظه، كما تشمل أعمال الصيانة والترميم، والتشريعات القانونية التي تحقق هذه الحماية.

 الثاني: حماية حقوق الملكية الفكرية للمبدعين، وتشجيع الصناعات الثقافية الحديثة والحرف التراثية والإنتاج الثقافي والإبداعي بمختلف أنواعه الأدبية والفنية، بما في ذلك الحماية ضد المصادرة.

 الثالث: توفير الخدمات الثقافية للمواطنين، وتوفير البنية الأساسية لممارسة الأنشطة الثقافية والاستمتاع بها.

 ووصولًا لتحقيق هذه وعلى الصعيد الرسمي بدأت وزارة الثقافة مشروعًا للمقرطة، من خلال تغيير أساليب الإدارة، ومشاركة المجتمع المدني فيها، وإعادة توزيع الموازنات بشكل يحقق تلبية أكثر لاحتياجات المناطق المحرومة من الخدمة الثقافية، وتعديل برامج الأنشطة وتحديد الأولويات. جاء التغيير في أسلوب الإدارة من خلال تشكيل مجالس إدارات لهيئات الوزارة ومراكزها المتخصصة من خارج قيادات المؤسسة الرسمية، كما بدأت تجربة انتخاب المكاتب الفنية للفرق وانتخاب مديرين تلك الفرق من الفنانين والفنيين العاملين بها، وقد اكتملت التجربة في البيت الفني للمسرح، وجزئيًا في دار الأوبرا، وكانت تقابل بمحاولات لإعاقتها وإصرار من بعض المسئولين على عدم إنجاحها في البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية.

 كما بدأت الوزارة في تطبيق سياسة جديدة لتنظيم المهرجانات السينمائية الدولية من خلال المجتمع المدني بدعم جزئي من وزارة الثقافة وفقًا لقواعد وشروط شفافة ومعلنة. كما تم تحويل فائض موازنة المهرجانات إلى هيئة قصور الثقافة لتنظيم أنشطة في المحافظات. وفي الوقت نفسه بدأ مجلس الإدارة الجديد لصندوق التنمية الثقافية في وضع قواعد واضحة لدعم الصندوق للجمعيات الأهلية والمجتمع المدني والكيانات المستقلة. وفي اتجاه لدعم الفرق الفنية المستقلة وفرق الهواة تقرر فتح المسارح الملحقة بالمتاحف والمركز الثقافية أمام هذه الفرق لتقديم عروضها.

 وحاولت الوزارة أن تنفتح على الجماعة الثقافية وعلى الكيانات الثقافية المستقلة من خلال حوار متواصل أداره أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، وكانت حصيلة الحوار أسلوب جديد في تشكيل المجلس الأعلى للثقافة كان من المفترض أن يكتمل في منتصف عام 2012، كانت الفكرة أن يستقل المجلس عن الوزارة ويتحول إلى جهاز للتخطيط ورسم السياسات والرقابة على الأداء، وكان التصور قائمًا على أن يتم هذا التغيير في دور المجلس على مراحل؛ المرحلة الأولى بإعادة تشكيل اللجان المتخصصة للمجلس مع انتهاء دورة عملها في صيف 2011، على أن يتم التشكيل بناء على ترشيحات من الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات البحثية والأكاديمية والنقابات والاتحادات وغرف الصناعة في مجال عمل كل لجنة من لجان المجلس، بحيث يتم تشكيل اللجنة من الأسماء التي تحصل على أكبر عدد من الترشيحات مع مراعاة مجموعة من القواعد، مثل تمثيل الشباب والمرأة والتخصصات المختلفة في مجال عمل اللجنة فضلًا عن التمثيل الجغرافي، وبعد ذلك تقوم كل لجنة بانتخاب مقررها، وتشكل هذه اللجان الجمعية العمومية للمجلس، على أن يشكل المجلس نفسه من مقرري اللجان، ويقومون في أول اجتماع لهم بانتخاب ستة أعضاء يكتمل بهم تشكيل المجلس، وتأتي المرحلة الأخيرة باجتماع المجلس بتشكيله الجديد لمناقشات مقترح نظامه الأساسي ولائحته التنفيذية، المتضمنة انتخاب الأعضاء للأمين العام ثم صدور قرار جمهوري بتعينه على غرار ما يحدث في مجمع اللغة العربية، كما كان التصور يقوم على أن لا يكون للأعضاء الذين يدعون بحكم مناصبهم صوت معدود عند التصويت على القرارات التي يتخذها المجلس، وقد تم التراجع عن هذا المشروع على مراحل بعد استقالة الأمين العام ثم استقالتي في نوفمبر 2011.

 وبعد... فهذه محاولة من مشارك في مرحلة من مراحل الانتقال للاشتباك مع مثقف شيرين أبو النجا الانتقالي.

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...