السبت، 13 سبتمبر 2014


 في ذكرى هزيمة الثورة العرابية

ثورات لم تكتمل في تاريخ المصريين

عماد أبو غازي

 كثيرًا ما يتردد أن الشعب المصري شعب مسالم راضٍ بقليلة لا يحتج أبدًا، يتقبل سيطرة الغازي الأجنبي ولا يقاومه، يمجد من يحكمه ولا يثور عليه، أو كما قيل "وهي لمن حكم"، مقولة رددها كثيرون ممن جاءوا إلى مصر رحالة ومؤرخين وغزاة: من هيردوت إلى كرومر مرورًا بعمرو بن العاص والمقريزي، لكن هل هذه حقيقة المصريين؟ وهل تاريخنا الطويل يعزز هذه المقولات أم ينفيها ويدحضها؟

 الحقيقة أن تاريخ مصر الطويل وتاريخ المصريين ليس إلا تاريخ من المقاومة والثورة والاحتجاج، فالفلاح المصري الذي بنى حضارة من أعرق الحضارات في التاريخ، هو نفسه الفلاح المقاوم، الفلاح المقاتل، الفلاح الثائر، الفلاح المحتج، لكن مشكلة ثورات المصريين عبر العصور أن كثير منها ثورات ناقصة، ثورات لم تكتمل، وهذه هي المعضلة الأساسية للتاريخ المصري.
 ولو نظرنا إلى تاريخنا القريب في القرنين الأخيرين نكتشف أنه تاريخ من الثورة وحركات الاحتجاج والتمرد، إلا قليل، لكنها غالبًا كانت ثورات غير مكتملة، ثورات مخطوفة، منذ "ثورة" يوليو ١٧٩٥ إلى ثورة يناير ٢٠١١. 

 أول حركة احتجاج كبرى للمصريين في العصر الحديث، كانت في يوليو ١٧٩٥؛ انتفاضة شعبية دعمها وساندها، أو ربما حركها، عدد من كبار مشايخ الأزهر في مقدمتهم الشيخ الشرقاوي، خرج فيها المصريون يتظاهرون في الشوارع ضد طغيان الأمير إبراهيم بك شيخ البلد وحليفه الأمير مراد بك، كبيرا أمراء المماليك اللذان كانا يعدان الحاكمين الفعليين للبلاد، وضد تعديهم على الجرايات والأوقاف، وضد الزيادات في الضرائب والجبايات التي فرضاها على المصريين، لقد نجحت انتفاضة المصريين سنة ١٧٩٥ في إرغام الأميرين الكبيرين على التوقيع على حجة شرعية يتعهدان فيها بالاستجابة للمطالب الشعبية وبعدم فرض ضرائب جديدة أو اتخاذ إجراءات تمس بالأوقاف وجرايات المشايخ والطلاب والصوفية دون الرجوع لكبار المشايخ باعتبارهم ممثلين للناس؛ لكن إبراهيم بك ومراد بك سرعان ما عدا إلى سيرتهما القديمة.

 
مراد بك
 
وعندما جاءت الحملة الفرنسية لمصر سنة ١٧٩٨ هب المصريون للدفاع عن بلدهم في مواجهة الغزاة الأجانب، وقضت الحملة ثلاث سنوات شهدت ثورتين كبيرتين بالقاهرة ومقاومة شعبية مستمرة منذ وطأت أقدام جنود الحملة الإسكندرية حتى غادروا البلاد سنة ١٨٠١، كانت المقاومة الشعبية ضارية في الدلتا كما شارك المصريون المماليك في المقاومة في الصعيد، وذلك من أجل تحرير بلدهم.

ثورة القاهرة الأولى 
 سقط آلاف الشهداء خلال الثورات وحركات المقاومة وخرج الفرنسيون لكن المصريين لم يستردوا بلدهم بل عادت إلى أيدي السلطان العثماني الذي لم يلعب جيشه دورًا يذكر في محاربة الحملة قياسًا على ما قام به المصريون، وأكثر من ذلك تعاملت الدولة العثمانية مع مصر باعتبارها بلدًا تم فتحها من جديد.
 شهدت السنوات الأربع التي تلت خروج الحملة حالة من الانتفاضة الشعبية المستمرة ضد الباشوات العثمانيين وضد بكوات المماليك، لم يترك المصريون هؤلاء أو أولئك يهنئون بحكم مصر، تبدل على مصر خمس باشاوات في أربع سنوات.
 
 وانتهت هذه السنوات بالثورة الشعبية الكبرى التي قامت في مايو ١٨٠٥ بقيادة السيد عمر مكرم، لتسقط الباشا العثماني وترغمه على الرحيل وترغم السلطان في إسطنبول على إصدار فرمانًا بعزله، لكن الثوار المصريون لم يسلموا حكم بلدهم لواحد من قادتهم، بل أتوا بمحمد علي أحد قادة العسكر حاكمًا على مصر، واشترطوا عليه شروطًا سرعان ما نقضها شرطًا شرطًا، وتخلص من قادة الثورة واحدًا واحدًا بالنفي أو القتل أو  تشويه السمعة، وساعده على ذلك الانقسامات بين قادة الثورة، والأطماع الشخصية لبعضهم، وما حملوه من ضغينة لقائد الثورة الحقيقي وزعيمها الأكثر شعبية السيد عمر مكرم.


السادات وعمر مكرم والشرقاوي
 لقد أتت الثورة بقائد العسكر محمد علي ليستقر في حكم مصر لفترة هي الأطول لأي من حكام مصر في العصرين الحديث والوسيط، بل لم يتفوق عليه في امتداد سنوات الحكم إلا قليل من حكام مصر القديمة مثل بيبي الثاني ورمسيس الثاني، استمر محمد علي حاكمًا لمصر لأكثر من أربعين عامًا غير فيها وجه مصر وبنى مشروعًا للتحديث، لكنه تحديث على حساب المصريين، فوق جثث عشرات الآلاف منهم، فضلًا عن أنه تحديث منقوص وشائه. 
 
 

 خلال عصر محمد علي قامت عدة هبات شعبية كانت أخطرها ثورة الشيخ رضوان في عشرينيات القرن التاسع عشر، لكن محمد علي واجهها كلها بعنف وقوة وقضى عليها.

 الثورة الكبرى التالية في تاريخ مصر الحديث بعد ثورة ١٨٠٥ كانت الثورة العرابية عام ١٨٨١ وهي نتاج حراك سياسي واجتماعي استمر لأكثر من عشر سنوات في عهد الخديوي إسماعيل ثم ابنه توفيق، نجحت الحركة الوطنية المصرية خلال هذا الحراك في أن تنتزع برلمانًا ولائحة أقرب ما تكون إلى الدستور ومشاركة حقيقية في حكم البلاد، وجاءت الثورة العربية تتويجًا لهذا النضال وتعبيرًا عن التحام المجموعات السياسية الوطنية بالوطنيين من رجال الجيش، لكن الثورة العرابية رغم ما حققته من نجاحات في الأشهر الأولى من قيامها لم تكمل أهدافها، بل انتهت إلى هزيمة هي الأسوأ في تاريخ الثورات المصرية الحديثة، انتهت بعد عام وخمسة أيام من قيامها والقوات البريطانية تحتل مصر وتدخل إلى القاهرة، وقادة الثورة يحاكمون وينفون خارج البلاد وتصادر أملاكهم، لقد تردد العرابيون في عزل الخديوي وإعلان الجمهورية فضاعت الثورة، وتعرضوا لمؤامرات تشويههم بين المصريين وفي الخارج، وخانهم البعض، وفشلوا في معركتهم العسكرية، لينتهي الأمر بمصر تحت الاحتلال لأكثر من سبعين سنة وبزعمائها مشتتين في المنافي.



 رغم الهزيمة القاسية للثورة العرابية لكن  مواجهة الاحتلال بدأت فورًا في شكل مجموعات سرية صغيرة تعرضت للملاحقة المستمرة، استمرت جذوة المقاومة تحت الرماد لتعود نار الاحتجاج لتتصاعد تدريجيًا مع تسعينيات القرن التاسع عشر وتتحول إلى حركة وطنية جارفة مع العقد الأول من القرن العشرين حركة تطالب بالجلاء التام والدستور، كانت هذه الحركة التي استمرت حتى قيام الحرب العالمية الأولى هي التي مهدت لثورة ١٩١٩ أكبر الثورات الشعبية المصرية في القرن العشرين.

 ثورة ١٩١٩ أيضاً نموذج للثورة غير المكتملة، بسبب الانقسام السريع لقوى الثورة، حقاً لقد نجحت ثورة ١٩١٩ في تحقيق هدفها المباشر الذي تفجرت من أجله، أعني الإفراج عن سعد وزملائه وعودتهم من المنفى والسماح لهم بالسفر إلى مؤتمر الصلح، وللمصريين عمومًا بالتنقل والسفر، لكن الهدف البعيد للحركة الوطنية: الاستقلال والدستور، لم يتحقق بالكامل، حصلت مصر على استقلال منقوص بتصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ وعلى دستور رغم ما فيه من جوانب إيجابية لا يعبر عن كل طموحات الأمة؛ لتبدأ مرحلة جديدة من النضال البرلماني تتخلله انتفاضات شعبية عارمة كلما تعدى الملك على الدستور أو تعنتت إنجلترا في مفاوضات الجلاء، وأهم الانتفاضات التي شهدتها مصر في هذه المرحلة كانت ثورة الشباب في سنة ١٩٣٥، والحركة العمالية الطلابية في ١٩٤٦ و١٩٤٧.
 
 الحركة الأولى أعادت دستور ٢٣ ودفعت الأحزاب السياسية إلى التآلف في جبهة وطنية نجحت في توقيع معاهدة٣٦ مع انجلترا وإنهاء الامتيازات الأجنبية في مصر، وربما كانت ثورة الشباب في سنة٣٥ من أنجح الثورات من حيث تحقيق أهدافها المباشرة، والحركة الثانية في الأربعينيات نجحت في منع إسماعيل صدقي من توقيع اتفاقية جديدة مع إنجلترا لا تحقق طموحات المصريين، ودفعت حكومة النقراشي الأخيرة لتدويل القضية المصرية وعرضها على مجلس الأمن، لقد قادت حركات الاحتجاج في هذه الحقبة إلى قيام الزعيم مصطفى النحاس بإلغاء معاهدة ٣٦ في أكتوبر ١٩٥١ ليبدأ الكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني في القناة، ولتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ ثورات المصريين قضى عليها حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ دون أن تحقق أهدافها.
 
 وبعد انتصار الدولة الاستبدادية في ١٩٥٤ تراجعت حركات الاحتجاج الكبرى حتى عادت لتتفجر من جديد في أعقاب هزيمة ٦٧ واستمرت لعشر سنوات كاملة بداية بالاحتجاجات العمالية والطلابية في فبراير ٦٨ وانتهاء بانتفاضة ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ الشعبية، التي ختمت حقبة من التحركات الجماهيرية الكبرى انتهت هي الأخرى دون أن تكمل أهدافها.
 
 فهل نحن شعب قدره أن يثور ويضحي دون أن يكمل ثورته؟ هل نحن شعب الثورات الناقصة؟

 

الأربعاء، 10 سبتمبر 2014


كل توت ومصر طيبة وإحنا طيبين

عماد أبو غازي
 كل سنة وأنتم طيبين الخميس 11 سبتمبر هيوافق اليوم الأول من شهر توت أول شهور السنة المصرية، واللي بنسميه عيد النيروز، كان العيد ده دايما من أهم الأعياد اللي بيحتفل بها كل المصريين عشان ارتباطه بالنيل مصدر الحياة في مصر، والمصريين ابتدوا تقويمهم سنة 4241 قبل الميلاد، يعني إحنا السنة دي هنبتدي سنة 6256 مصرية، أجددنا سموا الشهور على أسامي الآلهة، وشهر توت متاخد من تحوت إله الحكمة ورب القلم اللي اخترع الكتابة وقسم الزمن في اعتقاد جدودنا المصريين زمان، وتحور الاسم في اللغة القبطية وبقي توت.

 وبتقترن بداية السنة المصرية القديمة بشروق النجم سوبديت اللي بيسميه العرب الشعرى اليمانية في الأفق مع شروق الشمس، ولاحظ المصريين ارتباط الظاهرة الفلكية دي بوصول الفيضان لمدينة منف، فخدوا المناسبة دي وخلوها بداية لتقويمهم النجمي اللي بتتكون فيه السنة من 365 يوما وربع، زي التقويم الشمسي، المصريين القدام اكتشافوا نظام تتابع الزمن من بدري، تمام زي ما ابتكروا الزراعة في وادي النيل، علشان كده الفلاح المصري اعتمد في الزراعة على التقويم ده من أكتر من ست آلاف سنة ولسه بيعتمد عليه.
 مصر فضلت تحتفل براس السنة المصرية لآلاف السنين، لكن الاحتفال وقف لما العثمانيين احتلوا مصر، وفي سنة 1893 جمعية التوفيق القبطية رجعت تحتفل مرة تانية بالنيروز، لكن الاحتفال كان محدود، وبيختفي تدريجيا، لغاية ما مجموعات من المصريين اللي مهتمين بالتراث المصري ابتدوا يحتفلوا مرة تانية بالسنة المصرية من حوالي سبع سنيين.
 والتقويم المصري القديم كان مكون من 12 شهر كل شهر منها 30 يوم، بعدها شهر صغير من خمسة تيام اسمه شهر نسئ، وبعدين الكهنة المصريين إكتشفوا إن السنة الفعلية 365 يوم وربع، فضافوا لشهر نسئ يوم سادس مرة كل أربع سنين، المصريين كانوا بيبتدوا مع عصر كل حاكم جديد مسلسل جديد للسنين، لغاية لما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اعتبرت سنة 284م اللي تولى فيها الإمبراطور الروماني دقلديانوس الحكم بداية للتقويم المصري وسمته تقويم الشهداء، وده بسبب إن عصر دقلديانوس كان عصر الاضطهاد الديني اللي اتعرض له المصريين اللي اعتنقوا المسيحية.
 أما عن الاحتفال بالمناسبة دي زمان فبيقول عالم الآثار المصرية الأستاذ محرم كمال في كتابه الصغير والمهم عن آثار الحضارة المصرية القديمة في حياتنا اليومية: "كان هذا العيد أهم الأعياد التي يحتفل بها المصريون القدماء وكان يجري مهرجان بأكبر بهجة يتصورها العقل ... كان يجتمع الرجال والنساء في جماعات كبيرة ويحشرون أنفسهم حشرا في السفن والقوارب دون مراعاة للسن، فإذا استقر بهم المقام بدأ النساء في دق الطبول وأخذ الرجال يوقعون الأنغام على المزمار ويساعدهم فريق آخر بالغناء والأهازيج وثالث بالتصفيق بالأيدي كما جرت العادة في الحفلات الموسيقية في مصر، وتسجل المقابر المصرية القديمة من مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية كذلك تبادل الهدايا بين الناس."
 ورغم توالي عهود الاحتلال الأجنبي على مصر حافظ المصريين على الاحتفال بالمناسبة دي عبر العصور، والمؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي بيحكي لنا مظاهر الاحتفال برأس السنة المصرية في العصور الوسطى، واللي كان واحد من الاحتفالات الكبيرة اللي بيحتفل بها المصريين كلهم، وكمان جنب الاحتفالات الشعبية كانت الدولة من العصر الفاطمي بتحتفل على المستوى الرسمي بالمناسبة دي وبتوزيع العطايا والخلع، أما الاحتفالات الشعبية، فكانت بتاخد شكل كرنفال شعبي رائع بيخرج فيه الناس لأماكن النزهة ويرشوا بعضهم بالميه، ويختاروا من بينهم شخص يعملوهه أمير للنيروز يمشي بموكبه في الشوارع والحواري ويفرض على الناس رسوم ويحصلها منهم واللي يرفض يرشه بالميه، وكل ده طبعا من باب الهزار.
 ولما نقرا اللي قاله القاضي الفاضل من كتاب الدولة الأيوبية عن الاحتفالات نلاقيه بيعتبرها من "المظاهر البائدة المرتبطة بالدولة الفاطمية" فقال عن الاحتفال:
 "يوم النيروز هو مستهل توت، وتوت أول سنتهم وقد كان بمصر في الأيام الماضية والدولة الخالية، يركب فيه أمير موسوم بأمير النيروز، ومعه جمع كثير، ويتسلط على الناس في طلب رسم رتبه على دور الأكابر بالجمل الكبار، ويكتب مناشير ويندب متمرسين، ويقنع بالميسور من الهبات، ويتراش الناس بالماء، فإن غلط مستور وخرج من داره، لقيه من يرشه ويفسد ثيابه، فإما فدى نفسه وإما فضح..."
 وفيه وصف تاني لأمير النيروز: "إن الناس كانوا يختارون شخصا قوي الطباع يسمونه أمير النيروز، ويغيرون صورته وخلقته، ويجعلون على رأسه طرطورا طويلا من الخوص ويركبونه حمارا وهو شبه عريان، ويجعلون حوله الجريد الأخضر وشماريخ البلح، وبيده شيئ يشبه الدفتر كأنه يحاسب الناس... وكان الناس يقولون عن النيروز "ليس فيه حرج ولا أحكام تقع".
 أما المقريزي فقال عن الاحتفال الرسمي بعيد النيروز في عصر الدولة الفاطمية: "النوروز القبطي من جملة المواسم، فتتعطل فيه الأسواق ويقل فيه سعي الناس في الطرقات، وتفرق فيه الكسوة لرجال أهل الدولة وأولادهم ونسائهم، وتفرق الرسوم من المال وحوائج النوروز..."
 أما في زمن المماليك فكان الاحتفال الشعبي بالنيروز مظهر أساسي من مظاهر الحياة المصرية، والمصادر بتاعة العصر ده مليانة بوصف الاحتفال ومظاهره. ويظهر إن الحاجة الأساسية في احتفالات النيروز كانت التحرر من كل القيود، الناس كانت بتخرج في الشوارع رجالة وستات وعيال صغيرة يلعبوا ويفرحوا، ويحدفوا بعض بالبيض والميه، ويعوموا في البرك والخلجان اللي اتملت بمية الفيضان.
 وفي اليوم ده تتوقف الدراسة في الكتاتيب والمدارس ويتفرغ التلامذة للعب والمرح، وتتعطل الأسواق والأعمال، ويتبادل الناس الهدايا من الفواكه وأنواع الحلويات، وكانت الزلابيا هريسة اللحمة والبطيخ والبلح من الأكلات اللي ارتبطت باحتفال رأس السنة المصرية، أو عيد النيروز.
  وكان الاحتفال الشعبي بيوقف في الفترات اللي تظهر فيها موجات التطرف الديني في العصور الوسطى لغاية ما وقف تمام في العصر العثماني، لكن الجانب الرسمي للمناسبة استمر علشان ارتباط المناسبة بالفيضان وجباية الضرائب، لدرجة إن السنة المالية في العصر العثماني والقرن التسعتشر كانت بتتسمى السنة التوتية نسبة لشهر توت.

وكل توت وأنتم طيبين.

الثلاثاء، 9 سبتمبر 2014


حكاية الثورة التي هزمتها الخيانة
الثورة العرابية
عماد أبو غازي
 الثورة العرابية، أم الثورات المصرية في العصر الحديث، وأحد مشروعات النهضة الوطنية التي أنتكست تحت وطأة العدوان الخارجي. وفي وجدان الشعب المصري تعتبر الصورة الشهيرة للزعيم أحمد عرابي راكبًا على حصانه الأبيض ووراءه جنوده والشعب المصري في مواجهة الخديوي ووراءه ممثلي إنجلترا وفرنسا ورجال حاشيته التلخيص الموجز للثورة العرابية.  الثورة الوحيدة في تاريخ مصر الحديث التي نسبت لقائدها، وهذه الصورة صور فيها الفنان مظاهرة عابدين، ذروة الحدث الثوري.
 كانت مظاهرة عابدين الشهيرة في يوم 9 سبتمبر سنة 1881 نتاجا لنضال خاضه المصريون لسنوات طويلة سبقت ذلك الحدث، وكانت هناك ثلاثة أهداف أساسية لحركة الشعب المصري أخذت تتبلور تدريجيا خلال ما يقارب قرنا من الزمان؛ وهذه الأهداف الثلاثة هى: حق المصريين في المشاركة في حكم بلادهم، والتصدي للأطماع الأوروبية في مصر، وإنهاء التبعية للدولة العثمانية، هذه المحاور الثلاثة تكونت حولها الحركة الشعبية في مصر ونمت خلال القرن التاسع عشر، وشكلت مشروع النهضة المصرية الحديثة، وجاءت الثورة العرابية تتويجًا لمرحلة من مراحل هذا المشروع، مثلما كانت هزيمة الثورة أمام الجيوش البريطانية في موقعة التل الكبير نهاية لمرحلة من مراحل النضال الوطني في مصر وهزيمة للمشروع الأول للنهضة الحديثة.
فمتى بدأ هذا المشروع؟ وكيف تطور؟
 لقد بدأت البوادر الأولى لهذا المشروع في أواخر القرن الثامن عشر عندما تنامى شعور المصريين بضرورة مشاركتهم في حكم بلادهم، ويمكن أن نرصد هذه البداية في واقعة محددة حدثت قبل مقدم الحملة الفرنسية بسنوات قليلة وعلى وجه التحديد في عام 1795، أعني ثورة الأهالي ضد مظالم مراد بك وإبراهيم بك زعماء المماليك وأتباعهم حيث نجح المشايخ في إرغام الأميرين على توقيع وثيقة يتعهدان فيها بعدم فرض ضرائب جديدة إلا بعد الحصول على موافقة المشايخ كممثلين للشعب.
 ومع تصدي الشعب المصري للحملة الفرنسية ومقاومته لها زادت ثقة المصريين في أنفسهم وإحساسهم بقدرتهم على حماية وطنهم والمشاركة في حكمه، وتجلى ذلك عقب انسحاب الحملة بسنوات قليلة، فكانت ثورة 1805 التي فرض فيها المصريون على السلطان العثماني تعيين محمد علي باشا حاكما على مصر، وطوال القرن التاسع عشر تصاعد الإحساس بمفهوم الوطن في مواجهة الأطماع الأوروبية من ناحية وفي مواجهة السيطرة العثمانية على البلاد من ناحية أخرى، وساعد على نمو هذا الإحساس الانتصار على الحملة الإنجليزية سنة 1807، وظهور مشروع محمد علي لبناء دولة حديثة وما صحبه من بناء جيش حديث حقق في البداية انتصارات متوالية وكان عماده الأساسي من المصريين.
 لقد سقطت الحجة التي طالما أبعد بها المصريون عن المشاركة في السلطة، فبعد قرون طويلة من الحكم الأجنبي، ما بين احتلال سافر أو عناصر أجنبية تدير أمور البلاد وتسيطر على ثرواتها بحجة تحمل أعباء الدفاع عن البلاد، حمل المصريون السلاح، ومن هنا أصبح من حقهم أن يحكموا بلادهم، فالجنود المصريون الذين التحقوا بالجيش منذ عصر محمد علي وصار منهم ضباط في عصور خلفائه هم الذين انخرطوا في صفوف الحركة الوطنية التي تأججت في عصر إسماعيل، ثم قادوا ثورة 1881 التي نسبت إلى قائدها الزعيم أحمد عرابي، الذي قص علينا كيف تطور وعيه السياسي فقال:
 "إني دخلت العسكرية نفرًا بسيطًا في 15 ربيع أول سنة 1271 هجرية، وترقيت بسرعة غريبة جزاء ما بذلت من جهد عنيف حتى نلت رتبة قائمقام الآلاي في 24 صفر الخير سنة 1277 هجرية، وكانت تلك المدة عبارة عن ستة أعوام إلا عشرين يومًا هي أيام سعودي وخلو فكري من الأفكار الدنيوية، فقد كنت فيها عزيزًا مكرمًا عند حضرة محمد سعيد باشا، وكثيرًا ما كان يشركني معه في ترتيب المناورات الحربية، وينيبني عنه في تلقينها إلى أكابر الضباط بحضرته وعلى مسمع منه رحمه الله تعالى.
 ولشدة إعجابه بي أهداني (تاريخ نابليون بونابرت باللغة العربية طبع بيروت) وهو بادي الغيظ على أن تمكن الفرنساويون من التغلب على البلاد المصرية، والتحريض على وجوب حفظ الوطن من طمع الأجانب. ولما طالعت ذلك الكتاب شعرت بحاجة بلادنا إلى حكومة شورية دستورية فكان ذلك سببًا لمطالعتي كثيرًا من التواريخ الغربية".
سعيد باشا
 لقد ظهرت الدعوة لإقامة نظام نيابي تكون الحكومة مسئولة فيه أمام نواب الأمة المنتخبين، وأصبح الدستور مطلبًا عامًا، وصار شعار "مصر للمصريين" هدفا للنضال الوطني، وحول هذا الشعار تحدث أحمد عرابي في مذكراته المنشورة بعنوان "كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية" مؤكدا أن شعوره بالحاجة إلى حكم نيابي يسمح بمشاركة المصريين في إدارة أمور بلادهم قد تأصل لديه عندما سمع خطبة ألقاها سعيد باشا في مأدبة أقامها بقصر النيل للعلماء والرؤساء الروحانيين وأعضاء العائلة الحاكمة قال فيها:
 "أيها الأخوان أني نظرت في أحوال هذا الشعب المصري من حيث التاريخ فوجدته مظلوما مستعبدًا لغيره من أمم الأرض فقد توالت عليه دول ظالمة له كثيرة كالعرب الرعاة والأشوريين والفرس حتى أهل ليبيا والسودان واليونان والرومان، هذا قبل الإسلام وبعده تغلب على هذه البلاد كثير من الدول الفاتحة كالأمويين والعباسيين والفاطميين من العرب، ومن الترك والأكراد والشركس، وكثيرًا ما أغارت فرنسا عليها حتى احتلتها في أوائل هذا القرن في زمن بونابرت، وحيث أني أعتبر نفسي مصريًا؛ فوجب علي أن أربي أبناء هذا الشعب وأهذبه تهذيبًا حتى أجعله صالحًا لأن يخدم بلاده خدمة صحيحة نافعة وليستغنى بنفسه عن الأجانب، وقد وطدت نفسي على إبراز هذا الرأي من الفكر إلى العمل".
 لقد تجمعت أسباب عدة لصياغة مشروع النهضة المصرية في القرن التاسع عشر، ذلك المشروع الذي وصل إلى قمته في الثورة العرابية، فقد تضافرت كتابات رواد النهضة الفكرية وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي مع طموحات محمد علي وخلفائه في الاستقلال عن الدولة العثمانية مع الاستفزاز الذي شكلته الأطماع الأوروبية في مصر، وتواكب ذلك مع ظهور قاعدة من المتعلمين في المدارس العليا التي أنشئت في عصر محمد علي، ومن الضباط الوطنيين، ومن ملاك الأراضي أو الأعيان بلغة ذلك العصر، وأصبح هناك مشروع متكامل لبناء مصر جديدة، وظهر بوضوح مفهوم الأمة الذي يقوم على أساس المواطنة والمساواة بغض النظر عن اختلاف الدين، وكانت اللائحة الوطنية هى التعبير السياسي عن تلك النهضة الجديدة التي عمت البلاد وبلغت ذروتها في أواخر أيام الخديو إسماعيل.
 ففي خلال السنوات الأخيرة من حكم إسماعيل تصاعد الوعي الوطني واستفز التدخل الأوروبي في شئون مصر المشاعر الوطنية، خاصة بعد أن أعد السير ريفرس ويلسون الوزير البريطاني في الحكومة المصرية مشروعًا لإعلان إفلاس مصر، وكان عجز الحكومة عن مواجهة الموقف دافعًا لمجموعة من الوطنيين المصريين لعقد عدة اجتماعات أسفرت عن إصدار "اللائحة الوطنية" التي تعتبر واحدة من أهم الوثائق السياسية في تاريخ مصر الحديث، قد تم تصدير اللائحة الوطنية بإعلان وقع عليه أكثر من أربعين من قادة الرأي في مصر في ذلك الوقت، كان من بينهم بعض رجال الخديو إسماعيل المقربين، الأمر الذي فسره بعض المؤرخين على أنه تأييد من إسماعيل للاتجاه الداعي إلى إرساء قواعد النظام النيابي في مصر كمحاولة أخيرة للتخلص من النفوذ الأجنبي.
 وقد سارع إسماعيل باشا بالفعل إلى قبول اللائحة الوطنية وتكليف شريف باشا بتشكيل الوزارة الوطنية في إبريل 1879، الأمر الذي لم تحتمله الدول الأوروبية خاصة بريطانيا وفرنسا فسعت لدى السلطان العثماني للإطاحة بإسماعيل وتعيين ابنه توفيق محله.

توفيق                        إسماعيل
 لقد كانت مصر في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن التاسع عشر من 1876 إلى 1882 بلدًا يموج بالحركة والفوران، الحركة الوطنية الساعية إلى تحقيق نظام نيابي دستوري وإنهاء التدخل الأجنبي تصل إلى أوجها، الحاكم الشرعي للبلاد يعزل من منصبه بضغوط أوروبية، والمؤامرات الدولية تحاك من أجل السيطرة على مصر. في هذه الظروف دفعت تطورات الصراع السياسي في مصر بالضابط أحمد عرابي الحسيني الذي كان في الأربعين من عمره إلى صدارة الأحداث ليصبح زعيمًا للثورة وزعيمًا للحزب الوطني الذي كان يناهض سيطرة الجراكسة والتدخل الأجنبي والتبعية للعثمانيين، بل ليصبح زعيمًا للأمة كلها.
 
 لقد اصطدمت الثورة العرابية بالأطماع الأوروبية التي كانت أقوى من قدرات العرابيين على مواجهتها فانتهى الأمر إلى الهزيمة المريرة في موقعه التل الكبير، لقد بدأ الصدام بين عرابي والخديوي توفيق في أوائل عام 1881 عندما تم استدعاء أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي إلى مقر ديوان الجهادية بقصر النيل بدعوى الإعداد لزفاف إحدى الأميرات، وكان السبب الحقيقي للاستدعاء هو أن رياض باشا رئيس مجلس النظار كان قد أصدر أمرًا باعتقال عرابي وزميليه وتقديمهم لمجلس عسكري عاجل تم تشكيله يوم 30 يناير سنة 1881، وكانت النية مبيته لإصدار حكم بتجريدهم من رتبهم ونياشينهم ردًا على المذكرة التي رفعها عرابي إلى رياض باشا وطالب فيها بعزل عثمان رفقي ناظر الجهادية بسبب تعصبه للجراكسة واضطهاده للضباط المصريين. والطريف في الأمر، أن زوجة رياض باشا رئيس النظار ـ وكانت مصرية ـ فضحت المؤامرة وكشفتها للعرابيين فتأهبوا لمواجهة الموقف.
 
 وعندما تأكد لضباط كتيبة الحرس الخديوي والتي كانت تسمى الآلاي الأول أن أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي رهن الاعتقال، وأن المجلس العسكري منعقد لمحاكمتهم، قام البكباشي محمد عبيد أحد ضباط الآلاي بتحريض جنوده للزحف على قصر النيل لإطلاق سراح عرابي ورفيقيه. ولم تجد جهود قائمقام الآلاي خورشيد بك ولا تهديدات الفريق راشد باشا حسني ياور الخديوي في إثناء محمد عبيد عما عقد العزم عليه، بل إن محمد عبيد رفض استدعاء الخديوي له، وخرج محمد عبيد من قشلاق عابدين على رأس جنود الآلاي الأول متوجها إلى قصر النيل، وحاصر مبنى ديوان الجهادية، ثم أقتحم الأبواب الأمر الذي أدى إلى توقف اجتماع المجلس العسكري المنعقد لمحاكمة عرابي وزميليه، وقد سجل محضر اجتماع المجلس تلك الواقعة بالصورة التالية:    
 "وانقطع انعقاد الجلسة بسبب عصيان حربي من الفرقة الأولى من المشاة وأحدثت فصيلة من الضباط والعساكر ضجة في الوزارة أوقفت كل الأعمال..."
 

محمد عبيد
 وهكذا نجح محمد عبيد في تحرير عرابي ورفيقيه، فكانت هذه هي بداية وقائع الثورة العرابية، وتم عزل عثمان رفقي باشا وتعيين محمود سامي البارودي المعروف بميوله الوطنية ناظرًا للجهادية بدلًا منه، وكان هذا أول انتصار للثورة.
محمود سامي البارودي
 وفي الشهور القليلة التالية تصاعدت الأحداث بسرعة، وتبنى الضباط مطالب الأمة ولم يعد موقفهم قاصرًا على مطالبهم الفئوية داخل الجيش، ونظارة الجهادية. وفي المقابل حاول الخديوي توفيق وحكومته إرضاء الضباط بقدر الإمكان، فقدموا لهم تنازلًا تلو تنازل فيما يتعلق بتنظيم الجيش وأموره.
ويحدد عرابي باشا في مذكراته التي دونها بعد عودته من المنفى المطالب العامة التي تبناها في تلك الأشهر من عام 1881، فيقول:
 "إننا لا نريد إلا الإصلاح وإقامة العدل على قاعدة الحرية والإخاء والمساواة، وذلك لا يتم إلا بإنشاء مجلس النواب وإيجاده فعلًا..."
 وعندما أدرك الخديوي أن مطالب العرابيين تجاوزت حدود إصلاح أمور الجيش إلى المطالبة مع كل الوطنيين المصريين بإصلاح أمور الوطن، بدأ يخطط لإجهاض الحركة العرابية، فانتبه عرابي وزملاؤه إلى مؤامرات الخديوي، وعقدوا العزم على أخذ زمام المبادرة، فكانت مظاهرة عابدين يوم 9 سبتمبر سنة 1881 والتي تحرك فيه عرابي على رأس كل فرق الجيش المرابطة بالقاهرة ليرفعوا مطالب الأمة إلى الخديوي.
 
 وقد تركزت هذه المطالب في إسقاط الوزارة، وتأليف المجلس النيابي، وزيادة عدد الجيش، وعندما فشل الخديوي في منع المظاهرة أضطر مرغما إلى قبول كافة المطالب الوطنية.
 
 ورغم نجاح الثورة العرابية في تلك المرحلة إلا أن مؤامرات الخديوي وأعوانه من ناحية، ومؤامرات الدول الأوروبية من ناحية أخرى، لم تتوقف على الإطلاق للقضاء على تلك النهضة الوطنية.
 وبدأت تقارير الأمن في مصر تشير إلى نية العرابيين في عزل الخديوي وإعلان الجمهورية، ومما ورد في هذه التقارير نقتطف الفقرة التالية:
 "الإشاعات العمومية مقتضاها أن عزل الخديوي متفق عليه، وإنه في هذا الأسبوع يصدر قرار نواب الأمة المصرية بذلك، ولقد ذهب بعض الناس إلى أنه بعد عزل الخديوي ستطلب الأهالي تنصيب حكومة جمهورية ويكون رئيسها سعادة أحمد باشا عرابي، وقال بعض الناس أن مساعي الباب العالي ستكون في تنصيب عباس بك نجل الخديوي مع تعيين قايمقام لينوب عنه في الوزارة، والبعض قال أن الدول متحدة في إعادة الخديوي السابق ماعدا فرنسا، وآخر قال أن البرنس حليم هو الذي سيتعين للخديوية المصرية..."
 لقد دفعت هذه الشائعات توفيق إلى إلقاء كل أوراقه في أيدي القوى الأوروبية، فتآمر مع الإنجليز على غزو مصر لتثبيته على كرسي الحكم والقضاء على العرابيين.
 وفي صيف سنة 1882 بدأ تنفيذ الخطة البريطانية لاحتلال مصر، بعد أن زالت آخر العقبات أمامها وهى المعارضة الفرنسية، وكان ثمن سكوت فرنسا على احتلال بريطانيا لمصر تغاضي إنجلترا في المقابل عن الاحتلال الفرنسي لتونس.
 وفي يوليو 1882 ضربت السفن البريطانية الإسكندرية وتمكنت من احتلال المدينة التي كان الخديوي يقيم بها في ساعات قليلة، وكان الموقف حرجًا على كل المستويات فانسحب الجيش المصري من المدينة وأعاد بناء تحصيناته المتبقية عند كفر الدوار.
أما الموقف المالي للعرابيين فقد كان شديد الحرج ويقول عرابي في مذكراته:
 "لم يكن في خزينة الحكومة مال ما، لأن السير كلفن المراقب المالي الإنجليزي أخذ الأموال الموجودة في خزانة المالية وأنزلها بالأسطول الإنجليزي قبل إعلان الحرب بأيام، وكذلك الأموال الموجودة بصندوق الدين حملها أعضاء القومسيون إلى السفن الحربية بالإسكندرية... فكان علي أن أسعى لتدبير الأموال اللازمة لمواجهة أعباء المعركة فأصدرت قرارا بجمع مبلغ عشرة قروش عن كل فدان زراعي على أن تخصم من ضرائب الأطيان، كما دعوت القادرين إلى التبرع..."
 وقد كانت الاستجابة رائعة لدعوة عرابي فيذكر جون نينيه رئيس الجالية السويسرية في مصر في كتابه عن عرابي أنه:
 "في كل يوم كانت ترد إلى معسكر الجيش في كفر الدوار إعانات الأهلين من النقود والقمح والشعير والحبوب والسمن والخضر والفاكهة والخيول والمواشي وقد أبدى أعيان الوجه البحري والوجه القبلي أريحية كبيرة في التبرع للجيش وفي مقدمتهم أحمد بك المنشاوي زعيم طنطا الوطني...."
 ويذكر عرابي في مذكراته:
 "إن موسى بك مزار تبرع بألف وثلاثمائة ثوب بفتة وثلاثين عجل بقر...وإن بعض الأهالي تبرع بنصف ما يمتلك من الغلال والمواشي وإن منهم من خرج عن جميع ما يمتلكه ومن قدم أولاده للدفاع عن الوطن العزيز لعدم قدرته على القتال بنفسه...."
 وقد كانت الاستجابة رائعة لدعوة عرابي من كافة فئات الأمة كما تكشف مذكرات عرابي عن الدور المهم الذي لعبته نساء مصر في المعركة وفي مقدمتهم سيدات أسرة محمد علي... "فقد تبرعت الوالدة باشا أم الخديوي المعزول إسماعيل بجميع خيول عرباتها، واقتدت بها سيدات العائلة الخديوية وكثير من زوجات الباشاوات كحرم خيري باشا رئيس الديوان الخديوي وحرم رياض باشا رئيس النظار السابق، وكثير من الذوات والسيدات اللاتي قدمن الأقمصة والأربطة اللازمة للجرحى..."
 وكان تكاتف الأمة بكل طبقاتها وفئاتها باستثناء حفنة قليلة من أتباع الخديوي والمتواطئين مع الإنجليز، وراء صمود الجيش المصري في مواجهة الإنجليز في الجبهة الشمالية الغربية، ونجحت التحصينات المصرية في صد تقدم الجيش البريطاني عند كفر الدوار، فلجأ إلى الالتفاف من الشرق من قناة السويس، وكان فرديناند دليسبس رئيس شركة قناة السويس قد وعد عرابي بأنه لن يسمح للسفن البريطانية بالمرور عبر القناة، لكنه لم يفي بوعده بالطبع، فكانت موقعة التل الكبير التي انتهت بهزيمة الجيش المصري في 13 سبتمبر، وشهدت معركة التل الكبير خيانة بعض الضبط لعرابي، فنجح الجنرال ولسلي في هزيمته، وردد المصريون مقولتهم الشهيرة:
 "الولس هزم عرابي"
 والولس هو ولسلي لكنه في ذات الوقت الولس بمعنى الخيانة.
 
 وفي يوم 14 سبتمبر دخل الإنجليز القاهرة ونجحوا فيما فشلوا فيه عام 1807، ليدوم وجودهم العسكري في البلاد 74 سنة.
 
 فما المحصلة النهائية للثورة؟
 لقد اصطدمت الثورة العرابية بالأطماع الأوروبية التي كانت أقوى من قدرات عرابي على مواجهته فانتهى الأمر إلى الهزيمة المريرة، وبغض النظر عن نتيجة معركة التل الكبير وما أعقبها من احتلال أجنبي دام أكثر من سبعين عاما، فقد كان عرابي زعيمًا ساقته الأقدار لمواجهة قوى عاتية، والتفت حوله قلوب الأمة وتصدى بشجاعة لقيادتها في ظروف صعبة، وستظل له مكانته في وجدان المصريين وسيبقى له شرف المحاولة والسعي لإنجاز مشروع النهضة الوطنية في مصر في القرن التاسع عشر.    
عرابي في سنواته الأخيرة بعد عودته من المنفى

الجمعة، 5 سبتمبر 2014


 
إيمحوتب: الرجل الذي أبتكر البناء بالأحجار

عماد أبو غازي
 نعود اليوم إلى مدينة أونو  في الألف الثالثة قبل الميلاد لنتعرف على واحد من بناة الحضارة المصرية العريقة، في هذه المدينة نشأ البناء العظيم إيمحوتب وتعلم الحكمة في معابد مدينة الشمس، وصار رئيسًا للكهنة وكبيرًا للعرافين المستبصرين في عاصمة العلوم بالعالم القديم، ومدينة أونو أو عين شمس ـ كما نعرفها اليوم ـ واحدة من أقدم المدن المصرية التي شيدت بالقرب من موضع التقاء الوادي بالدلتا، وفي تلك المدينة العريقة نشأت أهم المعتقدات الدينية المصرية القديمة وظهرت عبادة الشمس وأساطير خلق الكون عند المصريين القدماء، حقق كهنة عين شمس نبوغًا مبكرًا في علوم الفلك والرياضيات والطب إلى جانب ما حققوه من إنجاز في مجال العقائد الدينية، وكانت أونو أو عين شمس بما حققته من سبق حضاري عاصمة للعلوم والفنون في العالم القديم، الأمر الذي جعل منها قبلة ومقصدًا لطلاب العلم والمعرفة من مختلف أرجاء الدنيا لقرون طويلة.

إيمحوتب
 كان إيمحوتب كبيرًا لكهنة عين شمس في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، في عصر جسر ثاني ملوك الأسرة الثالثة، لقد حكمت الأسرة الثالثة مصر ما بين سنتي 2635 و2561 قبل الميلاد، ويعتبر عصر هذه الأسرة بداية للفترة التي تعرف بالدولة القديمة في التاريخ المصري، وقد انتقل الحكم من الأسرة الثانية إلى الأسرة الثالثة انتقالًا سلميًا، ويعتقد علماء المصريات أنه كانت هناك روابط عائلية تجمع ما بين ملوك الأسرتين، وكانت مدينة منف ـ بمحافظة الجيزة الحالية ـ هي مقر الحكم في عصر تلك الأسرة التي تحققت على يديها تطورات مهمة في مسيرة الحضارة المصرية، فخلال ذلك العصر تحددت حدود مصر الشرقية والجنوبية بشكل واضح، فأصبحت شبه جزيرة سيناء جزءًا لا يتجزأ من البلاد، كما صارت النوبة كذلك حدًا جنوبيًا لمصر، وخلال ذلك العصر تطور الفن الحربي في مصر بشكل واضح، كما تطورت الإدارة الحكومية وجهاز جباية الضرائب في البلاد، وعرفت البلاد انتقالًا حضاريًا مهمًا عندما حل استخدام الأحجار في البناء محل الطين والآجر والأخشاب، أو احتل مكانًا بارزًا إلى جانب تلك المواد، وقد حدث هذا التطور في عصر ثاني ملوك الأسرة الثالثة جسر المعروف لدينا باسم زوسر صاحب الهرم المدرج بسقارة؛ وقد تحقق هذا الإنجاز الحضاري على يد المعماري والوزير إيمحوتب في أواخر القرن السابع والعشرين قبل الميلاد.

الملك جسر (زوسر)
 لقد كان إيمحوتب مهندسًا معماريًا بارعًا أختاره الملك جسر للإشراف على بناء مجموعته الجنائزية الضخمة في سقارة، وتتكون هذه المجموعة من مقبرة ملكية على شكل سلسلة من الأنفاق الضخمة تحت الأرض، تضم عدة ممرات وقاعات متشابكة، يعلوها جميعا هرم من ست درجات، إنه هذا الهرم الذي كان لا يزال شامخًا إلى وقت قريب ويتعرض الآن حسب التقارير الصحفية المنشورة في الأيام القليلة الماضية لتهديدات خطيرة، ونعرفه باسم هرم سقارة المدرج أو هرم زوسر ويبلغ ارتفاعه ستين مترًا، ويحيط بالهرم والمقبرة مجموعة من المعابد يحيط بها جميعًا حرم يحده سور يبلغ محيطه 1600 متر، وتعتبر هذه المجموعة الجنائزية التي أبدعها وأشرف علي تنفيذها إيمحوتب طفرة في العمارة المصرية القديمة بكل المعايير، بل طفرة في فنون المعمار على وجه الأرض.

 
فما قيمة هذه المجموعة الجنائزية؟
 تكتسب هذه المجموعة الجنائزية قيمتها الأساسية من إنها أول مباني معروفة لنا شيدت باستخدام الأحجار في مصر بل وربما في العالم كله، فقد كانت المواد الأساسية المستخدمة في البناء قبل ذلك هي الطوب اللبن المصنوع من طمي النيل والبوص الذي كان ينمو بشكل طبيعي على ضفاف النيل وفي مستنقعات شمال الدلتا أو جذوع النخيل وجذوع الأشجار، وكلها مباني كان من الصعب أن تعيش طويلًا، فجاء الإنجاز المعماري لإيمحوتب في هذه الفترة المبكرة ليحقق الخلود للحضارة المصرية القديمة كذلك فهذه المجموعة الجنائزية التي أختار لها إيمحوتب منطقة مرتفعة عند سقارة تطل على مدينة منف بالقرب من مدافن ملوك الأسرتين الأولى والثانية شكلت تطورًا في الشكل المعماري للمقبرة، فقد طور إيموحتب المصطبة التي كانت تعلو مقابر الملوك في الأسرتين الأولى والثانية إلى شكل المصاطب الستة المدرجة التي تأخذ الشكل الهرمي، وكانت هذه هي البداية لمرحلة جديدة في تشييد المقابر أخذت بعدها مقابر ملوك الدولة القديمة والوسطى شكل الأهرام المعروفة وأكبرها بالطبع هرم خوفو بالجيزة.

 وقد حفظت الأجيال المتعاقبة من المصريين لإيمحوتب فضل ريادته في فن المعمار وفي الطب كذلك؛ فقدسوه ورفعوه إلى مصاف الآلهة، حيث جعلوا له نسبًا إلهيًا واعتبروه ابنًا للإله بتاح رب كل الصناعات والفنون، وكان ذلك في زمن الأسرة السادسة والعشرين، أي بعد مرور ما يقرب من ألفي سنه على رحيل إيمحوتب، وقد شيدت للرجل المقاصير في أرجاء البلاد، خاصة في واست ـ الأقصر الحالية ـ وكان الناس يتبركون بزيارة تلك المقاصير ويلتمسون فيها الشفاء من أمراضهم، وتشير الدراسات إلى أن الإغريق قد اعتبروا إيمحوتب إلهًا للطب وشبهوه بأسكليبو  إله الطب عندهم.

 وتشير كثير من الدراسات حول إيمحوتب إلى أنه نبغ في الطب مثلما نبغ في الهندسة والمعمار، وهذا أمر طبيعي فقد كانت ممارسة الطب من اختصاص الكهنة في العصور القديمة، ومن الغريب أن تأثير إيمحوتب على الأجيال التالية لم يقف عند حد تقديسه والتبرك بزيارة مقاصيره، بل وصل الأمر إلى حد أن المصريين ظلوا  لعصور طويلة تالية ينسبون تصميم معابدهم وتشييدها إلى أيمحوتب بعد وفاته بقرون طويلة، فاختلطت بذلك الأسطورة بالحقيقة في سيرة إيمحوتب وفي تصورات المصريين عنه.
 وفي عصر البطالمة دونت قصة المجاعة التي اكتشفت إلى الجنوب من أسوان، والتي نسبت وقائعها إلى عصر الملك جسر، وأشير فيها إلى أيمحوتب باعتباره مصدرًا للنبؤة التي تتحدث عن نهاية القحط وجاء فيها:

 "السنة الثامنة عشر من عهد ملك الوجه القبلي والوجه البحري حور الذهبي جسر، إن هذا المرسوم الملكي لأجل أن تكون على علم بأنني كنت في حزن على عرشي العظيم، وإن أولئك الذين كانوا في قصري كانوا في أسى وقلبي كان في غم شديد، لأن الفيضان لم يأت في ميقاته مدة سبع سنوات، فكانت الغلة قليلة، إذ قد يبست الحبوب، وكل ما كان يؤكل كانت كميته قليلة، وكل إنسان كان مصابًا في دخله، وأصبح الفرد غير قادر على المشي، وكان الطفل يبكي، والشاب أصابه الوهن، وقلوب المسنين في حزن، فكانت أرجلهم مطوية قعودًا على الأرض، حتى رجال البلاط كانوا في حاجة، وكانت المعابد موصدة والمحاريب يخيم عليها التراب، وكان جميع ما هو كائن في حزن... لذلك حبب إلي أن أعود إلى الماضي، فسألت رجلًا من موظفي الإله تحوت وهو رئيس الكهنة المرتلين إيمحوتب بن بتاح، في أي مكان ولد النيل؟ وأي إله يسكن هناك ليساعدني؟ فقال: سأذهب إلى محراب الإله تحوت، وسأدخل قاعة السجلات، وسأتصفح الكتب القديمة، وسأسير على هديها، وعلى ذلك ذهب ثم عاد نحوي في لحظة، وأعلمني بفيضان النيل، وقد صرح لي بما يأتي: توجد مدينة في وسط الماء، والنيل يحيط بها واسمها إلفنتين، وهى بداية البداية، وهى مرتفع أرضي ومرتفع سماوي، إنها عرش رع عندما يقرر إرسال الحياة لكل إنسان، وحلاوة الحياة هو أسم مائها، أنها قاعة الولادة حيث يولد النيل، وإن النيل سوف يعود إلى شبابه في ميقاته ويمنح البلاد قاطبة الخصب والحياة."
دي مقدمة كتابي الجديد عن ثورة 35 المفروض يصدر عن هيئة قصور الثقافة في سلسلة "حكاية مصر"، الكتاب خلصته سنة 2010 ورجعت عملت له مقدمة وإهداء جديد...
حكاية ثورة الشباب 1935

عماد أبو غازي

إهداء جديد
إلى

زياد بكير ومريم نظمي وأحمد بسيوني وكريم بنونة وسيف الله مصطفى ومحمد عماد حسين و سالي زهران ومينا دانيال وأحمد صلاح

إلى كل شهداء ثورة 25 يناير ومن انضم إليهم من شهداء ماسبيرو وشهداء محمد محمود ومجلس الوزراء
 إلى شهداء الألتراس في بورسعيد
إلى جابر جيكا والحسيني أبو ضيف وكريستي والجندي وميادة
إلى أحمد حرارة ورفاقه الذين فقدوا أبصارهم من أجل أن تبصر مصر
إلى ماهينور المصري وأحمد دومة وماهر وعادل وعلاء عبد الفتاح ويارا سلام وسناء سيف ونوبي وعمر حاذق وزملائهم من شباب الثورة الذين أصبحوا ضحايا قانون التظاهر

إلى أصحاب ثورة جيل يغير وجه مصر
لقد كتبتم بدمائكم ونور عيونكم تاريخًا جديدًا لهذه الأمة وفتحتم الباب من أجل تحقيق حلمنا الذي لم ندركه
ستظل أسماؤكم محفورة في ذاكرة الوطن

بعد الثورة وقبل المقدمة

  انتهيت من هذه الكتاب حول انتفاضة نوفمبر 1935، التي عرفت باسم "ثورة الشباب" في الأسابيع الأخيرة من عام 2010، وقد جمعت في الكتاب سلسلة من المقالات نشرتها في الإصدار الثاني من الدستور الأسبوعي قبلها بعامين وأعدت صياغتها في شكل كتاب، وكنت أنوي إصداره بمناسبة مرور خمسة وسبعين سنة على قيام هذه الثورة التي تعد مرحلة مهمة من مراحل النضال الوطني الديمقراطي في مصر، وحلقة من حلقات الحركة الطلابية المصرية.
 تأخرت قليلًا في مراجعة النص فقامت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 لتفتح صفحة جديدة في تاريخ مصر، صفحة خطها شباب العقد الأول من الألفية الثالثة بدمائهم ونور عيونهم وحريتهم، مثلما خط الأسلاف من شباب ثلاثينيات القرن العشرين ثورتهم بالدماء من أجل الاستقلال والدستور.
 وحال تتابع الأحداث دون أن أنتهي من هذا النص، وها أنا أنتهي منه بعد أكثر من ثلاث سنوات على تفجر ثورة يناير جرت فيها مياه كثيرة في النهر، تبدلت المواقف، وما زالت أهداف الثورة في العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بعيدة لم تتحقق، بل إننا تراجعنا إلى الوراء في كثير من القضايا، ارتفع صوت الثورة المضادة، وأصبح شباب الثورة ضيوفًا للسجون بقوانين مخالفة للدستور، وعندما فشلت محاولات تدجين الشباب الثائر، تعالت الأصوات التي تحاول أن تسلب الثورة من الجيل الذي قام بها مرات باتهامات ضالة توجه لهم، تصل إلى حد إدانة الثورة واعتبارها جزءًا من مؤامرة كونية، وفي أحسن الأحوال بالزعم بأن الثورات لا يمكن أن تنسب إلى جيل دون غيره، والادعاء بأن وصف الثورة بأنها ثورة الشباب تجاوز للواقع وللتاريخ، متناسين أن في تاريخنا ثورة أجمع من وصفها على أنها ثورة للشباب كانت استكمالًا للثورة المصرية في سنة 1919، أعني ثورة الشباب في عام 1935، ومغمضين أعينهم عن أن العالم شهد في عام 1968 حراكًا كان بكل المعايير ثورة للشباب في العالم غيرت القيم والمفاهيم التي سادت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفتحت الأبواب أمام عصر جديد. لقد كانت الانتفاضة الطلابية في 1935 ثورة للشباب، مثلما كان ما حدث في يناير 2011 ثورة للشباب. خرجت ثورة الشباب في 35 جيلًا من قادة العمل السياسي استمر بعضهم ممارسًا وفاعلًا حتى ثمانينيات القرن الماضي، وبالمثل سيكون الجيل الذي قاد ثورة يناير 2011 محركًا لمستقبل البلاد للسنوات القادمة مهما حاولت "دولة العواجيز" أن تحول بينه وبين قيادة مقدرات هذا البلد.

 
إهداء أول

إلى

الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي شهيد العلم

أهدي هذا الكتاب 

 
الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي

مقدمة
نوفمبر 1935 ـ  نوفمبر 2010
اليوبيل الماسي لثورة الشباب

  في تاريخ الوطن صفحات مضيئة خطها بدمائهم أبطال منسيون، وأيام ينبغي أن نحفظها في ذاكرة التاريخ، ومحمد عبد الحكم الجراحي واحد من هؤلاء الأبطال، ويوم 14 نوفمبر يوم من هذه الأيام.
 ففي هذا اليوم من عام 2010 مرت الذكرى الخامسة والسبعون لثورة الشباب، تلك الثورة التي فجرها شباب مصر عام 1935 في مواجهة استبداد الملك فؤاد وحكوماته التي ألغت الدستور وأهدرت الديمقراطية.
 تلك الثورة التي سقط فيها عدد من الشهداء من قادة الحركة الطلابية المصرية ومن العمال والمواطنين وتوجت نضالًا شعبيًا استمر لسنوات، وكللت بالنجاح برضوخ فؤاد وعودة دستور 1923 بعد غياب دام أكثر من خمس سنوات. كان أشهر هؤلاء الشهداء الذين غيروا تاريخ مصر بدمائهم عبد الحكم الجراحي شهيد العلم، الذي أصيب بالرصاص في مظاهرة 14 نوفمبر واستمر يصارع الموت خمسة أيام.
 كان محمد عبد الحكم الجراحي يومها شابًا في العشرين من عمره، كان طالبًا في كلية الآداب بالجامعة المصرية، "وسيم الطلعة، يلتمع الذكاء من عينيه، محبوبًا من زملائه، دمث الأخلاق"، كما تصفه المصادر المعاصرة.
 تفتح إدراك عبد الحكم الجراحي على الحياة ومصر تعيش ثورتها الكبرى سنة 1919، التحق بالجامعة المصرية والبلاد في ظلال أسوأ الانقلابات الدستورية التي عرفتها. ففي سنة 1930 تولى إسماعيل صدقي باشا الحكم، وألغى دستور 1923، ووضع دستورًا جديدًا للبلاد عرف بدستور 1930، رسخ فيه سلطات الملك على حساب سلطات الأمة ممثلة في مجلسها النيابي، وعصف بكل المكاسب التي حققها الشعب المصري طوال نضاله منذ سنة 1795، وتوجها في ثورة 1919.
 استمر صدقي في الحكم ثلاث سنوات اشتدت فيه المعارضة وتصاعدت، فاستقال صدقي بإيعاز من الملك في سبتمبر 1933، ولم يؤد سقوط صدقي إلى انتهاء الانقلاب الدستوري، بل استمرت نفس السياسة المعادية للدستور وللشعب، على يد حكومة حزب "الشعب" برئاسة الرئيس الجديد للحزب وللحكومة عبد الفتاح يحيي، واستمر دستور 1930 الذي سلب من الشعب حقوقه.
وفي خريف 1934 كلف الملك فؤاد توفيق نسيم باشا بتشكيل الوزارة في محاولة، كما أصدر مرسوما ملكيًا بإلغاء دستور 30 المرفوض شعبيًا، إلا أنه لم يُعد العمل بدستور 1923.
 وفي سنة 1935 كانت الأمة تموج بالغضب على الأوضاع، فالاحتلال البريطاني مستمر، والدستور المعبر عن إرادة الأمة معطل، والأحزاب السياسية منقسمة على نفسها، لكن في نوفمبر من هذا العام انفجرت ثورة الشباب، وبدأت الثورة من الجامعة والمدارس الثانوية في يوم 13 نوفمبر سنة 1935، وفي اليوم التالي تفجر الموقف في الجامعة فخرجت المظاهرات إلى ميدان الجيزة ثم اجتازت كوبري عباس، وفي الروضة تصدت قوات شرطة القاهرة التي كان يقودها ضباط وكونستبلات إنجليز للمتظاهرين وأطلقت الرصاص عليهم، وأصيب محمد عبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة برصاصة في صدره فكان أول الشهداء يوم 14 نوفمبر، وكان حامل العلم في هذه المظاهرة الطالب محمد عبد الحكم الجراحي الذي ظل يتقدم رافعًا علم مصر رغم تحذيرات قوات الأمن، فأصابته ثلاث رصاصات في بطنه نقل على أثرها إلى مستشفى قصر العيني، وهناك ظل الجراحي يقاوم الموت، وبعد خمسة أيام صدرت الصحف يوم 20 نوفمبر تحمل نبأ وفاته، وكان لوفاة الجراحي أعمق الأثر في وجدان المصريين، وصار رمزا للنضال الوطني لطلاب الجامعة المصرية.
 ولم تذهب دماء الجراحي ورفاقه سدى فقد امتد الاحتجاج والثورة إلى كل هيئات الأمة وطوائفها، وتصاعدت المظاهرات، ونجحت ثورة الشباب سنة 1935 في دفع قادة الأحزاب إلى تشكيل الجبهة الوطنية، وفي يوم الخميس 12 ديسمبر 1935 تقدمت حكومة توفيق نسيم باستقالتها، وأصدر الملك أمرًا ملكيًا بعودة الدستور، وانتصر الشعب.

*****
  كانت معرفتي الأولى بثورة الشباب من خلال جدتي لأبي التي كانت تسكن في حي منيل الروضة منذ عام 1930، فأذكر أنها حكت لي وأنا طفل صغير في أواخر الخمسينيات قبل أن ألتحق بالمدرسة، عن مظاهرات الطلبة سنة 1935، وكيف لجأ مجموعة من المتظاهرين إلى العمارة التي كانت تسكن فيها هربًا من ملاحقة البوليس لهم وعنفه في مواجهتهم، فدعتهم للدخول في شقتها للاحتماء بها من البوليس، فدخل مجموعة منهم، بينما رفض آخرون الدخول وفضلوا اللجوء إلى سطح المنزل، فلم يكن في الشقة غير جدتي وبناتها طالبات الابتدائي، فقُبض على من صعدوا للسطح، لأن الجار الذي رفض دخولهم شقته أرشد عنهم، بينما طلبت هي من الشبان الذين احتموا بها أن يجلسوا كأنهم من أهل المنزل والأقارب ويتعاملوا بشكل طبيعي، وتصدت لمأمور قسم مصر القديمة الذي حاول دخول الشقة للتأكد من هوية الطلاب، ومنعته من الدخول دون إذن من النيابة، ثم نزلت بعد ذلك إلى الشارع لتضمن أن أبي الذي كان طالبًا بمدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية بشارع نوبار سيمر من الحواجز الأمنية التي أقامها البوليس في شارع المنيل.
 بالنسبة لأبناء جيلي كنا نعرف أحداث ثورة الشباب ونسمع عن الجراحي ورافقه من حكايات الآباء والأمهات والجدود والجدات الذين عاصروا الحدث، كما كنا نعرف هذه الأحداث من الأعمال الأدبية التي عبرت عن تلك اللحظة التاريخية وجسدتها، خاصة من روايتي "القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ و"الشوارع الخلفية" لعبد الرحمن الشرقاوي، بالنسبة لي شاهدت العملين كفيلم سينمائي ومسرحية قبل أن أقرائهما كنصوص روائية؛ فالرواية الأولى تحولت في الستينات لفيلم من إخراج المبدع صلاح أبو سيف، أما الرواية الثانية فقد تحولت إلى عمل مسرحي من إخراج سعد أردش في الستينيات أيضًا، ثم قدمها بعد ذلك في السينما المخرج كمال عطية، ومؤخرًا كمسلسل تلفزيوني من إخراج جمال عبد الحميد عرض عام 2011.
 عندما التحقت بالجامعة سنة 1972 كان أحد المدرجين الرئيسيين بكلية الآداب (مدرج 74) يحمل اسم الشهيد عبد الحكم الجراحي، ولم يعد كذلك الآن! وجددت التعرف على الشهيد عبد الحكم الجراحي من خلال الشعر، عندما استمعت في ندوة من الندوات التي كانت تنظمها أسرة مصر بالكلية إلى قصيدة الشاعر زين العابدين فؤاد، الذين كان يكبرنا بأعوام قليلة، وكان أحد قادة الحركة الطلابية في 68، يقول زين في قصيدته "عبد الحكم رفع العلم"، مخاطبًا الشهيد عبد الحكم الجراحي:

باكتب لك
لجل امسح عن قلبي
عار الخوف والرجفة
أمسح عن رجلي ذل الوقفة
باكتب لك
لاجل أهرب م الموت جوايا
ترفع إيدك بالراية
تمسح إيدك علي جدري، وتورُقني
تمسح إيدك علي قلبي
في بحور الدم تغرقني
باكتب لك
إطلع، إطلع، من جلد الموت
من برج النسيان الأسود
إزعق بالصوت
يطلع كرابيج بتمزقني
داسوا بجزمهم علي وشّي
ولاصرختش
وقفوا في وشك
ردّيت
رفعوا بنادقهم علي صدرك
عدّيت، مدّيت
ضربوا، مزقت جروحك وكتبت
وأنا في الأوضة الضلمة باكتب لك
علشان أهرب حتي من نفسي

.......
ما انتش أول واحد
ولا آخر واحد
يا حبيبي يا حباية عنقود شهدا
باكتب لك، وباحس بروحي بتتاخد
وانا في الأوضة
مش تحت الشمس علي الكوبري
مش وسط الظابط والعسكر
انا في الأوضة
بانهج، باجري
إرفع علمك
أنا مش قادر أمسك قلمي
إرفع علمك
ما انتش أول واحد
ولا آخر واحد
يرفع علمي..
 مرة أخرى التقيت بشباب 35 في صيف عام 1975، عندما أمضيت الجزء الأكبر من الإجازة الصيفية في قاعة الدوريات بدار الكتب، منقبًا في صحف عام 1935 حيث كنا نعد في جماعة التاريخ المصري في كلية الآداب للاحتفال بالذكرى الأربعين لمظاهرات نوفمبر 35، وطالعت بعدها كتابًا للمؤرخ ضياء الدين الريس بعنوان "الدستور والاستقلال والثورة الوطنية"، صدر الجزء الأول منه عام 1975، وصدر الجزء الثاني في العام التالي، والغريب أنني لم ألتفت وقتها للقصة التي تشكل الفصل الأخير من الكتاب، والذي يكشف فيه المؤلف عن دوره في توحيد الطلاب أثناء أحداث ثورة الشباب سنة 1935، ورغم استعانتي بهذا المرجع المهم مرات ومرات ظللت أجهل سر الرجل الذي وحد الأمة إلى أن بدأت في إعداد هذه السلسلة من المقالات، التي أقدمها اليوم كتابًا بين أيديكم، أتمنى أن يلقي ضوء على صفحة من صفحات نضالنا الوطني.
 ورغم أن هذا الكتاب يتحدث عن ثورة الشباب سنة 1935، إلا أن فهم ما حدث في شهري نوفمبر وديسمبر من ذلك العام يتطلب منا عودة إلى الوراء، إلى صيف عام 1930 عندما بدء الانقلاب الدستوري الذي استمر لما يجاوز السنوات الخمس، لنعرف كيف بدأت الأزمة؟ وكيف تطورت؟ إلى أن تفجرت ثورة الشباب... لنبدأ الحكاية من البداية.

*****

الدولة الواحدة ... الحل الوحيد

  الدولة الواحدة ... الحل الوحيد تقديم لكتاب حل الدولة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة عماد أبو غازي   عندما طُلب مني تقديم هذا الكتاب...